عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-19-2012, 07:28 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - نيّة التّطوّع :
24 - التّطوّع - إن كان عبادة - فلا بدّ فيه من النّيّة بالإجماع ، لقوله تعالى : { وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وقوله صلى الله عليه وسلم : « إنّما الأعمال بالنّيّات » وهي مقصودة بها تمييز العبادات عن العادات ، وتمييز بعض العبادات عن بعض. فالغسل قد يكون تبرّدا وعبادة ، والإمساك عن المفطرات قد يكون حميّة أو تداويا ، ودفع المال يكون صدقة شرعيّة وصلة متعارفة . . وهكذا ، وعلى ذلك فالنّيّة شرط في العبادات باتّفاق ، إلّا أنّ الفقهاء يختلفون في النّيّة في تطوّع العبادات بالنّسبة للتّعيين أو الإطلاق . 25 - والتّطوّع في العبادات ، منه ما هو مطلق كالتّهجّد والصّوم ، ومنه ما هو مقيّد كصلاة الكسوف والسّنن الرّواتب مع الفرائض ، وكصيام عرفة وعاشوراء .
أمّا التّطوّع المطلق ، فيصحّ عند جميع الفقهاء أداؤه دون تعيينه بالنّيّة ، وتكفي نيّة مطلق الصّلاة أو مطلق الصّوم .
أمّا التّطوّع المعيّن كالرّواتب والوتر والتّراويح ، وصلاة الكسوف والاستسقاء ، وصيام يوم عاشوراء ، فإنّه يشترط فيه تعيينه بالنّيّة ، وذلك عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وبعض مشايخ الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة حدّدوا المعيّن عندهم بأنّه : الوتر والعيدان وصلاة الكسوف والاستسقاء ورغيبة الفجر ، أمّا غير ذلك فهو من المطلق عندهم .
والصّحيح المعتمد عند الحنفيّة أنّ التّطوّع المعيّن أو المقيّد يصحّ دون تعيينه ، وأنّه يكفي فيه مطلق النّيّة كالتّطوّع المطلق ، وهو ما عليه أكثر مشايخ الحنفيّة .
26 - أمّا غير العبادات من التّطوّعات ، فالأصل أنّه لا مدخل للنّيّة فيها ، إلا أنّ نيّة القربة فيها - امتثالا لأوامر الشّرع الّتي تحثّ على المعروف - مطلوبة لاستحقاق الثّواب ، إذ أنّها لا تتمحّض قربة إلّا بهذه النّيّة .
يقول الشّاطبيّ : المقاصد معتبرة في التّصرّفات من العبادات والعادات . إلى أن قال : وأمّا الأعمال العاديّة - وإن لم تفتقر في الخروج عن عهدتها إلى نيّة - فلا تكون عبادات ولا معتبرات في الثّواب إلا مع قصد الامتثال ، وفي الأشباه لابن نجيم : لا يتوقّف الوقف ولا الهبة ولا الوصيّة على النّيّة ، فالوصيّة إن قصد التّقرّب بها فله الثّواب ، وإلّا فهي صحيحة فقط ، وكذلك الوقف إن نوى القربة فله الثّواب وإلا فلا ، وعلى هذا سائر القرب لا بدّ فيها من النّيّة ، بمعنى توقّف حصول الثّواب على قصد التّقرّب بها إلى اللّه تعالى .
وفي الشّرح الصّغير : الهبة من التّبرّعات المندوبة كالصّدقة ، وهذا إن صحّ القصد ، وإن استحضر أنّ ذلك ممّا رغّب فيه الشّرع فإنّه يثاب . وفي المنثور في القواعد للزّركشيّ : عيادة المريض واتّباع الجنازة وردّ السّلام قربة ، لا يستحقّ الثّواب عليها إلا بالنّيّة .
ج - النّيابة في التّطوّع :
27 - التّطوّع إن كان من العبادات البدنيّة كالصّلاة والصّوم ، فلا تجوز فيه النّيابة ، لأنّه لا تجوز النّيابة في فرضه في الجملة ، فلا تجوز في نفله . وإن كان مركّبا منهما كالحجّ ، فعند الحنفيّة والحنابلة تصحّ النّيابة فيه ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وأحد قولين معتمدين عند المالكيّة . أمّا غير ذلك من العبادات الماليّة والتّطوّعات بأنواع البرّ والمعروف ، كالصّدقة والهدي والعتق والوقف والوصيّة والهبة والإبراء وغيرها فإنّه تجوز النّيابة فيها . كما أنّه يجوز عند الحنفيّة والحنابلة أن يتطوّع الإنسان بجعل ثواب عمله من صلاة وصيام وحجّ وصدقة وعتق وطواف وعمرة وقراءة وغير ذلك لغيره ، من حيّ أو ميّت . بدليل أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « ضحّى بكبشين أملحين ، أحدهما عنه ، والآخر عن أمّته » . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص ، لمّا سأله عن أبيه : لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدّقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك » . قال ابن قدامة : وهذا عامّ في حجّ التّطوّع وغيره ، ولأنّه عمل برّ وطاعة فوصل نفعه وثوابه كالصّدقة والصّيام والحجّ الواجب . « عن أنس رضي الله عنه قال : يا رسول اللّه ، إنّا نتصدّق عن موتانا ، ونحجّ عنهم ، وندعو لهم ، فهل يصل ذلك لهم ؟ قال : نعم ، إنّه ليصل إليهم ، وإنّهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطّبق إذا أهدي إليه » .
