ب - تصوير المصنوعات :
14 - لا بأس بتصوير الأشياء الّتي يصنعها البشر ، كصورة المنزل والسّيّارة والسّفينة والمسجد وغير ذلك اتّفاقا ، لأنّ للإنسان أن يصنعها ، فكذلك له أن يصوّرها .
ج - صناعة تصاوير الجمادات المخلوقة :
15 - لا بأس بتصوير الجمادات الّتي خلقها اللّه تعالى - على ما خلقها عليه - كتصوير الجبال والأودية والبحار ، وتصوير الشّمس والقمر والسّماء والنّجوم ، دون اختلاف بين أحد من أهل العلم ، إلّا من شذّ . غير أنّ ذلك لا يعني جواز صناعة شيء منها إذا علم أنّ الشّخص المصنوعة له يعبد تلك الصّورة من دون اللّه ، وذلك كعبّاد الشّمس أو النّجوم . أشار إلى ذلك ابن عابدين . ويستدلّ لحكم هذه المسألة وأنّ ذلك ليس بداخل في التّصوير المنهيّ عنه بما يأتي في المسألة التّالية وما بعدها .
وقد نقل ابن حجر في الفتح عن أبي محمّد الجوينيّ أنّه نقل وجهاً بمنع تصوير الشّمس والقمر ، لأنّ من الكفّار من عبدهما من دون اللّه ، فيمتنع تصويرهما لذلك .
ووجّهه ابن حجر بعموم قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وقوله في الحديث القدسيّ : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلُق خلقاً كخلقي » فإنّه يتناول ما فيه روح وما لا روح فيه . غير أنّ هذا مُؤوَّل وخاصّ بما فيه روح كما يأتي .
د - تصوير النّباتات والأشجار :
16 - جمهور الفقهاء على أنّه لا بأس شرعاً بتصوير الأعشاب والأشجار والثّمار وسائر المخلوقات النّباتيّة ، وسواء أكانت مثمرة أم لا ، وأنّ ذلك لا يدخل فيما نهي عنه من التّصاوير . ولم ينقل في ذلك خلاف ، إلا ما روي عن مجاهد أنّه رأى تحريم تصوير الشّجر المثمر دون الشّجر غير المثمر . قال عياض : هذا لم يقله أحد غير مجاهد .
قال ابن حجر : وأظنّ مجاهداً سمع حديث أبي هريرة ، ففيه : « فَلْيَخْلقوا ذرّة ، وليخلقوا شعيرة » فإنّ في ذكر الذّرّة إشارة إلى ما فيه روح ، وفي ذكر الشّعيرة إشارة إلى ما ينبت ممّا يؤكل ، وأمّا ما لا روح فيه ولا يثمر فلم تقع الإشارة إليه .
وكراهة تصوير النّباتات والأشجار وجه في مذهب أحمد ، والمذهب على خلافه .
وقد احتجّ الجمهور بأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من صوّر صورة في الدّنيا كلّف أن ينفخ فيها الرّوح ، وليس بنافخ » فخصّ النّهي بذوات الأرواح وليس الشّجر منها ، وبحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه نهى المصوّر عن التّصوير ، ثمّ قال له : " إن كنت فاعلاً فصوّر الشّجر وما لا روح فيه "قال الطّحاويّ : ولأنّ صورة الحيوان لمّا أبيحت بعد قطع رأسها - لأنّها لا تعيش بدونه - دلّ ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه أصلاً .
بل إنّ في بعض روايات حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ جبريل عليه السلام قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم مر برأس التّمثال فليقطع حتّى يكون كهيئة الشّجرة » فهذا تنبيه على أنّ الشّجرة في الأصل لا يتعلّق النّهي بتصويرها .
هذا ما يذكره الفقهاء في الاستدلال على أنّه لا يحرم تصوير الشّجر والنّبات وما لا روح فيه
وفي مسند أحمد من حديث عليّ رضي الله عنه « أنّ جبريل قال للنّبيّ صلى الله عليه وسلم إنّها ثلاث، لن يلج عليك مَلَكٌ ما دام فيها واحد منها : كلب ، أو جنابة ، أو صورة روح » .
هـ – تصوير صورة الحيوان أو الإنسان :
17 – هذا النّوع من التّصوير فيه اختلاف بين الفقهاء وتفصيل يتبيّن فيما يلي ، وإلى هذا النّوع خاصّة ينصرف قول من يطلق تحريم التّصوير ، دون غيره من الأنواع المتقدّم ذكرها.
التّصوير في الدّيانات السّابقة :
18 - قال مجاهد قوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام وطاعة الجنّ له : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ } قال : كانت صوراً من نحاس . أخرجه الطّبريّ . وقال قتادة : كانت من الزّجاج والخشب أخرجه عبد الرّزّاق .
