عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-19-2012, 07:30 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ما تكون فيه التّعبّديّات ، وأمثلة منها :
15 - يذكر بعض الأصوليّين أنّ التّعبّديّات أكثر ما تكون في أصول العبادات ، كاشتراع أصل الصّلاة أو الصّوم أو الاعتكاف . وفي نصب أسبابها ، كزوال الشّمس لصلاة الظّهر ، وغروبها لصلاة المغرب . وفي الحدود والكفّارات . وفي التّقديرات العدديّة بوجه عامّ ، كتقدير أعداد الرّكعات ، وتقدير عدد الجلدات في الحدود ، وتقدير أعداد الشّهود .
وذكر الشّاطبيّ من أمثلة وقوعها في العادات : طلب الصّداق في النّكاح ، وتخصيص الذّبح بمحلّ مخصوص ، والفروض المقدّرة في المواريث ، وعدد الأشهر في عدّة الطّلاق وعدّة الوفاة . ومن أمثلتها عند الحنابلة حديث : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتوضّأ الرّجل بفضل طهور المرأة » .
قال صاحب المغني : منع الرّجل من استعمال فضلة طهور المرأة تعبّديّ غير معقول المعنى ، نصّ عليه أحمد ، ولذلك يباح لامرأة سواها التّطهّر به في طهارة الحدث وغسل النّجاسة وغيرها ، لأنّ النّهي اختصّ بالرّجل ، ولم يعقل معناه ، فيجب قصره على محلّ النّهي . وهل يجوز للرّجل غسل النّجاسة به ؟ فيه وجهان : أحدهما : لا يجوز وهو قول القاضي . والثّاني : يجوز وهو الصّحيح ، لأنّه ماء يطهّر المرأة من الحدث والنّجاسة ، فيزيل النّجاسة إذا فعله الرّجل كسائر المياه .
والحديث لا تعقل علّته ، فيقتصر على ما ورد به لفظه - أي التّطهّر من الحدث لا غير .
الأصل في الأحكام من حيث التّعليل أو التّعبّد :
16 - اختلف الأصوليّون هل الأصل في الأحكام التّعليل أو عدمه ؟ فذهب البعض إلى الأوّل ، فلا تعلّل الأحكام إلّا بدليل . قالوا : لأنّ النّصّ موجب بصيغته لا بالعلّة . ونسب إلى الشّافعيّ رضي الله عنه : أنّ الأصل التّعليل بوصف ، لكن لا بدّ من دليل يميّزه من غيره . قال في التّلويح : والمشهور بين أصحاب الشّافعيّ : أنّ الأصل في الأحكام التّعبّد دون التّعليل . قال : والمختار : أنّ الأصل في النّصوص التّعليل ، وأنّه لا بدّ – أي لصحّة القياس – من دليل يميّز الوصف الّذي هو علّة ، ومع ذلك لا بدّ قبل التّعليل والتّمييز من دليل يدلّ على أنّ هذا الوصف الّذي يريد استخراج علّته معلّل في الجملة .
وذهب الشّاطبيّ إلى أنّ الأمر في ذلك يختلف بين العبادات والمعاملات ، قال : الأصل في العبادات بالنّسبة للمكلّف التّعبّد ، دون الالتفات إلى المعاني ، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني .
17 - فأمّا أنّ الأصل في العبادات التّعبّد ، فيدلّ له أمور منها :
الاستقراء . فالصّلوات خصّت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة إن خرجت عنها لم تكن عبادات ، ووجدنا الذّكر في هيئة ما مطلوباً ، وفي هيئة أخرى غير مطلوب ، وأنّ طهارة الحدث مخصوصة بالماء الطّهور ، وإن أمكنت النّظافة بغيره ، وأنّ التّيمّم - وليست فيه نظافة حسّيّة - يقوم مقام الطّهارة بالماء المطهّر .
وهكذا سائر العبادات كالصّوم والحجّ وغيرهما ، وإنّما فهمنا من حكمة التّعبّد العامّة الانقياد لأوامر اللّه تعالى ، وهذا المقدار لا يعطي علّة خاصّة يفهم منها حكم خاصّ ، فعلمنا أنّ المقصود الشّرعيّ الأوّل التّعبّد للّه بذلك المحدود ، وأنّ غيره غير مقصود شرعاً .
ومنها : أنّه لو كان المقصود التّوسعة في التّعبّد بما حدّ وما لم يحدّ ، لنصب الشّارع عليه دليلا واضحا ، ولمّا لم نجد ذلك كذلك - بل على خلافه - دلّ على أنّ المقصود الوقوف عند ذلك المحدود ، إلا أن يتبيّن بنصّ أو إجماع معنى مراد في بعض الصّور ، فلا لوم على من اتّبعه . لكنّ ذلك قليل ، فليس بأصل ، وإنّما الأصل ما عمّ في الباب وغلب على الموضع . 18 - ثمّ قال الشّاطبيّ : وأمّا إنّ الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني فلأمور :
الأوّل : الاستقراء ، فنرى الشّيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة ، فإذا كان فيه مصلحة جاز كالدّرهم بالدّرهم إلى أجل : تمتنع في المبايعة ، ويجوز في القرض . وكبيع الرّطب من جنس بيابسه . يمتنع حيث يكون مجرّد غرر وربا من غير مصلحة ، ويجوز إذا كان فيه مصلحة راجحة " كما في تمر العرايا أبيح بيعه بالتّمر توسعة على النّاس " ، ولتعليل النّصوص أحكام العادات بالمصلحة كما في قوله تعالى : { وَلَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةٌ } وفي آية تحريم الخمر { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عنْ ذِكْرِ اللَّهِ وِعنِ الصَّلاةِ فَهلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } وفي حديث : « لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان » ونحو ذلك .
