تعذيب المتّهم :
8 - قسّم الفقهاء المتّهم بسرقة ونحوها إلى ثلاثة أقسام :
إمّا أن يكون المتّهم معروفاً بالصّلاح ، فلا تجوز عقوبته اتّفاقاً .
وإمّا أن يكون المتّهم مجهول الحال لا يعرف ببرّ ولا فجور ، فهذا يحبس حتّى ينكشف حاله ، وهذا عند جمهور الفقهاء . والمنصوص عليه عند أكثر الأئمّة : أنّه يحبسه القاضي والوالي ، لما روى أبو داود في سننه ، وأحمد ، من حديث بهز بن حكيم . عن أبيه ، عن جدّه : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حَبَس في تهمة » .
وإمّا أن يكون المتّهم معروفاً بالفجور ، كالسّرقة ، وقطع الطّريق ، والقتل ، ونحو ذلك ، فيجوز حبسه وضربه ، كما « أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم الزّبير رضي الله عنه ، بتعذيب المتّهم الّذي غيّب ماله حتّى أقرّ به » .
وقال ابن تيميّة : ما علمت أحدا من أئمّة المسلمين يقول : إنّ المدّعى عليه في جميع هذه الدّعاوى يحلف ، ويرسل بلا حبس ، ولا غيره . وقال البجيرميّ : والظّاهر أنّ الضّرب حرام في الشّقّين ، أي سواء كان ضرب ليقرّ ، أو ليصدق، خلافا لما توهّم حلّه إذا ضرب ليصدق. وقال ابن تيميّة : واختلفوا فيه : هل الّذي يضربه الوالي دون القاضي ، أو كلاهما ؟ أو لا يسوّغ ضربه ، على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنّه يضربه الوالي والقاضي ، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد ، منهم أشهب بن عبد العزيز ، فإنّه قال : يمتحن بالحبس والضّرب ، ويضرب بالسّوط مجرّداً . القول الثّاني : أنّه يضربه الوالي دون القاضي ، وهذا قول بعض أصحاب الشّافعيّ ، وأحمد. القول الثّالث : أنّه يحبس ولا يضرب ، وهذا قول أصبغ ، ثمّ قالت طائفة ، منهم عمر بن عبد العزيز ، ومطرّف ، وابن الماجشون : إنّه يحبس حتّى يموت .
9 - أمّا النّوع الثّاني : وهو التّعذيب غير المشروع للإنسان ، فمنه تعذيب الأسرى ، فقد ذكر الفقهاء عدم جواز تعذيبهم ، لأنّ الإسلام يدعو إلى الرّفق بالأسرى ، وإطعامهم ، قال اللّه تعالى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّه مِسْكِينَاً وَيَتِيْمَاً وَأَسِيرَاً }
وفي الحديث الشّريف « لا تجمعوا عليهم حرّ الشّمس ، وحرّ السّلاح ، قيلوهم حتّى يبردوا » وهذا الكلام في أسارى بني قريظة ، حينما كانوا في الشّمس .
وإذا كان هناك خوف الفرار ، فيصحّ حبس الأسير من غير تعذيب ، وإذا رجي أن يدلّ على أسرار العدوّ جاز تهديده وتعذيبه بالقدر الكافي ، لتحقيق ذلك ، ودليل ذلك : ما روي عن الرّسول صلى الله عليه وسلم : « أنّه أمر الزّبير بن العوّام بتعذيب من كتم خبر المال ، الّذي كان صلى الله عليه وسلم قد عاهدهم عليه ، وقال له : أين كنز حييّ بن أخطب ؟ فقال : يا محمّد ، أنفذته النّفقات والحروب ، فقال : المال كثير والمسألة أقرب ، وقال للزّبير : دونك هذا . فمسّه الزّبير بشيء من العذاب ، فدلّهم على المال » .
