تعارض الأصل والظّاهر :
21 - المراد بالأصل : بقاء ما كان على ما كان ، والظّاهر : ما يترجّح وقوعه .
فالأصل براءة الذّمّة ، ولذا لم يقبل في شغلها شاهد واحد ، ولذا كان القول قول المدّعى عليه لموافقته الأصل ، والبيّنة على المدّعي ، لدعواه ما خالف الأصل ، فإذا اختلفا في قيمة المتلف والمغصوب - فالقول قول الغارم ، لأنّ الأصل البراءة عمّا زاد عن قوله ، ولو أقرّ بشيء أو حقّ قبل تفسيره بما له قيمة ، فالقول للمقرّ مع يمينه .
وهذه القاعدة مذهب الحنفيّة . والحكم كذلك عند المالكيّة .
والشّافعيّة والحنابلة : الحكم عندهم كذلك في تقديم الظّاهر الثّابت بالبيّنة .
وللشّافعيّة تفصيل في غير الثّابت بالبيّنة ، إذ قالوا : إنّ الأصل يرجّح جزما .
وضابطه : أن يعارضه احتمال مجرّد . وما يرجّح فيه الظّاهر جزما ، وضابطه : أن يستند إلى سبب منصوب شرعا ، كالشّهادة تعارض الأصل ، والرّواية ، واليد في الدّعوى . وإخبار الثّقة بدخول الوقت . وما يرجّح فيه الأصل على الظّاهر في الأصحّ ، وضابطه : أن يستند الاحتمال إلى سبب ضعيف ، ومثله الشّيء الّذي لا يتيقّن بنجاسته ، ولكنّ الغالب فيه النّجاسة كثياب مدمن الخمر ، والقصّابين ، والكفّار ، وأوانيهم .
وما يترجّح فيه الظّاهر على الأصل ، بأن كان سببا قويّاً منضبطاً ، كمن شكّ بعد الصّلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن غير النّيّة فالمشهور لا يؤثّر .
والحنابلة يقدّمون كغيرهم الظّاهر ، الّذي هو حجّة يجب قبولها شرعاً ، كالشّهادة على الأصل ، وإن لم يكن كذلك ، بأن كان مستندا إلى العرف أو العادة الغالبة أو القرائن أو غلبة الظّنّ ونحو ذلك ، فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى الظّاهر ، وتارة يعمل بالظّاهر ولا يلتفت إلى الأصل ، وتارة يخرج في المسألة خلاف ، فهذه أربعة أقسام :
- 1 - ما ترك فيه العمل بالأصل للحجّة الشّرعيّة ، وهي قول من يجب العمل بقوله ، كشهادة عدلين بشغل ذمّة المدّعى عليه ، وهذه محلّ إجماع بين الفقهاء كما تقدّم .
- 2 - ما عمل فيه بالأصل ، ولم يلتفت إلى القرائن الظّاهرة ونحوها . وذلك كما إذا ادّعت زوجة بعد طول مقامها مع الزّوج : أنّها لم تصلها منه النّفقة الواجبة ، فإنّ القول قولها مع يمينها عند الأصحاب ، لأنّ الأصل معها ، مع أنّ العادة تبعد ذلك جدّاً ، واختار الشّيخ تقيّ الدّين بن تيميّة الرّجوع إلى العادة ، وخرّجه وجها من المسائل المختلف فيها .
- 3 - ما عمل فيه بالظّاهر ولم يلتفت إلى الأصل ، كما إذا شكّ بعد الفراغ من الصّلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها ، فإنّه لا يلتفت إلى الشّكّ ، وإن كان الأصل عدم الإتيان به وعدم براءة الذّمّة ، لكنّ الظّاهر من فعل المكلّفين للعبادات : أن تقع على وجه الكمال ، فيرجّح هذا الظّاهر على الأصل ، ولا فرق في ذلك بين الوضوء وغيره في المنصوص عن الإمام أحمد .
- 4 - ما خرج فيه خلاف في ترجيح الظّاهر على الأصل وبالعكس ، ويكون ذلك غالباً عند تقادم الظّاهر والأصل وتساويهما ، ومن صوره : طهارة طين الشّوارع ، نصّ عليه الإمام أحمد في مواضع ، ترجيحا للأصل ، وهو الطّهارة في الأعيان كلّها .
وفي رواية له ثانية : أنّه نجس ترجيحاً للظّاهر ، وجعله صاحب التّلخيص المذهب .
تعارض العبارة " اللّفظ " والإشارة الحسّيّة :
22 - قال المالكيّة والحنابلة : إنّ العبارة تقدّم على الإشارة ، واستدلّوا بما أورده ابن حجر في شرح حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة وأشار بيده على أنفه . . . » إلخ .
وأحال شرح الحديث على ما قاله في الرّواية الأخرى عن ابن عبّاس « ووضع يده على جبهته وأمرّها على أنفه ، وقال : هذا واحد » فهذه رواية مفسّرة .