والثّاني : أنّ أكثر ما علّل اللّه تعالى في العادات بالمناسب الّذي إذا عرض على العقول تلقّته بالقبول ، ففهمنا من ذلك أنّ قصد الشّارع فيها اتّباع المعاني ، لا الوقوف مع النّصوص . بخلاف العبادات ، فإنّ المعلوم فيها خلاف ذلك ، ولهذا توسّع مالك حتّى قال بقاعدة المصالح المرسلة ، والاستحسان .
والثّالث : أنّ الالتفات إلى المعاني في أمور العادات كان معلوما في الفترات ، واعتمد عليه العقلاء ، حتّى جرت بذلك مصالحهم ، سواء أهل الحكمة الفلسفيّة وغيرهم . إلا أنّهم قصّروا في جملة من التّفاصيل ، فجاءت الشّريعة لتتمّم مكارم الأخلاق . ومن هنا أقرّت الشّريعة جملة من الأحكام الّتي كانت في الجاهليّة ، كالدّية ، والقسامة ، والقراض ، وكسوة الكعبة ، وأشباه ذلك ممّا كان من محاسن العوائد ومكارم الأخلاق الّتي تقبلها العقول .
المفاضلة بين التّعبّديّ ومعقول المعنى :
19 - نقل ابن عابدين عن صاحب الفتاوى التمرتاشية أنّه قال : لم أقف على شيء من ذلك لعلمائنا في هذا ، سوى قولهم : الأصل في النّصوص التّعليل ، فإنّه يشير إلى أفضليّة المعقول معناه . قال : ووقفت على ذلك في فتاوى ابن حجر ، قال : قضيّة كلام ابن عبد السّلام أنّ التّعبّديّ أفضل ، لأنّه بمحض الانقياد ، بخلاف ما ظهرت علّته ، فإنّ ملابسه قد يفعل لتحصيل فائدته ، وخالفه البلقينيّ فقال : لا شكّ أنّ معقول المعنى من حيث الجملة أفضل ، لأنّ أكثر الشّريعة كذلك .
وظاهر كلام الشّاطبيّ الأخذ بقول من يقول : إنّ التّعبّديّ أفضل ، وذلك حيث قال : إنّ التّكاليف إذا علم قصد المصلحة فيها فللمكلّف في الدّخول تحتها ثلاثة أحوال :
الأوّل : أن يقصد بها ما فهم من مقصد الشّارع في شرعها . وهذا لا إشكال فيه ، ولكن لا ينبغي أن يخلّيه من قصد التّعبّد ، فكم ممّن فهم المصلحة فلم يلو على غيرها ، فغاب عن أمر الآمر بها . وهي غفلة تفوّت خيرات كثيرة ، بخلاف ما إذا لم يهمل التّعبّد .
ثمّ إنّ المصالح لا يقوم دليل على انحصارها فيما علم إلا نادراً ، فإذا لم يثبت الحصر كان قصد تلك الحكمة المعيّنة ربّما أسقط ما هو مقصود أيضا من شرع الحكم .
الثّاني : أن يقصد بها ما عسى أن يقصده الشّارع ، ممّا اطّلع عليه أو لم يطّلع عليه .
وهذا أكمل من القصد الأوّل ، إلا أنّه ربّما فاته النّظر إلى التّعبّد .
الثّالث : أن يقصد مجرّد امتثال الأمر ، فهم قصد المصلحة أو لم يفهم . قال : فهذا أكمل وأسلم . أمّا كونه أكمل فلأنّه نصب نفسه عبدا مؤتمرا ومملوكا ملبّيا ، إذ لم يعتبر إلّا مجرّد الأمر . وقد وكّل العلم بالمصلحة إلى العالم بها جملة وتفصيلا وهو اللّه تعالى .
وأمّا كونه أسلم ، فلأنّ العامل بالامتثال عامل بمقتضى العبوديّة ، فإن عرض له قصد غير اللّه ردّه قصد التّعبّد . فهذا الّذي قاله يتجلّى في التّعبّديّات أكثر ممّا يظهر فيما كان معقول المعنى من الأحكام . ومذهب الغزاليّ في ذلك أيضا أنّ التّعبّديّ أفضل ، كما هو واضح فيما تقدّم النّقل عنه من قوله : إنّ ما لا يهتدى لمعانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس . وفي حاشية ابن عابدين : أنّ هذين القولين في الأفضليّة هما على سبيل الإجمال ، أمّا بالنّظر إلى الجزيئات ، فقد يكون التّعبّديّ أفضل كالوضوء وغسل الجنابة ، فإنّ الوضوء أفضل . وقد يكون المعقول أفضل كالطّواف والرّمي ، فإنّ الطّواف أفضل .
خصائص التّعبّديّات :
20 - من أحكام التّعبّديّات :
أ - أنّه لا يقاس عليها ، لأنّ القياس فرع معرفة العلّة ، والفرض : أنّ التّعبّديّ لم تعرف علّته ، فيمتنع القياس عليه ، ولا يتعدّى حكمه موضعه ، سواء أكان مستثنى من قاعدة عامّة ولا يعقل معنى الاستثناء ، كتخصيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة ، وتخصيص أبي بردة بالتّضحية بعناق ، أم لم يكن كذلك ، بل كان حكما مبتدأ ، كتقدير أعداد الرّكعات ، ووجوب شهر رمضان ، ومقادير الحدود والكفّارات وأجناسها ، وجميع التّحكّمات المبتدأة الّتي لا ينقدح فيها معنى ، فلا يقاس عليها غيرها .