لكن إذا كانوا يعذّبون أسرى المسلمين يجوز معاملتهم بالمثل ، لقوله تعالى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِه } وقوله أيضاً { وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَليكُم فَاعْتَدُوا عَلَيه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيكُم } قال الباجيّ : لا يمثّل بالأسير ، إلا أن يكونوا مثّلوا بالمسلمين . وقال ابن حبيب : قتل الأسير بضرب عنقه ، لا يمثّل به ، ولا يعبث عليه . قيل لمالك : أيضرب وسطه ؟ فقال : قال اللّه سبحانه { فَضَرْبَ الرِّقَاب } لا خير في العبث .
10 - وأمّا النّوع الثّالث : وهو التّعذيب المشروع للحيوان - فقد ذكروا له أمثلة ، منها :
أ - تعذيب ماشية الزّكاة والجزية بالوسم - فقد ذهب الفقهاء إلى جوازه ، لما روي من فعل الصّحابة في ماشية الزّكاة والجزية . وقال الحنفيّة : لا بأس بكيّ البهائم للعلامة ، لأنّهم كانوا يفعلون ذلك في زمن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غير إنكار .
ب - إلقاء السّمك الحيّ في النّار ليصير مشويّاً فإنّ المالكيّة ذهبوا : إلى جوازه ، وذهب أحمد بن حنبل : إلى أنّ هذا العمل مكروه ، ومع هذا فقد رأى جواز أكله ، وهذا بخلاف شيّ الجراد حيّاً ، فإنّه يجيزه من غير كراهة ، لما أثر أنّ الصّحابة فعلوا ذلك ، من غير نكير . ج - ومن ذلك التّعذيب الجائز : ضرب الحيوان بقدر ما يحصل به التّعليم والتّرويض ، ويخاصم الضّارب فيما زاد على القدر الّذي يحتاج إليه ، كما في البحر الرّائق .
11 - وأمّا النّوع الرّابع : وهو التّعذيب " غير المشروع " للحيوان :
فمنه : تعذيب الحيوان بالمنع من الأكل والشّرب ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: دخلت امرأة النّار في هرّة ربطتها ، فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض » .
ومنه : اتّخاذ ذي روح غرضا ، أي هدفا للرّمي .
ومنه : قطع رأس الحيوان المذبوح وسلخه قبل أن يبرد ، ويسكن عن الاضطراب .
مواطن البحث :
12 - ذكر الفقهاء التّعذيب في مواضع شتّى سبق ذكر عدد منها خلال البحث .
ومنها أيضاً : الجنايات ، والتّعزيرات ، والتّأديب ، والتّذكية ، والأسر ، والسّياسة الشّرعيّة ، والجهاد ( السّير ) .
تعريض *
التّعريف :
1 - التّعريض : لغة ضدّ التّصريح ، يقال : عرّض لفلان وبفلان : إذا قال قولاً عامّاً ، وهو يعني فلانا ، ومنه : المعاريض في الكلام ، كقولهم : إنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب. وهو في الاصطلاح : ما يفهم به السّامع مراد المتكلّم من غير تصريح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكناية
2 - الكناية : وهي ذكر اللازم ، وإرادة الملزوم . والفرق بين الكناية والتّعريض : أنّ التّعريض هو تضمين الكلام دلالة ليس فيها ذكر ، كقول المحتاج : جئتك لأسلّم عليك ، فيقصد من اللّفظ السّلام ، ومن السّياق طلب الحاجة .
ب - التّورية :
3 - التّورية : وهي أن تطلق لفظاً ظاهراً قريباً في معنى ، تريد به معنى آخر بعيداً يتناوله ذلك اللّفظ ، لكنّه خلاف ظاهره .
والفرق بينها وبين التّعريض : أنّ فائدة التّورية تراد من اللّفظ ، فهي أخصّ من التّعريض ، الّذي قد يفهم المراد منه من السّياق والقرائن ، أو اللّفظ ، فهو أعمّ .
الحكم التّكليفيّ :
يختلف حكم التّعريض بحسب موضوعه كما يلي :
أوّلا : التّعريض في الخطبة :
4 - لا خلاف بين الفقهاء في حرمة التّعريض بالخطبة لمنكوحة الغير ، والمعتدّة من طلاق رجعيّ ، لأنّها في حكم المنكوحة ، كما اتّفق الفقهاء على حرمة التّعريض لمخطوبة من صرّح بإجابته وعلمت خطبته ، ولم يأذن الخاطب ولم يعرّض عنها .
