عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 05-19-2012, 07:28 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

منع التّطفيف ، وتدابيره :
4 - ممّا يتأكّد على المحتسب : المنع من التّطفيف والبخس في المكاييل والموازين والصّنجات . فينبغي له أن يحذر الكيّالين والوزّانين ويخوّفهم عقوبة اللّه تعالى ، وينهاهم عن البخس والتّطفيف . ومتى ظهر له من أحد منهم خيانة عزّره على ذلك وأشهره ، حتّى يرتدع به غيره . وإذا وقع في التّطفيف تخاصم جاز أن ينظر فيه المحتسب ، إن لم يكن مع التّخاصم فيه تجاحد وتناكر . فإن أفضى إلى التّجاحد والتّناكر كان القضاة أحقّ بالنّظر فيه من ولاة الحسبة ، لأنّهم بالأحكام أحقّ . وكان التّأديب فيه إلى المحتسب .
فإن تولّاه الحاكم جاز لاتّصاله بحكمه .
وقد فصّل الفقهاء القول في التّدابير الّتي تتّخذ للحيلولة دون التّطفيف والبخس في الكيل والوزن ، من قيام المحتسب بتفقّد عيار الصّنج ونحوها على حين غفلة من أصحابها ، وتجديد النّظر في المكاييل ورعاية ما يطفّفون به المكيال وما إلى ذلك ، فليرجع إليه في مواطنه من كتب الحسبة ، وفي مصطلحي ( حسبة ، وغشّ ) .

تطهّر *
انظر : طهارة .
تطهير *
انظر : طهارة .

تطوّع *
التّعريف :
1 - التّطوّع : هو التّبرّع ، يقال : تطوّع بالشّيء : تبرّع به .
وقال الرّاغب : التّطوّع في الأصل : تكلّف الطّاعة ، وهو في التّعارف : التّبرّع بما لا يلزم كالتّنفّل . قال تعالى : { فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرَاً فَهُوَ خَيْرٌ لَه } .
والفقهاء عندما أرادوا أن يعرّفوا التّطوّع ، عدلوا عن تعريف المصدر إلى تعريف ما هو حاصل بالمصدر ، فذكروا له في الاصطلاح ثلاثة معان :
الأوّل : أنّه اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات ، أو ما كان مخصوصا بطاعة غير واجبة ، أو هو الفعل المطلوب طلبا غير جازم . وكلّها معان متقاربة .
وهذا ما ذكره بعض فقهاء الحنفيّة ، وهو مذهب الحنابلة ، والمشهور عند الشّافعيّة .
وهو رأي الأصوليّين من غير الحنفيّة ، وهو ما يفهم من عبارات فقهاء المالكيّة .
والتّطوّع بهذا المعنى يطلق على : السّنّة والمندوب والمستحبّ والنّفل والمرغّب فيه والقربة والإحسان والحسن ، فهي ألفاظ مترادفة .
الثّاني : أنّ التّطوّع هو ما عدا الفرائض والواجبات والسّنن ، وهو اتّجاه الأصوليّين من الحنفيّة ، ففي كشف الأسرار : السّنّة هي الطّريقة المسلوكة في الدّين من غير افتراض ولا وجوب ، وأمّا حدّ النّفل - وهو المسمّى بالمندوب والمستحبّ والتّطوّع - فقيل : ما فعله خير من تركه في الشّرع . . . إلخ .
الثّالث : التّطوّع : هو ما لم يرد فيه نقل بخصوصه ، بل ينشئه الإنسان ابتداء ، وهو اتّجاه بعض المالكيّة والقاضي حسين وغيره من الشّافعيّة .
هذه هي الاتّجاهات في معنى التّطوّع وما يرادفه . غير أنّ المتتبّع لما ذكره الأصوليّون من غير الحنفيّة ، وما ذكره الفقهاء في كتبهم - بما في ذلك الحنفيّة - يجد أنّهم يتوسّعون بإطلاق التّطوّع على ما عدا الفرائض والواجبات ، وبذلك يكون التّطوّع والسّنّة والنّفل والمندوب والمستحبّ والمرغّب فيه ألفاظا مترادفة ، ولذلك قال السّبكيّ : إنّ الخلاف لفظيّ . غاية الأمر أنّ ما يدخل في دائرة التّطوّع بعضه أعلى من بعض في الرّتبة ، فأعلاه هو السّنّة المؤكّدة ، كالعيدين ، والوتر عند الجمهور ، وكركعتي الفجر عند الحنفيّة . ويلي ذلك المندوب أو المستحبّ كتحيّة المسجد ، ويلي ذلك ما ينشئه الإنسان ابتداء ، لكنّ كلّ ذلك يسمّى تطوّعا . والأصل في ذلك « قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم للرّجل - الّذي سأل بعدما عرف فرائض الصّلاة والصّيام والزّكاة : هل عليّ غيرها ؟ فقال له : لا ، إلا أن تطوّع » . أنواع التّطوّع :
2 - من التّطوّع ما يكون له نظير من العبادات ، من صلاة وصيام وزكاة وحجّ وجهاد ، وهذا هو الأصل ، وهو المتبادر حين يذكر لفظ التّطوّع . والتّطوّع في العبادات يختلف في جنسه باعتبارات ، فهو يختلف من حيث الرّتبة ، إذ منه ما هو مؤكّد كالرّواتب مع الفرائض ، ومنه ما هو أقلّ رتبة كتحيّة المسجد ، ومنه ما هو أقلّ كالنّوافل المطلقة ليلاً أو نهاراً . ومن ذلك في الصّوم : صيام يومي عاشوراء وعرفة ، فهما أعلى رتبة من الصّيام في غيرهما ، والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أفضل منه في غيرها .