وقال صلى الله عليه وسلم : « إنّ من البرّ بعد الموت أن تصلّي لأبويك مع صلاتك ، وأن تصوم لهما مع صومك » وعند المالكيّة والشّافعيّة يجوز فيما عدا الصّلاة والصّيام .
وينظر تفصيل ذلك في : ( نيابة - وكالة - نفل - صدقة - صلاة - وصوم ) .
د - الأجرة على التّطوّع :
28 - الأصل أنّ كلّ طاعة يختصّ بها المسلم لا يجوز أخذ الأجرة عليها ، كالإمامة والأذان والحجّ والجهاد وتعليم القرآن . لما روى عثمان بن أبي العاص قال : « إنّ آخر ما عهد إليّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن أتَّخِذَ مؤذّناً لا يأخذُ على أذانه أجراً » ولأنّ القربة متى حصلت وقعت عن العامل ، ولهذا تعتبر أهليّته ، فلا يجوز أخذ الأجر عن غيره كما في الصّوم والصّلاة . هذا مذهب الحنفيّة ، وهو رواية عند الحنابلة .
ويصحّ مع الكراهة عند المالكيّة . جاء في الشّرح الصّغير : تكره إجارة الإنسان نفسه في عمل للّه تعالى ، حجّا أو غيره ، كقراءة وإمامة وتعليم علم ، وصحّته مع الكراهة .
كما تكره الإجارة على الأذان ، قال مالك : لأن يؤاجر الرّجل نفسه في عمل اللّبن وقطع الحطب وسوق الإبل أحبّ إليّ من أن يعمل عملا للّه بأجرة .
وقال الشّافعيّة ، كما في نهاية المحتاج : لا تصحّ إجارة مسلم لجهاد ولا لعبادة يجب لها نيّة ، وألحقوا بذلك الإمامة ولو لنفل ، لأنّه حصل لنفسه . أمّا ما لا تجب له نيّة كالأذان فيصحّ الاستئجار عليه ، واستثني ممّا فيه نيّة : الحجّ والعمرة ، فيجوز الاستئجار لهما أو لأحدهما عن عاجز أو ميّت ، وتقع صلاة ركعتي الطّواف تبعا لهما ، وتجوز الإجارة عن تفرقة زكاة وكفّارة وأضحيّة وهدي وذبح وصوم عن ميّت وسائر ما يقبل النّيابة وإن توقّف على النّيّة ، لما فيها من شائبة المال . وتصحّ الإجارة لكلّ ما لا تجب له نيّة .
وتصحّ لتجهيز ميّت ودفنه وتعليم قرآن ولقراءة القرآن عند القبر أو مع الدّعاء .
وفي الاختيارات الفقهيّة لابن تيميّة : لا يجوز للإنسان أن يقبل هديّة من شخص ليشفع له عند ذي أمر ، أو أن يرفع عنه مظلمة ، أو يوصل إليه حقّه أو يولّيه ولاية يستحقّها ، أو يستخدمه في الجند المقاتلة وهو مستحقّ لذلك ، وإذا امتنعت الهديّة امتنعت الأجرة من باب أولى . والأصل في ذلك : أنّ من أخذ أجرا على عمل تطوّع - ممّا يجوز عند الفقهاء - فإنّه يعتبر أجيراً ، وليس متطوّعا بالقربات ، لأنّ القرب والطّاعات إذا وقعت بأجرة لم تكن قربة ولا عبادة ، لأنّه لا يجوز التّشريك في العبادة ، لكن إذا كان الرّزق من بيت المال أو من وقف فإنّه يعتبر نفقة في المعنى ، ولا يعتبر أجراً .
جاء في الاختيارات الفقهيّة : الأعمال الّتي يختصّ فاعلها أن يكون من أهل القربة ، هل يجوز إيقاعها على غير وجه القربة ؟ فمن قال : لا يجوز ذلك ، لم يجز الإجارة عليها ، لأنّها بالعوض تقع غير قربة و« إنّما الأعمال بالنّيّات » واللّه تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه ، ومن جوّز الإجارة جوّز إيقاعها على غير وجه القربة ، وقال : تجوز الإجارة عليها لا فيها من نفع المستأجر ، وأمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضاً وأجرة ، بل رزق للإعانة على الطّاعة ، فمن عمل منهم للّه أثيب . وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به كذلك ، والمنذور كذلك ، ليس كالأجرة .