لخبر : « لا يخطب الرّجل على خطبة أخيه ، حتّى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب » ر : مصطلح : ( خِطبة ) .
ثانياً : التّعريض بخطبة المعتدّة غير الرّجعيّة :
5 - ذهب جمهور الفقهاء : إلى جواز التّعريض بالخطبة للمعتدّة عن وفاة ، ولم نقف على خلاف بينهم فيها ، إلا قولاً للشّافعيّة ، مؤدّاه : إن كانت عدّة الوفاة بالحمل لم يعرّض لها ، خوفا من تكلّف إلقاء الجنين ، وهو قول ضعيف عندهم .
واستدلّ الجمهور بقوله تعالى : { وَلا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فيما عَرَّضْتُمْ بِه مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أو أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ } . لأنّها وردت في عدّة الوفاة ، كما قال جمهور المفسّرين .
واختلفوا في جواز التّعريض للمعتدّة من طلاق بائن أو فسخ فذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأظهر ، والحنابلة في قول : إلى أنّه يحلّ التّعريض لبائن معتدّة بالأقراء أو الأشهر ، وذلك لعموم الآية ، ولانقطاع سلطة الزّوج عليها ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون بائنا بينونة صغرى أو كبرى ، أو بفسخ ، أو فرقة بلعان ، أو رضاع ، في الأظهر عندهم . وهو مذهب مالك ، وأحمد . ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، وأحد قولي أحمد : لا يحلّ التّعريض للبائن بطلاق رجعيّ ، لأنّ لصاحب العدّة المنتهية أن ينكحها بنكاح جديد ، فأشبهت الرّجعيّة . وذهب الحنفيّة : إلى أنّه لا يحلّ التّعريض لمعتدّة من طلاق بنوعيه ، لإفضائه إلى عداوة المطلّق . ونقل ابن عابدين عن الفتح " الإجماع " بين فقهاء الحنفيّة على حرمة التّعريض للمعتدّة من طلاق مطلقا ، ويجوز التّعريض عندهم للمعتدّة من نكاح فاسد ، ووطء شبهة . وجواز التّعريض بالخطبة للمعتدّة مرتبط بجواز خروج المعتدّة ، فمن يجوز لها الخروج من بيت العدّة ، يجوز التّعريض بالخطبة لها ، ومن لا يجوز لها الخروج لا يجوز التّعريض لها عند الحنفيّة .
ألفاظ التّعريض بالخطبة :
6 - التّعريض : هو كلّ لفظ يحتمل الخطبة وغيرها ، ولكنّ الفقهاء يذكرون ألفاظاً للتّمثيل له : كأنت جميلة ، ومن يجد مثلك ؟ وأنّ اللّه ساق لك خيراً ، ربّ راغب فيك ، ونحو ذلك .
ثالثاً : التّعريض بالقذف :
7 - اختلف الفقهاء في وجوب الحدّ بالتّعريض بالقذف ، فذهب مالك : إلى أنّه إذا عرّض بالقذف غير أب يجب عليه الحدّ - إن فهم القذف بتعريضه بالقرائن ، كخصام بينهم ، ولا فرق في ذلك بين النّظم والنّثر ، أمّا الأب إذا عرّض لولده فإنّه لا يحدّ لبعده عن التّهمة . وهو أحد قولين للإمام أحمد ، لأنّ عمر رضي الله عنه استشار بعض الصّحابة في رجل قال لآخر : ما أنا بزان ولا أمّي بزانية ؟ فقالوا : إنّه قد مدح أباه وأمّه ، فقال عمر : قد عرّض لصاحبه ، فجلده الحدّ .