كما أنّ التّطوّع في العبادات يختلف في جنسه كذلك من حيث الإطلاق والتّقييد ، فمنه ما هو مقيّد ، سواء أكان التّقييد بوقت أو بسبب ، كالضّحى وتحيّة المسجد والرّواتب مع الفروض . ومنه ما هو مطلق كالنّفل المطلق باللّيل أو بالنّهار .
ويختلف كذلك من حيث العدد كالرّواتب من الفروض ، إذ هي عند الجمهور عشر ، وعند الحنفيّة اثنتا عشرة ركعة : اثنتان قبل الصّبح ، واثنتان قبل الظّهر ( وعند الحنفيّة أربع ) واثنتان بعده ، واثنتان بعد المغرب ، واثنتان بعد العشاء .
والتّطوّع في النّهار واللّيل مثنى مثنى عند الجمهور ، وعند الحنفيّة الأفضل أربع بتسليمة واحدة . ومثل ذلك تطوّع اللّيل عند أبي حنيفة خلافا للصّاحبين ، وبهذا يفتى .
وفي كلّ ما سبق تفصيل كثير ينظر في مصطلح ( السّنن الرّواتب ، ونفل ) وفيما له أبواب من ذلك مثل : عيد - كسوف - استسقاء . . . إلخ .
ومن التّطوّع ما يكون في غير العبادات كطلب علم غير مفروض .
وكذلك من أنواع البرّ والمعروف ، كالتّطوّع بالإنفاق على قريب لم تجب عليه نفقته ، أو على أجنبيّ محتاج ، أو قضاء الدّين عنه ، أو إبراء المعسر ، أو العفو عن القصاص ، أو الإرفاق المعروف بجعل الغير يحصل على منافع العقار ، أو إسقاط الحقوق . . . وهكذا .
ومنه ما يعرف بعقود التّبرّعات ، كالقرض والوصيّة والوقف والإعارة والهبة ، إذ أنّها قربات شرعت للتّعاون بين النّاس .
3 - ومن التّطوّع ما هو عينيّ مطلوب ندبا من كلّ فرد ، كالتّطوّع بالعبادات غير المفروضة من صلاة وصيام . . . ومنه ما هو على الكفاية كالأذان وغيره .
قال النّوويّ وغيره : ابتداء السّلام سنّة مستحبّة ليس بواجب ، وهو سنّة على الكفاية ، فإن كان المسلّم جماعة كفى عنهم تسليم واحد منهم . وتشميت العاطس سنّة على الكفاية .
حكمة مشروعيّة التّطوّع :
4 - التّطوّع يقرّب العبد من ربّه ويزيده ثوابا ، وفي الحديث القدسيّ : « وما يزال عبدي يتقرّبُ إليّ بالنّوافلِ حتّى أحبَّه . . . » الحديث .
والحكمة من مشروعيّة التّطوّع هي :
أ - اكتساب رضوان اللّه تعالى :
وكذلك نيل ثوابه ومضاعفة الحسنات ، وقد ورد في ثواب التّطوّع بالعبادة أحاديث كثيرة منها : قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم واللّيلة بنى اللّه له بيتاً في الجنّة » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها » وغير ذلك كثير في شأن الصّلاة .
وفي صوم يوم عاشوراء يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّي لأحتسب على اللّه أن يكفّر السّنة الّتي قبله » والمراد الصّغائر . حكاه في شرح مسلم عن العلماء ، فإن لم تكن الصّغائر رجي التّخفيف من الكبائر ، فإن لم تكن رفعت الدّرجات ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من صام رمضان ، ثمّ أتبعه ستّاً من شوّال كان كصيام الدّهر » .
وقال الزّهريّ : في الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدّنيا ، وتسليم النّفس إلى بارئها ، والتّحصّن بحصن حصين ، وملازمة بيت اللّه تعالى . وقال عطاء : مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم يجلس على بابه ، ويقول : لا أبرح حتّى تقضى حاجتي .
ومثل ذلك في غير العبادات . يقول اللّه تعالى : { مَنْ ذَا الَّذيْ يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضَاً حَسَنَاً فَيُضَاعِفَهُ لَه أَضْعَافَاً كَثِيرَةً } ، ويقول ابن عابدين : من محاسن العاريّة أنّها نيابة عن اللّه تعالى في إجابة المضطرّ ، لأنّها لا تكون إلّا لمحتاج كالقرض ، فلذا كانت الصّدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر .
ب - الأنس بالعبادة والتّهيّؤ لها :
5 - قال ابن دقيق العيد : في تقديم النّوافل على الفرائض معنى لطيف مناسب ، لأنّ النّفوس لانشغالها بأسباب الدّنيا تكون بعيدة عن حالة الخشوع والخضوع والحضور ، الّتي هي روح العبادة ، فإذا قدّمت النّوافل على الفرائض أنست النّفوس بالعبادة ، وتكيّفت بحالة تقرّب من الخشوع .
ج - جبران الفرائض :
6 - قال ابن دقيق العيد : النّوافل الّتي بعد الفرائض هي لجبر النّقص الّذي قد يقع في الفرائض ، فإذا وقع نقص في الفرض ناسب أن يقع بعده ما يجبر الخلل الّذي قد يقع فيه . وفي الحديث : « فإن انتقص من فريضته شيء ، قال الرّبّ عزّ وجلّ : انظروا هل لعبدي من تطوّع ؟ فيكمل به ما انتقص من الفريضة » .
قال المناويّ في شرحه الكبير على الجامع عند قوله صلى الله عليه وسلم : « أوّل ما افترض اللّه على أمّتي الصّلاة ...» واعلم أنّ الحقّ سبحانه وتعالى لم يوجب شيئا من الفرائض غالبا إلا وجعل له من جنسه نافلة ، حتّى إذا قام العبد بذلك الواجب - وفيه خلل ما - يجبر بالنّافلة الّتي هي من جنسه ، فلذا أمر بالنّظر في فريضة العبد ، فإذا قام بها كما أمر اللّه جوزي عليها ، وأثبتت له ، وإن كان فيها خلل كمّلت من نافلته حتّى قال البعض : إنّما تثبت لك نافلة إذا سلمت لك الفريضة . ولذلك يقول القرطبيّ في شرح مسلم : من ترك التّطوّعات ولم يعمل بشيء منها فقد فوّت على نفسه ربحا عظيما وثوابا جسيما .
د - التّعاون بين النّاس وتوثيق الرّوابط بينهم واستجلاب محبّتهم :
7 - التّطوّع بأنواع البرّ والمعروف ينشر التّعاون بين النّاس ، ولذلك دعا اللّه إليه في قوله : { وَتَعَاوَنُوا على البِرِّ وَالتَّقْوَى } ، ويقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « واللّه في عَوْنِ العبد ما دام العبد في عون أخيه » وفي فتح الباري عند قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا » . يقول ابن حجر : في الحديث الحضّ على الخير بالفعل ، وبالتّسبّب إليه بكلّ وجه ، والشّفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف ، إذ ليس كلّ أحد يقدر على الوصول إلى الرّئيس . كذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « تَهَادُوا تحابُّوا » .
أفضل التّطوّع :
8 - اختلف الفقهاء في أفضل التّطوّع ، فقيل : أفضل عبادات البدن الصّلاة .
ففرضها أفضل من فرض غيرها ، وتطوّعها أفضل من تطوّع غيرها ، لأنّها أعظم القربات ، لجمعها أنواعاً من العبادات لا تجمع في غيرها .
قال بهذا المالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، ولهم قول آخر بتفضيل الصّيام .
قال صاحب المجموع : وليس المراد بقولهم : الصّلاة أفضل من الصّوم : أنّ صلاة ركعتين أفضل من صيام أيّام أو يوم ، فإنّ الصّوم أفضل من ركعتين بلا شكّ ، وإنّما معناه أنّ من لم يمكنه الجمع بين الاستكثار من الصّلاة والصّوم ، وأراد أن يستكثر من أحدهما ، أو يكون غالبا عليه ، منسوبا إلى الإكثار منه ، ويقتصر من الآخر على المتأكّد منه ، فهذا محلّ الخلاف والتّفصيل . والصّحيح تفضيل الصّلاة .
ويقول الحنابلة : إنّ أفضل تطوّعات البدن الجهاد لقوله تعالى : { فَضَّلَ اللّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهمْ على القَاعِدينَ دَرَجَةً } ثمّ النّفقة فيه لقوله تعالى : { مَثَلُ الّذينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } الآية .
ثمّ تعلّم العلم وتعليمه ، لحديث : « فضل العاِلمِ على العابِدِ كفضلي على أدناكم » .
ثمّ الصّلاة أفضل بعد ذلك ، للإخبار بأنّها أحبّ الأعمال إلى اللّه ، ومداومته صلى الله عليه وسلم على نفلها . ونصّ الإمام أحمد على أنّ الطّواف لغريب أفضل منها ، أي من الصّلاة بالمسجد الحرام ، لأنّه خاصّ به يفوت بمفارقته بخلاف الصّلاة ، فالاشتغال بمفضول يختصّ بقعة أو زمنا أفضل من فاضل لا يختصّ ، واختار عزّ الدّين بن عبد السّلام تبعاً للغزاليّ في الإحياء : أنّ أفضل الطّاعات على قدر المصالح النّاشئة عنها .
