عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 05-19-2012, 07:29 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

وفرّق الحنفيّة بين تطيّب وتطيّب ، فقالوا : تجب شاة إن طيّب المحرم عضوا كاملا ، مثل الرّأس واليد والسّاق ، أو ما بلغ عضوا كاملا لو جمع . والبدن كلّه كعضو واحد إن اتّحد المجلس ، وإن تفرّق المجلس فلكلّ طيب كفّارة إن شمل عضوا واحدا أو أكثر ، سواء كفّر للأوّل أم لا ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّد : عليه كفّارة واحدة ، ولو فدى ولم يزل الطّيب لزمه فدية أخرى، لأنّ ابتداءه كان محظوراً ، فيكون لبقائه حكم ابتدائه. ووجه وجوب الشّاة : أنّ الجناية تتكامل بتكامل الارتفاق ، وذلك في العضو الكامل فيترتّب كمال الموجب . وإن طيّب أقلّ من عضو : فعليه أن يتصدّق بنصف صاع من برّ ، لقصور الجناية إلا أن يكون الطّيب كثيرا ، فعليه دم . وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف .
وقال محمّد : يُقَوَّم ما يجب فيه الدّم فيتصدّق بذلك القدر ، حتّى لو طيّب ربع عضو فعليه من الصّدقة قدر ربع شاة ، وهكذا ، لأنّ تطييب عضو كامل ارتفاق كامل ، فكان جناية كاملة ، فيوجب كفّارة كاملة ، وتطييب ما دون العضو الكامل ارتفاق قاصر ، فيوجب كفّارة قاصرة ، إذ الحكم يثبت على قدر السّبب ، إلّا أن يكون الطّيب كثيرا فعليه دم ، ولم يشترط الحنفيّة استمرار الطّيب لوجوب الجزاء ، بل يجب بمجرّد التّطيّب .
وأمّا تطييب الثّوب فتجب فيه الفدية عند الحنفيّة بشرطين :
أوّلهما : أن يكون كثيرا ، وهو ما يصلح أن يغطّي مساحة تزيد على شبر في شبر .
والثّاني : أن يستمرّ نهارا ، أو ليلة . فإن اختلّ أحد هذين الشّرطين وجبت الصّدقة ، وإن اختلّ الشّرطان وجب التّصدّق بقبضة من قمح .
والأصل في حظر تطييب الثّوب ولبسه بعد الإحرام قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تلبسوا شيئا من الثّياب مسّه الزّعفران ولا الورس » .
والمحرم - ذكرا كان أو غيره - ممنوع من استعمال الطّيب في إزاره أو ردائه وجميع ثيابه ، وفراشه ونعله ، حتّى لو علق بنعله طيب وجب عليه أن يبادر لنزعه ، ولا يضع عليه ثوبا مسّه الورس أو الزّعفران أو نحوهما من صبغ له طيب .
واستعمال الطّيب هو : أن يلصق الطّيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطّيب ، ممّا يقصد منه ريحه غالبا ولو مع غيره ، كمسك أو عود ، وكافور ، وورس ، وزعفران ، وريحان ، وورد ، وياسمين ، ونرجس ، وآس ، وسوسن ، ومنثور ، ونمّام ، وغير ما ذكر ، ممّا يتطيّب به ، ويتّخذ منه الطّيب ، أو يظهر فيه هذا الغرض .
13 - ويكره للمحرم شمّ الطّيب ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وقال المالكيّة : يكره شمّ الطّيب مذكّره ومؤنّثه دون مسّ . وأمّا الحنابلة : فقالوا : يحرم تعمّد شمّ الطّيب كالمسك والكافور ونحوهما ، ممّا يتطيّب بشمّه كالورد والياسمين . فإن فعل المحرم ذلك وجب الفداء عليه ، لأنّ الفدية تجب فيما يتّخذ منه ، فكذلك في أصله ، وعن الإمام أحمد رواية أخرى في الورد : لا فدية عليه في شمّه ، لأنّه زهر شمّه على جهته ، أشبه زهر سائر الشّجر ، والأولى تحريمه ، لأنّه ينبت للطّيب ويتّخذ منه ، أشبه الزّعفران ، والعنبر .
ما يباح من الطّيب وما لا يباح بالنّسبة للمحرم :
14 - قال ابن قدامة : النّبات الّذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب :
أحدها : ما لا ينبت للطّيب ولا يتّخذ منه كنبات الصّحراء من الشّيح والقيصوم ، والخزامى ، والفواكه كلّها ، من الأترجّ ، والتّفّاح والسّفرجل ، وغيره ، وما ينبته الآدميّون لغير قصد الطّيب ، كالحنّاء ، والعصفر ، وهذان يباح شمّهما ولا فدية فيهما بلا خلاف ، غير أنّه روي عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنّه كان يكره للمحرم أن يشمّ شيئا من نبات الأرض ، من الشّيح والقيصوم وغيرهما ، وقد « روي أنّ أزواج رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كنّ يحرمن في المعصفرات » .
الثّاني : ما ينبته الآدميّون للطّيب ولا يتّخذ منه طيب ، كالرّيحان الفارسيّ والنّرجس ، والبرم ، وفيه وجهان :
أحدهما : يباح بغير فدية ، قاله عثمان بن عفّان ، وابن عبّاس رضي الله عنهم ، والحسن ، ومجاهد ، وإسحاق . والآخر : يحرم شمّه ، فإن فعل فعليه الفدية ، وهو قول جابر ، وابن عمر ، والشّافعيّ وأبي ثور ، لأنّه يتّخذ للطّيب ، فأشبه الورد .