قال ابن حجر : كان ذلك جائزاً في شريعتهم ، وكانوا يعملون أشكال الأنبياء والصّالحين منهم على هيئتهم في العبادة ليتعبّدوا كعبادتهم . وقال أبو العالية : لم يكن ذلك في شريعتهم حراماً . وقال مثل ذلك الجصّاص .
قال ابن حجر : ولكن ثبت في الصّحيحين « أنّ أمّ حبيبة وأمّ سلمة رضي الله عنهما ذكرتا للنّبيّ صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة ، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرّجل الصّالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوّروا فيه تلك الصّور . أولئك شرار الخلق عند اللّه » .
قال : فإنّ ذلك يشعر بأنّه لو كان جائزاً في شريعتهم ما أطلق على الّذي فعله أنّه شرّ الخلق ، هكذا قال . لكنّ الأظهر أنّه ذمّهم لبناء المساجد على القبور ، ولجعلهم الصّور في المساجد ، لا لمطلق التّصوير ، ليوافق الآية ، واللّه أعلم .
تصوير صورة الإنسان والحيوان في الشّريعة الإسلاميّة :
19 - اختلف العلماء في حكم تصوير ذوات الأرواح من الإنسان أو الحيوان على ثلاثة أقوال :
20 - القول الأوّل : إنّ ذلك غير حرام . ولا يحرم منه إلا أن يصنع صنماً يعبد من دون اللّه تعالى ، لقوله تعالى : { قال أَتَعْبُدونَ ما تَنْحِتُونَ واللّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلونَ } ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
- واحتجّ القائلون بالإباحة بقوله تعالى في حقّ سليمان عليه السلام : { يَعْمَلونَ له مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } .
قالوا : وشرع من قبلنا شرع لنا لقوله تعالى : { أولئك الّذين هدى اللّه فبهداهم اقتده } .
واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وفي بعض الرّوايات « الّذين يشبّهون بخلق اللّه » وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربّه تبارك وتعالى : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا ذرّة » قالوا : ولو كان هذا على ظاهره لاقتضى تحريم تصوير الشّجر والجبال والشّمس والقمر ، مع أنّ ذلك لا يحرم بالاتّفاق ، فتعيّن حمله على من قصد أن يتحدّى صنعة الخالق عزّ وجلّ ويفتري عليه بأنّه يخلق مثل خلقه .
21 - واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حقّ المصوّرين « إنّ أشدّ النّاس عذاباً عند اللّه يوم القيامة المصوّرون » قالوا : لو حمل على التّصوير المعتاد لكان ذلك مشكلاً على قواعد الشّريعة . فإنّ أشدّ ما فيه أن يكون معصية كسائر المعاصي ليس أعظم من الشّرك وقتل النّفس والزّنا ، فكيف يكون فاعله أشدّ النّاس عذاباً ، فتعيّن حمله على من صنع التّماثيل لتعبد من دون اللّه .
- واحتجّوا أيضاً بما يأتي من استعمال الصّور في بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه ، ومن جملة ذلك تعاملهم بالدّنانير الرّوميّة والدّراهم الفارسيّة دون نكير ، وبالأحوال الفرديّة للاستعمال الواقع منهم ممّا يرد ذكره في تضاعيف هذا البحث ، دون تأويل . وقد نقل الألوسيّ هذا القول في تفسيره عند تفسير الآية " 13 " من سورة سبأ ، حيث ذكر أنّ النّحّاس ومكّيّ بن أبي طالب وابن الفرس نقلوه عن قوم ولم يعيّنهم .
من أجل ذلك فإنّ هذا القول يغفل ذكره الفقهاء في كتبهم المطوّلة والمختصرة ، ويقتصرون في ذكر الخلاف على الأقوال الآتية :
22 - القول الثّاني : وهو مذهب المالكيّة وبعض السّلف ، ووافقهم ابن حمدان من الحنابلة ، أنّه لا يحرم من التّصاوير إلا ما جمع الشّروط الآتية :
الشّرط الأوّل : أن تكون صورة الإنسان أو الحيوان ممّا له ظلّ ، أي تكون تمثالاً مجسّداً ، فإن كانت مسطّحة لم يحرم عملها ، وذلك كالمنقوش في جدار ، أو ورق ، أو قماش .
بل يكون مكروهاً . ومن هنا نقل ابن العربيّ الإجماع على أنّ تصوير ما له ظلّ حرام .
الشّرط الثّاني : أن تكون كاملة الأعضاء ، فإن كانت ناقصة عضو ممّا لا يعيش الحيوان مع فقده لم يحرم ، كما لو صوّر الحيوان مقطوع الرّأس أو مخروق البطن أو الصّدر .