9 - ويتفاوت ما يتعدّى نفعه في الفضل ، فصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق أجنبيّ ، لأنّها صدقة وصلة ونحو ذلك .
وفي المنثور في القواعد للزّركشيّ : لو ملك عقاراً ، وأراد الخروج عنه ، فهل الأولى الصّدقة به حالا ، أم وقفه ؟ قال ابن عبد السّلام : إن كان ذلك في وقت شدّة وحاجة فتعجيل الصّدقة أفضل ، وإن لم يكن كذلك ففيه وقفة ، ولعلّ الوقف أولى ، لكثرة جدواه . وأطلق ابن الرّفعة تقديم صدقة التّطوّع به ، لما فيه من قطع حظّ النّفس في الحال بخلاف الوقف . وفي المنثور أيضاً : مراتب القرب تتفاوت ، فالقربة في الهبة أتمّ منها في القرض ، وفي الوقف أتمّ منها في الهبة ، لأنّ نفعه دائم يتكرّر ، والصّدقة أتمّ من الكلّ ، لأنّ قطع حظّه من المتصدّق به في الحال . وقيل : إنّ القرض أفضل من الصّدقة .
لأنّ « رسول اللّه رأى ليلة أسري به مكتوباً على باب الجنّة : درهم القرض بثمانية عشر ، ودرهم الصّدقة بعشر ، فسأل جبريل : ما بال القرض أفضل من الصّدقة : فقال : لأنّ السّائل يسأل وعنده ، والمقترض لا يقترض إلا من حاجة » .
وتكسّب ما زاد على قدر الكفاية - لمواساة الفقير أو مجازاة القريب - أفضل من التّخلّي لنفل العبادة ، لأنّ منفعة النّفل تخصّه ، ومنفعة الكسب له ولغيره ، فقد قال عليه الصلاة والسلام : « خير النّاس أنفعهم للنّاس »
وعن عمر بن الخطّاب قال :" إنّ الأعمال تتباهى ، فتقول الصّدقة : أنا أفضلكم ".
وفي الأشباه لابن نجيم : بناء الرّباط بحيث ينتفع به المسلمون ، أفضل من الحجّة الثّانية .
الحكم التّكليفيّ :
10 - الأصل في التّطوّع أنّه مندوب . سواء أكان ذلك في العبادات من صلاة وصيام . . . أم كان في غيرها من أنواع البرّ والمعروف ، كالإعارة والوقف والوصيّة وأنواع الإرفاق . والدّليل على ذلك من الكتاب آيات منها : قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى } ، وقوله تعالى : { مَنْ ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضَاً حَسَنَاً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافَاً كَثِيرَةً } .
ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « من صلّى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهنّ بيت في الجنّة »
قوله : « من صام رمضان ثمّ أتبعه ستّاً من شوّال كان كصيام الدّهر » وقوله : « اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة » وقوله : « لا يمنع أحدُكم جارَه أن يَغْرِزَ خشبه في جداره » .
وقد يعرض له الوجوب ، كبذل الطّعام للمضطرّ ، وكإعارة ما يستغنى عنه لمن يخشى هلاكه بعدمها ، وكإعارة الحبل لإنقاذ غريق .
وقد يكون حراماً ، كالعبادة الّتي تقع في الأوقات المحرّمة كالصّلاة وقت طلوع الشّمس أو غروبها ، وكصيام يومي العيد ، وأيّام التّشريق ، وكتصدّق المدين مع حلول دينه والمطالبة به ، وعدم وجود ما يسدّد به دينه .
وقد يكون مكروهاً ، كوقوع الصّلاة في الأوقات المكروهة ، كما أنّه يكره ترك التّسوية في العطيّة لأولاده .
أهليّة التّطوّع :
11 - التّطوّع يكون في العبادات وغيرها ،
أمّا العبادات فإنّه يشترط في المتطوّع بها ما يلي :
أ - أن يكون مسلما ، فلا يصحّ التّطوّع بالعبادات من الكافر ، لأنّه ليس من أهل العبادة .
ب - أن يكون عاقلا ، فلا تصحّ العبادة من المجنون ، لعدم صحّة نيّته . وهذا في غير الحجّ ، لأنّه في الحجّ يحرم عنه وليّه ، وكذلك يحرم الوليّ عن الصّبيّ غير المميّز .
ج - التّمييز ، فلا يصحّ التّطوّع من غير المميّز ، ولا يشترط البلوغ ، لأنّ تطوّع الصّبيّ بالعبادات صحيح .
وأمّا بالنّسبة لغير العبادات : فإنّ الشّرط هو أهليّة التّبرّع من عقل وبلوغ ورشد ، فلا يصحّ تبرّع محجور عليه لصغر أو سفه أو دين أو غير ذلك . وتفصيل هذا ينظر في ( أهليّة ) .