الثّالث : ما ينبت للطّيب ، ويتّخذ منه طيب ، كالورد ، والبنفسج ، والخيريّ وهذا إذا استعمله المحرم وشمّه ففيه الفدية ، لأنّ الفدية تجب فيما يتّخذ منه ، فكذلك في أصله .
وإن مسّ المحرم من الطّيب ما يعلق ببدنه ، كالغالية وماء الورد ، والمسك المسحوق الّذي يعلق بأصابعه ، فعليه الفدية ، لأنّه مستعمل للطّيب . وإن مسّ ما لا يعلق بيده ، كالمسك غير المسحوق ، وقطع الكافور ، والعنبر ، فلا فدية ، لأنّه غير مستعمل للطّيب .
فإن شمّه فعليه الفدية لأنّه يستعمل هكذا ، وإن شمّ العود - أي خشب العود - فلا فدية عليه ، لأنّه لا يتطيّب به
تطيّب المحرم ناسياً أو جاهلاً :
15 - إن تطيّب المحرم ناسياً فلا فدية عليه عند الشّافعيّة والحنابلة ، في المشهور عندهم ، وهو مذهب عطاء ، والثّوريّ ، وإسحاق ، وابن المنذر ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
وإن أخّر ذلك عن زمن الإمكان فعليه الفدية عند الحنابلة ، واستدلّ القائلون بعدم وجوب الفدية على النّاسي أيضاً : بخبر يعلى بن أميّة رضي الله عنه « أنّ رجلا أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة ، وعليه جبّة ، وعليه أثر خلوق ، أو قال : أثر صفرة . فقال : يا رسول اللّه كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ؟ قال : اخلع عنك الجبّة ، واغسل أثر الخلوق عنك . أو قال : الصّفرة ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك » فدلّ ذلك على أنّه عذره لجهله ، والنّاسي في معناه ، وله غسل الطّيب بيده بلا حائل ، لعموم أمره صلى الله عليه وسلم بغسله . وأمّا الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الرّواية الثّانية عن أحمد فقالوا : يجب دم على المحرم البالغ ولو ناسياً إن طيّب عضواً كاملاً ، أو ما يبلغ عضواً لو جمع .
تطيّب المبتوتة :
16 - يحرم على المطلّقة ثلاثاً التّطيّب لوجوب الإحداد عليها ، لأنّها معتدّة بائن من نكاح صحيح ، وهي كالمتوفّى عنها زوجها ، وهذا عند الحنفيّة ، وهو قول للشّافعيّة ، والحنابلة. أمّا المالكيّة فقالوا : إنّ التّطيّب لا يحرم إلا على المتوفّى عنها زوجها ، ومن في حكمها وهي : زوجة المفقود المحكوم بفقده . لقوله تعالى : { وَالّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجَاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَاً }
والقول الآخر للشّافعيّة والحنابلة : لا يحرم التّطيّب ، لأنّ الإحداد لا يجب على المطلّقة ثلاثاً ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً » وهذه عدّة الوفاة ، فدلّ على أنّ الإحداد يجب فيها فقط . والمطلّقة بائناً معتدّة عن غير وفاة ، فلم يجب عليها الإحداد كالرّجعيّة ، ولأنّ المطلّقة بائناً فارقها زوجها باختيار نفسه وقطع نكاحها ، فلا معنى لتكليفها الحزن عليه ، فيجوز لها أن تتطيّب .
وزاد الحنفيّة المطلّقة طلقة واحدة بائنة ، وقالوا : يلزمها ترك التّطيّب ، لأنّه يلزمها الحداد ، ولو أمرها المطلّق بتركه ، لأنّه حقّ الشّرع .

تطيّر *
التّعريف :
1 - التّطيّر في اللّغة : التّشاؤم . يقال : تطيّر بالشّيء ، ومن الشّيء : تشاءم به .
والاسم الطِيَرة . جاء في فتح الباري : التّطيّر ، والتّشاؤم شيء واحد .
والمعنى الاصطلاحيّ لا يختلف عن اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الفأل :
2 - الفَأْل ضدّ الطّيرة ، يقال : تفاءل الرّجل : إذا تيمّن بسماع كلمة طيّبة .
والفرق بينه وبين الطّيرة : أنّ الفأل يستعمل فيما يستحبّ ، والتّطيّر فيما يكره غالباً .
ب - الكهانة :
3 - الكهانة : ادّعاء علم الغيب ، والإخبار بما سيحدث في المستقبل مع الإسناد إلى سبب .
أصل التّطيّر :
4 - أصل التّطيّر : أنّ العرب كانوا في الجاهليّة إذا خرج أحدهم لأمر قصد إلى عشّ طائر ، فيهيّجه ، فإذا طار الطّير يمنة تيمّن به ، ومضى في الأمر ، ويسمّونه " السّانح " .
أمّا إذا طار يسرة تشاءم به ، ورجع عمّا عزم عليه ، وكانوا يسمّونه " البارح " . فأبطل الإسلام ذلك ونهى عنه ، وأرجع الأمر إلى سنن اللّه الثّابتة ، وإلى قدره المحيط ، ومشيئته المطلقة ، جاء في الأثر الصّحيح : « من ردّته الطّيرة من حاجة فقد أشرك » ونحوه كثير .