21 - وبناء على هذا الأصل وقع الخلاف بين الفقهاء في فروع فقهيّة ، منها : رجم اللّوطيّ ، رفضه الحنفيّة ، وأثبته مالك وأحمد في رواية عنه والشّافعيّ في أحد قوليه .
قال الحنفيّة : لا يجري القياس في الحدود والكفّارات ، لأنّ الحدود مشتملة على تقديرات لا تعرف ، كعدد المائة في حدّ الزّنى ، والثّمانين في القذف ، فإنّ العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد ، قالوا : وما كان يعقل منها - أي من أحكام الحدود - فإنّ الشّبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب عدم إثباته بالقياس ، وهذا كقطع يد السّارق لكونها جنت بالسّرقة فقطعت .
وهكذا اختلاف تقديرات الكفّارات ، فإنّه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الرّكعات .
وأجاز غير الحنفيّة القياس في الحدود والكفّارات ، لكن فيما يعقل معناه من أحكامها لا فيما لا يعقل منها ، كما في غير الحدود والكفّارات .
ب - قال الشّاطبيّ : إنّ التّعبّديّات ما كان منها من العبادات فلا بدّ فيه من نيّة كالطّهارة ، والصّلاة ، والصّوم . ومن لم يشترط النّيّة في بعضها فإنّه يبني على كون ذلك البعض معقول المعنى ، فحكمه كما لو كان من أمور العادات .
أمّا صوم رمضان والنّذر المعيّن ، فلم يشترط الحنفيّة لهما تبييت النّيّة ولا التّعيين ، ووجه ذلك عندهم : أنّه لو نوى غيرهما في وقتهما انصرف إليهما ، بناء على أنّ الكفّ عن المفطرات قد استحقّه الوقت ، فلا ينصرف لغيره ، ولا يصرفه عنه قصد سواه . ومن هذا ما قال الحنابلة في غسل القائم من نوم اللّيل يده قبل إدخالها الإناء : إنّه تعبّديّ ، فتعتبر له النّيّة الخاصّة ، ولا يجزئ عن غسلهما نيّة الوضوء أو الغسل ، لأنّهما عبادة مفردة .

تعبير *
التّعريف :
1 - التّعبير لغة : التّبيين . يقال : عبّر عمّا في نفسه : أي أعرب وبيّن ويقال لمن أعرب عن عييّ : عبّر عنه . واللّسان يعبّر عمّا في الضّمير : أي يبيّن .
والاسم : العبرة والعِبارة والعَبارة . وخصّه أبو البقاء الكفويّ بتعبير الرّؤيا ، وهو : العبور من ظواهرها إلى بواطنها . واستعمال الفقهاء له لا يخرج عن معناه اللّغويّ .
طرق التّعبير :
2 - هناك أكثر من طريق للتّعبير عن الإرادة ، فقد يكون بالقول ، وقد يكون بالفعل ، وقد يكون بالسّكوت أو الضّحك والبكاء .
والفعل : إمّا أن يكون بالمعاطاة ، أو بالكتابة ، أو بالإشارة .
أوّلاً : التّعبير بالقول :
3 - الأصل في التّعبير عن الإرادة : أن يكون بالقول ، لأنّه من أوضح الدّلالات على تلك الإرادة ، ولأنّ الرّضا أو عدمه أمر خفيّ قلبيّ ، لا اطّلاع لنا عليه ، فنيط الحكم بسبب ظاهر وهو القول ، لذلك كانت الصّيغة أو الإيجاب والقبول ركنا في جميع العقود ، سواء كانت تلك العقود معاوضات : كالبيع والإجارة ، أو تبرّعات : كالهبة والإعارة ، أو استيثاقات : كالرّهن ، أو ما تكون تبرّعا ابتداء ومعاوضة انتهاء : كالقرض ، أو غيرها من العقود كالشّركة والوكالة والنّكاح والطّلاق . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( صيغة ) .
ثانياً : التّعبير بالفعل :
4 - تظهر صورة التّعبير بالفعل واضحة في المعاطاة ، وذلك في بيع المعاطاة أو التّعاطي . وصورته : أن يدفع المشتري الثّمن ويأخذ المبيع من غير إيجاب ولا قبول قوليّين . وهو موضع خلاف بين الفقهاء :
فذهب الجمهور - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، والمتولّي والبغويّ من الشّافعيّة - إلى صحّته وانعقاده بتلك الصّورة ، لأنّ الفعل يدلّ على الرّضا عرفاً . والمقصود من البيع إنّما هو أخذ ما في يد غيره بعوض يرضاه ، فلا يشترط القول ، ويكفي الفعل بالمعاطاة .
وذهب أكثر الشّافعيّة : إلى أنّ البيع لا ينعقد بالمعاطاة ، لأنّ الفعل لا يدلّ بوضعه على التّراضي ، فالمقبوض بها كالمقبوض ببيع فاسد ، فيطالب كلّ صاحبه بما دفع إليه إن بقي ، أو ببدله إن تلف .
وخصّ بعض الفقهاء ( كابن سريج والرّويانيّ من الشّافعيّة ، والكرخيّ من الحنفيّة ) جواز بيع المعاطاة بالمحقّرات ، وهي ما جرت العادة فيها بالمعاطاة ، كرطل خبز وحزمة بقل .
وقال الحنابلة بصحّة بيع المعاطاة ، بشرط عدم تأخير القبض للطّالب في نحو : خذ هذا بدرهم ، أو عدم تأخير الإقباض للطّلب نحو : أعطني بهذا الدّرهم خبزا لأنّه إذا اعتبر عدم التّأخير في الإيجاب والقبول اللّفظيّ ، فاعتبار عدم التّأخير في المعاطاة أولى .