الشّرط الثّالث : أن يصنع الصّورة ممّا يدوم من الحديد أو النّحاس أو الحجارة أو الخشب أو نحو ذلك ، فإن صنعها ممّا لا يدوم كقشر بطّيخ أو عجين لم يحرم ، لأنّه إذا نشف تقطّع . على أنّ في هذا النّوع عندهم خلافاً ، فقد قال الأكثر منهم : يحرم ولو كان ممّا لا يدوم . ونقل قصر التّحريم على ذوات الظّلّ عن بعض السّلف أيضاً كما ذكره النّوويّ .
وقال ابن حمدان من الحنابلة : المراد بالصّورة أي : المحرّمة ما كان لها جسم مصنوع له طول وعرض وعمق .
23 - القول الثّالث : أنّه يحرم تصوير ذوات الأرواح مطلقاً ، أي سواء أكان للصّورة ظلّ أو لم يكن . وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وتشدّد النّوويّ حتّى ادّعى الإجماع عليه . وفي دعوى الإجماع نظر يعلم ممّا يأتي .
وقد شكّك في صحّة الإجماع ابن نجيم كما في الطّحطاويّ على الدّرّ ، وهو ظاهر ، لما تقدّم من أنّ المالكيّة لا يرون تحريم الصّور المسطّحة . لا يختلف المذهب عندهم في ذلك .
وهذا التّحريم عند الجمهور هو من حيث الجملة .
ويستثنى عندهم بعض الحالات المتّفق عليها أو المختلف فيها ممّا سيذكر فيما بعد .
- والتّصوير المحرّم صرّح الحنابلة بأنّه من الكبائر . قالوا : لما في الحديث من التّوعّد عليه بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة المصوّرون » . أدلّة القولين الثّاني والثّالث بتحريم التّصوير من حيث الجملة :
24 - استند العلماء في تحريم التّصوير من حيث الجملة إلى الأحاديث التّالية :
الحديث الأوّل : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من سفر ، وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل ، فلمّا رآه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هتكه ، وتلوّن وجهه . فقال : يا عائشة : أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يضاهون بخلق اللّه . قالت عائشة : فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين » . وفي رواية أنّه قال : « إنّ من أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الّذين يشبّهون بخلق اللّه » . وفي رواية أخرى قال : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة ، ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ». وفي رواية : « إنّها قالت : فأخذت السّتر فجعلته مرفقة أو مرفقتين ، فكان يرتفق بهما في البيت » . وهذه الرّوايات متّفق عليها .
هذا وإنّ قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون » رواه الشّيخان أيضا مرفوعاً من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .
وقوله : « إنّ أصحاب هذه الصّور يعذّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم » روياه أيضاً من حديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما .
الحديث الثّاني : عن عائشة رضي الله عنها قالت : « واعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جبريل أن يأتيه في ساعة ، فجاءت تلك السّاعة ولم يأته . قالت : وكان بيده عصاً فطرحها ، وهو يقول : ما يخلف اللّه وعده ولا رسله . ثمّ التفت ، فإذا جرو كلب تحت سرير ، فقال : متى دخل هذا الكلب ؟ فقلت : واللّه ما دريت به . فأمر به فأخرج ، فجاءه جبريل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : وعدتني فجلست لك ولم تأتني ؟ فقال : منعني الكلب الّذي كان في بيتك . إنّا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة » .
وروت ميمونة رضي الله عنها حادثة مثل هذه ، وفيها قول جبريل : « إنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة » . وروى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبره بحادثة جبريل ، وما قال له . وروى القصّة أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه . الحديث الثّالث : عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّه دخل داراً تبنى بالمدينة لسعيد ، أو لمروان ، فرأى مصوّراً يصوّر في الدّار ، فقال سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : قال اللّه تعالى : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقاً كخلقي ، فليخلقوا ذرّة ، أو ليخلقوا حبّة ، أو ليخلقوا شعيرة » .
الحديث الرّابع : عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه جاءه رجل فقال : إنّي رجل أصوّر هذه الصّور فأفتني فيها . فقال : ادن منّي ، فدنا منه ، ثمّ قال : ادن منّي ، فدنا منه ، حتّى وضع يده على رأسه ، وقال : أنبّئك بما سمعت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلّ مصوّر في النّار ، يجعل له بكلّ صورة صوّرها نفساً ، فيعذّبه في جهنّم » ثمّ قال : إن كنت لا بدّ فاعلاً فاصنع الشّجر وما لا نفس له .
الحديث الخامس : عن أبي الهيّاج الأسديّ أنّ عليّا رضي الله عنه قال له : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ألا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفا إلا سوّيته » .