حكمه التّكليفيّ :
5 - إن اعتقد المكلّف أنّ الّذي شاهده من حال الطّير موجب لما ظنّه ، مؤثّر فيه ، فقد كفر . لما في ذلك من التّشريك في تدبير الأمور .
أمّا إذا علم أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو المتصرّف والمدبّر وحده ، ولكنّه في نفسه يجد شيئاً من الخوف من الشّرّ ، لأنّ التّجارب عنده قضت أنّ صوتاً من أصوات الطّير ، أو حالاً من حالاته يرادفه مكروه ، فإن وطّن نفسه على ذلك فقد أساء ، وإن استعاذ باللّه من الشّرّ ، وسأله الخير ومضى متوكّلا على اللّه ، فلا يضرّه ما وجد في نفسه من ذلك ، وإلا فيؤاخذ . لحديث « معاوية بن حكيم . قال : قلت : يا رسول اللّه : منّا رجال يتطيّرون . قال : ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم » .
هذا وقد اتّفق أهل التّوحيد على تحريم التّطيّر ، ونفي تأثيره في حدوث الخير أو الشّرّ ، لما في ذلك من الإشراك باللّه في تدبير الأمور . والنّصوص في النّهي عن ذلك كثيرة ، منها : حديث : « لا عدوى ، ولا طيرة ولا هامّة ، ولا صفر » .
أمّا الفأل الحسن فهو جائز ، وجاء في الأثر : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتفاءل ولا يتطيّر ، وكان يحبّ أن يسمع يا راشد يا رجيح » .
وروي عنه : « لا عدوى ولا طيرة ، ويعجبني الفأل الصّالح : الكلمة الحسنة » .
والفأل أمل ورجاء للخير من اللّه تعالى عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ ، بخلاف الطّيرة ، فهي سوء ظنّ باللّه ، والمؤمن مأمور بحسن الظّنّ باللّه ، لخبر قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « أنا عند ظنّ عبدي بي ، إن ظنّ بي خيراً فله ، وإن ظنّ شرّاً فله » .
والتّفصيل في مصطلح ( شؤم ) .

تعارض *
التّعريف :
1 - التّعارض في اللّغة : التّقابل . أصله من العرض وهو المنع . يقال : لا تعترض له ، أي : لا تمنعه باعتراضك أن يبلغ مراده . ومنه : الاعتراضات عند الأصوليّين والفقهاء الواردة على القياس وغيره من الأدلّة ، سمّيت بذلك لأنّها تمنع من التّمسّك بالدّليل ومنه : تعارض البيّنات ، لأنّ كلّ واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها .
ومنه : تعارض الأدلّة عند الأصوليّين ، وموطنه في الملحق الأصوليّ .
والتّعارض اصطلاحاً : التّمانع بين الدّليلين مطلقا ، بحيث يقتضي أحدهما غير ما يقتضي الآخر .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّناقض :
2 - التّناقض : هو التّدافع يقال : تناقض الكلامان ، أي : تدافعا ، كأنّ كلّ واحد منهما ينقض الآخر ويدفعه ، والمتناقضان لا يجتمعان أبدا ولا يرتفعان .
أمّا المتعارضان فقد يمكن ارتفاعهما .
ب - التّنازع :
3 - التّنازع الاختلاف . يقال : تنازع القوم ، أي : اختلفوا ومنه قوله تعالى : { وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } . فالتّنازع أعمّ ، لأنّه يشمل الاختلاف في الرّأي وغيره . حكم التّعارض :
4 - إذا تعارضت البيّنتان ، وأمكن الجمع بينهما جمع ، وإذا لم يمكن الجمع يصار إلى التّرجيح . والتّرجيح : تقديم دليل على دليل آخر يعارضه ، لاقتران الأوّل بما يقوّيه والتّعارض والتّرجيح يرد عند الأصوليّين والفقهاء .
فأمّا ما يتعلّق بالأصول فينظر في الملحق الأصوليّ .
وأمّا استعماله عند الفقهاء فمعظمه في شأن البيّنات ، وفيما يلي تفصيل ذلك :
وجوه التّرجيح في تعارض البيّنات :
5 - في كلّ مذهب من المذاهب الفقهيّة وجوه للتّرجيح .
ذكر الحنفيّة - في باب دعوى الرّجلين - وجوها لترجيح إحدى البيّنتين على الأخرى إذا تعارضتا وتساوتا في القوّة ، فقالوا : إن كانت العين في يد المدّعى عليه تقدّم بيّنة الخارج على بيّنة ذي اليد في دعوى الملك المطلق - الّذي لم يذكر سببه - إن وقّت أحدهما فقط
- أي ذكر تاريخا - وقال أبو يوسف : من وقّت أحقّ بالعين ، فإن أرّخا واتّحد المملّك ، فالأسبق تاريخا أحقّ بالعين لقوّة بيّنته ، ولو اختلف المملّك استويا .
وإن كانت العين في يد ثالث ، وأقام خارجان كلّ بيّنة ، وتساوتا ، قضي لهما بها مناصفة ، وذلك عند أبي حنيفة وصاحبيه .
وإن كان النّزاع على نكاح امرأة ، فأمّا أن تكون المرأة حيّة أو ميّتة ، فإن كانت حيّة سقطت البيّنتان لعدم إمكان الجمع بينهما .