قال البهوتيّ : وظاهره أنّ التّأخير في المعاطاة مبطل ، ولو كان بالمجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه لضعفها عن الصّيغة القوليّة . واعتبر المالكيّة التّقابض في المعاطاة شرط لزوم ، فمن أخذ رغيفا من شخص ودفع له ثمنه ، فلا يجوز له ردّه وأخذ بدله ، للشّكّ في التّماثل . بخلاف ما لو أخذ رغيفا ولم يدفع ثمنه ، فيجوز له ردّه وأخذ بدله ، لعدم لزوم البيع .
وقد نصّ الحنفيّة على أنّ : الإقالة ، والإجارة - إن عُلِمتْ الأجرة - والصّرف ، والهبة ، والهديّة ، ونحوها . تصحّ وتنعقد بالتّعاطي ، ونصّوا كذلك على أنّ القبول في العاريّة يصحّ بالفعل كالتّعاطي ، وأمّا الإيجاب فلا يصحّ به . وعند المالكيّة : كلّ إشارة فهم منها الإيجاب والقبول لزم بها البيع وسائر العقود ، ونصّوا على أنّ الشّركة تنعقد بالفعل الدّالّ عليها كما لو خلطا ماليهما وباعا . وتمسّك الشّافعيّة بأصلهم ، وهو : عدم صحّة العقد بالمعاطاة في سائر العقود . إلا العاريّة ، فإنّها تصحّ عندهم بلفظ من أحدهما مع فعل من الآخر ، ولا يكفي الفعل من الطّرفين إلا في بعض الصّور ، كمن اشترى شيئاً وسلّمه له في ظرف ، فالظّرف معار في الأصحّ . واختار النّوويّ صحّة الهبة بالمعاطاة .
ونصّ الحنابلة على انعقاد الإجارة والمضاربة والإقالة والعاريّة والوكالة والهبة بالفعل كالتّعاطي ، وذلك لأنّ المقصود المعنى ، فجاز بكلّ ما يدلّ عليه .
ثالثاً : التّعبير بالكتابة :
5 - اتّفق الفقهاء على صحّة العقود وانعقادها بالكتابة ، ويعتبر في القبول أن يكون في مجلس بلوغ الكتاب ، ليقترن بالإيجاب بقدر الإمكان .
وجعل الشّافعيّة الكتابة من باب الكناية ، فتنعقد بها العقود مع النّيّة . واستثنوا من ذلك عقد النّكاح ، فلا ينعقد بالكتابة عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - .
وأجازه الحنفيّة في الغائب دون الحاضر ، بشرط إعلام الشّهود بما في الكتاب .
واتّفق الفقهاء أيضا على وقوع الطّلاق بالكتابة ، لأنّ الكتابة حروف يفهم منها الطّلاق ، فأشبهت النّطق ، ولأنّ الكتابة تقوم مقام قول الكاتب ، بدليل أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بتبليغ الرّسالة ، فبلّغ بالقول مرّة ، وبالكتابة أخرى .
والكتابة الّتي يقع بها الطّلاق إنّما هي الكتابة المستبينة ، كالكتابة على الصّحيفة والحائط والأرض ، على وجه يمكن فهمه وقراءته .
وأمّا الكتابة غير المستبينة كالكتابة على الهواء والماء وشيء لا يمكن فهمه وقراءته ، فلا يقع بها الطّلاق ، لأنّ هذه الكتابة بمنزلة الهمس بلسانه بما لا يسمع . واعتبر الشّافعيّة الكتابة بالطّلاق من باب الكناية ، فتفتقر إلى نيّة من الكاتب ، وقصر الحنفيّة النّيّة على الكتابة المستبينة غير المرسومة - أي أن لا يكون الكتاب مصوّراً ومعنوناً - .
وعند الحنابلة : إن كتب طلاقها بالصّريح وقع وإن لم ينوه . وإن كتبه بالكناية فهو كناية . وعند المالكيّة : إن كتبه عازماً على الطّلاق بكتابته فيقع بمجرّد فراغه من كتابة: هي طالق. ومثله : لو كتب : إذا جاءك كتابي فأنت طالق . وعندهم قول ثان : بأن يوقف الطّلاق على وصول الكتاب ، وقوّاه الدّسوقيّ لتضمّن " إذا " معنى الشّرط . وإن كتبه مستشيراً أو متردّداً فلا يقع الطّلاق ، إلا إذا أخرجه عازماً ، أو أخرجه ولا نيّة له فيقع الطّلاق بمجرّد إخراجه . وأمّا إذا أخرجه - وهو كذلك - متردّداً أو مستشيراً ، أو لم يخرجه ، فإمّا أن يصل إليها ، وإمّا أن لا يصل إليها ، فإن وصل إليها حنث وإلا فلا . وأمّا إن كتبه ولا نيّة له أصلاً حين بالكتابة فيلزمه الطّلاق ، لحمله على العزم عند ابن رشد خلافاً للّخميّ .
رابعاً : التّعبير بالإشارة :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ إشارة الأخرس المفهمة تقوم مقام اللّفظ في سائر العقود للضّرورة ، لأنّ ذلك يدلّ على ما في فؤاده ، كما يدلّ عليه النّطق من النّاطق .
واختلفوا في إشارة غير الأخرس .
فذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى عدم اعتبارها في العقود .
