عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 05-19-2012, 07:31 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

اجتماع التّعزير مع الحدّ أو القصاص أو الكفّارة :
9 - قد يجتمع التّعزير مع الحدّ ، فالحنفيّة لا يرون تغريب الزّاني غير المحصن من حدّ الزّنى . فعندهم أنّ حدّه مائة جلدة لا غير ، ولكنّهم يجيزون تغريبه بعد الجلد ، وذلك على وجه التّعزير . ويجوز تعزير شارب الخمر بالقول ، بعد إقامة حدّ الشّرب عليه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بتبكيت شارب الخمر بعد الضّرب » . والتّبكيت تعزير بالقول ، وممّن قال بذلك : الحنفيّة ، والمالكيّة .
وقال المالكيّة : إنّ الجارح عمدا يقتصّ منه ويؤدّب .
ومن ثمّ فالتّعزير قد اجتمع مع القصاص في الاعتداء على ما دون النّفس عمداً .
والشّافعيّ يجيز اجتماع التّعزير مع القصاص فيما دون النّفس من الجنايات على البدن ، وهو أيضاً يقول بجواز اجتماع التّعزير مع الحدّ ، مثل تعليق يد السّارق في عنقه بعد قطعها ساعة من نهار ، زيادة في النّكال . وقال أحمد بذلك ، لما روى فضالة بن عبيد « أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق ، ثمّ أمر بها فعلّقت في عنقه » . وأنّ عليّاً فعل ذلك ، ومثل : الزّيادة عن الأربعين في حدّ الشّرب ، لأنّ حدّ الشّرب عند الشّافعيّ أربعون .
وقد يجتمع التّعزير مع الكفّارة . فمن المعاصي ما فيه الكفّارة مع الأدب ، كالجماع في حرام ، وفي نهار رمضان ، ووطء المظاهر منها قبل الكفّارة إذا كان الفعل متعمّداً في جميعها . وقيل بالتّعزير كذلك في حلف اليمين الغموس عند الشّافعيّ ، خلافاً للحنفيّة ، فإنّه لا كفّارة في يمين الغموس ، وفيها التّعزير . وعند مالك في القتل الّذي لا قود فيه ، كالقتل الّذي عفي عن القصاص فيه ، تجب على القاتل الدّية ، وتستحبّ له الكفّارة ، ويضرب مائة ، ويحبس سنة ، وهذا تعزير قد اجتمع مع الكفّارة .
وقال البعض في القتل شبه العمد : بوجوب التّعزير مع الكفّارة ، لأنّ هذه حقّ اللّه تعالى ، بمنزلة الكفّارة في الخطأ ، وليست لأجل الفعل ، بل هي بدل النّفس الّتي فاتت بالجناية . ونفس الفعل المحرّم - وهو جناية القتل شبه العمد - لا كفّارة فيه . وقد استدلّوا على ذلك : بأنّه إذا جنى شخص على آخر دون أن يتلف شيئاً فإنّه يستحقّ التّعزير ، ولا كفّارة في هذه الجناية . بخلاف ما لو أتلف بلا جناية محرّمة ، فإنّ الكفّارة تجب بلا تعزير .
وإنّ الكفّارة في شبه العمد بمنزلة الكفّارة على المجامع في الصّيام والإحرام .
التّعزير حقّ للّه وحقّ للعبد :
10 - ينقسم التّعزير إلى ما هو حقّ للّه ، وما هو حقّ للعبد . والمراد بالأوّل غالباً : ما تعلّق به نفع العامّة ، وما يندفع به ضرر عامّ عن النّاس ، من غير اختصاص بأحد . والتّعزير هنا من حقّ اللّه ، لأنّ إخلاء البلاد من الفساد واجب مشروع ، وفيه دفع للضّرر عن الأمّة ، وتحقيق نفع عامّ . ويراد بالثّاني : ما تعلّقت به مصلحة خاصّة لأحد الأفراد . وقد يكون التّعزير خالص حقّ اللّه ، كتعزير تارك الصّلاة ، والمفطر عمداً في رمضان بغير عذر ، ومن يحضر مجلس الشّراب .
وقد يكون لحقّ اللّه وللفرد ، مع غلبة حقّ اللّه ، كنحو تقبيل زوجة آخر وعناقها .