قال القرطبيّ : هذا يدلّ على أنّ الجبهة الأصل ، والسّجود على الأنف تبع .
وقال ابن دقيق العيد : قيل : معناه أنّهما جعلا كعضو واحد ، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية . قال : وفيه نظر ، لأنّه لا يلزم منه أن يكتفى بالسّجود على الأنف . قال : والحقّ أنّ مثل هذا لا يعارض التّصريح بذكر الجبهة ، وإن أمكن أن يعتقد أنّهما كعضو واحد فذاك في التّسمية والعبارة ، لا في الحكم الّذي عليه الأمر بالسّجود .
وأيضاً فإنّ الإشارة قد لا تعيّن المشار إليه ، فإنّها إنّما تتعلّق بالجبهة لأجل العبارة ، فإذا تقارب ما في الجبهة أمكن أن لا يعيّن المشار إليه تعيينا . وأمّا العبارة : فإنّها معيّنة لما وصفت له ، فتقديمه أولى . وما ذكره من الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشّافعيّة ، ثمّ قال : ونقل ابن المنذر إجماع الصّحابة : على أنّه لا يجزئ السّجود على الأنف وحده . وذهب الجمهور إلى أنّه يجزئ على الجبهة وحدها . وعن الأوزاعيّ وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكيّة وغيرهم : يجب أن يجمعهما ، وهو قول الشّافعيّ أيضاً . وقال الحنفيّة : إذا اجتمعت الإشارة إلى شيء ، والعبارة عنه في المهر - فالأصل أنّ المسمّى إذا كان من جنس المشار إليه يتعلّق العقد بالمشار إليه ، لأنّ المسمّى موجود في المشار إليه ذاتاً ، والوصف يتبعه ، وإن كان من خلاف جنسه يتعلّق العقد بالمسمّى ، لأنّ المسمّى مثل المشار إليه ، وليس بتابع له .
والتّسمية أبلغ في التّعريف ، من حيث إنّها تعرف الماهيّة ، والإشارة تعرف الذّات .
فمن اشترى فصّا على أنّه ياقوت ، فإذا هو زجاج لا ينعقد العقد ، لاختلاف الجنس .
ولو اشترى على أنّه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر ، انعقد العقد لاتّحاد الجنس .
وقال الشّارحون : إنّ هذا الأصل متّفق عليه في النّكاح ، والبيع ، والإجارة ، وسائر العقود ، ولكنّ الإمام أبا حنيفة جعل الخلّ والخمر جنسا ، فتعلّق بالمشار إليه ، فوجب مهر المثل ، فيما لو تزوّجها على هذا الدّنّ من الخلّ ، وأشار إلى خمر .
ولو سمّى حراماً ، وأشار إلى حلال فلها الحلال في الأصحّ .
وأمّا في النّكاح فقال في الخانيّة : رجل له بنت واحدة اسمها عائشة : فقال الأب وقت العقد : زوّجت منك بنتي فاطمة ، لا ينعقد النّكاح . ولو كانت المرأة حاضرة فقال الأب : زوّجتك بنتي فاطمة هذه ، وأشار إلى عائشة وغلط في اسمها ، فقال الزّوج : قبلت ، جاز .
23 - وممّا سبق تبيّن أنّ الحنفيّة وحدهم هم الّذين قالوا بإجزاء السّجود على الأنف وحده ، تقديما للإشارة على العبارة ، وأنّ الجمهور يجزئ عندهم السّجود على الجبهة دون الأنف ، وأنّ العبارة عندهم تقدّم على الإشارة لأنّها تعيّن المراد ، والإشارة قد لا تعيّنه .
وقال الشّافعيّة : إذا اجتمعت الإشارة والعبارة ، واختلف موجبهما ، غلّبت الإشارة .
فلو قال : أصلّي خلف زيد هذا ، أو قال : أصلّي على زيد هذا ، فبان عمرا فالأصحّ الصّحّة . ولو قال : زوّجتك فلانة هذه ، وسمّاها بغير اسمها صحّ قطعا ، وحكي فيه وجه .
ولو قال : زوّجتك هذا الغلام ، وأشار إلى بنته ، نقل الرّويانيّ عن الأصحاب صحّة النّكاح . تعويلا على الإشارة . وهذا يتّفق ومذهب الحنفيّة . ولو قال : زوّجتك هذه العربيّة ، فكانت أعجميّة . أو : هذه العجوز ، فكانت شابّة . أو : هذه البيضاء ، فكانت سوداء أو عكسه - وكذا المخالفة في جميع وجوه النّسب والصّفات والعلوّ والنّزول - ففي صحّة النّكاح قولان ، والأصحّ : الصّحّة . ولو قال : بعتك داري هذه وحدّدها وغلط في حدودها ، صحّ البيع . بخلاف ما لو قال : بعتك الدّار الّتي في المحلّة الفلانيّة وحدّدها وغلط ، لأنّ التّعويل هناك على الإشارة . ولو قال : بعتك هذا الفرس فكان بغلا أو عكسه ، فوجهان ، والأصحّ هنا البطلان . وإنّما صحّح البطلان هنا تغليبا لاختلاف غرض الماليّة . وصحّح الصّحّة في الباقي تغليبا للإشارة . وحينئذ يستثنى هذه الصّورة من القاعدة .