وذهب المالكيّة إلى أنّ إشارة النّاطق معتبرة كنطقه - قالوا - وهي أولى بالجواز من المعاطاة - لأنّها يطلق عليها أنّها كلام . قال اللّه تعالى : { آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثةَ أيَّامٍ إلا رَمْزَاً } والرّمز : الإشارة . وللتّفصيل انظر مصطلح ( إشارة ) .
خامساً : التّعبير بالسّكوت :
7 - اعتبر الفقهاء سكوت البكر البالغة العاقلة تعبيراً عن رضاها بالنّكاح ، لما روت عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « يا رسول اللّه إنّ البكر تستحي قال : رضاها صماتها » وأخرج الإمام مسلم في صحيحه : « الأيِّم أحقّ بنفسها من وليّها ، والبِكر تُسْتأمر ، وإذنها سكوتها » وألحقوا بالسّكوت الضّحك والبكاء ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال :
« قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اليتيمة تستأمر في نفسها ، فإن صمتت فهو إذنها ، وإن أبتْ فلا جواز عليها » ولأنّها غير ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان ، فكان ذلك إذناً منها . ولم يعتبر الحنفيّة والشّافعيّة البكاء إن كان مع الصّياح والصّوت ، لأنّ ذلك يشعر بعدم الرّضا . وقال المالكيّة : إن علم من بكائها أنّه منع لم تزوّج .
ونصّ الحنفيّة على عدم اعتبار الضّحك إن كان باستهزاء ، لأنّ الضّحك إنّما جعل إذنا لدلالته على الرّضا ، فإذا لم يدلّ على الرّضا لم يكن إذناً .
قال ابن عابدين نقلا عن الفتح : والمعوّل اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضّحك ، فإن تعارضت أو أشكل احتيط . وثمّة تفصيلات واستثناءات تفصيلها في ( النّكاح ) .

تعبير الرّؤيا *
انظر : رؤيا .

تعجيز *
التّعريف :
1 - التّعجيز لغة : مصدر عجّز . يقال : عجّزته تعجيزاً : إذا جعلته عاجزاً ، وعجّز فلان رأيَ فلان : إذا نسبه إلى خلاف الحزم ، كأنّه نسبه إلى العجز .
وهو لا يخرج في الاصطلاح الفقهيّ عن هذا المعنى ، وهو : نسبة الشّخص إلى العجز . ولكنّ الفقهاء لم يستعملوا هذا اللّفظ إلا في حالتين : الأولى : تعجيز المكاتب . والأخرى : تعجيز القاضي أحد الخصمين عن إقامة البيّنة . وفيما يلي بيان هاتين الحالتين إجمالاً :
أوّلاً : تعجيز المكاتب :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ الكتابة عقد لازم من جانب السّيّد ، وهو : أن يتعاقد السّيّد مع عبده . أو أمته على أن يؤدّي إليه كذا من المال منجّزاً ، أو مؤجّلاً ، ويكون حرّاً . فلا يملك فسخها ، ولا يجوز تعجيز المكاتب قبل عجز المكاتب عن أداء ما عليه .
أمّا إن حلّ النّجم ( القسط ) فللسّيّد مطالبته بما حلّ من نجومه ، لأنّه حقّ له .
فإن عجز المكاتب عنها ، فهل يحقّ للسّيّد فسخ الكتابة وتعجيز المكاتب أم لا ؟ .
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى أنّ للسّيّد أن يفسخ الكتابة بنفسه ، دون الرّجوع إلى الحاكم أو السّلطان ، إذا عجز المكاتب عن أداء ما عليه بعد حلول النّجم ، لفعل ابن عمر رضي الله عنهما ذلك .
ويرى المالكيّة : أنّه ليس له ذلك ، إلا عن طريق الحاكم أو السّلطان .
3 - وذهب الجمهور كذلك - وهم : الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - إلى أنّه يجوز للمكاتب أن يعجّز نفسه . كأن يقول : أنا عاجز عن كتابتي ، وعند ذلك يجوز للسّيّد الصّبر أو الفسخ ، إمّا عن طريق الحاكم أو بنفسه . كما أنّ للقاضي أن يعجّزه إذا طلب ذلك السّيّد أو ورثته ، بعد حلول النّجم وعدم الوفاء بما كوتب عليه .
أمّا الحنابلة فيرون : أنّه ليس للعبد أن يعجّز نفسه إذا كان مقتدراً ، لأنّ عقد الكتابة عندهم لازم من الطّرفين . والتّفاصيل في مصطلح : ( كتابة ) .
ثانياً : عجز المدّعي أو المدّعى عليه :
4 - أكثر من استعمل من الفقهاء لفظ التّعجيز هم المالكيّة ، حيث ذهبوا : إلى أنّه إذا انقضت الآجال الّتي ضربها القاضي للمدّعي لإحضار بيّنته ، وفترة التّلوّم ، ولم يأت الشّخص المؤجّل بشيء يوجب له نَظِرَةً ، عجَّزه القاضي ، وأنفذ القضاء عليه ، وسجّل ، وقطع بذلك تبعته عن خصمه ، ثمّ لا يسمع له بعد ذلك حجّة ، ولا تقبل منه بيّنة إن أتى بها ، سواء أكان مدّعيا أم مدّعى عليه .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة : إلى أنّ المدّعي يمهل إذا طلب مهلة لإحضار البيّنة ، ويترك ما ترك ، لأنّه هو الطّالب للحقّ . أمّا المدّعى عليه فلا يمهل أكثر من ثلاثة أيّام ، ثمّ يحكم بتعجيزه ، ويسقط حقّه في الحلف ، ثمّ يحلف المدّعي فيحكم له .