تعليل تحريم التّصوير :
25 - اختلف العلماء في علّة تحريم التّصوير على وجوه :
الوجه الأوّل : أنّ العلّة هي ما في التّصوير من مضاهاة خلق اللّه تعالى وأصل التّعليل بذلك وارد في الأحاديث المتقدّمة ، كلفظ حديث عائشة رضي الله عنها : « الّذين يضاهون بخلق اللّه » وحديث أبي هريرة رضي الله عنه : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقا كخلقي » ويشهد لذلك حديث : « من صوّر صورة كلّف أن ينفخ فيها الرّوح »
وحديث : « أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة المصوّرون . يقال لهم : أحيوا ما خلقتم » .
وممّا يكدّر على التّعليل بهذا أمران :
الأوّل : أنّ التّعليل بهذا يقتضي منع تحريم تصوير الشّمس والقمر والجبال والشّجر وغير ذلك من غير ذوات الأرواح .
والثّاني : أنّ التّعليل بذلك يقتضي أيضاً منع تصوير لعب البنات والعضو المقطوع ، وغير ذلك ممّا استثناه العلماء من قضيّة التّحريم
- من أجل ذلك ذهب بعض العلماء إلى أنّ المقصود بالتّعليل بهذه العلّة من صنع الصّورة متحدّياً قدرة الخالق عزّ وجلّ ، ورأى أنّه قادر أن يخلق كخلقه ، فيريه اللّه تعالى عجزه يوم القيامة ، بأن يكلّفه أن ينفخ الرّوح في تلك الصّور .
قال النّوويّ : أمّا رواية « أشدّ النّاس عذاباً » فهي محمولة على من فعل الصّورة لتعبد ، وقيل : هي فيمن قصد المعنى الّذي في الحديث من مضاهاة خلق اللّه ، واعتقد ذلك ، فهذا كافر له من أشدّ العذاب ما للكفّار ، ويزيد عذابه بزيادة كفره " . ويتأيّد التّعليل بهذا بأنّ اللّه تعالى قال شبيهاً بذلك في حقّ من ادّعى أنّه ينزّل مثل ما أنزل اللّه ، وأنّه لا أحد أظلم منه ، فقال تعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبَاً أو قَالَ أُوحِيَ إليَّ ولمْ يُوحَ إليهِ شَيءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ } فهذا فيمن ادّعى مساواة الخالق في أمره ووحيه ، والأوّل فيمن ادّعى مساواته في خلقه ، وكلاهما من أشدّ النّاس عذاباً .
وممّا يحقّق هذا ما توحي به رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنّ اللّه تعالى يقول في الحديث القدسيّ : « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقا كخلقي » فإنّ " ذهب " بمعنى قصد ، بذلك فسّرها ابن حجر . وبذلك يكون معناها أنّه أظلم النّاس بهذا القصد ، وهو أن يقصد أن يخلق كخلق اللّه تعالى. ونقل الجصّاص قولاً أنّ المراد بهذه الأحاديث " من شبّه اللّه بخلقه".
26 - الوجه الثّاني : كون التّصوير وسيلة إلى الغلوّ في غير اللّه تعالى بتعظيمه حتّى يئول الأمر إلى الضّلال والافتنان بالصّور ، فتعبد من دون اللّه تعالى . وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث والنّاس ينصبون تماثيل يعبدونها ، يزعمون أنّها تقرّبهم إلى اللّه زلفى ، فجاء الإسلام محطّماً للشّرك والوثنيّة ، معلناً أنّ شعاره الأكبر " لا إله إلا اللّه " ومسفّهاً لعقول هؤلاء . ومن المناهج الّتي سلكتها الشّريعة الحكيمة لذلك - بالإضافة إلى الحجّة والبيان والسّيف والسّنان - أن جاءت إلى ما من شأنه أن يكون وسيلة إلى الضّلال ولا منفعة ، أو منفعته أقلّ ، فمنعت إتيانه ، قال ابن العربيّ : والّذي أوجب النّهي عن التّصوير في شرعنا - واللّه أعلم - ما كانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام ، فكانوا يصوّرون ويعبدون ، فقطع اللّه الذّريعة ، وحمى الباب .
ثمّ أشار ابن العربيّ أنّ التّعليل بالمضاهاة وهو منصوص ، لا يمنع من التّعليل بهذه العلّة المستنبطة ، قال : نهى عن الصّورة ، وذكر علّة التّشبّه بخلق اللّه ، وفيها زيادة على هذا عبادتها من دون اللّه ، فنبّه على أنّ عملها معصية ، فما ظنّك بعبادتها .