ويقول القرافيّ : باب الأرزاق أدخل في باب الإحسان وأبعد عن باب المعاوضة ، وباب الإجارة أبعد من باب المسامحة وأدخل في باب المكايسة ، ثمّ يقول : الأرزاق مجمع على جوازها ، لأنّها إحسان ومعروف وإعانة لا إجارة .
انقلاب التّطوّع إلى واجب :
29 - ينقلب التّطوّع إلى واجب لأسباب متعدّدة منها :
أ - الشّروع :
30 - التّطوّع بالحجّ عند جميع الفقهاء يصير واجباً بالشّروع فيه ، بحيث إذا فسد وجب قضاؤه . ومثل ذلك : الصّلاة والصّيام عند الحنفيّة والمالكيّة .
ب - التّطوّع بالحجّ ممّن لم يحجّ حجّة الإسلام :
31 - قال ابن قدامة : من أحرم بحجّ تطوّع - ممّن لم يحجّ حجّة الإسلام - وقع عن حجّة الإسلام ، وبهذا قال ابن عمر وأنس والشّافعيّ ، لأنّه أحرم بالحجّ وعليه فرضه ، فوقع عن فرضه كالمطلق . ولو أحرم بتطوّع وعليه منذورة وقعت عن المنذورة ، ولأنّها واجبة فهي كحجّة الإسلام . والعمرة كالحجّ فيما ذكرنا لأنّها أحد النّسكين ، فأشبهت الآخر .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى : أنّه إذا نوى حجّة نفل - ولم يكن قد حجّ حجّة الإسلام - وقع عمّا نواه ، لأنّ وقت الحجّ يشبه وقت الصّلاة ( ظرف ) ووقت الصّوم ( معيار ) فأعطي حكمهما ، فيتأدّى فرضه بمطلق النّيّة ، ويقع عن النّفل إذا نواه .
وقال ابن نجيم : لو طاف بنيّة التّطوّع في أيّام النّحر وقع عن الفرض .
وفي البدائع : لو تصدّق بجميع ماله على فقير ، ولم ينو الزّكاة أجزأه عن الزّكاة استحساناً. والقياس : أن لا يجوز ، لأنّ الزّكاة عبادة مقصودة ، فلا بدّ لها من النّيّة .
ووجه الاستحسان أنّ النّيّة وجدت دلالة ، وعلى هذا إذا وهب جميع النّصاب من الفقير ، أو نوى تطوّعاً ، ولو أدّى مائة لا ينوي الزّكاة ، ونوى تطوّعاً ، لا تسقط زكاة المائة وعليه أن يزكّي الكلّ عند أبي يوسف . وعند محمّد يسقط عنه زكاة ما تصدّق ، ولا يسقط عنه زكاة الباقي .
ج - الالتزام أو التّعيين بالنّيّة والقول :
32 - جاء في الدّرّ المختار : لو نذر التّصدّق يوم الجمعة بمكّة بهذا الدّرهم على فلان ، فخالف ، جاز . قال ابن عابدين : فلو خالف في بعضها أو كلّها ، بأن تصدّق في غير يوم الجمعة ببلد آخر بدرهم آخر على شخص آخر جاز ، لأنّ الدّاخل تحت النّذر ما هو قربة ، وهو أصل التّصدّق دون التّعيين ، فبطل التّعيين ولزمه القربة .
ثمّ قال ابن عابدين : وهذا ليس على إطلاقه لما في البدائع : لو قال : للّه عليّ أن أطعم هذا المسكين شيئا سمّاه ولم يعيّنه ، فلا بدّ أن يعطيه للّذي سمّى ، لأنّه إذا لم يعيّن المنذور صار تعيين الفقير مقصودا ، فلا يجوز أن يعطي غيره . وفي الاختيار : لا تجب الأضحيّة على الفقير ، لكنّها تجب بالشّراء ، ويتعيّن ما اشتراه للأضحيّة . فإن مضت أيّام الأضحيّة ولم يذبح ، تصدّق بها حيّة ، لأنّها غير واجبة على الفقير ، فإذا اشتراها بنيّة الأضحيّة تعيّنت للوجوب ، والإراقة إنّما عرفت قربة في وقت معلوم ، وقد فات فيتصدّق بعينها .
وإن كان المضحّي غنيّاً ، وفات وقت الأضحيّة ، تصدّق بثمنها ، اشتراها أو لا ، لأنّها واجبة عليه ، فإذا فات وقت القربة في الأضحيّة تصدّق بالثّمن إخراجا له عن العهدة .
وجاء في نهاية المحتاج : الأضحيّة سنّة ، ولكنّها تجب بالالتزام ، كقوله : جعلت هذه الشّاة أضحيّة كسائر القرب . وفي تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطّاب : الالتزام المطلق يقضى به على الملتزم ، ما لم يفلّس أو يمت أو يمرض .
وقال ابن رشد في نوازله فيمن عزل لمسكين معيّن شيئاً ، وبتّله له بقول أو نيّة ، فلا يجوز له أن يصرفه إلى غيره ، وهو ضامن له إن فعل . ولو نوى أن يعطيه ولم يبتّله له بقول ولا نيّة كره له أن يصرفه إلى غيره . ومعنى بتّله : جعله له من الآن .