أمّا الحنفيّة فيرون : أنّ القاضي يحكم للمدّعي على المدّعى عليه بنفس النّكول ، بعد أن يكرّر عليه اليمين ثلاث مرّات . لقوله صلى الله عليه وسلم « البيّنةُ على من ادّعى ، واليمين على من أنكر » . والتّفاصيل في مصطلح : ( دعوى ) .

تعجيل *
التّعريف :
1 - التّعجيل : مصدر عجّل . وهو في اللّغة : الاستحثاث ، وطلب العجلة ، وهي : السّرعة. ويقال : عجّلت إليه المال : أسرعت إليه ، فتعجّله : فأخذه بسرعة وهو في الشّرع : الإتيان بالفعل قبل الوقت المحدّد له شرعاً ، كتعجيل الزّكاة ، أو في أوّل الوقت ، كتعجيل الفطر .
الألفاظ ذات الصّلة :
الإسراع :
2 - الإسراع : مصدر أسرع ، والسّرعة : اسم منه ، وهي نقيض البطء .
والفرق بين الإسراع والتّعجيل كما قال العسكريّ : إنّ السّرعة التّقدّم فيما ينبغي أن يتقدّم فيه ، وهي محمودة ، ونقيضها مذموم ، وهو : الإبطاء .
والعجلة التّقدّم فيما لا ينبغي أن يتقدّم فيه ، وهي مذمومة ، ونقيضها محمود، وهو : الأناة. فأمّا قوله تعالى { وَعَجِلْتُ إليكَ رَبِّ لِتَرْضَى } فإنّ ذلك بمعنى : أسرعت .
الحكم الإجماليّ :
3 - التّعجيل مشروع في مواضع : كتعجيل تجهيز الميّت ، وقضاء الدّين .
وغير مشروع في مواضع : كتعجيل الصّلاة قبل وقتها . والمشروع منه تارة يكون واجباً : كتعجيل التّوبة من الذّنب . وتارة يكون مندوباً : كتعجيل الفطر في رمضان .
وتارة يكون مباحاً : كتعجيل الكفّارات ، وتارة يكون مكروهاً أو خلاف الأولى : كتعجيل إخراج الزّكاة قبل الحول . وغير المشروع : منه ما يكون باطلاً، كتعجيل الصّلاة قبل وقتها.
أنواع التّعجيل
أوّلاً : التّعجيل بالفعل عند وجود سببه
أ - التّعجيل بالتّوبة من الذّنب :
4 - تجب التّوبة على كلّ مكلّف على الفور عقيب الذّنب .
وقد دلّت على ذلك نصوص الكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة . قال اللّه تعالى { إنَّمَا التَّوْبَةُ على اللَّهِ لِلَّذينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهمْ } .
وقوله تعالى : { إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إذا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فإذا هُمْ مُبْصِرُونَ } .
ونقل القرطبيّ وغيره : الإجماع على وجوب تعجيل التّوبة ، وأنّها على الفور .
ب - التّعجيل بتجهيز الميّت :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّه يندب الإسراع بتجهيز الميّت إذا تيقّن موته ، لما ثبت « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم - لمّا عاد طلحة بن البراء رضي الله عنه - قال : إنّي لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت ، فآذنوني به ، وعجّلوا ، فإنّه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله » . والصّارف عن وجوب التّعجيل : الاحتياط للرّوح ، لاحتماله الإغماء ونحوه . وفي الحديث « أسرعوا بالجنازة ، فإن تكُ صالحةً فخيرٌ تقدّمونها إليه ، وإن يكُ سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم » . ويندب تأخير من مات فجأة أو غرقاً .
ج - التّعجيل بقضاء الدّين :
6 - يجب تعجيل الوفاء بالدّين عند استحقاقه ويحرم على القادر المطل فيه .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : مطل الغنيّ ظلم ، فإن أتبع أحدكم على مليء فليتبع » أي فإن أحيل على موسر فليقبل الحوالة .
قال ابن حجر في الفتح : المعنى : أنّه من الظّلم ، وأطلق ذلك للمبالغة في التّنفير عن المطل ، والمراد من المطل هنا : تأخير ما استحقّ أداؤه بغير عذر .
د - التّعجيل بإعطاء أجرة الأجير :
7 - ثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقُه» والأمر بإعطائه قبل جفاف عرقه إنّما هو كناية عن وجوب المبادرة عقب فراغ العمل ، إذا طلب ، وإن لم يعرق ، أو عرق وجفّ . وذلك لأنّ أجره عمالة جسده ، وقد عجّل منفعته ، فإذا عجّلها استحقّ التّعجيل . ومن شأن الباعة : إذا سلّموا قبضوا الثّمن عند التّسليم ، فهو أحقّ وأولى ، إذ كان ثمن مهجته ، لا ثمن سلعته ، فيحرم مطله والتّسويف به مع القدرة .
هـ - التّعجيل بتزويج البكر :
8 - استحبّ بعض العلماء التّعجيل بإنكاح البكر إذا بلغت ، لحديث : « يا عليّ : ثلاث لا تؤخّرها : الصّلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيّم إذا وجدت لها كفؤاً »
واستثنوا ذلك من ذمّ العجلة ، وأنّها من الشّيطان .
و - التّعجيل بالإفطار في رمضان :
9 - اتّفق الفقهاء : على أنّ تعجيل الفطر من السّنّة ، لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم
« لا يزال النّاس بخير ما عجّلوا الفطر » ولحديث أبي ذرّ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطر ، وأخّروا السّحور » .
وإنّما يسنّ له التّعجيل : إذا تحقّق من غروب الشّمس ، وعدم الشّكّ فيه ، لأنّه إذا شكّ في الغروب حرم عليه الفطر اتّفاقاً ، وأجاز الحنفيّة تعجيل الفطر بغلبة الظّنّ .