ويضمّ إلى هذه الصّورة صور ، منها : ما لو حلف لا يكلّم هذا الصّبيّ فكلّمه شيخا ، أو لا يأكل هذا الرّطب فأكله تمرا ، أو لا يدخل هذه الدّار فدخلها عرصة ، فالأصحّ : أنّه لا يحنث . ولو خالعها على هذا الثّوب الكتّان فبان قطنا ، أو عكسه ، فالأصحّ فساد الخلع ، ويرجع بمهر المثل . وهناك صور كثيرة تترتّب على هذه القاعدة .
هذه جملة قواعد أصوليّة في التّعارض ، ذكرت مع ما يترتّب عليها من أحكام .
وأمّا التّعارض بين الأدلّة فينظر في الملحق الأصوليّ .
تعاطي *
التّعريف :
1 - التّعاطي لغة : مصدر تعاطى ، بمعنى : تناول الإنسان الشّيء بيده ، من العطو ، وهو بمعنى التّناول . قال اللّه تعالى : { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } وتفسيرها : أنّه تناول آلة العقر ، وجاء في تفسيرها أيضا : أنّه تناول الفعل بعد أن أعدّ له عدّته ، بأن كمن للنّاقة فرماها بسهمه ، ثمّ ضربها بسيفه حتّى قتلها .
واصطلاحاً : التّعاطي في البيع ، ويقال فيه أيضاً المعاطاة : أن يأخذ المشتري المبيع ويدفع للبائع الثّمن ، أو يدفع البائع المبيع فيدفع له الآخر الثّمن ، من غير تكلّم ولا إشارة . ويكون التّعاطي في البيع وغيره من المعاوضات .
الألفاظ ذات الصّلة :
العقد :
2 - العقد : عقود البيع منها ما يتمّ باللّفظ ( وهو الصّيغة ) وهو الإيجاب والقبول ، ومنها ما يتمّ بالفعل ، وهو التّعاطي .
الحكم الإجماليّ :
البيع بالتّعاطي :
3 - اختلف الفقهاء في انعقاد البيع بالتّعاطي . فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وفي قول للشّافعيّة إلى : جواز البيع بالتّعاطي . والمذهب عند الشّافعيّة اشتراط الصّيغة لصحّة البيع وما في معناه . وللشّافعيّة قول ثالث بجواز المعاطاة في المحقَّرات .
ولبيع المعاطاة صورتان : الأولى : أن يتمّ التّعاطي من غير تكلّم ولا إشارة من أحد الطّرفين ، وهو جائز عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، ورجّح النّوويّ الجواز بخلاف المذهب . الصّورة الثّانية : أن يتمّ التّعاطي بتكلّم أحد الطّرفين ويتمّ التّسليم ، وهو تعاط عند المالكيّة والحنابلة . ولم يعدّه الحنفيّة تعاطياً .
4 - وقال ابن قدامة في الاستدلال لمشروعيّة بيع التّعاطي : إنّ اللّه أحلّ البيع ، ولم يبيّن كيفيّته ، فوجب الرّجوع فيه إلى العرف ، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتّفرّق . والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك . ولأنّ البيع كان موجودا بينهم معلوما عندهم ، وإنّما علّق الشّرع عليه أحكاما ، وأبقاه على ما كان ، فلا يجوز تغييره بالرّأي والتّحكّم ، ولم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه - مع كثرة وقوع البيع بينهم - استعمال الإيجاب والقبول ، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلاً شائعاً .
ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله ، ولم يتصوّر منهم إهماله والغفلة عن نقله ، ولأنّ البيع ممّا تعمّ به البلوى فلو اشترط له الإيجاب والقبول لَبَيّنه صلى الله عليه وسلم بياناً عامّاً ، ولم يخف حكمه ، لأنّه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا وأكلهم المال بالباطل ، ولم ينقل ذلك عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه .
ولأنّ النّاس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كلّ عصر .
ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا ، فكان ذلك إجماعاً . وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول في الهبة والهديّة والصّدقة ، ولم ينقل عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه استعمال ذلك فيه ، وقد أهدي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الحبشة وغيرها ، وكان النّاس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها . وروى البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه : أهديّة أم صدقة ؟ فإن قيل : صدقة . قال لأصحابه : كلوا ، ولم يأكل . وإن قيل : هديّة ضرب بيده وأكل معهم » وفي حديث سلمان رضي الله عنه « حين جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتمر فقال : هذا شيء من الصّدقة ، رأيتك أنت وأصحابك أحقّ النّاس به . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ولم يأكل ثمّ أتاه ثانية بتمر فقال : رأيتك لا تأكل الصّدقة وهذا شيء أهديته لك ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : بسم اللّه ، وأكل » ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب ، وإنّما سأل ليعلم : هل هو صدقة أو هديّة ؟ وفي أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول ، وليس إلّا المعاطاة ، والتّفرّق عن تراض يدلّ على صحّته ، ولو كان الإيجاب والقبول شرطا في هذه العقود لشقّ ذلك ، ولكانت أكثر عقود المسلمين فاسدة ، وأكثر أموالهم محرّمة ، ولأنّ الإيجاب والقبول إنّما يرادان للدّلالة على التّراضي ، فإذا وجد ما يدلّ عليه من المساومة والتّعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما ، لعدم التّعبّد فيه .
الإقالة بالتّعاطي :
5 - جوّز الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إقالة البيع بالتّعاطي ، وقالوا : الإقالة تنعقد بالتّعاطي أيضاً من أحد الجانبين على الصّحيح .
الإجارة بالتّعاطي :
6 - جوّزها الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وقالوا : إنّما هي كالبيع ، وقد اقتصرت على المنافع دون العين .
قال ابن قدامة : إذا دفع ثوبه إلى خيّاط أو قصّار ليخيطه أو يقصّره من غير عقد ولا شرط ولا تعريض بأجر ، مثل أن يقول : خذ هذا فاعمله ، وكان الخيّاط والقصّار منتصبين لذلك ، ففعلا ذلك فلهما الأجر ، لأنّ العرف جار بذلك . وقال أصحاب الشّافعيّ : لا أجر لهما ، لأنّهما فعلا ذلك من غير عوض جعل لهما ، فأشبه ما لو تبرّعا بعمله .
وقال ابن عابدين : وفي التتارخانية أنّ أبا يوسف سئل عن الرّجل يدخل السّفينة أو يحتجم أو يفتصد أو يدخل الحمّام أو يشرب من ماء السّقاء ، ثمّ يدفع الأجرة وثمن الماء ؟ فقال : يجوز استحساناً ، ولا يحتاج إلى العقد قبل ذلك .
مواطن البحث :
7 - يفصّل الفقهاء أحكام التّعاطي بالنّسبة لكلّ مسألة في موضعها ، ومن تلك المواطن : البيوع ، والإقالة ، والإجارة .
تعاويذ *
انظر : تعويذة .
تعبّديّ *
التّعريف :
1 - التّعبّديّ لغة : المنسوب إلى التّعبّد .
والتّعبّد مصدر تعبّد ، يقال : تعبّد الرّجلُ الرّجل : إذا اتّخذه عبداً ، أو صيّره كالعبد .
وتعبّد اللّه العبدَ بالطّاعة : استعبده ، أي طلب منه العبادة . ومعنى العبادة في اللّغة : الطّاعة والخضوع . ومنه طريق معبّد : إذا كان مذلّلاً بكثرة المشي فيه . ويرد التّعبّد في اللّغة أيضاً بمعنى : التّذلّل ، يقال : تعبّد فلان لفلان : إذا خضع له وذلّ . وبمعنى التّنسّك ، يقال : تعبّد فلان للّه تعالى : إذا أكثر من عبادته ، وظهر فيه الخشوع والإخبات . والتّعبّد من اللّه للعباد : تكليفهم أمور العبادة وغيرها . ويكثر الفقهاء والأصوليّون من استعماله بهذا المعنى ، كقولهم : نحن متعبّدون بالعمل بخبر الواحد وبالقياس ، أي مكلّفون بذلك . ويقولون : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم متعبّدا بشرع من قبله ، أي مكلّفاً بالعمل به .
2 - والتّعبّديّات - في اصطلاح الفقهاء والأصوليّين - تطلق على أمرين :
الأوّل : أعمال العبادة والتّنسّك. ويرجع لمعرفة أحكامها بهذا المعنى إلى مصطلح ( عبادة ). الثّاني : الأحكام الشّرعيّة الّتي لا يظهر للعباد في تشريعها حكمة غير مجرّد التّعبّد ، أي التّكليف بها ، لاختبار عبوديّة العبد ، فإن أطاع أثيب ، وإن عصى عوقب .
والمراد بالحكمة هنا : مصلحة العبد من المحافظة على نفسه أو عرضه أو دينه أو ماله أو عقله . أمّا مصلحته الأخرويّة - من دخول جنّة اللّه تعالى والخلاص من عذابه - فهي ملازمة لتلبية كلّ أمر أو نهي ، تعبّديّا كان أو غيره .