أحكام التّطوّع :
12 - أحكام التّطوّع منها ما يخصّ العبادات ، ومنها ما يشمل العبادات وغيرها ، ومنها ما يخصّ غير العبادات ، وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلاً ما يخصّ العبادات :
أ - ما تسنّ له الجماعة من صلاة التّطوّع :
13 - تسنّ الجماعة لصلاة الكسوف باتّفاق بين المذاهب ، وتسنّ للتّراويح عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وهي مندوبة عند المالكيّة ، إذ الأفضل الانفراد بها - بعيدا عن الرّياء - إن لم تعطّل المساجد عن فعلها فيها . وتسنّ الجماعة كذلك لصلاة الاستسقاء عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، أمّا عند الحنفيّة فتصلّى جماعة وفرادى عند محمّد ، ولا تصلّى إلّا فرادى عند أبي حنيفة . وتسنّ الجماعة لصلاة العيدين عند المالكيّة والشّافعيّة . أمّا عند الحنفيّة والحنابلة فالجماعة فيها واجبة . ويسنّ الوتر جماعة عند الحنابلة .
وبقيّة التّطوّعات تجوز جماعة وفرادى عند الشّافعيّة والحنابلة ، وتكره جماعة عند الحنفيّة إذا كانت على سبيل التّداعي ، وعند المالكيّة الجماعة في الشّفع والوتر سنّة والفجر خلاف الأولى . أمّا غير ذلك فيجوز فعله جماعة ، إلا أن تكثر الجماعة أو يشتهر المكان فتكره الجماعة حذر الرّياء . والتّفصيل ينظر في ( صلاة الجماعة - نفل ) .
مكان صلاة التّطوّع :
14 - صلاة التّطوّع في البيوت أفضل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » ويستثنى من ذلك ما شرعت له الجماعة ، ففعله في المسجد أفضل ، ويستثنى كذلك عند المالكيّة صلاة الرّواتب مع الفرائض ، فيندب فعلها في المسجد ، كما أنّ تحيّة المسجد تصلّى في المسجد . ويستحبّ للمصلّي عند الجمهور أن يتنفّل في غير المكان الّذي صلّى فيه المكتوبة .
وقال الكاسانيّ من الحنفيّة : يكره للإمام أن يصلّي شيئا من السّنن في المكان الّذي صلّى فيه المكتوبة ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيعجز أحدُكم إذا صلّى أن يتقدّمَ أو يتأخّر » ، ولا يكره ذلك للمأموم ، لأنّ الكراهة في حقّ الإمام للاشتباه ، وهذا لا يوجد في حقّ المأموم ، لكن يستحبّ له أن يتنحّى أيضاً ، حتّى تنكسر الصّفوف ، ويزول الاشتباه على الدّاخل من كلّ وجه .
وقال ابن قدامة : قال أحمد : لا يتطوّع الإمام في مكانه الّذي صلّى فيه المكتوبة . كذا قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . قال أحمد : ومن صلّى وراء الإمام فلا بأس أن يتطوّع مكانه ، فعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما . وبهذا قال إسحاق ، وروى أبو بكر حديث عليّ بإسناده . وبإسناده عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : لا يتطوّع الإمام في مقامه الّذي يصلّي فيه المكتوبة » .
صلاة التّطوّع على الدّابّة :
15 - يجوز باتّفاق المذاهب صلاة التّطوّع على الدّابّة في السّفر .
قال ابن قدامة : لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة التّطوّع على الرّاحلة في السّفر الطّويل قال التّرمذيّ : هذا عند عامّة أهل العلم ،
وقال ابن عبد البرّ : أجمعوا على أنّه جائز لكلّ من سافر سفراً يقصر فيه الصّلاة أن يتطوّع على دابّته حيثما توجّهت ، يومئ بالرّكوع والسّجود ، ويجعل السّجود أخفض من الرّكوع .
ويجوز عند الحنابلة التّطوّع على الرّاحلة في السّفر القصير أيضا ، لقوله تعالى : { وَلِلّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ } ، قال ابن عمر رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في التّطوّع خاصّة حيث توجّه به بعيرك .
وهذا يتناول بإطلاقه محلّ النّزاع ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على بعيره » ، وفي رواية : « كان يسبّح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ، يومئ برأسه » وكان ابن عمر يفعله . وللبخاريّ : « إلا الفرائض » ولمسلم وأبي داود : « غير أنّه لا يصلّي عليها المكتوبة » ولم يفرّق بين قصير السّفر وطويله ، ولأنّ إباحة الصّلاة على الرّاحلة تخفيف في التّطوّع ، كي لا يؤدّي إلى قطعها وتقليلها .
والوتر واجب عند الحنفيّة ، ولهذا لا يؤدّى على الرّاحلة عند القدرة على النّزول . كذلك روى الحسن عن أبي حنيفة أنّ من صلّى ركعتي الفجر على الدّابّة من غير عذر وهو يقدر على النّزول لا يجوز ، لاختصاص ركعتي الفجر بزيادة توكيد وترغيب بتحصيلها وترهيب وتحذير على تركها ، فالتحقت بالواجبات كالوتر . وينظر تفصيل ذلك في : ( نفل - نافلة ).