واستند القائلون بهذا الوجه في التّعليل إلى ما في صحيح البخاريّ في تفسير سورة نوح ، معلّقاً . عن عطاء عن ابن عبّاس في : ودّ ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسر . قال : " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلمّا هلكوا أوحى الشّيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم الّتي كانوا يجلسون إليها أنصاباً ، وسمّوها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد ، حتّى إذا هلك أولئك ، وتنسخ العلم ، عبدت ".
لكن إلى أيّ مدى أرادت الشّريعة المنع من التّصوير لتكفل سدّ الذّريعة : هل إلى منع التّصوير مطلقاً ، أو منع الصّور المنصوبة دون غير المنصوبة ، أو منع الصّور المجسّمة الّتي لها ظلّ ، لأنّها الّتي كانت تعبد ؟ هذا موضع الخلاف بين العلماء .
وبناء على هذا الوجه رأى بعض العلماء أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم شدّد أوّلاً وأمر بكسر الأوثان ولطّخ الصّور ، ثمّ لمّا عرف ذلك الأمر واشتهر رخّص في الصّور المسطّحة وقال : « إلا رقماً في ثوب » .
27 - الوجه الثّالث : أنّ العلّة مجرّد الشّبه بفعل المشركين الّذين كانوا ينحتون الأصنام ويعبدونها ، ولو لم يقصد المصوّر ذلك ، ولو لم تعبد الصّورة الّتي يصنعها ، لكنّ الحال شبيهة بالحال . كما نهينا عن الصّلاة عند طلوع الشّمس وعند غروبها ، لئلا نكون في ذلك مثل من يسجد لها حينئذ . كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « فإنّه يسجد لها حينئذ الكفّار » فكرهت الصّلاة حينئذ لما تجرّه المشابهة من الموافقة .
أشار إلى هذا المعنى ابن تيميّة . ونبّه عليه ابن حجر حيث قال : إنّ صورة الأصنام هي الأصل في منع التّصوير لكن إذا قيل بهذه العلّة فهي لا تقتضي أكثر من الكراهة .
28 - الوجه الرّابع : أنّ وجود الصّورة في مكان يمنع دخول الملائكة إليه .
وقد ورد النّصّ على ذلك في حديث عائشة وحديث عليّ .
وردّ التّعليل بهذا كثير من العلماء ، منهم الحنابلة ، كما يأتي ، وقالوا : إنّ تنصيص الحديث على أنّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة لا يقتضي منع التّصوير ، كالجنابة ، فإنّها تمنع دخول الملائكة أيضا لما في بعض الرّوايات « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب » فلا يلزم من ذلك منع الجنابة .
ولعلّ امتناع دخول الملائكة إنّما هو لكون الصّورة محرّمة ، كما يحرم على المسلم أن يجلس على مائدة يدار عليها الخمر . فامتناع دخولهم أثر التّحريم ، وليس علّة. واللّه أعلم.
تفصيل القول في صناعة الصّور :
أوّلاً : الصّور المجسّمة " ذوات الظّلّ "
29 - صنعة الصّور المجسّمة محرّمة عند جمهور العلماء أخذا بالأدلّة السّابقة .
ويستثنى منها ما كان مصنوعا كلعبة للصّغار ، أو كان ممتهناً ، أو كان مقطوعاً منه عضو لا يعيش بدونه ، أو كان ممّا لا يدوم كصور الحلوى أو العجين ، على خلاف وتفصيل يتبيّن في المباحث التّالية .
ثانياً : صناعة الصّور المسطّحة :
القول الأوّل في صناعة الصّور المسطّحة
30 - مذهب المالكيّة ومن ذكر معهم جواز صناعة الصّور المسطّحة مطلقاً ، مع الكراهة . لكن إن كانت فيما يمتهن فلا كراهة بل خلاف الأولى .
وتزول الكراهة إذا كانت الصّور مقطوعة عضو لا تبقى الحياة مع فقده .
31 - ومن الحجّة لهذا المذهب ما يلي :
- 1 - حديث أبي طلحة وعنه زيد بن خالد الجهنيّ ، ورواه سهل بن حنيف الصّحابيّ رضي الله عنهم ، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ، إلا رقماً في ثوب » فهذا الحديث مقيّد ، فيحمل عليه كلّ ما ورد من النّهي عن التّصاوير ولعن المصوّرين .
- 2 - حديث أبي هريرة مرفوعا أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : يقول اللّه تعالى : في الحديث القدسيّ « ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقا كخلقي ، فليخلقوا ذرّة ، أو ليخلقوا حبّة » ووجه الاحتجاج به : أنّ اللّه تعالى لم يخلق هذه الأحياء سطوحا ، بل اخترعها مجسّمة .
- 3 - استعمال الصّور في بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما تقدّم أنّها جعلت السّتر مرفقتين ، فكان يرتفق بهما ، وفي بعض الرّوايات " وإنّ فيهما الصّور " .