وعند الحنفيّة : أنّ التّعريض بالقذف ، قذف . كقوله : ما أنا بزان ، وأمّي ليست بزانية ، ولكنّه لا يحدّ ، لأنّ الحدّ يسقط للشّبهة ، ويعاقب بالتّعزير ، لأنّ المعنى : بل أنت زان . والتّعريض بالقذف عند الشّافعيّة ، كقوله : يا ابن الحلال ، وأمّا أنا فلست بزان ، وأمّي ليست بزانية ، فهذا كلّه ليس بقذف وإن نواه ، لأنّ النّيّة إنّما تؤثّر ، إذا احتمل اللّفظ المنويّ ، ولا دلالة هنا في اللّفظ ولا احتمال ، وما يفهم منه مستنده قرائن الأحوال . هذا هو الأصحّ . وقيل : هو كناية ، أي عن القذف ، لحصول الفهم والإيذاء . فإن أراد النّسبة إلى الزّنى فقذف ، وإلا فلا . وسواء في ذلك حالة الغضب وغيرها . وهو أحد قولي الإمام أحمد .
رابعاً : التّعريض للمسلم بقتل طالبه من الكفّار :
8 - يجوز التّعريض للمسلم لقتل من جاء يطلبه ليردّه إلى دار الكفر ، لأنّ عمر رضي الله عنه قال لأبي جندل رضي الله عنه حين ردّ لأبيه : اصبر أبا جندل فإنّما هم المشركون ، وإنّما دم أحدهم دم كلب يعرّض له بقتل أبيه .
خامساً - التّعريض للمقرّ بحدّ خالص بالرّجوع :
9 - ذهب الشّافعيّة في الصّحيح عندهم : إلى أنّه يجوز للقاضي أن يعرّض له بالرّجوع ، كأن يقول له في السّرقة : لعلّك أخذت من غير حرز ، وفي الزّنى : لعلّك فاخذت أو لمست ، وفي الشّرب : لعلّك لم تعلم أنّ ما شربت مسكر لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال لمن أقرّ عنده بالسّرقة ما إخالك سرقت » فأعاد عليه مرّتين أو ثلاثاً ، وقال لماعز : « لعلّك قبّلت ، أو غمزت ، أو نظرت » . وفي قول عندهم : لا يعرّض له بالرّجوع ، كما لا يصرّح. وفي قول : يعرّض له ، إن لم يعلم أنّ له الرّجوع ، فإن علم فلا يعرّض له . وذهب الحنفيّة ، والإمام أحمد : إلى أنّ التّعريض مندوب ، لحديث ماعز وتفصيله في الحدود .
مواطن البحث :
10 - يذكر الفقهاء التّعريض في الأبواب الآتية : في كتاب النّكاح ، والعدّة ، وفي الحدود : في القذف ، والرّجوع عن الإقرار . وفي الهدنة : وفي الأيمان في القضاء فقط .
تعريف *
التّعريف :
1 - التّعريف : مصدر عرّف . ومن معانيه : الإعلام والتّوضيح ، " ويقابله التّجهيل " وإنشاد الضّالّة ، والتّطييب ، وهو مأخوذ من العرف أي : الرّائحة ، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { وَيُدْخِلْهُم الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي طيّبها لهم .
والتّعريف : الوقوف بعرفات . ويراد به أيضاً : ما يصنعه بعض النّاس في بلادهم يوم عرفة ، من التّجمّع والدّعاء ، تشبّهاً بالحجّاج . ويراد به أيضاً : ذهاب الحاجّ بالهدي إلى عرفات ، ليعرّف النّاس أنّه هدي .
وأمّا في الاصطلاح ، فللتّعريف عدّة إطلاقات تبعاً للعلوم المختلفة :
أ - فعند الأصوليّين :
2 - هو تحديد المفهوم الكلّيّ ، بذكر خصائصه ومميّزاته . والتّعريف الكامل : هو ما يساوي المعرّف تمّام المساواة ، بحيث يكون جامعاً مانعاً . والحدّ والتّعريف عند الأصوليّين بمعنى واحد ، وهو : الجامع المانع ، سواء أكان بالذّاتيّات ، أم بالعرضيّات .