وإن كانت ميّتة ورثاها ميراث زوج واحد ، ولو ولدت يثبت نسب الولد منهما .
وإن كانت العين في أيديهما معا ، واستويا في الحجّة والتّاريخ ، فالعين بينهما .
فإن اختلفا في التّاريخ فهي للسّابق . ولا عبرة عندهم بكثرة الشّهود ولا بزيادة العدالة - وعند الحنفيّة تفصيلات أخرى تنظر في كتبهم .
وعند المالكيّة التّرجيح يحصل بوجوه :
6 - الأوّل : بزيادة العدالة في المشهور . وروي عن مالك أنّه لا يرجّح بها ، وذلك موافق لما قاله الحنفيّة . وعلى القول بالتّرجيح بزيادة العدالة فلا بدّ أن يحلف من زادت عدالته ، وفي الموّازيّة : لا يحلف ، ولا يرجّح بكثرة العدد على المشهور كما هو رأي الحنفيّة . وروي عن مطرّف وابن الماجشون أنّه يرجّح بكثرة العدد عند تكافؤ البيّنتين في العدالة ، إلا أن يكثروا كثرة يكتفى بها فيما يراد من الاستظهار ، والآخرون كثيرون جدّاً ، فلا تراعى الكثرة حينئذ ، وإنّما يقع التّرجيح بمزيّة العدالة دون مزيّة العدد . قال ابن عبد السّلام : من رجّح بزيادة العدد لم يقل به كيفما اتّفق ، وإنّما اعتبره مع قيد العدالة .
7 - الثّاني : يكون التّرجيح أيضاً بقوّة الحجّة فيقدّم الشّاهدان على الشّاهد واليمين . وعلى الشّاهد والمرأتين ، وذلك إذا استووا في العدالة ، قال ذلك أشهب . وقال ابن القاسم : لا يقدّمان ثمّ رجع لقول أشهب . قال ابن القاسم : ولو كان الشّاهد أعدل من كلّ واحد منهما حكم به مع اليمين ، وقدّم على الشّاهدين . وقال ابن الماجشون ومطرّف : لا يقدّم ولو كان أعدل أهل زمانه ، وهو أقيس ، لأنّ بعض أهل المذهب لا يرى اليمين مع الشّاهد .
8 - الثّالث : اشتمال إحدى البيّنتين على زيادة تاريخ متقدّم أو سبب ملك ، وهذا يتّفق مع قول الحنفيّة بالأخذ بتاريخ السّابق .
وذكر القرافيّ أنّه لا يحكم بأعدل البيّنتين عند من رأى ذلك إلّا في الأموال خاصّة .
وقالوا : تقدّم بيّنة الملك على بيّنة الحوز ، وإن كان تاريخ الحوز متقدّما ، لأنّ الملك أقوى من الحوز . وتقدّم البيّنة النّاقلة على البيّنة المستصحبة .
ومثالها : أن تشهد بيّنة أنّ هذه الدّار لزيد بناها منذ مدّة ، ولا نعلم أنّها خرجت من ملكه إلى الآن . وتشهد البيّنة الأخرى : أنّ هذا اشتراها منه بعد ذلك ، فالبيّنة النّاقلة علمت ، والمستصحبة لم تعلم ، فلا تعارض بين الشّهادتين .
وإذا لم يمكن التّرجيح بين البيّنتين سقطتا ، وبقي المتنازع عليه بيد حائزه مع يمينه .
فإن كان بيد غيرهما ، فقيل : يبقى بيده . وقيل : يقسم بين مقيمي البيّنتين ، لاتّفاق البيّنتين على سقوط ملك الحائز . وإقرار من هو بيده لأحدهما ينزّل منزلة اليد للمقرّ له .
9 - وعند الشّافعيّة : أنّه لو تنازع اثنان عينا ، وكانت بيد أحدهما ، وأقام كلّ بيّنة ، وتساوتا قدّمت بيّنة صاحب اليد . ولا تسمع بيّنته إلا بعد بيّنة المدّعي .
وإن كانت العين في يد ثالث ، وأقام كلّ منهما بيّنة سقطت البيّنتان ، ويصار إلى التّحليف ، فيحلف صاحب اليد لكلّ منهما يميناً . وقيل : تستعمل البيّنتان وتنزع العين ممّن هي في يده ، وتقسم بينهما مناصفة في قول ، وفي قول آخر : يقرع بينهما فيأخذها من خرجت قرعته ، وفي قول : يوقف الأمر حتّى يتبيّن أو يصطلحا . وسكت في الرّوضة عن ترجيح واحد من الأقوال الثّلاثة . وقال القليوبيّ : قضيّة كلام جمهور الشّافعيّة ترجيح الثّالث ، لأنّه أعدل . وإن كانت في أيديهما ، وأقاما بيّنتين ، بقيت في أيديهما ، كما كانت على قول السّقوط . وقيل : تقسم بينهما على قول القسمة ، ولا يجيء الوقف ، وفي القرعة قولان .
ولو أزيلت يده ببيّنة ، ثمّ أقام بيّنة بملكه مستندا إلى ما قبل إزالة يده ، واعتذر بغيبة شهوده ، سمعت وقدّمت ، لأنّها إنّما أزيلت لعدم الحجّة ، وقد ظهرت ، فينقض القضاء . وقيل : لا ، والقضاء على حاله . ولو قال الخارج : هو ملكي اشتريته منك . فقال : بل ملكي . وأقاما بيّنتين بما قالاه تقدّم بيّنة الخارج ، لزيادة علم بيّنته بالانتقال .