وفي بعض روايات الحديث قالت : « كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الدّاخل إذا دخل استقبله ، فقال لي النّبيّ صلى الله عليه وسلم : حوّلي هذا ، فإنّي كلّما دخلت فرأيته ، ذكرت الدّنيا » فعلّل بذلك ، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على ألا يشغله أمر الدّنيا وزهرتها عن الدّعوة إلى اللّه والتّفرّغ لعبادته . وذلك لا يقتضي التّحريم على أمّته . وفي رواية أنس رضي الله عنه أنّه قال لها : « أميطي عنّا قرامك هذا ، فإنّ تصاويره لا تزال تعرض لي في صلاتي » وعلّل في رواية ثالثة بغير هذا عندما هتك السّتر فقال « يا عائشة لا تستري الجدار » وقال « إنّ اللّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطّين » .
ويوضّح هذا المعنى جليّاً حديث سفينة رضي الله عنه مولى النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه دعا النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فجاء فوضع يده فرجع ، فقالت فاطمة لعليّ : الحقه فانظر ما رجعه . فتبعه ، فقال : يا رسول اللّه ما ردّك ؟ قال : إنّه ليس لي - أو قال : لنبيّ - أن يدخل بيتاً مزوّقاً » .
ورواه عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما عند البخاريّ وأبي داود وفي روايته : « فرأى سترا موشيّا ، وفيها أنّه صلى الله عليه وسلم قال ما لنا وللدّنيا ، ما لنا وللرّقم فقالت فاطمة فما تأمرنا فيه ؟ قال : ترسلين به إلى أهل حاجة » .
وفي رواية النّسائيّ أنّه كان في السّتر تصاوير .
- 4 - استعمال النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الدّنانير الرّوميّة والدّراهم الفارسيّة وعليها صور ملوكهم ولم يكن عندهم نقود غيرها إلّا الفلوس .
وقد ضرب عمر بن الخطّاب رضي الله عنه - على ما تذكره الكتب المؤلّفة في تاريخ النّقود - الدّراهم على السّكّة الفارسيّة ، فكان فيها الصّور ، وضرب الدّنانير معاوية رضي الله عنه وعليها الصّور بعد أن محا منها الصّليب ، وضربها عبد الملك وعليها صورته متقلّداً سيفاً ، ثمّ ضربها عبد الملك والوليد خالية من الصّور .
- 5 - ما نقل عن بعض الصّحابة والتّابعين من استعمال الصّور في السّتور وغيرها من المسطّحات . من ذلك استعمال زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه للسّتور ذات الصّور ، وحديثه في الصّحيحين . واستعمله أبو طلحة رضي الله عنه وأقرّه سهل بن حنيف رضي الله عنه ، وحديثهما في الموطّأ وعند التّرمذيّ والنّسائيّ .
واعتمدوا على ما رووه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم من قوله « إلا رقماً في ثوب » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة بن الزّبير أنّ عروة كان يتّكئ على المرافق " الوسائد " الّتي فيها تصاوير الطّير والرّجال . وروى الطّحاويّ بأسانيده أنّ نقش خاتم عمران بن حصين الصّحابيّ رضي الله عنه كان رجلاً متقلّداً سيفاً . وأنّ نقش خاتم النّعمان بن مقرّن رضي الله عنه قائد فتح فارس ، كان إيلا قابضاً إحدى يديه باسطاً الأخرى ، وعن القاسم قال كان نقش خاتم عبد اللّه ذبّابان ، وكان نقش خاتم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كركيّان ، وروي أنّ نقش خاتم أبي هريرة رضي الله عنه ذبابتان .
ونقل ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عون أنّه دخل على القاسم بن محمّد بن أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنهم وهو بأعلى مكّة ببيته ، قال : فرأيت في بيته حجلة فيها تصاوير القندس والعنقاء . قال ابن حجر : والقاسم بن محمّد أحد فقهاء المدينة ، وهو راوي حديث عائشة ، وكان من أفضل أهل زمانه .
وروى أحمد بسنده عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : دخلت على ابن عبّاس رضي الله عنهما أعوده من وجع كان به . قلت : فما هذه التّصاوير في الكانون ؟ قال : ألا ترى قد أحرقناها بالنّار . فلمّا خرج المسور قال : اقطعوا رءوس هذه التّماثيل . قالوا : يا أبا العبّاس لو ذهبت بها إلى السّوق كان أنفق لها قال : لا . فأمر بقطع رءوسها .