ب - عند الفقهاء :
3 - لم نقف للفقهاء على تعريف خاصّ للتّعريف ، والّذي يستفاد من الفروع الفقهيّة : أنّ استعمالهم هذا اللّفظ لا يخرج عن المعاني اللّغويّة ، لكنّهم عند الإطلاق يريدون المعنى الاصطلاحيّ لدى الأصوليّين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإعلان :
4 - الإعلان خلاف الكتمان ، والتّعريف أعمّ ، من حيث إنّه قد يكون سرّاً ، وقد يكون علانية .
ب - الكتمان أو الإخفاء :
5 - الكتمان : هو السّكوت عن المعنى ، أو إخفاء الشّيء وستره ، وقوله تعالى : { إنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى } أي يسكتون عن ذكره ، فالتّعريف مقابل الإخفاء والكتمان .
حكمه التّكليفيّ :
يختلف حكم التّعريف باختلاف المعرّف :
أوّلاً : التّعريف في الأمصار :
6 - هو قصد الرّجل مسجد بلده يوم عرفة ، للدّعاء والذّكر ، فهذا هو التّعريف في الأمصار الّذي اختلف العلماء فيه ، ففعله ابن عبّاس ، وعمرو بن حريث رضي الله عنهم ، من الصّحابة ، وطائفة من البصريّين ، والمدنيّين ، ورخّص فيه أحمد ، وإن كان مع ذلك لا يستحبّه . هذا هو المشهور عنه . وكرهه طائفة من الكوفيّين ، والمدنيّين ، كإبراهيم النّخعيّ ، وأبي حنيفة ، ومالك ، وغيرهم .
ومن كرهه قال : هو من البدع ، فيندرج في العموم ، لفظاً ومعنى .
ومن رخّص فيه قال : فعله ابن عبّاس رضي الله عنهما بالبصرة ، حين كان خليفة لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولم ينكر عليه ، وما يفعل في عهد الخلفاء الرّاشدين من غير إنكار لا يكون بدعة . لكن ما يزاد على ذلك : من رفع الأصوات الرّفع الشّديد في المساجد بالدّعاء ، وأنواع من الخطب ، والأشعار الباطلة ، مكروه في هذا اليوم وغيره .
قال المرّوذيّ : سمعت أبا عبد اللّه يقول : ينبغي أن يسرّ دعاءه ، لقوله : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا } قال : هذا في الدّعاء . قال : وسمعت أبا عبد اللّه يقول : وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدّعاء .
ثانياً - تعريف اللُّقَطة :
7 - ذهب الأئمّة الثّلاثة ، وهو الأصحّ عند إمام الحرمين والغزاليّ من الشّافعيّة : إلى أنّه يجب تعريف اللّقطة ، سواء أراد تملّكها ، أم حفظها لصاحبها .
وفيه وجه آخر عند الشّافعيّة ، وبه قطع الأكثرون منهم ، وهو : أنّه لا يجب التّعريف فيما إذا قصد الحفظ أبدا ، وقالوا : إنّ التّعريف إنّما يجب لتحقيق شرط التّملّك .
وبيان كيفيّة التّعريف ومدّته ومكانه يرجع إليه في مصطلح ( لقطة ) .
ثالثاً - التّعريف في الدّعوى :
8 - لا خلاف بين الفقهاء : في أنّ تعريف الشّيء المدّعي والمدّعى عليه - بمعنى كونهما معلومين - شرط لسماع الدّعوى ، فلا بدّ من ذكر ما يعيّنهما ويعرّفهما ، لأنّ فائدة الدّعوى الإلزام بإقامة الحجّة ، والإلزام في المجهول غير متحقّق .
وفي كلّ ذلك خلاف وتفصيل ، يذكر في موطنه في مصطلح ( دعوى ) .
تعزير *
التّعريف :
1 - التّعزير لغة : مصدر عزّر من العزر ، وهو الرّدّ والمنع ، ويقال : عزّر أخاه بمعنى : نصره ، لأنّه منع عدوّه من أن يؤذيه ، ويقال : عزّرته بمعنى : وقّرته ، وأيضاً : أدّبته ، فهو من أسماء الأضداد . وسمّيت العقوبة تعزيراً ، لأنّ من شأنها أن تدفع الجاني وتردّه عن ارتكاب الجرائم ، أو العودة إليها .