والمذهب أنّ زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجّح ، لكمال الحجّة في الطّرفين ، كما قال الحنفيّة . وفي قول من طريق ترجّح ، لأنّ القلب إلى الزّائد أميل . وكذا لو كان لأحدهما رجلان ، للآخر رجل وامرأتان ، لا يرجّح الرّجلان . وفي قول من طريق يرجّحان ، لزيادة الوثوق بقولهما . فإن كان للآخر شاهد ويمين يرجّح الشّاهدان في الأظهر ، لأنّهما حجّة بالإجماع . وفي الشّاهد واليمين خلاف . والقول الثّاني : يتعادلان ، لأنّ كلّا منهما حجّة كافية . ولو شهدت بيّنة لأحدهما بملك من سنة ، وبيّنة للآخر بملك من أكثر من سنة إلى الآن كسنتين ، والعين في يد غيرهما، فالأظهر ترجيح الأكثر ، لأنّ الأخرى لا تعارضها فيه. والرّأي الثّاني عند الشّافعيّة : أنّه لا ترجيح به ، لأنّ مناط الشّهادة الملك في الحال ، وقد استويا فيه ، ولصاحب بيّنة الأكثر - على القول بترجيحها - الأجرة ، والزّيادة الحادثة من يوم الحكم . وعلى القول الثّاني : تقسم بينهما ، أو يقرع ، أو يوقف حتّى يبيّن أو يصطلحا حسب الأقوال الثّلاثة . ولو أطلقت بيّنة ، وأرّخت بيّنة ، فالمذهب أنّهما سواء ، وهو المعتمد ، سواء كان المدّعى به بيدهما أو بيد غيرهما ، أو لا بيد واحد منهما . وقيل - كما في أصل الرّوضة - تقدّم البيّنة المؤرّخة ، لأنّها تقتضي الملك قبل الحال ، بخلاف المطلقة . ولو شهدت بيّنة أحدهما بالحقّ ، وبيّنة الآخر بالإبراء قدّمت بيّنة الإبراء .
هذا ومحلّ الاستواء في هذه المسألة - على ما ذكره القليوبيّ - ما لم يوجد مرجّح . فإن وجد المرجّح ككونه بيد أحدهما ، أو كانت بيّنته غير شاهد ويمين ، أو أسندت بيّنته لسبب : كأن شهدت بأنّه نتج في ملكه ، أو ثمر فيه ، أو حمل فيه ، أو ورثه من أبيه فتقدّم بيّنته .
10 - وعند الحنابلة : أنّ من ادّعى شيئا بيد غيره فأنكره ، ولكلّ واحد منهما بيّنة ، فقد اختلفت الرّواية عن أحمد فيما إذا تعارضتا : فالمشهور عنه تقديم بيّنة المدّعي ، ولا يلتفت إلى بيّنة المدّعى عليه بحال ، وهذا قول إسحاق ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « البيّنة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه » فأمرنا بسماع بيّنة المدّعي ويمين المدّعى عليه ، وسواء شهدت بيّنة المدّعى عليه أنّها له ، أو قالت : ولدت في ملكه عليه . وعن أحمد رواية ثانية : إن شهدت بيّنة الدّاخل - أي صاحب اليد وهو المدّعى عليه - بسبب الملك ، وقالت مثلاً : إنّ الدّابّة المتنازع عليها نتجت في ملكه أو اشتراها ، أو كانت بيّنته أقدم تاريخا قدّمت بيّنته ، وإلا قدّمت بيّنة المدّعي ، لأنّ ( بيّنة الدّاخل ) أفادت بذكر السّبب ما لا تفيده اليد . واستدلّ لتقديم بيّنة الدّاخل : بما روى جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اختصم إليه رجلان في دابّة أو بعير ، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة بأنّها له نتجها ، فقضى بها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للّذي هي في يده » . وذكر أبو الخطّاب رواية ثالثة : أنّ بيّنة المدّعى عليه تقدّم بكلّ حال ، وهو قول شريح وأهل الشّام والشّعبيّ والحكم وأبي عبيد . وقال : هو قول أهل المدينة ، وروي عن طاوس . وأنكر القاضي كون هذا رواية عن أحمد ، وقال : لا تقبل بيّنة الدّاخل إذا لم تفد إلا ما أفادته يده ، رواية واحدة . واحتجّ من ذهب إلى هذا القول بأنّ جهة المدّعى عليه أقوى ، لأنّ الأصل معه ، ويمينه تقدّم على يمين المدّعي .
فإذا تعارضت البيّنتان : وجب إبقاء يده على ما فيها ، وتقديمه ، كما لو لم تكن بيّنة لواحد منهما . وحديث جابر يدلّ على هذا ، فإنّه إنّما قدّمت بيّنته ليده .
11 - واستدلّ لتقديم بيّنة المدّعي بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « البيّنة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه » فجعل جنس البيّنة في جهة المدّعي ، فلا يبقى في جهة المدّعى عليه بيّنة . ولأنّ بيّنة المدّعي أكثر فائدة فوجب تقديمها كتقديم بيّنة الجرح على بيّنة التّعديل . ودليل كثرة فائدتها : أنّها تثبت شيئاً لم يكن .