وقد تكون الغلبة لحقّ الفرد ، كما في السّبّ والشّتم والمواثبة .
وقد قيل بحالات يكون فيها التّعزير لحقّ الفرد وحده ، كالصّبيّ يشتم رجلاً لأنّه غير مكلّف بحقوق اللّه تعالى فيبقى تعزيره متمحّضاً لحقّ المشتوم .
وتظهر أهمّيّة التّفرقة بين نوعي التّعزير في أمور :
منها : أنّ التّعزير الواجب حقّا للفرد أو الغالب فيه حقّه - وهو يتوقّف على الدّعوى - إذا طلبه صاحب الحقّ فيه لزمت إجابته ، ولا يجوز للقاضي فيه الإسقاط ، ولا يجوز فيه العفو أو الشّفاعة من وليّ الأمر .
أمّا التّعزير الّذي يجب حقّاً للّه فإنّ العفو فيه من وليّ الأمر جائز ، وكذلك الشّفاعة إن كانت في ذلك مصلحة ، أو حصل انزجار الجاني بدونه . وقد روي عن الرّسول صلى الله عليه وسلم قوله : « اشفعوا تؤجروا ويقضي اللّه على لسان نبيّه ما يشاء » .
وقد حصل الخلاف في التّعزير هل هو واجب على وليّ الأمر أم لا فمالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد قالوا بوجوب التّعزير فيما شرع فيه .
وقال الشّافعيّ : إنّه ليس بواجب ، استناداً إلى « أنّ رجلاً قال للرّسول صلى الله عليه وسلم : إنّي لقيت امرأة فأصبت منها دون أن أطأها . فقال صلى الله عليه وسلم أصلّيت معنا ؟ قال نعم : فتلا عليه آية : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَاً مِنَ اللَّيلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } » . وإلى قوله صلى الله عليه وسلم في الأنصار . « اقبلوا من محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم » وإلى « أنّ رجلاً قال للرّسول صلى الله عليه وسلم في حُكْمٍ حَكَمَ به للزّبير لم يرقه : إن كان ابن عمّتك ، فغضب . ولم ينقل أنّه عزّره » .
وقال آخرون ، ومنهم بعض الحنابلة : إنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه كوطء جارية مشتركة يجب امتثال الأمر فيه .
أمّا ما لم يرد فيه نصّ فإنّه يجب إذا كانت فيه مصلحة ، أو كان لا ينزجر الجاني إلا به ، فإنّه يجب كالحدّ ، أمّا إذا علم أنّ الجاني ينزجر بدون التّعزير فإنّه لا يجب . ويجوز للإمام فيه العفو إن كانت فيه مصلحة ، وكان من حقّ اللّه تعالى ، خلاف ما هو من حقّ الأفراد .
التّعزير عقوبة مفوّضة :
المراد بالتّفوّض وأحكامه :
11 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو الرّاجح عن الحنفيّة : أنّ التّعزير عقوبة مفوّضة إلى رأي الحاكم ، وهذا التّفويض في التّعزير من أهمّ أوجه الخلاف بينه وبين الحدّ الّذي هو عقوبة مقدّرة من الشّارع . وعلى الحاكم في تقدير عقوبة التّعزير مراعاة حال الجريمة والمجرم . أمّا مراعاة حال الجريمة فللفقهاء فيه نصوص كثيرة ، منه قول الأستروشنيّ : ينبغي أن ينظر القاضي إلى سببه ، فإن كان من جنس ما يجب به الحدّ ولم يجب لمانع وعارض ، يبلغ التّعزير أقصى غاياته .
وإن كان من جنس ما لا يجب الحدّ لا يبلغ أقصى غاياته ، ولكنّه مفوّض إلى رأي الإمام .
وأمّا مراعاة حال المجرم فيقول الزّيلعيّ : إنّه في تقدير التّعزير ينظر إلى أحوال الجانين ، فإنّ من النّاس من ينزجر باليسير . ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير . يقول ابن عابدين : إنّ التّعزير يختلف باختلاف الأشخاص ، فلا معنى لتقديره مع حصول المقصود بدونه ، فيكون مفوّضا إلى رأي القاضي ، يقيمه بقدر ما يرى المصلحة فيه .