وفي الاصطلاح : هو عقوبة غير مقدّرة شرعاً ، تجب حقّاً للّه ، أو لآدميّ ، في كلّ معصية ليس فيها حدّ ولا كفّارة غالباً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الحدّ :
2 - الحدّ لغة : المنع .
واصطلاحاً : عقوبة مقدّرة شرعاً وجبت حقّا للّه تعالى كحدّ الزّنى ، أو للعبد كحدّ القذف .
ب - القصاص :
3 - القصاص لغة : تتبّع الأثر . واصطلاحاً : هو أن يفعل بالجاني مثل ما فعل .
ج - الكفّارة :
4 - الكفّارة لغة : من التّكفير ، وهو المحو، والكفّارة جزاء مقدّر من الشّرع ، لمحو الذّنب. 5 - ويختلف التّعزير عن الحدّ والقصاص والكفّارة من وجوه منها :
أ - في الحدود والقصاص ، إذا ثبتت الجريمة الموجبة لهما لدى القاضي شرعاً ، فإنّ عليه الحكم بالحدّ أو القصاص على حسب الأحوال ، وليس له اختيار في العقوبة ، بل هو يطبّق العقوبة المنصوص عليها شرعا بدون زيادة أو نقص ، ولا يحكم بالقصاص إذا عفي عنه ، وله هنا التّعزير . ومردّ ذلك : أنّ القصاص حقّ للأفراد ، بخلاف الحدّ .
وفي التّعزير يختار القاضي من العقوبات الشّرعيّة ما يناسب الحال ، فيجب على الّذين لهم سلطة التّعزير الاجتهاد في اختيار الأصلح ، لاختلاف ذلك باختلاف مراتب النّاس ، وباختلاف المعاصي .
ب - إقامة الحدّ الواجب لحقّ اللّه لا عفو فيه ولا شفاعة ولا إسقاط ، إذا وصل الأمر للحاكم ، وثبت بالبيّنة ، وكذلك القصاص إذا لم يعف صاحب الحقّ فيه . والتّعزير إذا كان من حقّ اللّه تعالى تجب إقامته ، ويجوز فيه العفو والشّفاعة إن كان في ذلك مصلحة ، أو انزجر الجاني بدونه ، وإذا كان من حقّ الفرد فله تركه العفو وبغيره ، وهو يتوقّف على الدّعوى ، وإذا طالب صاحبه لا يكون لوليّ الأمر عفو ولا شفاعة ولا إسقاط .
ج - إثبات الحدود والقصاص عند الجمهور لا يثبت إلا بالبيّنة أو الاعتراف، بشروط خاصّة. وعلى سبيل المثال : لا يؤخذ فيه بأقوال المجنيّ عليه كشاهد ، ولا بالشّهادة السّماعيّة ، ولا باليمين ، ولا بشهادة النّساء . بخلاف التّعزير فيثبت بذلك ، وبغيره .
د - لا خلاف بين الفقهاء أنّ من حدّه الإمام فمات من ذلك فدمه هدر ، لأنّ الإمام مأمور بإقامة الحدّ ، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة .
أمّا التّعزير فقد اختلفوا فيه ، فعند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : الحكم كذلك في التّعزير . أمّا عند الشّافعيّة : فالتّعزير موجب للضّمان ، وقد استدلّوا على ذلك بفعل عمر رضي الله عنه ،" إذ أرهب امرأة ففزعت فزعاً ، فدفعت الفزعة في رحمها ، فتحرّك ولدها ، فخرجت ، فأخذها المخاض ، فألقت غلاما جنينا ، فأتي عمر رضي الله عنه بذلك ، فأرسل إلى المهاجرين فقصّ عليهم أمرها ، فقال : ما ترون ؟ فقالوا : ما نرى عليك شيئاً يا أمير المؤمنين ، إنّما أنت معلّم ومؤدّب ، وفي القوم عليّ رضي الله عنه ، وعليّ ساكت . قال : فما تقول : أنت يا أبا الحسن قال : أقول : إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا ، وإن كان هذا جهد رأيهم فقد أخطئوا ، وأرى عليك الدّية يا أمير المؤمنين ، قال : صدقت ، اذهب فاقسمها على قومك ". أمّا من يتحمّل الدّية في النّهاية ، فقيل : إنّما تكون على عاقلة وليّ الأمر . وقيل : إنّها تكون في بيت المال .