صلاة التّطوّع قاعداً :
16 - تجوز صلاة التّطوّع من قعود باتّفاق بين المذاهب .
قال ابن قدامة : لا نعلم خلافاً في إباحة التّطوّع جالساً ، وأنّه في القيام أفضل ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من صلّى قائما فهو أفضل ، ومن صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم » ولأنّ كثيراً من النّاس يشقّ عليه القيام ، فلو وجب في التّطوّع لترك أكثره ، فسامح الشّارع في ترك القيام فيه ترغيبا في تكثيره .
الفصل بين الصّلاة المفروضة وصلاة التّطوّع :
17 - يستحبّ أن يفصل المصلّي بين الصّلاة المفروضة وصلاة التّطوّع بعدها بالأذكار الواردة ، كالتّسبيح والتّحميد والتّكبير ، وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة يكره الفصل بين المكتوبة والسّنّة ، بل يشتغل بالسّنّة . وللتّفصيل : ( ر : نفل ) .
قضاء التّطوّع :
18 - إذا فات التّطوّع - سواء المطلق ، أو المقيّد بسبب أو وقت - فعند الحنفيّة والمالكيّة لا يقضى سوى ركعتي الفجر ، لما روت أمّ سلمة رضي الله عنها قالت : « صلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم العصر ثمّ دخل بيتي فصلّى ركعتين ، فقلت : يا رسول اللّه ، صلّيتَ صلاة لم تكن تصلّيها فقال : قدم عليَّ مالٌ فشغلني عن الرّكعتين كنت أركعهما بعد الظّهر ، فصلّيتهما الآن . فقلت : يا رسول اللّه أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : لا » .
وهذا نصّ على أنّ القضاء غير واجب على الأمّة ، وإنّما هو شيء اختصّ به النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا شركة لنا في خصائصه . وقياس هذا الحديث أنّه لا يجب قضاء ركعتي الفجر أصلا ، إلا أنّا استحسنّا القضاء إذا فاتتا مع الفرض ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعلهما مع الفرض ليلة التّعريس » فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته .
وهذا بخلاف الوتر ، لأنّه واجب عند الحنفيّة ، والواجب ملحق بالفرض في حقّ العمل .
وقال النّوويّ من الشّافعيّة : لو فات النّفل المؤقّت " كصلاة العيد والضّحى " ندب قضاؤه في الأظهر ، لحديث الصّحيحين : « من نسي صلاةً أو نام عنها فكفّارتُها أن يصلّيها إذا ذكرها » ولأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر لمّا نام في الوادي عن صلاة الصّبح إلى أن طلعت الشّمس » . وفي مسلم نحوه .
« وقضى ركعتي سنّة الظّهر المتأخّرة بعد العصر » ، ولأنّها صلاة مؤقّتة فقضيت كالفرائض ، وسواء السّفر والحضر ، كما صرّح به ابن المقري .
والثّاني : لا يقضى كغير المؤقّت .
والثّالث : إن لم يتبع غيره كالضّحى قضي ، لشبهه بالفرض في الاستقلال ، وإن تبع غيره كالرّواتب فلا . قال الخطيب الشّربينيّ في شرح المنهاج : قضيّة كلامه - أي النّوويّ - أنّ المؤقّت يقضي أبدا وهو الأظهر ، والثّاني : يقضي فائتة النّهار ما لم تضرب شمسه ، وفائتة اللّيل ما لم يطلع فجره . والثّالث : يقضي ما لم يصلّ الفرض الّذي بعده .
وخرج بالمؤقّت ما له سبب كالتّحيّة والكسوف فإنّه لا مدخل للقضاء فيه .
نعم لو فاته وِرْدُه من الصّلاة ، فإنّه يندب له قضاؤه كما قاله الأذرعيّ .
وعند الحنابلة ، قال الإمام أحمد : لم يبلغنا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التّطوّع ، إلا ركعتي الفجر والرّكعتين بعد العصر .
وقال القاضي وبعض الأصحاب : لا يقضى إلا ركعتا الفجر وركعتا الظّهر .
وقال ابن حامد : تقضى جميع السّنن الرّواتب ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قضى بعضها ، وقسنا الباقي عليها . وفي شرح منتهى الإرادات : يسنّ قضاء الرّواتب ، إلا ما فات مع فرضه وكثر ، فالأولى تركه ، إلا سنّة الفجر فيقضيها مطلقاً لتأكّدها .
انقلاب الواجب تطوّعاً :
19 - قد ينقلب واجب العبادات إلى تطوّع ، سواء أكان بقصد أم بغير قصد .
ومن ذلك مثلاً في الصّلاة يقول ابن نجيم : لو افتتح الصّلاة بنيّة الفرض ، ثمّ غيّر نيّته في الصّلاة وجعلها تطوّعا ، صارت تطوّعاً .