3 - هذا هو المشهور في تعريف التّعبّديّات . وقد لاحظ الشّاطبيّ في موافقاته أنّ حكمة الحكم قد تكون معلومة على وجه الإجمال ، ولا يخرجه ذلك عن كونه تعبّديّا من بعض الوجوه ، ما لم يعقل معناه على وجه الخصوص . قال : ومن ذلك : طلب الصّداق في النّكاح ، والذّبح في المحلّ المخصوص في الحيوان المأكول ، والفروض المقدّرة في المواريث ، وعدد الأشهر في عدّة الطّلاق والوفاة ، وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئيّة ، حتّى يقاس عليها غيرها . فإنّا نعلم أنّ الشّروط المعتبرة في النّكاح ، من الوليّ والصّداق وشبه ذلك ، هي لتمييز النّكاح عن السّفاح ، وأنّ فروض المواريث ترتّبت على ترتيب القربى من الميّت ، وأنّ العدد والاستبراءات ، المراد بها استبراء الرّحم خوفا من اختلاط المياه ، ولكنّها أمور جمليّة ، كما أنّ الخضوع والإجلال علّة شرع العبادات . وهذا المقدار لا يقضي بصحّة القياس على الأصل فيها ، بحيث يقال : إذا حصل الفرق بين النّكاح والسّفاح بأمور أخر مثلا ، لم تشترط تلك الشّروط .
ومتى علم براءة الرّحم لم تشرع العدّة بالأقراء ولا بالأشهر ، ولا ما أشبه ذلك .
4 - هذا وقد اختلفت الفقهاء في أنّ التّعبّديّات شُرِعت لنا لحكمة يعلمها اللّه تعالى وخفيت علينا ، أو إنّها شُرِعت لا لحكمة أصلاً غيرَ مجرّد تعبّد اللّه للعباد واستدعائه الامتثال منهم ، اختباراً لطاعة العبد لمجرّد الأمر والنّهي من غير أن يعرف وجه المصلحة فيما يعمل ، بمنزلة سيّد أراد أن يختبر عبيده أيّهم أطوع له ، فأمرهم بالتّسابق إلى لمس حجر ، أو الالتفات يميناً أو يساراً ممّا لا مصلحة فيه غير مجرّد الطّاعة .
5 - قال ابن عابدين نقلاً عن الحلية : أكثر العلماء على القول الأوّل ، وهو المتّجه ، بدلالة استقراء تكاليف اللّه تعالى على كونها جالبة للمصالح دارئة للمفاسد .
وكذلك الشّاطبيّ في موافقاته اعتمد الاستقراء دليلاً على أنّ كلّ الأحكام الشّرعيّة معلّلة بمصالح العباد في الدّنيا والآخرة ، وقال : إنّ المعتزلة متّفقون على أنّ أحكامه معلّلة برعاية مصالح العباد ، وهو اختيار أكثر الفقهاء المتأخّرين . قال : ولمّا اضطرّ الرّازيّ إلى إثبات العلل للأحكام الشّرعيّة أثبت ذلك على أنّ العلل بمعنى العلامات المعرّفة للأحكام . وذكر الشّاطبيّ من الأدلّة الّتي استقرأها قوله تعالى في شأن الوضوء والغسل { مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون } .
وفي الصّيام { كُتِبَ عَلَيكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } .
وفي القصاص { وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وآيات نحو هذه .
وممّن ذهب إلى مثل ذلك ابن القيّم ، حيث قال : قالت طائفة : إنّ عدّة الوفاة تعبّد محض ، وهذا باطل ، فإنّه ليس في الشّريعة حكم واحد إلّا وله معنى وحكمة ، يعقله من يعقله ، ويخفى على من خفي عليه . وقرّر هذا المعنى تقريرا أوسع فقال : شرع اللّه العقوبات ، ورتّبها على أسبابها ، جنسا وقدرا ، فهو عالم الغيب والشّهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ، ومن أحاط بكلّ شيء علما ، وعلم ما كان وما يكون ، وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيّها وظاهرها ، ما يمكن اطّلاع البشر عليه وما لا يمكنهم . وليست هذه التّخصيصات والتّقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة ، كما أنّ التّخصيصات والتّقديرات واقعة في خلقه كذلك ، فهذا في خلقه وذاك في أمره ، ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كلّ شيء في موضعه الّذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلّا إيّاه ، كما وضع قوّة البصر والنّور الباصر في العين ، وقوّة السّمع في الأذن ، وقوّة الشّمّ في الأنف ، وخصّ كلّ حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره ، فشمل إتقانه وإحكامه ، وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان ، وأحكمه غاية الإحكام ، فلأن يكون أمره في غاية الإتقان أولى وأحرى ، ولا يكون الجهل بحكمة اللّه في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض الحكمة والعلم مسوّغا لإنكاره في نفس الأمر . وسار على هذه الطّريقة وليّ اللّه الدّهلويّ في حجّة اللّه البالغة وقال : إنّ القول الآخر ( الآتي ) تكذّبه السّنّة وإجماع القرون المشهود لها بالخير .