ويقول السّنديّ : إنّ أدنى التّعزير على ما يجتهد الإمام في الجاني ، بقدر ما يعلم أنّه ينزجر به ، لأنّ المقصود من التّعزير الزّجر ، والنّاس تختلف أحوالهم في الانزجار ، فمنهم من يحصل له الزّجر بأقلّ الضّربات ، ويتغيّر بذلك . ومنهم من لا يحصل له الزّجر بالكثير من الضّرب . ونقل عن أبي يوسف : إنّ التّعزير يختلف على قدر احتمال المضروب .
وقد منع بعض الحنفيّة تفويض التّعزير ، وقالوا بعدم تفويض ذلك للقاضي ، لاختلاف حال القضاة ، وهذا هو الّذي قال به الطّرسوسيّ في شرح منظومة الكنز . وقد أيّدوا هذا الرّأي بأنّ المراد من تفويض التّعزير إلى رأي القاضي ليس معناه التّفويض لرأيه مطلقا ، بل المقصود القاضي المجتهد . وقد ذكر السّنديّ : أنّ عدم التّفويض هو الرّأي الضّعيف عند الحنفيّة . وقال أبو بكر الطّرسوسيّ في أخبار الخلفاء المتقدّمين : إنّهم كانوا يراعون قدر الجاني وقدر الجناية ، فمن الجانين من يضرب ، ومنهم من يحبس ، ومنهم من يقام واقفا على قدميه في المحافل ، ومنهم من ينتزع عمامته ، ومنهم من يحلّ حزامه .
ونصّ المالكيّة : على أنّ التّعزير يختلف من حيث المقادير ، والأجناس ، والصّفات ، باختلاف الجرائم ، من حيث كبرها ، وصغرها ، وبحسب حال المجرم نفسه ، وبحسب حال القائل والمقول فيه والقول ، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام .
قال القرافيّ : إنّ التّعزير يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة ، وتطبيقا لذلك قال ابن فرحون : ربّ تعزير في بلد يكون إكراما في بلد آخر ، كقطع الطّيلسان ليس تعزيراً في الشّام بل إكرام ، وكشف الرّأس عند الأندلسيّين ليس هواناً مع أنّه في مصر والعراق هوان . وقال : إنّه يلاحظ في ذلك أيضا نفس الشّخص ، فإنّ في الشّام مثلاً من كانت عادته الطّيلسان وألفه - من المالكيّة وغيرهم - يعتبر قطعه تعزيرا لهم . فما ذكر ظاهر منه : أنّ الأمر لم يقتصر على اختلاف التّعزير باختلاف الزّمان والمكان والأشخاص ، مع كون الفعل محلاً لذلك ، بل إنّ هذا الاختلاف قد يجعل الفعل نفسه غير معاقب عليه ، بل قد يكون مكرمة .
الأنواع الجائزة في عقوبة التّعزير :
12 - يجوز في مجال التّعزير : إيقاع عقوبات مختلفة ، يختار منها الحاكم في كلّ حالة ما يراه مناسبا محقّقا لأغراض التّعزير . وهذه العقوبات قد تنصبّ على البدن ، وقد تكون مقيّدة للحرّيّة ، وقد تصيب المال ، وقد تكون غير ذلك . وفيما يلي بيان هذا الإجمال . العقوبات البدنيّة :
أ - التّعزير بالقتل :
13 - الأصل : أنّه لا يبلغ بالتّعزير القتل ، وذلك لقول اللّه تعالى : { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتيْ حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ } وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ دمُ امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث : الثّيّبُ الزّاني ، والنّفسُ بالنّفس ، والتّاركُ لدينه المفارق للجماعة » .
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز القتل تعزيرا في جرائم معيّنة بشروط مخصوصة ، من ذلك : قتل الجاسوس المسلم إذا تجسّس على المسلمين ، وذهب إلى جواز تعزيره بالقتل مالك وبعض أصحاب أحمد ، ومنعه أبو حنيفة ، والشّافعيّ ، وأبو يعلى من الحنابلة .