وفي الفواكه الدّواني : من أخرج كسرة لسائل فوجده قد ذهب لا يجوز له أكلها ، ويجب عليه أن يتصدّق بها على غيره ، كما قاله مالك . وقال غيره : يجوز له أكلها ، وقال ابن رشد : يحمل كلام غير مالك على ما إذا أخرجها لمعيّن ، فيجوز له أكلها عند عدم وجوده أو عدم قبوله ، وحمل كلام مالك على إخراجها لغير معيّن ، فلا يجوز له أكلها بل يتصدّق بها على غيره ، لأنّه لم يعيّن الّذي يأخذها .
وفي القواعد الفقهيّة لابن رجب : الهدي والأضحيّة يتعيّنان بالتّعيين بالقول بلا خلاف .
وفي تعيينه بالنّيّة وجهان ، فإذا قال : هذه صدقة ، تعيّنت وصارت في حكم المنذورة ، وإذا عيّن بنيّته أن يجعلها صدقة - وعزلها عن ماله - فهو كما لو اشترى شاة ينوي التّضحية.
د - النّذر :
33 - النّذر بالقرب والطّاعات يجعلها واجبة .
قال الكاسانيّ : النّذر من أسباب الوجوب في العبادات والقرب المقصودة .
وفي فتح العليّ المالك : النّذر المطلق : هو التزام طاعة اللّه تعالى بنيّة القربة .
هـ - استدعاء الحاجة :
34 - قال ابن رجب في قواعده : ما تدعو الحاجة إلى الانتفاع به من الأعيان - ولا ضرر في بذله لتيسّره ، وكثرة وجوده - أو المنافع المحتاج إليها يجب بذله مجّانا بغير عوض في الأظهر ، ومن ذلك وضع الخشب على جدار الجار إذا لم يضرّ ، واختار بعضهم وجوب بذل الماعون ، وهو ما خفّ قدره وسهل ( وجرت العادة ببذله ) ، ومنها : المصحف تجب إعارته لمسلم احتاج القراءة فيه . وفي حاشية الصّاويّ على الشّرح الصّغير : العاريّة مندوبة ، وقد يعرض وجوبها ، كغنيّ عنها لمن يخشى بعدمها هلاكه .
وفي القرض قال : القرض مندوب ، وقد يعرض له ما يوجبه كالقرض لتخليص مستهلك .
و - الملك :
35 - الأصل في العتق أنّه مندوب مرغّب فيه ، لكن يكون واجباً على من ملك أصله أو فرعه ، حيث يعتق عليه بنفس الملك .
أسباب منع التّطوّع :
36 - يمنع التّطوّع لأسباب متعدّدة ، منها :
أ - وقوعه في الأوقات المنهيّ عنها :
37 - التّطوّع بالعبادة في الأوقات الّتي نهى الشّارع عن وقوع العبادة فيها ممنوع ، كالصّلاة وقت طلوع الشّمس أو غروبها أو عند الاستواء ، لحديث عقبة بن عامر الجهنيّ رضي الله عنه قال : « ثلاث ساعات كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلّي فيهنّ ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا : حين تطلع الشّمس بازغة حتّى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظّهيرة حتّى تميل الشّمس ، وحين تضيف الشّمس للغروب حتّى تغرب » .
ومثل ذلك التّطوّع بالصّوم في أيّام العيد والتّشريق ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يومين : يوم الفطر ، ويوم النّحر » .
وينظر في صحّة ذلك وتفصيله : ( أوقات الصّلوات - صلاة - نفل - صوم ) .
ب - إقامة الصّلاة المكتوبة :
38 - يمنع التّطوّع بالصّلاة إذا شرع المؤذّن في الإقامة للصّلاة ، أو تضيّق الوقت بحيث لا يتّسع لأداء أيّ نافلة . قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أقيمت الصّلاة فلا صلاة إلا المكتوبة » . ( ر : أوقات الصّلاة ، نفل ) .
ج - عدم الإذن ممّن يملك الإذن :
39 - من يتوقّف تطوّعه على إذن غيره لا يجوز له أن يتطوّع إلا بعد الإذن له ، وعلى ذلك فلا يجوز للمرأة أن تتطوّع بصوم أو اعتكاف أو حجّ إلا بإذن زوجها ، ولا يصوم الأجير تطوّعا إلا بإذن المستأجر إذا تضرّر بالصّوم ، ولا يجوز للولد البالغ الإحرام بنفل حجّ أو عمرة أو نفل جهاد إلا بإذن الأبوين .
وهذا في الجملة ، وينظر تفصيل ذلك في : ( نفل ، صلاة ، صوم ، حجّ ، إجارة ، أنثى ) .