وفي شرح منتهى الإرادات : إن أحرم مصلٍّ بفرض ، كظهر في وقته المتّسع له ولغيره ، ثمّ قلبه نفلا ، بأن فسخ نيّة الفرضيّة دون نيّة الصّلاة ، صحّت مطلقا ، أي سواء كان صلّى الأكثر منها أو الأقلّ ، وسواء كان لغرض صحيح أو لا ، لأنّ النّفل يدخل في نيّة الفرض ، وكره قلبه نفلا لغير غرض صحيح . ثمّ قال : وينقلب نفلا ما بان عدمه ، كما لو أحرم بفائتة ظنّها عليه ، فتبيّن أنّه لم تكن عليه فائتة ، أو أحرم بفرض ثمّ تبيّن له أنّه لم يدخل وقته ، لأنّ الفرض لم يصحّ ، ولم يوجد ما يبطل النّفل .
ومن ذلك الصّيام . جاء في شرح منتهى الإرادات : من قطع نيّة صوم نذر أو كفّارة أو قضاء ، ثمّ نوى صوماً نفلا صحّ نفله ، وإن قلب صائم نيّة نذر أو قضاء إلى نفل صحّ ، كقلب فرض الصّلاة نفلاً .
وخالف الحجّاويّ في " الإقناع " في مسألة قلب القضاء ، وكره له ذلك لغير غرض .
ومن ذلك الزّكاة . جاء في بدائع الصّنائع : إذا دفع الزّكاة إلى رجل ، ولم يخطر بباله أنّه ليس ممّن تصرف الزّكاة إليهم وقت الدّفع ، ولم يشكّ في أمره ، فإذا ظهر بيقين أنّه ليس من مصارفها لم تجزئه زكاة ، ويجب عليه الإعادة ، وليس له أن يستردّ ما دفع إليه ، ويقع تطوّعا . ثمّ قال الكاسانيّ في موضع آخر : حكم المعجّل إذا لم يقع زكاة : أنّه إن وصل إلى يد الفقير يكون تطوّعاً ، سواء وصل إلى يده من يد ربّ المال أو من يد الإمام أو نائبه - وهو السّاعي - لأنّه حصل أصل القربة .
وصدقة التّطوّع لا يحتمل الرّجوع فيها بعد وصولها إلى يد الفقير .
وفي المهذّب أيضاً : من أحرم بالحجّ في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة ، لأنّها عبادة مؤقّتة ، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظّهر إذا أحرم بها قبل الزّوال ، فإنّه ينعقد إحرامه بالنّفل . وفي الأشباه لابن نجيم : لو أحرم بالحجّ نذراً ونفلاً كان نفلا ، ولو أحرم بالحجّ فرضا وتطوّعا كان تطوّعا عندهما في الأصحّ .
حصول التّطوّع بأداء الفرض وعكسه :
20 - هناك صور يحصل التّطوّع فيها بأداء الفرض ، ولكنّ ثواب التّطوّع لا يحصل إلا بنيّته . جاء في الأشباه لابن نجيم - في الجمع بين عبادتين - قالوا : لو اغتسل الجنب يوم الجمعة للجمعة ولرفع الجنابة ، ارتفعت جنابته ، وحصل له ثواب غسل الجمعة .
وفي ابن عابدين : مَنْ عليه جنابة نسيها واغتسل للجمعة مثلاً ، فإنّه يرتفع حدثه ضمناً ، ولا يثاب ثواب الفرض ، وهو غسل الجنابة ما لم ينوه ، لأنّه لا ثواب إلّا بالنّيّة .
وفي الشّرح الصّغير : تتأدّى تحيّة المسجد بصلاة الفرض فيسقط طلب التّحيّة بصلاته ، فإن نوى الفرض والتّحيّة حصلا ، وإن لم ينو التّحيّة لم يحصل له ثوابها ، لأنّ الأعمال بالنّيّات . ومثل ذلك غسل الجمعة والجنابة ، وصيام يوم عرفة مع نيّة قضاء ما عليه .
وفي القواعد لابن رجب : لو طاف عند خروجه من مكّة طوافاً ينوي به الزّيارة والوداع ، فقال الخرقيّ وصاحب المغني : يجزئه عنهما .
ثانياً ما يشمل العبادات وغيرها من أحكام :
أ - قطع التّطوّع بعد الشّروع فيه :
21 - إذا كان التّطوّع عبادة كالصّلاة والصّيام ، فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا شرع فيه وجب إتمامه ، وإذا فسد وجب قضاؤه ، لأنّ التّطوّع يلزم بالشّروع مُضِيّا وقضاء .
ولأنّ المؤدّى عبادة ، وإبطال العبادة حرام ، لقوله تعالى : { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكمْ } .
وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة وحفصة رضي الله عنهما وقد أفطرتا في صوم التّطوّع اقضيا يوما مكانه » .