وتوقّف فيه أحمد . ومن ذلك : قتل الدّاعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسّنّة كالجهميّة . ذهب إلى ذلك كثير من أصحاب مالك ، وطائفة من أصحاب أحمد .
وأجاز أبو حنيفة التّعزير بالقتل فيما تكرّر من الجرائم ، إذا كان جنسه يوجب القتل ، كما يقتل من تكرّر منه اللّواط أو القتل بالمثقّل . وقال ابن تيميّة : وقد يستدلّ على أنّ المفسد إذا لم ينقطع شرّه إلا بقتله فإنّه يقتل ، لما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعيّ رضي الله عنه قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشقّ عصاكم ، أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه »
ب - التّعزير بالجلد :
14 - الجلد في التّعزير مشروع ، ودليله قول الرّسول صلى الله عليه وسلم : « لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط ، إلا في حدّ من حدود اللّه تعالى » .
وفي الحريسة الّتي تؤخذ من مراتعها غرم ثمنها مرّتين ، وضرب نكال . وكذلك الحكم في سرقة التّمر يؤخذ من أكمامه ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال « سئل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن التّمر المعلّق ، فقال : من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متّخذ خبنة فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجنّ فعليه القطع » رواه النّسائيّ وأبو داود . وفي رواية قال « سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عن الحريسة الّتي توجد في مراتعها ؟ قال : فيها ثمنها مرّتين ، وضرب نكال . وما أخذ من عطنه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجنّ . قال : يا رسول اللّه ، فالثّمار وما أخذ منها في أكمامها ؟ قال : من أخذ بفمه ولم يتّخذ خبنة فليس عليه شيء ، ومن احتمل فعليه ثمنه مرّتين ، وضرب نكال ، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع ، إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجنّ » رواه أحمد والنّسائيّ . ولابن ماجه معناه ، وزاد النّسائيّ في آخره : « وما لم يبلغ ثمن المجنّ ففيه غرامة مثليه ، وجلدات نكال » . وقد سار على هذه العقوبة في التّعزير الخلفاء الرّاشدون ومن بعدهم من الحكّام ، ولم ينكر عليهم أحد .
مقدار الجلد في التّعزير :
15 - ممّا لا خلاف فيه عند الحنفيّة : أنّ التّعزير لا يبلغ الحدّ ، لحديث : « من بلغ حدّاً في غير حدّ فهو من المعتدين » واختلف الحنفيّة في أقصى الجلد في التّعزير :
فيرى أبو حنيفة : أنّه لا يزيد عن تسعة وثلاثين سوطا بالقذف والشّرب ، أخذا عن الشّعبيّ ، إذ صرف كلمة الحدّ في الحديث إلى حدّ الأرقّاء وهو أربعون .
وأبو يوسف قال بذلك أوّلا ، ثمّ عدل عنه إلى اعتبار أقلّ حدود الأحرار وهو ثمانون جلدة .
وجه ما ذهب إليه أبو حنيفة : أنّ الحديث ذكر حدّا منكّرا ، وأربعون جلدة حدّ كامل في الأرقّاء عند الحنفيّة في القذف والشّرب ، فينصرف إلى الأقلّ .
وأبو يوسف اعتمد على أنّ الأصل في الإنسان الحرّيّة ، وحدّ العبد نصف حدّ الحرّ ، فليس حدّاً كاملاً ، ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كلّ باب . وفي عدد الجلدات روايتان عن أبي يوسف : إحداهما : أنّ التّعزير يصل إلى تسعة وسبعين سوطا ، وهي رواية هشام عنه ، وقد أخذ بذلك زفر ، وهو قول عبد الرّحمن بن أبي ليلى ، وهو القياس ، لأنّه ليس حدّاً فيكون من أفراد المسكوت عن النّهي عنه في حديث : « من بلغ حدّاً في غير حدّ . . . »
والثّانية : وهي ظاهر الرّواية عن أبي يوسف : أنّ التّعزير لا يزيد على خمسة وسبعين سوطاً ، وروي ذلك أثرا عن عمر رضي الله عنه ، كما روي عن عليّ رضي الله عنه أيضاً ، وأنّهما قالا : في التّعزير خمسة وسبعون . وأنّ أبا يوسف أخذ بقولهما في نقصان الخمسة ، واعتبر عملهما أدنى الحدود .