وبيّنة المنكر إنّما تثبت ظاهرا تدلّ اليد عليه ، فلم تكن مفيدة ، ولأنّ الشّهادة بالملك يجوز أن يكون مستندها رؤية اليد والتّصرّف ، فإنّ ذلك جائز عند كثير من أهل العلم ، فصارت البيّنة بمنزل اليد المجرّدة ، فتقدّم عليها بيّنة المدّعي ، كما تقدّم على اليد ، كما أنّ شاهدي الفرع لمّا كانا مبنيّين على شاهدي الأصل ، لم تكن لهما مزيّة عليهما .
وإذا كان في يد رجل شاة ، فادّعى رجل أنّها له منذ سنة ، وأقام بذلك بيّنة . وادّعى الّذي هي في يده أنّها في يده منذ سنين ، وأقام لذلك بيّنة ، فهي للمدّعي بغير خلاف ، لأنّ بيّنته تشهد له بالملك ، وبيّنة الدّاخل تشهد له باليد خاصّة ، فلا تعارض بينهما ، لإمكان الجمع بينهما بأن تكون اليد على غير ملك ، فكانت بيّنة الملك أولى . فإن شهدت بيّنة بأنّها ملكه منذ سنتين ، فقد تعارض ترجيحان : فقدّم التّاريخ من جهة بيّنة الدّاخل ، وكون الأخرى بيّنة الخارج ففيه روايتان : إحداهما تقدّم بيّنة الخارج، وهو قول صاحبي أبي حنيفة ، وأبي ثور. والثّانية : تقدّم بيّنة الدّاخل ، وهو قول أبي حنيفة ، والشّافعيّ ، لأنّها تضمّنت زيادة .
تعارض الأدلّة في حقوق اللّه تعالى :
12 - المقرّر شرعا : أنّ الحدود الّتي هي حقّ اللّه تعالى تسقط بالشّبهات ، فإذا أقيمت بيّنة تامّة على فعل كالزّنى مثلاً ، وعارضتها بيّنة ولو أقلّ منها بعدم الفعل قدّمت ، وذلك استناداً إلى قوله صلى الله عليه وسلم : « ادرءوا الحدود بالشّبهات ما استطعتم » بل قال الحنفيّة : لو أقيمت عليه بيّنة بما يوجب الحدّ ، وادّعى شبهة من غير بيّنة ، سقط الحدّ .
وللمالكيّة تفصيل ، قالوا : إذا شهدت بيّنة بأنّه زنى عاقلاً ، وشهدت الأخرى بأنّه كان مجنونا : إن كان القيام عليه - أي الادّعاء - وهو عاقل ، قدّمت بيّنة العقل .
وإن كان القيام عليه وهو مجنون ، قدّمت بيّنة الجنون، فاعتبروا شهادة الحال في التّرجيح.
وقال ابن اللّبّاد : يعتبر وقت الرّؤية لا وقت القيام ، فلم يعتبر ظاهر الحال .
ونقل عن ابن القاسم : إثبات الزّيادة ، فإذا شهدت إحداهما : بالقتل أو السّرقة أو الزّنى ، وشهدت الأخرى : أنّه كان في مكان بعيد أنّه تقدّم بيّنة القتل ونحوه ، لأنّها مثبتة زيادة ، ولا يدرأ عنه الحدّ . قال سحنون : إلا أن يشهد الجمع العظيم - كالحجيج ونحوهم - أنّه كان معهم في الوقوف بعرفة ، أو صلّى بهم العيد في ذلك اليوم ، لأنّ هؤلاء لا يشتبه عليهم أمره ، بخلاف الشّاهدين .
تعارض تعديل الشّهود وتجريحهم :
13 - اعتبار العدالة في الشّاهد حقّ للّه تعالى ، ولهذا لو رضي الخصم بأن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به . والعدالة أو التّجريح لا يثبت كلّ منهما إلا بشهادة رجلين ، خلافا لأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، فيثبت كلّ من التّعديل والتّجريح عندهما بشهادة واحد . وسبب الخلاف هل هما شهادة أو إخبار ؟ فعند الجمهور : شهادة ، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف : إخبار ، فيكفي الواحد في تزكية السّرّ ، ونصاب الشّهادة في تزكية العلانية .
فلو عدّل الشّاهد اثنان ، وجرّحه اثنان ، فالجرح أولى عند الحنفيّة ، والشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول عند المالكيّة ، واستدلّوا : بأنّ الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدّل ، فوجب تقديمه ، لأنّ التّعديل يتضمّن ترك الرّيب والمحارم ، والجارح مثبت لوجود ذلك ، والإثبات مقدّم على النّفي ، ولأنّ الجارح يقول : رأيته يفعل كذا ، والمعدّل مستنده أنّه لم يره يفعل ، ويمكن صدقهما ، والجمع بين قوليهما : بأن يراه الجارح يفعل المعصية ، ولا يراه المعدّل ، فيكون مجروحا . وعند الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا بدّ في الجرح من ذكر السّبب ، ولم يشترطوا ذلك في التّعديل . وعند الحنفيّة : أنّ المزكّي يقول في الشّاهد المجروح " واللّه أعلم " ولا يزيد على هذا ، لأنّ في ذكر فسقه هتك عرضه ، وقد أمرنا بالسّتر على المسلم . وهذا كلّه إذا لم يعلم القاضي حال الشّهود ، إذ إنّه إذا كان يعلم حكم بمقتضى علمه .