ز - تعجيل الحاجّ بالنّفر من منى :
10 - يجوز للحاجّ التّعجّل في اليوم الثّاني من أيّام الرّمي ، لقوله تعالى { فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَينِ فلا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ لِمَنْ اتَّقَى } ولما روى عبد الرّحمن بن يعمر رضي الله عنه : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : أيّام منى ثلاث ، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخّر فلا إثم عليه » .
وشرط جوازه عند الجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - أن يخرج الحاجّ من منى قبل الغروب ، فيسقط عنه رمي اليوم الثّالث ، فإن لم يخرج حتّى غربت الشّمس لزمه المبيت بمنى ، ورمى اليوم الثّالث . وذلك لأنّ اليوم اسم للنّهار ، فمن أدركه اللّيل فما تعجّل في يومين ، وثبت عن عمر رضي الله عنه أنّه قال " من غربت عليه الشّمس وهو بمنى ، فلا ينفرن ، حتّى يرمي الجمار من أوسط أيّام التّشريق " .
ولم يفرّق الشّافعيّة والحنابلة في هذا الشّرط بين المكّيّ والآفاقيّ .
وذهب المالكيّة : إلى التّفريق بينهما ، وخصّوا شرط التّعجيل بالمتعجّل من أهل مكّة ، وأمّا إن كان من غيرها فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب من اليوم الثّاني ، وإنّما يشترط نيّة الخروج قبل الغروب من اليوم الثّاني .
ولم يشترط الحنفيّة ذلك ، وقالوا : له أن ينفر بعد الغروب مع الكراهة ، ما لم يطلع فجر اليوم الثّالث ، وذلك لأنّه لم يدخل اليوم الآخر ، فجاز له النّفر ، كما قبل الغروب .
واختلف الفقهاء في أهل مكّة هل ينفرون النّفر الأوّل ؟ فقيل : ليس لهم ذلك . فقد ثبت عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه قال : من شاء من النّاس كلّهم أن ينفروا في النّفر الأوّل ، إلّا آل خزيمة ، فلا ينفرون إلّا في النّفر الآخر . وكان أحمد بن حنبل يقول : لا يعجبني لمن نفر النّفر الأوّل أن يقيم بمكّة ، وقال : أهل مكّة أخفّ ، وجعل أحمد معنى قول عمر " إلا آل خزيمة " أي : أنّهم أهل الحرم ، وحمله في المغني على الاستحباب ، محافظة على العموم . وكان مالك يقول في أهل مكّة من كان له عذر فله أن يتعجّل في يومين ، فإن أراد التّخفيف عن نفسه ممّا هو فيه من أمر الحجّ فلا ، فرأى أنّ التّعجيل لمن بعد قطره .
وقال أكثر أهل العلم : الآية على العموم ، والرّخصة لجميع النّاس ، أهل مكّة وغيرهم ، سواء أراد الخارج من منى المقام بمكّة ، أو الشّخوص إلى بلده .
11 - واختلف الفقهاء في الأفضليّة بين التّعجيل والتّأخير ، فذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) : إلى أنّ تأخير النّفر إلى الثّالث أفضل ، للاقتداء بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم . وذهب المالكيّة : إلى أنّه لا تفضيل بين التّعجيل والتّأخير ، بل هما مستويان . ونصّ الفقهاء على كراهة التّعجيل للإمام ، لأجل من يتأخّر .
وأمّا ثمرة التّعجيل فهي سقوط رمي اليوم الثّالث ، ومبيت ليلته عنه .
ثانياً : تعجيل الفعل قبل وجوبه
أ - التّعجيل بالصّلاة قبل الوقت :
12 - أجمع العلماء : على أنّ لكلّ صلاة من الصّلوات الخمس وقتاً محدّداً ، لا يجوز إخراجها عنه ، لقوله تعالى : { إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ على المُؤْمِنينَ كِتَابَاً مَوْقُوتَاً } أي : محتّمة مؤقّتة : ولحديث المواقيت المشهور .
وقد رخّص الشّارع في تعجيل الصّلاة قبل وقتها في حالات ، منها :
1 - جمع الحاجّ الظّهر والعصر جمع تقديم في عرفة .
ب - جواز الجمع للمسافر بين العصرين " الظّهر والعصر " والعشاءين " المغرب والعشاء " تقديماً عند جمهور العلماء ، خلافاً للحنفيّة .
2 - جواز الجمع للمريض ، جمع تقديم عند المالكيّة والحنابلة .
3 - جواز الجمع بين العشاءين تقديماً ، لأجل المطر والثّلج والبرد عند جمهور العلماء
" المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " وزاد الشّافعيّة جوازه بين العصرين أيضاً .
4 - جواز الجمع بين الصّلاتين ، إذا اجتمع الطّين مع الظّلمة ، عند المالكيّة ، وجوّزه الحنابلة بمجرّد الوحل ، في إحدى الرّوايتين ، وصحّحها ابن قدامة .
5 - جواز الجمع لأجل الخوف عند الحنابلة .
6 - جواز الجمع لأجل الرّيح الشّديدة في اللّيلة المظلمة الباردة ، عند الحنابلة ، في أحد الوجهين ، وصحّحه الآمديّ .