وعند المالكيّة قال المازريّ : إنّ تحديد العقوبة لا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب ، وقال : إنّ مذهب مالك يجيز في العقوبات فوق الحدّ .
وحكي عن أشهب : أنّ المشهور أنّه قد يزاد على الحدّ . وعلى ذلك فالرّاجح لدى المالكيّة : أنّ الإمام له أن يزيد التّعزير عن الحدّ ، مع مراعاة المصلحة الّتي لا يشوبها الهوى .
وممّا استدلّ به المالكيّة : فعل عمر في معن بن زياد لمّا زوّر كتابا على عمر وأخذ به من صاحب بيت المال مالا ، إذ جلده مائة ، ثمّ مائة أخرى ، ثمّ ثالثة ، ولم يخالفه أحد من الصّحابة فكان إجماعاً ، كما أنّه ضرب صبيغ بن عسل أكثر من الحدّ . وروى أحمد بإسناده أنّ عليّا رضي الله عنه أتي بالنّجاشيّ قد شرب خمرا في رمضان فجلده ثمانين ( الحدّ ) وعشرين سوطا ، لفطره في رمضان .
كما روي : أنّ أبا الأسود استخلفه ابن عبّاس رضي الله عنهما على قضاء البصرة فأتي بسارق قد جمع المتاع في البيت ولم يخرجه ، فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلّى سبيله . وقالوا في حديث أبي بردة رضي الله عنه : « لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حدّ من حدود اللّه » إنّه مقصور على زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم ، لأنّه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر ، وتأوّلوه على أنّ المراد بقوله : في حدّ ، أي في حقّ من حقوق اللّه تعالى ، وإن لم يكن من المعاصي المقدّر حدودها لأنّ المعاصي كلّها من حدود اللّه تعالى .
وعند الشّافعيّة : أنّ التّعزير إن كان بالجلد فإنّه يجب أن ينقص عن أقلّ حدود من يقع عليه التّعزير ، فينقص في العبد عن عشرين ، وفي الحرّ عن أربعين ، وهو حدّ الخمر عندهم ، وقيل بوجوب النّقص فيهما عن عشرين ، لحديث : « من بلغ حدّا في غير حدّ فهو من المعتدين » ويستوي في النّقص عمّا ذكر جميع الجرائم على الأصحّ عندهم . وقيل بقياس كلّ جريمة بما يليق بها ممّا فيه أو في جنسه حدّ ، فينقص على سبيل المثال تعزير مقدّمة الزّنى عن حدّه ، وإن زاد على حدّ القذف ، وتعزير السّبّ عن حدّ القذف ، وإن زاد على حدّ الشّرب . وقيل في مذهب الشّافعيّة : لا يزيد في أكثر الجلد في التّعزير عن عشر جلدات أخذا بحديث أبي بردة : « لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدّ من حدود اللّه » لما اشتهر من قول الشّافعيّ : إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ، وقد صحّ هذا الحديث .
وعند الحنابلة : اختلفت الرّواية عن أحمد في قدر جلد التّعزير ، فروي أنّه لا يبلغ الحدّ . وقد ذكر الخرقيّ هذه الرّواية ، والمقصود بمقتضاها : أنّه لا يبلغ بالتّعزير أدنى حدّ مشروع ، فلا يبلغ بالتّعزير أربعين ، لأنّ الأربعين حدّ العبد في الخمر والقذف ، ولا يجاوز تسعة وثلاثين سوطاً في الحرّ ، ولا تسعة عشر في العبد على القول بأنّ حدّ الخمر أربعون سوطاً. ونصّ مذهب أحمد : أن لا يزاد على عشر جلدات في التّعزير ، للأثر : « لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلّا في حدّ . . . » إلا ما ورد من الآثار مخصّصا لهذا الحديث ، كوطء جارية امرأته بإذنها ، ووطء جارية مشتركة المرويّ عن عمر .