6 - أمّا القول الثّاني بوجود أحكام ولو على سبيل النّدرة قصد منها التّعبّد والامتثال . فيدلّ عليه ما ورد في كتاب اللّه تعالى من قوله تعالى { . . . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتي كَانتْ عَلَيهمْ } أنّه كان قد جعل على من كان قبلنا آصاراً وأغلالاً لتعنّتهم وشقاقهم ، كما ألزم بني إسرائيل بأن تكون البقرة الّتي أمرهم بذبحها لا فارضاً ولا بكراً ، وأن تكون صفراء . وأيضا فإنّ في بعض الابتلاء واستدعاء الطّاعة والامتثال والتّدريب على ذلك مصلحة كبيرة ، لا يزال أولياء الأمور يدرّبون عليها أنصارهم وأتباعهم ، ويبذلون في ذلك الأموال الطّائلة ، ليكونوا عند الحاجة ملبّين للأوامر دون تردّد أو حاجة إلى التّفهّم ، اكتفاء وثقة بأنّ وليّ أمرهم هو أعلم منهم بما يريد .
بل إنّ مصلحة الطّاعة والامتثال والمسارعة إليهما هي الحكمة الأولى المبتغاة من وضع الشّريعة ، بل من الخلق في أساسه ، قال اللّه تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونَ } وقال { يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنَالُه أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُه بِالغَيْبِ } . وقال : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } وقال { وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ عليها إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلبُ على عَقِبَيهِ } ولكن من فضل اللّه علينا في شريعة الإسلام أنّه جعل غالب أحكامها تراعي مصلحة العباد بالإضافة إلى مصلحة الابتلاء ، ولكن لا يمنع ذلك من وجود أحكام لا تراعي ذلك ، بل قصد بها الابتلاء خاصّة ، وذلك على سبيل النّدرة .
وفي هذا يقول الغزاليّ : عرف من دأب الشّرع اتّباع المعاني المناسبة دون التّحكّمات الجامدة ، وهذا غالب عادة الشّرع . ويقول : حمل تصرّفات الشّارع على التّحكّم أو على المجهول الّذي لا يعرف ، نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز . وقال : ما يتعلّق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضّمانات وما عدا العبادات فالتّحكّم فيها نادر ، وأمّا العبادات والمقدّرات فالتّحكّمات فيها غالبة ، واتّباع المعنى نادر .
وصرّح بذلك الشّيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام في قواعده فقال : يجوز أن تتجرّد التّعبّدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد ، ثمّ يقع الثّواب عليها بناء على الطّاعة والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثّواب ولا درء مفسدة غير مفسدة العصيان .
7 - فالتّعبّديّ على القول الأوّل : استأثر اللّه تعالى بعلم حكمته ، ولم يطلع عليها أحداً من خلقه ، ولم يجعل سبيلا للاطّلاع عليه مع ثبوت المصلحة فيه في نفس الأمر ، أخفى ذلك عنهم ابتلاء واختباراً . هل يمتثلون ويطيعون دون أن يعرفوا وجه المصلحة ، أم يعصون اتّباعاً لمصلحة أنفسهم ؟ .
وعلى القول الثّاني : ابتلاهم بما لا مصلحة لهم فيه أصلا غير مجرّد الثّواب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العبادة :
8 - أصل العبادة : الطّاعة والخضوع . والعبادات ، أنواع : منها الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ . وكثير منها معقول المعنى ، بيّنت الشّريعة حكمته ، أو استنبطها الفقهاء . ومن ذلك قوله تعالى في شأن الصّلاة { وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ } وقوله في شأن الحجّ { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهمْ } وقول الفقهاء في حكمة التّرخيص في الإفطار في السّفر أثناء رمضان : إنّها دفع المشقّة . فليس شيء من ذلك تعبّديّاً .
وبعض أحكام العبادات غير معقول المعنى ، فيكون تعبّديّا ، ككون رمي الجمار سبعاً سبعاً . وتكون التّعبّديّات أيضا في غير العبادات ، ومن ذلك : استبراء الأمة الّتي اشتراها بائعها في مجلس البيع ، وعادت إليه بفسخ أو إقالة قبل غيبة المشتري بها .
ب - حقّ اللّه :
9 - قد يقال في كثير من الأحكام : إنّه لحقّ اللّه ، كالصّلاة والصّوم وسائر العبادات وكحدّ السّرقة وحدّ الزّنى .
ويقال في كثير منها : إنّه لحقّ الإنسان ، كحقّ القصاص وحدّ القذف والدّين والضّمانات . وقد يظنّ أنّ كلّ ما كان منها لحقّ اللّه تعالى أنّه تعبّديّ ، إلا أنّ المراد من" حقّ اللّه تعالى" أنّه لا خيرة فيه للعباد ، ولا يجوز لأحد إسقاطه ، بل لا بدّ للعباد من تنفيذه إذا وجد سببه ، وتمّت شروط وجوبه أو تحريمه . وليس كلّ ما كان لحقّ اللّه تعالى تعبّديّا ، بل يكون تعبّديّا إذا خفي وجه الحكمة فيه . ويكون غير تعبّديّ ، وذلك إذا ظهرت حكمته .