ب - التّعجيل بإخراج الزّكاة قبل الحول :
13 - ذهب جمهور الفقهاء : إلى جواز تعجيل إخراج الزّكاة قبل الحول في الجملة ، وذلك لأنّ « العبّاس رضي الله عنه سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحلّ ، فرخّص له في ذلك » ، ولأنّه حقّ ماليّ جعل له أجل للرّفق ، فجاز تعجيله قبل أجله ، كالدّين . ولأنّه - كما قال الشّافعيّة - وجب بسببين ، وهما : النّصاب ، والحول : فجاز تقديمه على أحدهما ، كتقديم كفّارة اليمين على الحنث . ومنعه ابن المنذر ، وابن خزيمة من الشّافعيّة ، وأشهب من المالكيّة ، وقال : لا تجزئ قبل محلّه كالصّلاة ، ورواه عن مالك ، ورواه كذلك ابن وهب . قال ابن يونس : وهو الأقرب ، وغيره استحسان .
ونصّ الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة : على أنّ تركه أفضل ، خروجاً من الخلاف .
واختلف الفقهاء في المدّة الّتي يجوز تعجيل الزّكاة فيها : فذهب الحنفيّة : إلى جواز تعجيل الزّكاة لسنين ، لوجود سبب الوجوب ، وهو : ملك النّصاب النّامي .
وقيّده الحنابلة بحولين فقط ، اقتصاراً على ما ورد . فقد روى عليّ رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تعجّل من العبّاس رضي الله عنه صدقة سنتين » لقوله صلى الله عليه وسلم : « أمّا العبّاس فهي عليّ ومثلها معها » ولما روى أبو داود من « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم تسلّف من العبّاس صدقة عامين » وهو وجه عند الشّافعيّة ، صحّحه الإسنويّ وغيره ، وعزوه للنّصّ . وذهب الشّافعيّة : إلى عدم جواز تعجيل الزّكاة لأكثر من عام ، وذلك : لأنّ زكاة غير العام الأوّل لم ينعقد حولها ، والتّعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز ، كالتّعجيل قبل كمال النّصاب في الزّكاة العينيّة .
أمّا المالكيّة : فلم يجيزوا تعجيل الزّكاة لأكثر من شهر قبل الحول على المعتمد ، وتكره عندهم بشهر . وفي المسألة تفصيلات تنظر في الزّكاة .
ج - تعجيل الكفّارات :
تعجّل كفّارة اليمين قبل الحنث :
14 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - : إلى جواز تعجيل كفّارة اليمين قبل الحنث ، لما روى عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : يا عبد الرّحمن ، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك ، ثمّ ائت الّذي هو خير » .
واستثنى الشّافعيّة الصّوم من خصال الكفّارة ، وقالوا بعدم جواز التّعجيل به قبل الحنث ، وذلك لأنّه عبادة بدنيّة ، فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه بغير حاجة ، كالصّلاة ، وصوم رمضان ، ولأنّه إنّما يجوز التّكفير به عند العجز عن جميع الخصال الماليّة . والعجز إنّما يتحقّق بعد الوجوب . وهو رواية عند الحنابلة .
وذهب الحنفيّة : إلى عدم جواز تعجيل كفّارة اليمين قبل الحنث ، لأنّ الكفّارة لستر الجناية ، ولا جناية قبل الحنث .
15 - ثمّ إنّ القائلين بجواز التّعجيل اختلفوا في أيّهما أفضل : التّكفير قبل الحنث أم بعده ؟. فذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، وأحمد في رواية ، وابن أبي موسى ، وصوّبه المرداويّ من الحنابلة : إلى أنّ تأخيرها عن الحنث أفضل ، خروجاً من الخلاف .
والرّواية الأخرى عن أحمد على الصّحيح من المذهب : أنّ التّكفير قبل الحنث وبعده في الفضيلة سواء ، وذلك في غير الصّوم ، لتعجيل النّفع للفقراء .
تعجيل كفّارة الظّهار :
16 - اختلف الفقهاء في جواز تعجيل كفّارة الظّهار قبل العود ، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى جواز تعجيلها ، لوجود سببها ، وذلك كتعجيل الزّكاة قبل الحول ، وبعد كمال النّصاب . وذهب المالكيّة : إلى أنّها لا تجزئ قبل العود .
وذهب الشّافعيّة : إلى جواز التّعجيل بكفّارة الظّهار قبل العود به ، وذلك بالمال - وهو التّحرير والإطعام - لا بالصّوم ، والمراد بالعود عندهم : إمساك المظاهر منها مدّة يمكن للمظاهر أن يطلّقها فيها ، مع القدرة على الطّلاق . وصورة التّعجيل في كفّارة الظّهار : أن يظاهر من مطلّقته رجعيّا ، ثمّ يكفّر ، ثمّ يراجعها . وعندهم صور أخرى .
والمراد بالعود عند الحنفيّة : إرادة العزم على الوطء .
وعند المالكيّة هو إرادة الوطء ، مع استدامة العصمة ، كما قاله ابن رشد .
تعجيل كفّارة القتل :
17 - يجوز تعجيل كفّارة القتل بعد الجرح ، وقبل الزّهوق ، وتجزئ عنه ، وذلك لتقدّم السّبب ، كتعجيل إخراج الزّكاة قبل الحول . واستثنى الشّافعيّة تعجيل التّكفير بالصّوم ، لأنّه عبادة بدنيّة ، فلا يجوز تقديمه على وقت وجوبه بغير حاجة ، كالصّلاة ، وصوم رمضان .
د - التّعجيل بقضاء الدّين المؤجّل :
18 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّه لا يجب أداء الدّين المؤجّل قبل حلول أجله ، لكن لو أدّي قبله صحّ ، وسقط عن ذمّة المدين ، وذلك لأنّ الأجل حقّ المدين ، فله إسقاطه ، ويجبر الدّائن على القبول .
رد مع اقتباس