قال ابن قدامة : ويحتمل كلام أحمد والخرقيّ : أنّه لا يبلغ التّعزير في كلّ جريمة حدّا مشروعاً في جنسها ، ويجوز أن يزيد على حدّ غير جنسها ، وقد روي عن أحمد ما يدلّ على هذا . واستدلّ بما روي عن النّعمان بن بشير رضي الله عنهما فيمن وطئ جارية امرأته بإذنها : أنّه يجلد مائة جلدة ، وهذا تعزير ، لأنّ عقاب هذه الجريمة للمحصن الرّجم ، وبما روي عن سعيد بن المسيّب عن عمر رضي الله عنه في الرّجل الّذي وطئ أمة مشتركة بينه وآخر : أنّه يجلد الحدّ إلّا سوطاً واحداً ، وقد احتجّ بهذا الحديث أحمد .
وقد زاد ابن تيميّة وابن القيّم رأياً رابعاً : هو أنّ التّعزير يكون بحسب المصلحة ، وعلى قدر الجريمة ، فيجتهد فيه وليّ الأمر على ألا يبلغ التّعزير فيما فيه حدّ مقدّر ذلك المقدّر ، فالتّعزير على سرقة ما دون النّصاب مثلا لا يبلغ به القطع ، وقالا : إنّ هذا هو أعدل الأقوال ، وإنّ السّنّة دلّت عليه ، كما مرّ في ضرب الّذي أحلّت له امرأته جاريتها مائة لا الحدّ وهو الرّجم ، كما أنّ عليّا وعمر رضي الله عنهما ضربا رجلا وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة ، وحكم عمر رضي الله عنه فيمن قلّد خاتم بيت المال بضربه ثلاثمائة على مرّات ، وضرب صبيغ بن عسل للبدعة ضربا كثيرا لم يعدّه .
وخلاصة مذهب الحنابلة : أنّ فيه من يقول بأنّ التّعزير لا يزيد على عشر جلدات ، ومن يقول : بأنّه لا يزيد على أقلّ الحدود ، ومن يقول : بأنّه لا يبلغ في جريمة قدر الحدّ فيها ، وهناك من يقول : بأنّه لا يتقيّد بشيء من ذلك ، وأنّه يكون بحسب المصلحة ، وعلى قدر الجريمة ، فيما ليس فيه حدّ مقدّر . والرّاجح عندهم التّحديد سواء أكان بعشر جلدات أم بأقلّ من أدنى الحدود أم بأقلّ من الحدّ المقرّر لجنس الجريمة .
وما ذكر هو عن الحدّ الأعلى ، أمّا عن الحدّ الأدنى فقد قال القدوريّ : إنّه ثلاث جلدات ، لأنّ هذا العدد أقلّ ما يقع به الزّجر . ولكنّ غالبيّة الحنفيّة على أنّ الأمر في أقلّ جلد التّعزير مرجعه الحاكم ، بقدر ما يعلم أنّه يكفي للزّجر .
وقال في الخلاصة : إنّ اختيار التّعزير إلى القاضي من واحد إلى تسعة وثلاثين ، وقريب من ذلك تصريح ابن قدامة ، فقد قال : إنّ أقلّ التّعزير ليس مقدّراً فيرجع فيه إلى اجتهاد الإمام أو الحاكم فيما يراه وما تقتضيه حال الشّخص .
ج - التّعزير بالحبس :
16 - الحبس مشروع بالكتاب والسّنّة والإجماع أمّا الكتاب فقوله تعالى : { وَالَّلائِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهنَّ أَرْبَعةً مِنْكُمْ فإنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ في البُيوتِ حتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } وقوله : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه وَيَسْعَونَ في الأَرْضِ فَسَادَاً أنْ يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تُقَطَّعَ أَيدِيهمْ وَأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أو يُنْفَوا من الأرْضِ } . فقد قال الزّيلعيّ : إنّ المقصود بالنّفي هنا الحبس .
وأمّا السّنّة فقد ثبت : « أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حبس بالمدينة أناساً في تهمة دم ، وحكم بالضّرب والسّجن ، وأنّه قال فيمن أمسك رجلاً لآخر حتّى قتله : اقتلوا القاتل ، واصبروا الصّابر » . وفسّرت عبارة « اصبروا الصّابر » بحبسه حتّى الموت ، لأنّه حبس المقتول للموت بإمساكه إيّاه .