غير أنّ المالكيّة لا يوجبون القضاء إلا إذا كان الفساد متعمّداً ، فإن كان لعذر فلا قضاء . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يستحبّ الإتمام إذا شرع في التّطوّع ولا يجب ، كما أنّه يستحبّ القضاء إذا فسد ، إلّا في تطوّع الحجّ والعمرة فيجب إتمامهما إذا شرع فيهما ، لأنّ نفلهما كفرضهما نيّة وفدية وغيرهما .
واستدلّ الشّافعيّة والحنابلة على عدم وجوب الإتمام بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« الصّائم المتطوّع أمير نفسه ، إن شاء صام ، وإن شاء أفطر » .
وتنظر التّفاصيل في ( نفل ، صلاة ، صيام ، حجّ ) .
22 - أمّا غير ذلك من التّطوّعات ، فإمّا أن يكون من قبيل عقود التّبرّعات المعروفة كالهبة والعاريّة والوقف والوصيّة ، وإمّا أن يكون من غير ذلك .
فإن كان من عقود التّبرّعات ، فلكلّ عقد حكمه في جواز الرّجوع أو عدم جوازه . ففي الوصيّة مثلا : يجوز باتّفاق الرّجوع فيها ما دام الموصي حيّا .
وفي العاريّة والقرض : يجوز الرّجوع بطلب ردّ الشّيء المستعار واسترداد بدل القرض في الحال بعد القبض . وهذا عند غير المالكيّة ، بل قال الجمهور : إنّ المقرض إذا أجّل القرض لا يلزمه التّأجيل ، لأنّه لو لزم فيه الأجل لم يبق تبرّعاً .
ويجوز الرّجوع في الهبة قبل القبض ، فإذا تمّ القبض فلا رجوع عند الشّافعيّة والحنابلة ، إلا فيما وهب الوالد لولده ، وعند الحنفيّة : يجوز الرّجوع إن كانت لأجنبيّ .
وفي كلّ ذلك تفصيل ينظر في أبوابه . وفي ( تبرّع ) .
أمّا غير ذلك من التّبرّعات كالصّدقة والإنفاق وما شابه ذلك ، فإن كان قد مضى فلا رجوع فيه ، ما دام ذلك قد تمّ بنيّة التّبرّع . يقول ابن عابدين : لا رجوع في الصّدقة لأنّ المقصود فيها الثّواب لا العوض . ويقول ابن قدامة : لا يجوز للمتصدّق الرّجوع في صدقته في قولهم جميعا ، لأنّ عمر رضي الله عنه قال في حديثه : من وهب هبة على وجه صدقة فإنّه لا يرجع فيها . ومثل ذلك الإنفاق إذا كان بقصد التّبرّع فلا رجوع فيه .
يقول ابن عابدين : إذا أنفق الوصيّ من مال نفسه على الصّبيّ ، وللصّبيّ مال غائب ، فهو متطوّع في الإنفاق استحساناً ، إلا أن يشهد أنّه قرض ، أو أنّه يرجع به عليه .
ويقول ابن القيّم : المقاصد تغيّر أحكام التّصرّفات ، فالنّيّة لها تأثير في التّصرّفات ، ومن ذلك أنّه لو قضى عن غيره ديناً ، أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك - ينوي التّبرّع والهبة - لم يملك الرّجوع بالبدل ، وإن لم ينو فله الرّجوع . على أنّ في ذلك تفصيلاً وخلافاً بين المذاهب في بعض الفروع ، ومن ذلك مثلا : أنّ الشّافعيّة يجيزون للأب ولسائر الأصول الرّجوع في الصّدقة المتطوّع بها على الولد ، أمّا الواجبة فلا رجوع فيها .
ولا يجيزون للأب الرّجوع في الإبراء لولده عن دينه . بينما يجيز الحنابلة رجوع الأب فيما أبرأ ابنه منه من الدّيون . وينظر تفصيل ذلك في ( تبرّع ، صدقة ، إبراء ، هبة ، نفقة ) .
23 - أمّا ما شرع فيه من الصّدقة . فأخرج بعضه ، فلا يلزمه الصّدقة بباقيه .
يقول ابن قدامة : انعقد الإجماع على أنّ الإنسان لو نوى الصّدقة بمال مقدّر ، وشرع في الصّدقة به ، فأخرج بعضه لم تلزمه الصّدقة بباقيه ، وهو نظير الاعتكاف ، لأنّه غير مقدّر بالشّرع فأشبه الصّدقة ، غير أنّ ابن رجب ذكر خلافا في ذلك .
والحطّاب عدّ الأشياء الّتي تلزم بالشّروع ، وهي سبع : الصّلاة والصّوم والاعتكاف والحجّ والعمرة والائتمام والطّواف . ثمّ ذكر ما لا يلزم بالشّروع ، وأنّه لا يجب القضاء بقطعه ، وهو : الصّدقة والقراءة والأذكار والوقف والسّفر للجهاد ، وغير ذلك من القربات .
وينظر تفصيل ذلك في ( تبرّع ، صدقة ) .
رد مع اقتباس