د - الإفلاس في الحجر بالنّسبة للتّبرّعات الماليّة :
40 - من أحَاط الدّين بماله فإنّه يمنع شرعا من التّصرّف في أيّ وجه من وجوه التّبرّع كالصّدقة والهبة ، وهذا بعد الحجر باتّفاق ، أمّا قبل الحجر ففيه اختلاف الفقهاء ( ر : حجر ، تبرّع ، إفلاس ) .
وتمنع التّبرّعات المنجّزة - كالعتق والهبة المقبوضة والصّدقة وغير ذلك - إن زادت على الثّلث ، وكانت التّبرّعات في مرض الموت ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه تصدّق عليكم قبل وفاتكم بثلث أموالكم » .
ويتوقّف نفاذ تلك التّصرّفات على إجازة الورثة بعد وفاة المورّث . ومن وقف وقفاً مستقلاً ، ثمّ تبيّن أنّ عليه دينا ، ولم يمكن وفاء الدّين إلّا ببيع شيء من الوقف ، وهو في مرض الموت ، بيع باتّفاق العلماء . ويمنع من التّبرّع أيضا من تلزمه نفقة غيره ، بحيث لا يفضل شيء بعد ذلك . جاء في المنثور : القربات الماليّة كالعتق والوقف والصّدقة والهبة إذا فعلها من عليه دين ، أو من تلزمه نفقة غيره ممّا لا يفضل عن حاجته ، يحرم عليه في الأصحّ ، لأنّه حقّ واجب فلا يحلّ تركه لسنّة . وفي القواعد لابن رجب : نصّ أحمد في رواية حنبل فيمن تبرّع بماله بوقف أو صدقة وأبواه محتاجان : أنّ لهما ردّه ، ونصّ في رواية أخرى : أنّ من أوصى لأجانب ، وله أقارب محتاجون ، أنّ الوصيّة تردّ عليهم .
فتخرج من ذلك أنّ من تبرّع ، وعليه نفقة واجبة لوارث أو دين - ليس له وفاء - لهما ردّه . وكلّ هذا في الجملة وينظر في : ( حجر ، تبرّع ، هبة ، وقف ، وصيّة ) .
هـ - التّطوّع بشيء من القربات في المعصية :
41 - لا يجوز التّبرّع بشيء فيه معصية للّه تعالى ، ومن أمثلة ذلك :
- لا تصحّ إعارة الصّيد لمحرم بالحجّ . - لا تصحّ الوصيّة بما هو محرّم ، كالوصيّة للكنيسة ، والوصيّة بالسّلاح لأهل الحرب .
ولا الوصيّة ببناء كنيسة أو بيت نار أو عمارتهما أو الاتّفاق عليهما .
لا يصحّ الوقف على معصية، ولا على ما هو محرّم كالبيع والكنائس وكتب التّوراة والإنجيل. ومن وقف على من يقطع الطّريق لم يصحّ الوقف ، لأنّ القصد بالوقف القربة .
وفي وقف ذلك إعانة على المعصية . وهذا كلّه في الجملة .
وفي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في : ( الوقف ، والوصيّة ، والهبة ، والتّبرّع )
ثالثاً : ما يخصّ غير العبادات " من أحكام التّطوّع :
الإيجاب والقبول والقبض :
42 - من التّطوّعات ما يحتاج إلى الإيجاب والقبول ، وذلك في عقود التّبرّعات ، مثل العاريّة والهبة والوصيّة لمعيّن ، وكذا الوقف على معيّن - مع اختلاف الفقهاء في ذلك ، واختلافهم في اشتراط القبض أيضا - وتفصيل ذلك فيما يأتي :
أ - العاريّة :
43 - الإيجاب والقبول ركن في عقد العاريّة باتّفاق الفقهاء ، وقد يحلّ التّعاطي محلّ الإيجاب أو القبول . والقبض لا يمنع الرّجوع في العاريّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لأنّها عقد غير لازم عندهم ، وللمعير الرّجوع في العاريّة في أيّ وقت ، سواء أقبضها المستعير أم لم يقبضها ، ويقولون : إنّ المنافع المستقبلة لم تحصل في يد المستعير ، لأنّها تستوفى شيئا فشيئا ، فكلّما استوفى شيئا فقد قبضه ، والّذي لم يستوفه لم يقبضه ، فجاز الرّجوع فيه ، إلّا أن يكون الرّجوع في حال يستضرّ به المستعير ، كإعارة أرض لزراعة أو دفن ميّت . وهذا في الجملة عندهم ، وينظر تفصيله في : ( عاريّة ) .
أمّا المالكيّة : فالإعارة عقد لازم عندهم ، فهي تفيد تمليك المنفعة بالإيجاب والقبول ، ولا يجوز الرّجوع فيها قبل المدّة المحدّدة ، أو قبل إمكان الانتفاع بالمستعار إن كانت مطلقة . وهذا في الجملة كذلك .
ب - الهبة :
44 - الإيجاب والقبول ركن من أركان الهبة باتّفاق الفقهاء .