قال الشّاطبيّ : الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على وجه الخصوص في التّعبّدات ، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة ، والصّلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والرّكوع والسّجود ، وكونها على بعض الهيئات دون بعض ، واختصاص الصّيام بالنّهار دون اللّيل ، وتعيين أوقات الصّلوات في تلك الأحيان المعيّنة دون سواها من أحيان النّهار واللّيل ، واختصاص الحجّ بتلك الأعمال المعروفة ، في الأماكن المعلومة ، وإلى مسجد مخصوص ، إلى أشباه ذلك ممّا لا تهتدي العقول إليه بوجه ، ولا تحوم حوله ، يأتي بعض النّاس فيطرق إليه بزعمه حكماً ، يزعم أنّها مقصود الشّارع من تلك الأوضاع ، وجميعها مبنيّ على ظنّ وتخمين غير مطّرد في بابه ، ولا مبنيّ عليه عمل ، بل كالتّعليل بعد السّماع للأمور الشّواذّ ، لجنايته على الشّريعة في دعوى ما ليس لنا به علم ، ولا دليل لنا عليه .
ج - المعلّل بالعلّة القاصرة :
10 - ولمّا كان حكم التّعبّديّات أنّه لا يقاس عليها ، فقد يشتبه بها المعلّل بالعلّة القاصرة ، لأنّه لا يقاس عليه . والفرق بينهما : أنّ التّعبّديّ ليس له علّة ظاهرة ، فيمتنع القياس عليه لأنّ القياس فرع معرفة العلّة ، أمّا المعلّل بالعلّة القاصرة فعلّته معلومة لكنّها لا تتعدّى محلّها ، إذ لم يعلم وجودها في شيء آخر غير الأصل .
مثاله « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين » . وهذا حكم خاصّ به ، وعلّته والمعنى فيه أنّه أوّل من تنبّه وبادر إلى تصديق النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحادثة بعينها والشّهادة له ، بموجب التّصديق العامّ له صلى الله عليه وسلم . والأوّليّة معنى لا يتكرّر ، فاختصّ به ، فليس ذلك تعبّديّا ، لكون علّته معلومة .
د - المعدول به عن سنن القياس :
11 - ما خالف القياس قد يكون غير معقول المعنى كتخصيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة « وإجزاء العناق في التّضحية في حقّ أبي بردة هانئ بن دينار » ، وكتقدير عدد الرّكعات .
وقد يكون معقول المعنى كاستثناء بيع العرايا من النّهي عن بيع التّمر بالتّمر خرصاً .
هـ - المنصوص على علّته :
12 - أورد الشّاطبيّ أنّ بعض ما عرفت علّته قد يكون تعبّديّا . فقال : إنّ المصالح في التّكليف ظهر لنا من الشّارع أنّها على ضربين :
أحدهما : ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإجماع والنّصّ والسّبر والإشارة والمناسبة ، وهذا هو القسم الظّاهر الّذي نعلّل به ، وتقول : إنّ الأحكام شرعت لأجله .
والثّاني : ما لا يمكن الوصول إليه بتلك المسالك المعهودة ، ولا يطّلع عليه إلّا بالوحي كالأحكام الّتي أخبر الشّارع فيها أنّها أسباب للخصب والسّعة وقيام أبّهة الإسلام - كقوله تعالى في سياق قصّة نوح : { فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّه كانَ غَفَّارَاً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَليكمْ مِدْرَارَاً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارَاً } .
فلا يعلم وجه كون الاستغفار سبباً للمطر وللخصب إلا بالوحي .
ولذلك لا يقاس عليه ، فلا يعلم كون الاستغفار سببا في حصول العلم وقوّة الأبدان مثلاً ، فلا يكون إلى اعتبار هذه العلّة في القياس سبيل ، فبقيت موقوفة على التّعبّد المحض . ولذا يكون أخذ الحكم المعلّل بها متعبّدا به ، ومعنى التّعبّد هنا : الوقوف عند ما حدّ الشّارع فيه .
حكمة تشريع التّعبّديّات :
13 - حكمة تشريع التّعبّديّات استدعاء الامتثال ، واختبار مدى الطّاعة والعبوديّة . وقد عبّر عن ذلك الغزاليّ في الإحياء بقوله - في بيان أسرار رمي الجمار - وظّف اللّه تعالى على العباد أعمالا لا تأنس بها النّفوس ، ولا تهتدي إلى معانيها العقول ، كرمي الجمار بالأحجار ، والتّردّد بين الصّفا والمروة على سبيل التّكرار .
وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرّقّ والعبوديّة ، فإنّ الزّكاة إرفاق ، ووجهه مفهوم ، وللعقل إليه ميل ، والصّوم كسر للشّهوة الّتي هي آلة عدوّ اللّه ، وتفرّغ للعبادة ، بالكفّ عن الشّواغل . والرّكوع والسّجود في الصّلاة تواضع للّه عزّ وجلّ بأفعال هي هيئة التّواضع ، وللنّفوس السّعي بتعظيم اللّه عزّ وجلّ . فأمّا تردّدات السّعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال ، فلا حظّ للنّفوس فيها ولا أنس للطّبع بها ، ولا اهتداء للعقول إلى معانيها ، فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلّا الأمر المجرّد ، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنّه أمر واجب الاتّباع فقط ، وفيه عزل للعقل عن تصرّفه وصرف النّفس والطّبع عن محلّ أنسه . فإنّ كلّ ما أدرك العقل معناه مال الطّبع إليه ميلا ما ، فيكون ذلك الميل معيّنا للأمر وباعثا معه على الفعل ، فلا يكاد يظهر به كمال الرّقّ والانقياد . ولذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحجّ على وجه الخصوص : « لبّيك بحجّة حقّاً ، تعبُّداً ورِقّاً » ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها . وإذا اقتضت حكمة اللّه تعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم ، وأن يكون زمامها بيد الشّرع ، فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد ، كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التّعبّدات في تزكية النّفوس ، وصرفها عن مقتضى الطّباع والأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق .
طرق معرفة التّعبّديّ :
14 - لم يعرف في تمييز التّعبّديّات عن غيرها من الأحكام المعلّلة وجه معيّن ، غير العجز عن التّعليل بطريق من الطّرق المعتبرة ، على ما هو معلوم في مباحث القياس من علم الأصول . ولذلك يقول ابن عابدين : ما شرعه اللّه إن ظهرت لنا حكمته ، قلنا : إنّه معقول المعنى ، وإلّا قلنا : إنّه تعبّديّ . وإلى هذا يشير كلام الغزاليّ المتقدّم آنفا ، من أنّ المصير إلى التّعبّد نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز .
ومن هنا اختلفت أقوال الفقهاء في اعتبار بعض الأحكام تعبّديّا أو معقول المعنى ، فما يراه بعض الفقهاء تعبّديّا قد يراه البعض الآخر معلّلا بمصالح غلب على ظنّه رعايتها .
فمن ذلك أنّ صاحب الدّرّ المختار قال : إنّ تكرار السّجود أمر تعبّديّ ، أي لم يعقل معناه ، تحقيقا للابتلاء . وقال ابن عابدين : وقيل : إنّه ثنّي ترغيما للشّيطان ، حيث أمر بالسّجود مرّة فلم يسجد ، فنحن نسجد مرّتين . وكون طلاق الحائض بدعيّا ، قيل : هو تعبّديّ .
قال الدّردير : والأصحّ أنّه معلّل بتطويل العدّة ، لأنّ أوّلها من الطّهر بعد الحيض .
والسّعي بين الصّفا والمروة ورمي الجمار يمثّل بها الفقهاء لغير المعقول المعنى ، كما تقدّم عن الغزاليّ . غير أنّ بعض العلماء يعلّلونه وأمثاله ممّا وضع من المناسك على هيئة أعمال بعض الصّالحين ، كالسّعي الّذي جعل على هيئة سعي أمّ إسماعيل عليه السلام بينهما . يقول تقيّ الدّين بن دقيق العيد : في ذلك من الحكمة تذكّر الوقائع الماضية للسّلف الكرام ، وفي طيّ تذكّرها مصالح دينيّة ، إذ يتبيّن في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر اللّه ، والمبادرة إليه ، وبذل الأنفس في ذلك . وبذلك يظهر لنا أنّ كثيراً من الأعمال الّتي وقعت في الحجّ ، ويقال بأنّها " تعبّد " ليست كما قيل . ألا ترى أنّا إذا فعلناها وتذكّرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأوّلين ، وما كانوا عليه من احتمال المشاقّ في امتثال أمر اللّه ، فكان هذا التّذكّر باعثا لنا على مثل ذلك ، ومقرّراً في أنفسنا تعظيم الأوّلين ، وذلك معنى معقول . ثمّ ذكر أنّ السّعي بين الصّفا والمروة اقتداء بفعل هاجر ، وأنّ رمي الجمار اقتداء بفعل إبراهيم عليه السلام ، إذ رمى إبليس بالجمار في هذا الموضع .
وابن القيّم في إعلام الموقّعين ، سيرا على خطى شيخه شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمهما الله ، رأى كما تقدّم أنّه ليس في الشّريعة تعبّد محض ، وردّ كلّ ما قيل فيه : إنّه مخالف للقياس ، كفرض الصّاع في لبن المصرّاة المردودة على بائعها ، وما قيل من أنّ الشّريعة فرّقت بين المتساويات ، كأمرها بالغسل من بول الجارية وبالنّضح من بول الصّبيّ ، وسوّت بين المفترقات ، كتسويتها بين الخطأ والعمد في وجوب الضّمان . فعلّل كلّ ما قيل فيه ذلك ، وبيّن وجه الحكمة فيه ، وأنّ علّته معقولة ، ويوافق القياس ولا يخالفه ، وأطال في ذلك .