القول الثّاني في صناعة الصّور غير ذوات الظّلّ " أي المسطّحة " :
32 - إنّها محرّمة كصناعة ذوات الظّلّ . وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ونقل عن كثير من السّلف . واستثنى بعض أصحاب هذا القول الصّور المقطوعة والصّور الممتهنة وأشياء أخرى كما سيأتي في بقيّة هذا البحث .
واحتجّوا للتّحريم بإطلاق الأحاديث الواردة في لعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم للمصوّرين ، وأنّ المصوّر يعذّب يوم القيامة بأن يكلّف بنفخ الرّوح في كلّ صورة صوّرها . خرج من ذلك صور الأشجار ونحوها ممّا لا روح فيه بالأدلّة السّابق ذكرها، فيبقى ما عداها على التّحريم. قالوا : وأمّا الاحتجاج لإباحة صنع الصّور المسطّحة باستعمال النّبيّ صلى الله عليه وسلم الوسادتين اللّتين فيهما الصّور ، واستعمال الصّحابة والتّابعين لذلك ، فإنّ الاستعمال للصّورة حيث جاز لا يعني جواز تصويرها ، لأنّ النّصّ ورد بتحريم التّصوير ولعن المصوّر ، وهو شيء آخر غير استعمال ما فيه الصّورة . وقد علّل في بعض الرّوايات بمضاهاة خلق اللّه والتّشبيه به ، وذلك إثم غير متحقّق في الاستعمال .
ثالثاً : الصّور المقطوعة والصّور النّصفيّة ونحوها :
33 - تقدّم أنّ المالكيّة لا يرون تحريم تصوير الإنسان أو الحيوان - سواء أكانت الصّورة تمثالا مجسّما أو صورة مسطّحة إن كانت ناقصة عضو من الأعضاء الظّاهرة ممّا لا يعيش الحيوان بدونه . كما لو كان مقطوع الرّأس ، أو كان مخروق البطن أو الصّدر .
وكذلك يقول الحنابلة ، كما جاء في المغني" إذا كان في ابتداء التّصويرة صورة بدن بلا رأس أو رأس بلا بدن ، أو جعل له رأس وسائر بدنه صورة غير حيوان ، لم يدخل في النّهي ". وفي الفروع : إن أزيل من الصّور ما لا تبقى الحياة معه لم يكره ، في المنصوص . ومثله صورة شجرة ونحوه وتمثال ، وكذا تصويره .
وهذا مذهب الشّافعيّة أيضاً ، ولم ينقل بينهم في ذلك خلاف إلا ما شذّ به المتولّي ، غير أنّهم اختلفوا فيما إذا كان المقطوع غير الرّأس وقد بقي الرّأس . والرّاجح عندهم في هذه الحالة التّحريم ، جاء في أسنى المطالب وحاشيته للرّمليّ : وكذا إن قطع رأس الصّورة .
قال الكوهكيوني : وكذا حكم ما صوّر بلا رأس ، وأمّا الرّءوس بلا أبدان فهل تحرم ؟ فيه تردّد . والحرمة أرجح . قال الرّمليّ : وهما وجهان في الحاوي وبناهما على أنّه هل يجوز تصوير حيوان لا نظير له : إن جوّزناه جاز ذلك ، وإلا فلا ، وهو الصّحيح .
ويشملهما قوله : ويحرم تصوير حيوان .
وظاهر ما في تحفة المحتاج جوازه ، فإنّه قال : وكفقد الرّأس فقد ما لا حياة بدونه .
رابعاً : صنع الصّور الخياليّة
34 - ينصّ الشّافعيّة على أنّ الصّور الخياليّة للإنسان أو الحيوان داخلة في التّحريم .
قالوا : يحرم ، كإنسان له جناح ، أو بقر له منقار ، ممّا ليس له نظير في المخلوقات . وكلام صاحب روض الطّالب يوحي بوجود قول بالجواز .
وواضح أنّ هذا في غير اللّعب الّتي للأطفال ، وقد ورد في حديث عائشة رضي الله عنها : « أنّه كان في لعبها فرس له جناحان ، وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ضحك لمّا رآها حتّى بدت نواجذه » .
خامساً : صنع الصّور الممتهنة
35 - يأتي أنّ أغلب العلماء على جواز اقتناء واستعمال الصّور المجسّمة والمسطّحة . سواء أكانت مقطوعة أم كاملة ، إذا كانت ممتهنة ، كالّتي على أرض أو بساط أو فراش أو وسادة أو نحو ذلك . وبناء على هذا ، ذهب بعض العلماء إلى جواز صنع ما يستعمل على ذلك الوجه ، كنسج الحرير لمن يحلّ له .
وهو في الجملة مذهب المالكيّة ، إلا أنّه عندهم خلاف الأولى .