أمّا القبض فلا بدّ منه لثبوت الملك ، وذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة ، لأنّ الملك لو ثبت بدونه للزم المتبرّع شيء لم يلتزمه ، وهو التّسلّم ، فلا تملك بالعقد بل بالقبض ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّها قالت : « إنّ أبا بكر الصّدّيق كان نحلها جادّ عشرين وسقاً من ماله بالغابة . فلمّا حضرته الوفاة قال : واللّه ، يا بنيّة ما من النّاس أحد أحبّ إليّ غنى بعدي منك ، ولا أعزّ عليّ فقراً بعدي منك ، وإنّي كنت نحلتك جادّ عشرين وسقاً ، فلو كنت جدّدتيه واحتزتيه كان لك ، وإنّما هو اليوم مال وارث » .
وما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة هو رأي بعض الحنابلة . قال المجد بن تيميّة في شرح الهداية : الملك في الموهوب لا يثبت بدون القبض ، وكذا صرّح ابن عقيل الحنبليّ : أنّ القبض ركن من أركان الهبة كالإيجاب في غيرها ، وكلام الخرقيّ يدلّ عليه . والرّأي الآخر للحنابلة : أنّ الهبة تملك بالعقد ، فيصحّ التّصرّف من الموهوب له فيها قبل القبض ، كذا في المنتهى وشرحه ، وهو الّذي قدّمه في الإنصاف . وعلى رأي الحنفيّة والشّافعيّة ، ومن رأى رأيهم من الحنابلة : يجوز الرّجوع فيها قبل القبض ، لأنّ عقد الهبة لم يتمّ . ولكنّه عند من يرى ذلك من الحنابلة يكون مع الكراهة ، خروجاً من خلاف من قال : إنّ الهبة تلزم بالعقد . وعند المالكيّة : تملك الهبة بالقبول على المشهور ، وللمتّهب طلبها من الواهب إن امتنع ولو عند حاكم ، ليجبره على تمكين الوهوب له منها . لكن قال ابن عبد السّلام : القبول والحيازة معتبران في الهبة ، إلا أنّ القبول ركن والحيازة شرط . أي في تمامها ، فإن عدم لم تلزم ، وإن كانت صحيحة . على أنّ الهبة لو تمّت بالقبض ، فإنّه يجوز الرّجوع فيها عند الحنفيّة إن كانت لأجنبيّ ، أي غير ذي رحم محرم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« الرّجل أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أمّا عند الجمهور فلا يجوز الرّجوع فيها بعد القبض ، إلّا الوالد فيما يهب لولده فإنّه يجوز له الرّجوع لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « العائد في هبته كالعائد في قيئه » . وينظر تفصيل ذلك في ( هبة ) .
ج - الوصيّة لمعيّن :
45 - من أركان الوصيّة الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له المعيّن ، لكنّ القبول لا يعتبر إلّا بعد موت الموصي ، ولا يفيد القبول قبل موته ، لأنّ الوصيّة عقد غير لازم ، والموصي يملك الرّجوع في وصيّته ما دام حيّاً ، وبالقبول يملك الموصى له الموصى به ، ولا يتوقّف الملك على القبض ، وهذا عند الحنفيّة - غير زفر - والمالكيّة ، والشّافعيّة والحنابلة . أمّا عند زفر فركن الوصيّة هو الإيجاب فقط من الموصي ، ويثبت الملك للموصى له من غير قبول كالإرث . وينظر تفصيل ذلك في ( وصيّة ) .
د - الوقف على معيّن :
46 - الإيجاب ركن من أركان الوقف ، سواء أكان على معيّن أم لم يكن . أمّا القبول : فإن كان الوقف على معيّن فإنّه يشترط قبوله ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
وعند الحنابلة : لا يفتقر الوقوف على معيّن إلى القبول ، لأنّه إزالة ملك يمنع البيع ، فلم يعتبر فيه القبول كالعتق ، أمّا القبض فليس بشرط عند الشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ، وعند المالكيّة ومحمّد : القبض شرط . وينظر تفصيل ذلك في ( وقف ) .

تطيّب *
التّعريف :
1 - التّطيّب في اللّغة : مصدر تطيّب ، وهو التّعطّر . والطّيب هو : العطر ، وهو ما له رائحة مستلذّة ، كالمسك والكافور والورد والياسمين والورس والزّعفران .
ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن هذا المعنى اللّغويّ .
2 - والطّيب ينقسم إلى قسمين : مذكّر ، مؤنّث . فالمذكّر : ما يخفى أثره ، أي تعلّقه بما مسّه من ثوب أو جسد ، ويظهر ريحه . والمراد به أنواع الرّياحين ، والورد ، والياسمين . وأمّا المياه الّتي تعصر ممّا ذكر فليس من قبيل المؤنّث . والمؤنّث : هو ما يظهر لونه وأثره ، أي تعلّقه بما مسّه تعلّقا شديدا كالمسك ، والكافور ، والزّعفران .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّزيّن :
3 - التّزيّن : هو اتّخاذ الزّينة ، وهي اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به ، فالتّزيّن ما يحسن به منظر الإنسان .