وأمّا الإجماع فقد أجمع الصّحابة رضي الله عنهم ، ومن بعدهم ، على المعاقبة بالحبس . واتّفق الفقهاء على أنّ الحبس يصلح عقوبة في التّعزير . وممّا جاء في هذا المقام : أنّ عمر رضي الله عنه سجن الحطيئة على الهجو ، وسجن صبيغا على سؤاله عن الذّاريات ، والمرسلات ، والنّازعات ، وشبهه ، وأنّ عثمان رضي الله عنه سجن ضابئ بن الحارث ، وكان من لصوص بني تميم وفتّاكهم ، وأنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه سجن بالكوفة . وأنّ عبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنه سجن بمكّة ، وسجن في " دارم " محمّد بن الحنفيّة لمّا امتنع عن بيعته .
مدّة الحبس في التّعزير :
17 - الأصل أنّ تقدير مدّة الحبس يرجع إلى الحاكم ، مع مراعاة ظروف الشّخص ، والجريمة والزّمان والمكان . وقد أشار الزّيلعيّ إلى ذلك بقوله : ليس للحبس مدّة مقدّرة . وقال الماورديّ : إنّ الحبس تعزيرا يختلف باختلاف المجرم ، وباختلاف الجريمة ، فمن الجانين من يحبس يوما ، ومنهم من يحبس أكثر ، إلى غاية غير مقدّرة .
لكنّ الشّربينيّ من الشّافعيّة ، ذكر أنّ شرط الحبس : النّقص عن سنة ، كما نصّ عليه الشّافعيّ في الأمّ ، وصرّح به معظم الأصحاب . وأطلق الحنابلة في تقدير المدّة .
د - التّعزير بالنّفي " التّغريب " :
مشروعيّة التّعزير بالنّفي :
18 - التّعزير بالنّفي مشروع بلا خلاف بين الفقهاء ، ودليل مشروعيّته : الكتاب والسّنّة والإجماع . أمّا الكتاب فقوله تعالى : { أَوْ يُنْفَوْا مِن الأرْضِ } ومن ثمّ فهو عقوبة مشروعة في الحدود . وأمّا السّنّة : « فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بالنّفي تعزيرا في المخنّثين ، إذ نفاهم من المدينة » .
وأمّا الإجماع : فإنّ عمر رضي الله عنه نفى نصر بن حجّاج لافتتان النّساء به ، ولم ينكر عليه أحد من الصّحابة .
ويجوز كون التّغريب لأكثر من مسافة القصر ، لأنّ عمر غرّب من المدينة نصر بن حجّاج إلى البصرة ، ونفى عثمان رضي الله عنه إلى مصر، ونفى عليّ رضي الله عنه إلى البصرة. ويشترط أن يكون التّغريب لبلد معيّن ، فلا يرسل المحكوم عليه به إرسالاً ، وليس له أن يختار غير البلد المعيّن لإبعاده ، ولا يجوز أن يكون تغريب الجاني لبلده .
ويرى الشّافعيّ : أن لا تقلّ المسافة بين بلد الجاني والبلد المغرّب إليه عن مسيرة يوم وليلة ويرى ابن أبي ليلى : أن ينفى الجاني إلى بلد غير البلد الّذي ارتكبت فيه الجريمة بحيث تكون المسافة بين البلد الّذي ينفى إليه وبلد الجريمة ، دون مسيرة سفر .
مدّة التّغريب :
19 - لا يعتبر أبو حنيفة التّغريب في الزّنى حدّاً ، بل يعتبره من التّعزير ، ويترتّب على ذلك : أنّه يجيز أن يزيد من حيث المدّة عن سنة .
ويجوز عند مالك أن يزيد التّغريب في التّعزير عن سنة ، مع أنّ التّغريب عنده في الزّنى حدّ ، لأنّه يقول بنسخ حديث : « من بلغ حدّاً في غير حدّ فهو من المعتدين » .
والرّاجح عند المالكيّة : أنّ للإمام أن يزيد في التّعزير عن الحدّ ، مع مراعاة المصلحة غير المشوبة بالهوى .