هـ - إنّ الحدود تدرأ بالشّبهات ، بخلاف التّعزير ، فإنّه يثبت بالشّبهة .
و - يجوز الرّجوع في الحدود إن ثبتت بالإقرار ، أمّا التّعزير فلا يؤثّر فيه الرّجوع .
ز - إنّ الحدّ لا يجب على الصّغير ، ويجوز تعزيره .
ح - إنّ الحدّ قد يسقط بالتّقادم عند بعض الفقهاء ، بخلاف التّعزير .
الحكم التّكليفيّ :
6 - جمهور الفقهاء : على أنّ الأصل في التّعزير أنّه مشروع في كلّ معصية لا حدّ فيها ، ولا كفّارة . ويختلف حكمه باختلاف حاله وحال فاعله .
حكمة التّشريع :
7 - التّعزير مشروع لردع الجاني وزجره ، وإصلاحه وتهذيبه .
قال الزّيلعيّ : إنّ الغرض من التّعزير الزّجر . وسمّى التّعزيرات : بالزّواجر غير المقدّرة . والزّجر معناه : منع الجاني من معاودة الجريمة ، ومنع غيره من ارتكابها ، ومن ترك الواجبات ، كترك الصّلاة والمماطلة في أداء حقوق النّاس .
أمّا الإصلاح والتّهذيب فهما من مقاصد التّعزير ، وقد بيّن ذلك الزّيلعيّ بقوله : التّعزير للتّأديب . ومثله تصريح الماورديّ وابن فرحون بأنّ : التّعزير تأديب استصلاح وزجر . وقال الفقهاء : إنّ الحبس غير المحدّد المدّة حدّه التّوبة وصلاح حال الجاني .
وقالوا : إنّ التّعزير شرع للتّطهير ، لأنّ ذلك سبيل لإصلاح الجاني .
وقالوا : الزّواجر غير المقدّرة محتاج إليها ، لدفع الفساد كالحدود .
وليس التّعزير للتّعذيب ، أو إهدار الآدميّة ، أو الإتلاف ، حيث لا يكون ذلك واجباً . وفي ذلك يقول الزّيلعيّ : التّعزير للتّأديب ، ولا يجوز الإتلاف ، وفعله مقيّد بشرط السّلامة . ويقول ابن فرحون : التّعزير إنّما يجوز منه ما أمنت عاقبته غالباً ، وإلا لم يجز .
ويقول البهوتيّ : لا يجوز قطع شيء ممّن وجب عليه التّعزير ، ولا جرحه ، لأنّ الشّرع لم يرد بشيء من ذلك ، عن أحد يقتدى به ، ولأنّ الواجب أدب ، والأدب لا يكون بالإتلاف . وكلّ ضرب يؤدّي إلى الإتلاف ممنوع ، سواء أكان هذا الاحتمال ناشئاً من آلة الضّرب ، أم من حالة الجاني نفسه ، أم من موضع الضّرب ، وتفريعاً على ذلك : منع الفقهاء الضّرب في المواضع الّتي قد يؤدّي فيها إلى الإتلاف .
ولذلك فالرّاجح : أنّ الضّرب على الوجه والفرج والبطن والصّدر ممنوع .
وعلى الأساس المتقدّم منع جمهور الفقهاء في التّعزير : الصّفع ، وحلق اللّحية ، وتسويد الوجه ، وإن كان البعض قال به في شهادة الزّور ، قال الأسروشنيّ : لا يباح التّعزير بالصّفع ، لأنّه من أعلى ما يكون من الاستخفاف . وقال : تسويد الوجه في شهادة الزّور ممنوع بالإجماع ، أي بين الحنفيّة .