الحكم التّكليفيّ :
4 - الأصل سنّيّة التّطيّب ، ويختلف الحكم بحسب الأحوال ، على ما سيأتي .
تطيّب الرّجل والمرأة :
5 - يسنّ التّطيّب ، لخبر أبي أيّوب رضي الله عنه مرفوعاً « أربع من سنن المرسلين : الحنّاء ، والتّعطّر ، والسّواك ، والنّكاح » ولقول الرّسول صلى الله عليه وسلم « حبّب إليّ من دنياكم : النّساء والطّيب ، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » .
والطّيب يستحبّ للرّجل داخل بيته وخارجه ، بما يظهر ريحه ويخفى لونه ، كبخور العنبر والعود . ويسنّ للمرأة في غير بيتها بما يظهر لونه ويخفى ريحه ، لخبر رواه التّرمذيّ والنّسائيّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه « طيب الرّجال ما ظهر ريحه وخفي لونه ، وطيب النّساء ما خفي ريحه وظهر لونه » ولأنّها ممنوعة في غير بيتها ممّا ينمّ عليها ، لحديث : « أيّما امرأة استعطرت ، فمرّت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية » وفي بيتها تتطيّب بما شاءت ، ممّا يخفى أو يظهر ، لعدم المانع .
التّطيّب لصلاة الجمعة :
6 - يندب التّطيّب لصلاة الجمعة بلا خلاف . لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال :
« قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إنّ هذا يوم عيد جعله اللّه للمسلمين ، فمن جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل ، وإن كان طيب فليمسّ منه ، وعليكم بالسّواك » .
وعن سلمان الفارسيّ رضي الله عنه قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهّر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه أو يمسّ من طيب بيته ، ثمّ يخرج لا يفرّق بين اثنين ، ثمّ يصلّي ما كتب له ، ثمّ ينصت إذا تكلّم الإمام ، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى » .
التّطيّب لصلاة العيد :
7 - يندب للرّجل قبل خروجه لصلاة العيد أن يتطيّب بما له ريح لا لون له ، وبهذا قال الجمهور . أمّا النّساء فلا بأس بخروجهنّ غير متطيّبات ولا لابسات ثياب زينة أو شهرة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تمنعوا إماء اللّه مساجدَ اللّه ، وليخرجن تَفِلات » والمراد بالتّفلات : غير المتطيّبات .
تطيّب الصّائم :
8 - يباح للصّائم أن يتطيّب عند الحنفيّة .
وقال المالكيّة : يجوز التّطيّب للصّائم المعتكف ، ويكره للصّائم غير المعتكف . قال الدّردير : لأنّ المعتكف معه مانع يمنعه ممّا يفسد اعتكافه ، وهو لزومه المسجد وبعده عن النّساء . وقال الشّافعيّة : يسنّ للصّائم ترك شمّ الرّياحين ولمسها . والمراد أنواع الطّيب ، كالمسك والورد والنّرجس ، إذا استعمله نهارا لما فيها من التّرفّه ، ويجوز له ذلك ليلا ، ولو دامت رائحته في النّهار ، كما في المحرم . وأمّا الحنابلة ، فقالوا : يكره للصّائم شمّ ما لا يأمن أن يجذبه نفسه إلى حلقه كسحيق مسك ، وكافور ، ودهن ونحوها ، كبخور عود وعنبر .
تطيّب المعتكف :
9 - يجوز للمعتكف أن يتطيّب نهاراً أو ليلاً بأنواع الطّيب عند جمهور الفقهاء ، إلا في رواية عن الإمام أحمد أنّه قال : إنّه لا يعجبني أن يتطيّب .
وذلك لأنّ الاعتكاف عبادة تختصّ مكانا ، فكان ترك الطّيب فيه مشروعا كالحجّ .
واستدلّ القائلون بجواز التّطيّب بقوله تعالى : { يَا بَني آدَمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
التّطيّب في الحجّ :
10 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّطيّب أثناء الإحرام في البدن أو الثّوب محظور . أمّا التّطيّب للإحرام قبل الدّخول فيه فهو مسنون استعدادا للإحرام عند الجمهور ، وكرهه مالك لما روي من كراهته عن عمر ، وعثمان ، وابن عمر رضي الله عنهم ، وجماعة من التّابعين .
ودليل سنّيّة التّطيّب في البدن للإحرام ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كنت أطيّب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحلّه قبل أن يطوف بالبيت » وعنها رضي الله عنها قالت : « كأنّي أنظر إلى وبيص الطّيب في مفارق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو محرم » .
والصّحيح عندهم جواز التّطيّب بما يبقى جرمه بعد الإحرام ، لصريح حديث عائشة الثّاني . وأمّا المالكيّة : فحظروا بقاء جرم الطّيب وإن ذهبت رائحته .
11 - أمّا التّطيّب في الثّوب للإحرام : فمنعه الجمهور ، وأجازه الشّافعيّة في القول المعتمد. فلا يضرّ بقاء الرّائحة الطّيّبة في الثّوب اتّفاقا قياسا للثّوب على البدن .