وعند الشّافعيّة وجهان : أصحّهما التّحريم . وهو مذهب الحنفيّة كما صرّح به ابن عابدين . ونقل ابن حجر عن المتولّي من الشّافعيّة أنّه أجاز التّصوير على الأرض .
ولم نجد للحنابلة تصريحا في هذه المسألة فالظّاهر أنّه عندهم مندرج في تحريم التّصوير . وسيأتي تفصيل القول في معنى الامتهان .
سادساً : صناعة الصّور من الطّين والحلوى وما يسرع إليه الفساد
36 - للمالكيّة قولان في صناعة الصّور الّتي لا تتّخذ للإبقاء ، كالّتي تعمل من العجين وأشهر القولين المنع . وكذا نقلهما العدويّ وقال : إنّ القول بالجواز هو لأصبغ . ومثّل له بما يصنع من عجين أو قشر بطّيخ ، لأنّه إذا نشف تقطّع .
وعند الشّافعيّة : يحرم صنعها ولا يحرم بيعها . ولم نجد عند غيرهم نصّا في ذلك .
سابعاً : صناعة لعب البنات
37 - استثنى أكثر العلماء من تحريم التّصوير وصناعة التّماثيل صناعة لعب البنات .
وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقد نقل القاضي عياض جوازه عن أكثر العلماء ، وتابعه النّوويّ في شرح مسلم ، فقال :" يستثنى من منع تصوير ما له ظلّ ، ومن اتّخاذه لعب البنات ، لما ورد من الرّخصة في ذلك ".
وهذا يعني جوازها ، سواء أكانت اللّعب على هيئة تمثال إنسان أو حيوان ، مجسّمة أو غير مجسّمة ، وسواء أكان له نظير في الحيوانات أم لا ، كفرس له جناحان .
وقد اشترط الحنابلة للجواز أن تكون مقطوعة الرّءوس ، أو ناقصة عضو لا تبقى الحياة بدونه . وسائر العلماء على عدم اشتراط ذلك .
38 - واستدلّ الجمهور لهذا الاستثناء بحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « كنت ألعب بالبنات عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي ، فكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمّعن منه ، فيسرّبهنّ إليّ ، فيلعبن معي » .
وفي رواية قالت : « قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر ، وفي سهوتها ستر ، فهبّت ريح ، فكشفت ناحية السّتر عن بنات لعائشة لعب ، فقال : ما هذا يا عائشة ؟ قالت : بناتي . ورأى بينهنّ فرساً لها جناحان من رقاع ، فقال : ما هذا الّذي أرى وسطهنّ ؟ قالت : فرس . قال : وما هذا الّذي عليه ؟ قالت : جناحان . فقال : فرس له جناحان ؟ قالت : أما سمعت أنّ لسليمان خيلاً لها أجنحة ؟ قالت : فضحك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتّى رأيت نواجذه » . وقد علّل المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة هذا الاستثناء لصناعة اللّعب بالحاجة إلى تدريبهنّ على أمر تربية الأولاد .
وهذا التّعليل يظهر فيما لو كانت اللّعب على هيئة إنسان ، ولا يظهر في أمر الفرس الّذي له جناحان ، ولذا علّل الحليميّ بذلك وبغيره ، وهذا نصّ كلامه ، قال : للصّبايا في ذلك فائدتان : إحداهما عاجلة والأخرى آجلة . فأمّا العاجلة ، فالاستئناس الّذي في الصّبيان من معادن النّشوء والنّموّ . فإنّ الصّبيّ إن كان أنعم حالاً وأطيب نفساً وأشرح صدراً كان أقوى وأحسن نموّاً ، وذلك لأنّ السّرور يبسط القلب ، وفي انبساطه انبساط الرّوح ، وانتشاره في البدن ، وقوّة أثره في الأعضاء والجوارح . وأمّا الآجلة فإنّهنّ سيعلمن من ذلك معالجة الصّبيان وحبّهم والشّفقة عليهم ، ويلزم ذلك طبائعهنّ ، حتّى إذا كبرن وعاين لأنفسهنّ ما كنّ تسرّين به من الأولاد كنّ لهم بالحقّ كما كنّ لتلك الأشباه بالباطل . هذا وقد نقل ابن حجر في الفتح عن البعض دعوى أنّ صناعة اللّعب محرّمة ، وأنّ جوازها كان أوّلاً ، ثمّ نسخ بعموم النّهي عن التّصوير . ويردّه أنّ دعوى النّسخ معارضة بمثلها ، وأنّه قد يكون الإذن باللّعب لاحقاً . على أنّ في حديث عائشة رضي الله عنها في اللّعب ما يدلّ على تأخّره ، فإنّ فيه أنّ ذلك كان عند رجوع النّبيّ صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك ، فالظّاهر أنّه كان متأخّراً .