وقال المالكيّة : لو عدّله شاهدان رجلان وجرّحه آخران ، ففي ذلك قولان ، قيل : يقضى بأعدلهما ، لاستحالة الجمع بينهما ، وقيل : يقضى بشهادة الجرح ، لأنّ شهود الجرح زادوا على شهود التّعديل ، إذ الجرح يَبْطُن ، فلا يطّلع عليه كلّ النّاس ، بخلاف العدالة .
وللّخميّ تفصيل ، قال : إن كان اختلاف البيّنتين في فعل شيء في مجلس واحد ، كدعوى إحدى البيّنتين : أنّه فعل كذا ، في وقت كذا ، وقالت البيّنة الأخرى : لم يكن ذلك ، فإنّه يقضى بأعدلهما .
وإن كان ذلك في مجلسين متقاربين قضي بشهادة الجرح ، لأنّها زادت علما في الباطن .
وإن تباعد ما بين المجلسين قضي بآخرهما تاريخا ، ويحمل على أنّه كان عدلا ففسق ، أو فاسقا فتزكّى ، إلا أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة ، فبيّنة الجرح مقدّمة ، لأنّها زادت .
تعارض احتمال بقاء الإسلام وحدوث الرّدّة :
14 - فقهاء المذاهب لم يجمعوا على حكم واحد في هذا الموضوع . وأكثر المذاهب توسّعاً فيه مذهب الحنفيّة : إذ قالوا : لا يخرج الرّجل من الإيمان إلّا جحود ما أدخله فيه ، ثمّ ما تيقّن أنّه ردّة يحكم بها ، وما يشكّ أنّه ردّة لا يحكم بها ، إذ الإسلام الثّابت لا يزول بالشّكّ ، والإسلام يعلو . وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام ، مع أنّه يتساهل في إثبات الإسلام ، فيقضى بصحّة إسلام المكره . ونقل ابن عابدين عن صاحب الفتاوى الصّغرى قوله : الكفر شيء عظيم ، فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنّه لا يكفر . وفي كتب الحنفيّة : إذا كان في المسألة وجوه توجب التّكفير ، ووجه واحد يمنعه ، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الّذي يمنع التّكفير ، تحسينا للظّنّ بالمسلم ، إلا إذا صرّح بإرادة موجب الكفر ، فلا ينفعه التّأويل .
ولا يكفر بالمحتمل ، لأنّ عقوبة الكفر نهاية في العقوبة ، تستدعي نهاية في الجناية ، ومع الاحتمال لا نهاية في الجناية ، والّذي تقرّر : أنّه لا يفتى بكفر مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن ، أو كان في كفره اختلاف ، ولو رواية ضعيفة .
15 - وفقهاء المذاهب الأخرى يقولون أيضاً : إذا قام دليل أو قرينة تقتضي عدم القتل قدّمت . قالوا : ولو أسلم ثمّ ارتدّ عن قرب ، وقال : أسلمت عن ضيق أو خوف أو غرم ، وظهر عذره ، ففي قبول عذره قولان عند المالكيّة .
هذا ، وقد أورد الفقهاء قواعد عامّة في التّعارض ، وهي إن كانت أقرب إلى الأصول منها إلى الفقه ، إلا أنّه رتّبت عليها مسائل فقهيّة يسوّغ ذكرها هنا .
تعارض الأحكام التّكليفيّة في الفعل الواحد :
16 - من القواعد الّتي أوردها الزّركشيّ : أنّه لو تعارض الحظر والإباحة في فعل واحد يقدّم الحظر . ومن ثمّ لو تولّد الحيوان من مأكول وغيره ، حرم أكله ، وإذا ذبحه المحرم وجب الجزاء تغليبا للتّحريم .
ومنها : لو تعارض الواجب والمحظور ، يقدّم الواجب ، كما إذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفّار ، وجب غسل الجميع ، والصّلاة عليهم . وكذلك اختلاط الشّهداء بغيرهم . وإن كان الشّهيد لا يغسّل ، ولا يصلّى عليه ، إلّا أنّه ينوى الصّلاة عليه إن لم يكن شهيداً . ولو أسلمت المرأة وجب عليها الهجرة إلى دار الإسلام ، ولو سافرت وحدها ، وإن كان سفرها وحدها في الأصل حراماً .
ويعذر المصلّي في التّنحنح إذا تعذّرت عليه القراءة الواجبة .
17 - ومن القواعد : ما لو تعارض واجبان ، قدّم آكدهما ، فيقدّم فرض العين على فرض الكفاية . فالطّائف حول الكعبة لا يقطع الطّواف لصلاة الجنازة .
ولو اجتمعت جنازة وجمعة وضاق الوقت ، قدّمت الجمعة . ومن هذا ليس للوالدين منع الولد من حجّة الإسلام على الصّحيح ، بخلاف الجهاد ، فإنّه لا يجوز إلا برضاهما ، لأنّ برّهما فرض عين ، والجهاد فرض كفاية ، وفرض العين مقدّم .
18 - ولو تعارضت فضيلتان ، يقدّم أفضلهما ، فلو تعارض البكور إلى الجمعة بلا غسل وتأخيره مع الغسل ، فالظّاهر : أنّ تحصيل الغسل أولى للخلاف في وجوبه . وهذا كلّه مذهب الشّافعيّة .
19 - ومن فروع قاعدة تعارض الحظر والإباحة : ما إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التّحريم ، والآخر الإباحة ، قدّم التّحريم .