قال البهوتيّ : يحرم التّعزير بحلق لحيته لما فيه من المثلة ولا تسويد وجهه .
والتّعزير بالقتل عند من يراه يشترط في آلته : أن تكون حادّة من شأنها إحداث القتل بسهولة ، بحيث لا يتخلّف عنها القتل ، وألّا تكون كالّة ، فذلك من المثلة ، والرّسول صلى الله عليه وسلم يقول : « إنّ اللّه عزّ وجلّ كتب الإحسان على كلّ شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة ، وليحدّ أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته » وفي ذلك أمر بالإحسان في القتل ، وإراحة ما أحلّ اللّه ذبحه من الأنعام ، فالإحسان في الآدميّ أولى .
المعاصي الّتي شرع فيها التّعزير :
8 - المعصية : فعل ما حرم ، وترك ما فرض ، يستوي في ذلك كون العقاب دنيويّاً أو أخرويّاً . أجمع الفقهاء على : أنّ ترك الواجب أو فعل المحرّم معصية فيها التّعزير ، إذا لم يكن هناك حدّ مقدّر .
ومثال ترك الواجب عندهم : منع الزّكاة ، وترك قضاء الدّين عند القدرة على ذلك ، وعدم أداء الأمانة ، وعدم ردّ المغصوب ، وكتم البائع ما يجب عليه بيانه ، كأن يدلّس في المبيع عيباً خفيّاً ونحوه ، والشّاهد والمفتي والحاكم يعزّرون على ترك الواجب .
ومثال فعل المحرّم : سرقة ما لا قطع فيه ، لعدم توافر شروط النّصاب أو الحرز مثلاً ، وتقبيل الأجنبيّة ، والخلوة بها ، والغشّ في الأسواق ، والعمل بالرّبا ، وشهادة الزّور .
وقد يكون الفعل مباحاً في ذاته لكنّه يؤدّي لمفسدة ، وحكمه عند كثير من الفقهاء - وعلى الخصوص المالكيّة - أنّه يصير حراماً ، بناء على قاعدة سدّ الذّرائع ، وعلى ذلك فارتكاب مثل هذا الفعل فيه التّعزير ، ما دام ليست له عقوبة مقدّرة .
وما ذكر هو عن الواجب والمحرّم ، أمّا عن المندوب والمكروه - فعند بعض الأصوليّين : المندوب مأمور به ، ومطلوب فعله ، والمكروه منهيّ عنه ، ومطلوب تركه .
ويميّز المندوب عن الواجب أنّ الذّمّ يسقط عن تارك المندوب ، لكنّه يلحق تارك الواجب .
ويميّز المكروه عن المحرّم : أنّ الذّمّ يسقط عن مرتكب المكروه ، ولكنّه يثبت على مرتكب المحرّم ، وبناء على ذلك ليس تارك المندوب أو فاعل المكروه عاصياً ، لأنّ العصيان اسم ذمّ ، والذّمّ أسقط عنهما ، ولكنّهم يعتبرون من يترك المندوب أو يأتي المكروه مخالفاً ، وغير ممتثل . وعند آخرين : المندوب غير داخل تحت الأمر ، والمكروه غير داخل تحت النّهي ، فيكون المندوب مرغّباً في فعله ، والمكروه مرغّباً عنه .
وعندهم لا يعتبر تارك المندوب وفاعل المكروه عاصياً .
وقد اختلف في تعزير تارك المندوب ، وفاعل المكروه ، ففريق من الفقهاء على عدم جوازه ، لعدم التّكليف ، ولا تعزير بغير تكليف . وفريق أجازه ، استناداً على فعل عمر رضي الله عنه ، فقد عزّر رجلا أضجع شاة لذبحها ، وأخذ يحدّ شفرته وهي على هذا الوضع ، وهذا الفعل ليس إلا مكروهاً ، ويأخذ هذا الحكم من يترك المندوب .
وقال القليوبيّ : قد يشرع التّعزير ولا معصية ، كتأديب طفل ، وكافر ، وكمن يكتسب بآلة لهو لا معصية فيها .