وعلى ذلك بعض فقهاء الشّافعيّة ، والحنابلة . ويرى البعض الآخر منهم : أنّ مدّة التّغريب في التّعزير لا يجوز أن تصل إلى سنة ، لأنّهم يعتبرون التّغريب في جريمة الزّنى حدّا ، وإذا كانت مدّته فيها عاما فلا يجوز عندهم في التّعزير أن يصل التّغريب لعام ، لحديث : « من بلغ حدّا في غير حدّ فهو من المعتدين » . وتفصيله في ( نفي ) .
هـ - التّعزير بالمال :
مشروعيّة التّعزير بالمال :
20 - الأصل في مذهب أبي حنيفة : أنّ التّعزير بأخذ المال غير جائز ، فأبو حنيفة ومحمّد لا يجيزانه ، بل إنّ محمّدا لم يذكره في كتاب من كتبه . أمّا أبو يوسف فقد روي عنه : أنّ التّعزير بأخذ المال من الجاني جائز إن رؤيت فيه مصلحة .
وقال الشبراملسي : ولا يجوز على الجديد بأخذ المال . يعني لا يجوز التّعزير بأخذ المال في مذهب الشّافعيّ الجديد ، وفي المذهب القديم : يجوز .
أمّا في مذهب مالك في المشهور عنه ، فقد قال ابن فرحون : التّعزير بأخذ المال قال به المالكيّة . وقد ذكر مواضع مخصوصة يعزّر فيها بالمال ، وذلك في قوله : سئل مالك عن اللّبن المغشوش أيراق ؟ قال : لا ، ولكن أرى أن يتصدّق به ، إذا كان هو الّذي غشّه . وقال في الزّعفران والمسك المغشوش مثل ذلك ، سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً ، وخالفه ابن القاسم في الكثير ، وقال : يباع المسك والزّعفران على ما يغشّ به ، ويتصدّق بالثّمن أدباً للغاشّ . وأفتى ابن القطّان الأندلسيّ في الملاحف الرّديئة النّسج بأن تحرّق . وأفتى ابن عتّاب : بتقطيعها والصّدقة بها خرقاً .
وعند الحنابلة يحرم التّعزير بأخذ المال أو إتلافه ، لأنّ الشّرع لم يرد بشيء من ذلك عمّن يقتدى به . وخالف ابن تيميّة وابن القيّم ، فقالا : إنّ التّعزير بالمال سائغ إتلافاً وأخذاً . واستدلا لذلك بأقضية للرّسول صلى الله عليه وسلم كإباحته سلب من يصطاد في حرم المدينة لمن يجده ، وأمره بكسر دنان الخمر ، وشقّ ظروفها ، وأمره عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما بحرق الثّوبين المعصفرين ، وتضعيفه الغرامة على من سرق من غير حرز ، وسارق ما لا قطع فيه من الثّمر والكثر ، وكاتم الضّالّة . ومنها أقضيّة الخلفاء الرّاشدين ، مثل أمر عمر وعليّ رضي الله عنهما بتحريق المكان الّذي يباع فيه الخمر ، وأخذ شطر مال مانع الزّكاة ، وأمر عمر بتحريق قصر سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه الّذي بناه حتّى يحتجب فيه عن النّاس . وقد نفّذ هذا الأمر محمّد بن مسلمة رضي الله عنه .
أنواع التّعزير بالمال :
التّعزير بالمال يكون بحبسه أو بإتلافه ، أو بتغيير صورته ، أو بتمليكه للغير .
أ - حبس المال عن صاحبه :
21 - وهو أن يمسك القاضي شيئا من مال الجاني مدّة زجرا له ، ثمّ يعيده له عندما تظهر توبته ، وليس معناه أخذه لبيت المال ، لأنّه لا يجوز أخذ مال إنسان بغير سبب شرعيّ يقتضي ذلك . وفسّره على هذا الوجه أبو يحيى الخوارزميّ .
ونظيره ما يفعل في خيول البغاة وسلاحهم ، فإنّها تحبس عنهم مدّة وتعاد إليهم إذا تابوا .
وصوّب هذا الرّأي الإمام ظهير الدّين التّمرتاشيّ الخوارزميّ .
أمّا إذا صار ميئوساً من توبته ، فإنّ للحاكم أن يصرف هذا المال فيما يرى فيه المصلحة .
رد مع اقتباس