وعلّله الأصوليّون بتقديم النّسخ ، لأنّه لو قدّم المبيح للزم تكرار النّسخ ، لأنّ الأصل في الأشياء الإباحة ، فلو جعل المبيح متأخّرا كان المحرّم ناسخاً للإباحة الأصليّة ، ثمّ يصير منسوخا بالمبيح ، ولو جعل المحرّم متأخّرا كان ناسخا للمبيح ، وهو لم ينسخ شيئاً لكونه على وفق الأصل ، ولذلك قال عثمان رضي الله عنه - لمّا سئل عن الجمع بين الأختين بملك اليمين - أحلّتهما آية وحرّمتهما آية ، والتّحريم أحبّ إلينا . قالوا : وإنّما كان التّحريم أحبّ لأنّ فيه ترك مباح ، لا اجتناب محرّم ، وذلك أولى من عكسه .
20 - ومن أقسام التّعارض : أن يتعارض أصلان ، فإذا وقع ذلك يعمل بالأرجح منهما ، لاعتضاده بما يرجّحه . ومن صوره : ما إذا جاء بعض العسكر بمشرك ، فادّعى المشرك : أنّ المسلم أمّنه ، وأنكر ، ففيه روايتان :
إحداهما : القول قول المسلم في إنكار الأمان ، لأنّ الأصل عدم الأمان . والثّانية : القول قول المشرك ، لأنّ الأصل في الدّماء الحظر إلّا بيقين الإباحة ، وقد وقع الشّكّ هنا فيها . وفيه رواية ثالثة : أنّ القول قول من يدلّ الحال على صدقه منهما ، ترجيحا لأحد الأصلين بالظّاهر الموافق له . ولو تعارض الحنث والبرّ في يمين ، قدّم الحنث على البرّ ، فمن حلف على الإقدام على فعل شيء أو وجوده فهو على حنث ، حتّى يقع الفعل فيبرّ .
والحنث يدخل عند المالكيّة بأقلّ الوجوه ، والبرّ لا يكون إلا بأكمل الوجوه ، فمن حلف أن يأكل رغيفاً لم يبرّ إلا بأكل الرّغيف كلّه ، وإن حلف ألا يأكله حنث بأكل بعضه .
قال الغزاليّ في المستصفى : وقد ذهب قوم : إلى أنّ الخاصّ والعامّ يتعارضان ويتدافعان ، فيجوز أن يكون الخاصّ سابقاً ، وقد ورد العامّ بعده لإرادة العموم ، فنسخ الخاصّ . ويجوز أن يكون العامّ سابقاً وقد أريد به العموم ، ثمّ نسخ باللّفظ الخاصّ بعده . فعموم الرّقبة مثلاً يقتضي إجزاء الكافرة مهما أريد به العموم ، والتّقييد بالمؤمنة يقتضي منع إجزاء الكافرة ، فهما متعارضان . وإذا أمكن النّسخ والبيان جميعا فَلِمَ يُتحكّم بحمله على البيان دون النّسخ ؟ ولمَ يقطع بالحكم على العامّ بالخاصّ ؟ ولعلّ العامّ هو المتأخّر الّذي أريد به العموم ، وينسخ به الخاصّ ، وهذا هو الّذي اختاره القاضي ، والأصحّ عندنا : تقديم الخاصّ وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا ، ولكنّ تقدير النّسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة تحت اللّفظ ، ثمّ خروجه عنه ، فهو إثبات وضع ، ورفع بالتّوهّم ، وإرادة الخاصّ باللّفظ العامّ غالب معتاد ، بل هو الأكثر ، والنّسخ كالنّادر ، فلا سبيل إلى تقديره بالتّوهّم ، ويكاد يشهد لما ذكرناه من سير الصّحابة والتّابعين كثير ، فإنّهم كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاصّ على العامّ ، وما اشتغلوا بطلب التّاريخ والتّقدّم والتّأخّر .
وقيل على الشّذوذ : إنّه يخصّص من طريق المفهوم ، فإنّ الرّجال يقتضي مفهومه قتل غيرهم ، فإذا لم يتنافيا ، وكان لأحدهما مناسبة تخصّه في متعلّقه - كقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ المَيْتَةُ } وقوله تعالى : { لا تَقْتُلُوا الصًّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } - فيضطرّ المحرم إلى أكل الميتة أو الصّيد ، فعند مالك : يأكل الميتة ويترك الصّيد ، لأنّ كليهما - وإن كان محرّما - إلّا أنّ تحريم الصّيد له مناسبة بالإحرام ، ومفسدته الّتي اعتمدها النّهي إنّما هي في الإحرام ، وأمّا مفسدة أكل الميتة فذلك أمر عامّ ، لا تعلّق له بخصوص الإحرام ، والمناسب إذا كان لأمر عامّ - وهو كونها ميتة - لا يكون بينه وبين خصوص الإحرام منافاة ولا تعلّق ، والمنافي الأخصّ أولى بالاجتناب .
ومن هذا القبيل : إذا لم يجد المصلّي ثوباً يستره إلا حريراً أو نجساً فإنّه يصلّي في الحرير ويترك النّجس ، لأنّ مفسدة النّجاسة خاصّة بالصّلاة ، بخلاف مفسدة الحرير لا تعلّق لها بخصوص الصّلاة ، ولا منافاة بينهما .
وهناك فروع كثيرة أخرى تترتّب على هذه القاعدة ، يرجع إليها في الأصول وأبواب الفقه .
رد مع اقتباس