لكن نصّوا على أنّه لو نزع ثوب الإحرام أو سقط عنه ، فلا يجوز له أن يعود إلى لبسه ما دامت الرّائحة فيه ، بل يزيل منه الرّائحة ثمّ يلبسه ، وهذا قول سعد بن أبي وقّاص ، وابن الزّبير ، وعائشة ، وأمّ حبيبة رضي الله عنهم ، والثّوريّ وغيرهم .
واحتجّ الشّافعيّة بحديثي عائشة رضي الله عنها السّابقين ، وهما صحيحان رواهما البخاريّ ومسلم ، وقالوا : إنّ الطّيب معنى يراد للاستدامة فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنّكاح وسواء فيما ذكر الطّيب الّذي يبقى له جرم بعد الإحرام والّذي لا يبقى ، وسواء الرّجل والمرأة الشّابّة والعجوز . وذهب الحنفيّة - في الأصحّ - إلى عدم جواز التّطيّب للإحرام في الثّوب ، ولا يجوز أن يلبس ثوب إحرام مطيّبا ، لأنّه بذلك يكون مستعملا للطّيب في إحرامه باستعمال الثّوب ، وهو محظور على المحرم ، والفرق : أنّ الطّيب في الثّوب منفصل ، أمّا في البدن فهو تابع له ، وسنّيّة التّطيّب تحصل بتطييب البدن، فأغنى عن تجويزه في الثّوب. وذهب المالكيّة : إلى أنّه إن تطيّب قبل الإحرام يجب عليه إزالته عند الإحرام ، سواء كان ذلك في بدنه أو ثوبه ، فإن بقي في البدن أو الثّوب بعد الإحرام شيء من جرم الطّيب - الّذي تطيّب به قبل الإحرام - وجبت عليه الفدية ، وأمّا إذا كان في الثّوب رائحته ، فلا يجب نزع الثّوب لكن يكره استدامته ولا فدية .
وأمّا اللّون : ففيه قولان عند المالكيّة ، وهذا كلّه في اليسير ، وأمّا الأثر الكثير ففيه الفدية ، واستدلّ المالكيّة بحديث يعلى بن أميّة رضي الله عنه قال : « أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجل متضمّخ بطيب وعليه جبّة فقال : يا رسول اللّه ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبّة ، بعدما تضمّخ بطيب ؟ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أمّا الطّيب الّذي بك فاغسله ثلاث مرّات ، وأمّا الجبّة فانزعها ، ثمّ اصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك » . فاستدلّوا بهذا الحديث على حظر الطّيب على المحرم في البدن والثّوب .
ويقول ابن قدامة : إن طيّب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه ، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه ، فإن لبسه افتدى ، لأنّ الإحرام يمنع ابتداء الطّيب ولبس المطيّب دون الاستدامة . وكذلك إن نقل الطّيب من موضع بدنه إلى موضع آخر افتدى ، لأنّه تطيّب في إحرامه ، وكذا إن تعمّد مسّه أو نحّاه من موضعه ثمّ ردّه إليه ، فأمّا إن عرق الطّيب أو ذاب بالشّمس فسال من موضعه إلى موضع آخر ، فلا شيء عليه ، لأنّه ليس من فعله .
قالت عائشة رضي الله عنها : « كنّا نخرج مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكّة فنضمّد جباهنا بالمسك المطيّب عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها ، فيراها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا » .
12 - وأمّا التّطيّب بعد الإحرام ، فإنّه يحظر على المحرم استعماله في ثيابه وبدنه ، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ولا تلبسوا من الثّياب ما مسّه وَرْس أو زعفران » ولما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « قال في شأن المحرم الّذي وَقَصَتْه راحلته لا تمسّوه بطيب » ، وفي لفظ « لا تحنّطوه » ووجهه : أنّه لمّا منع الميّت من الطّيب لإحرامه ، فالحيّ أولى . ومتى تطيّب وجبت عليه الفدية ، لأنّه استعمل ما حرّمه الإحرام ولو للتّداوي ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : « المحرم : الأشعث الأغبر » . والطّيب ينافي الشّعث . ويجب الفداء عند المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، لأيّ تطيّب ممّا هو محظور ، دون تقييد بأن يطيّب عضواً كاملاً أو مقداراً من الثّوب معيّناً .
وإنّما وجبت الفدية قياساً على الحلق ، لأنّه منصوص عليه في القرآن في قوله تعالى :
{ وَلا تَحْلِقُوا رُءوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَديُ مَحِلَّه ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضَاً أَو بِه أَذَىً مِنْ رَأْسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ } . ولما ورد عن كعب بن عجرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال له ، حين رأى هوامّ رأسه : أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ قال : قلت : نعم قال : فاحلق ، وصم ثلاثة أيّام ، أو أطعم ستّة مساكين ، أو انسك نسيكة » .
رد مع اقتباس