عرض مشاركة واحدة
  #280  
قديم 05-19-2012, 07:24 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - تشريك عبادتين في نيّة :
5 - إن أشرك عبادتين في النّيّة ، فإن كان مبناهما على التّداخل كغسلي الجمعة والجنابة ، أو الجنابة والحيض ، أو غسل الجمعة والعيد ، أو كانت إحداهما غير مقصودة كتحيّة المسجد مع فرض أو سنّة أخرى ، فلا يقدح ذلك في العبادة ، لأنّ مبنى الطّهارة على التّداخل ، والتّحيّة وأمثالها غير مقصودة بذاتها ، بل المقصود شغل المكان بالصّلاة ، فيندرج في غيره . أمّا التّشريك بين عبادتين مقصودتين بذاتها كالظّهر وراتبته ، فلا يصحّ تشريكهما في نيّة واحدة ، لأنّهما عبادتان مستقلّتان لا تندرج إحداهما في الأخرى .
وانظر أيضا مصطلح : ( نيّة ) .
ج - التّشريك في المبيع :
6 - يجوز التّشريك في العقد ، كأن يقول المشتري لعالم بالثّمن : أشركتك في هذا المبيع ويقبل الآخر ، وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء فإن أشركه في قدر معلوم كالنّصف والرّبع فله ذلك في المبيع ، وإن أطلق فله النّصف ، لأنّ الشّركة المطلقة تقتضي المساواة ، وهو كالبيع والتّولية في أحكامه وشروطه .
د - التّشريك بين نسوة في طَلْقة :
7 - إذا قال لنسائه الأربع : أوقعت عليكنّ طلقة وقع على كلّ واحدة طلقة ، لأنّ الطّلقة لا تتجزّأ .
ولو قال : طلقتين أو ثلاثاً أو أربعاً ، وقع على كلّ واحدة طلقة فقط ، إلا أن يريد توزيع كلّ طلقة عليهنّ ، فيقع في " طلقتين " على كلّ واحدة طلقتان ، وفي " ثلاث وأربع " ، ثلاث .

تشميت *
1 - من معاني التّشميت لغة : الدّعاء بالخير والبركة . وكلّ داع لأحد بخير فهو مُشَمِّت ومسمّت بالشّين والسّين ، والشّين أعلى وأفشى في كلامهم . وكلّ دعاء بخير فهو تشميت . وفي حديث« تزويج عليّ بفاطمة رضي الله عنهما : شمّت عليهما » : أي دعا لهما بالبركة. وفي حديث العطاس : « فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر » . فالتّشميت والتّسميت : الدّعاء بالخير والبركة . وتشميت العاطس أو تَسْمِيته : أن يقول له متى كان مسلما : يرحمك اللّه . وهو لا يخرج في الاصطلاح الفقهيّ عن هذا المعنى .
الحكم التّكليفيّ :
2 - اتّفق العلماء على أنّه يشرع للعاطس عقب عطاسه أن يحمد اللّه ، فيقول : الحمد للّه ، ولو زاد : ربّ العالمين كان أحسن كفعل ابن مسعود . ولو قال : الحمد للّه على كلّ حال كان أفضل كفعل ابن عمر . وقيل يقول : الحمد للّه حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه ، كفعل غيرهما . وروى أحمد والنّسائيّ من حديث سالم بن عبيد مرفوعا « إذا عَطَس أحدكم فليقل : الحمد للّه على كلّ حال أو الحمد للّه ربّ العالمين » وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه على كلّ حال » ومتى حمد اللّه بعد عطسته كان حقّا على من سمعه من إخوانه المسلمين غير المصلّين أن يشمّته " يرحمك اللّه " فقد روى البخاريّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فحقّ على كلّ مسلم سمعه أن يقول : يرحمك اللّه » .
وفي صحيح البخاريّ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إذا عطس أحدكم فليقل : الحمد للّه . وليقل له أخوه أو صاحبه : يرحمك اللّه . فإذا قال له : يرحمك اللّه فليقل : يهديكم اللّه ويصلح بالكم » .
وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « حقّ المسلم على المسلم خمس : ردّ السّلام ، وعيادة المريض واتّباع الجنائز ، وإجابة الدّعوة ، وتشميت العاطس » وفي رواية لمسلم « حقّ المسلم على المسلم ستّ : إذا لقيته فسلّم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك فانصح له ، وإذا عطس فحمد اللّه تعالى فشمّته ، وإذا مرض فعده ، وإذا مات فاتّبعه » . وإن لم يحمد اللّه بعد عطسته فلا يشمّت . فعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه مرفوعاً « إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، فإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
وعن أنس رضي الله عنه قال : « عطس رجلان عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشمّت أحدهما ولم يشمّت الآخر . فقال الّذي لم يشمّته : عطس فلان فَشَمّتَّه ، وعطست فلم تشمّتني فقال : إنّ هذا حمد اللّه تعالى ، وإنّك لم تحمد اللّه تعالى » وهذا الحكم عامّ وليس مخصوصا بالرّجل الّذي وقع له ذلك . يؤيّد العموم ما جاء في حديث أبي موسى
« إذا عطس أحدكم فحمد اللّه فشمّتوه ، وإن لم يحمد اللّه فلا تشمّتوه » .
فالتّشميت قد شرع لمن حمد اللّه دون من لم يحمده ، فإذا عرف السّامع أنّ العاطس حمد اللّه بعد عطسته شمّته ، كأن سمعه يحمد اللّه ، وإن سمع العطسة ولم يسمعه يحمد اللّه ، بل سمع من شمّت ذلك العاطس ، فإنّه يشرع له التّشميت لعموم الأمر به لمن عطس فحمد ، وقال النّوويّ المختار أنّه يشمّته من سمعه دون غيره .
وهذا التّشميت سنّة عند الشّافعيّة . وفي قول للحنابلة وعند الحنفيّة هو واجب .
وقال المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة بوجوبه على الكفاية . ونقل عن البيان أنّ الأشهر أنّه فرض عين ، لحديث « كان حقّا على كلّ مسلم سمعه أن يقول له : يرحمك اللّه » .
فإن عطس ولم يحمد اللّه نسيانا استحبّ لمن حضره أن يذكّره الحمد ليحمد فيشمّته .
وقد ثبت ذلك عن إبراهيم النّخعيّ .
3 - ويندب للعاطس أن يردّ على من شمّته : فيقول له : يغفر اللّه لنا ولكم ، أو يهديكم اللّه ويصلح بالكم ، وقيل : يجمع بينهما ، فيقول : يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر لنا ولكم . فقد روي عن ابن عمر أنّه كان إذا عطس فقيل له : يرحمك اللّه . قال :" يرحمنا اللّه وإيّاكم ويغفر اللّه لنا ولكم ". قال ابن أبي جمرة : في الحديث دليل على عظيم نعمة اللّه على العاطس . يؤخذ ذلك ممّا رتّب عليه من الخير . وفيه إشارة إلى عظيم فضل اللّه على عبده . فإنّه أذهب عنه الضّرر بنعمة العطس ، ثمّ شرع له الحمد الّذي يثاب عليه ، ثمّ الدّعاء بالخير بعد الدّعاء بالخير وشرع هذه النّعم المتواليات في زمن يسير فضلا منه وإحساناً .
فإذا قيل للعاطس : يرحمك اللّه ، فمعناه : جعل اللّه لك ذلك لتدوم لك السّلامة ، وفيه إشارة إلى تنبيه العاطس على طلب الرّحمة والتّوبة من الذّنب ، ومن ثَمَّ شرع به الجواب بقوله : غفر اللّه لنا ولكم وقوله : ويصلح بالكم أي شأنكم . وقوله تعالى : { سَيَهْدِيهمْ وَيُصْلِحُ بَالَهمْ } أي شأنهم . وهذا ما لم يكن في صلاته أو خلائه .
ما ينبغي للعاطس مراعاته :
4 - من آداب العاطس : أن يخفض بالعطس صوته ويرفعه بالحمد . وأن يغطّي وجهه لئلّا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه . ولا يلوي عنقه يميناً ولا شمالاً لئلا يتضرّر بذلك . قال ابن العربيّ : الحكمة في خفض الصّوت بالعطاس : أنّ رفعه إزعاجاً للأعضاء .
وفي تغطية الوجه : أنّه لو بدر منه شيء آذى جليسه . ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه ، وخفض أو غضّ بها صوته » .
حكمة مشروعيّة التّشميت :
5 - قال ابن دقيق العيد : من فوائد التّشميت تحصيل المودّة ، والتّأليف بين المسلمين ، وتأديب العاطس بكسر النّفس عن الكبر ، والحمل على التّواضع لما في ذكر الرّحمة من الإشعار بالذّنب الّذي لا يعرى عنه أكثر المكلّفين .
التّشميت أثناء الخطبة :
6 - كره الحنفيّة والمالكيّة التّشميت أثناء الخطبة ، وعند الشّافعيّة في الجديد : أنّ الكلام عند الخطبة لا يحرم ، ويسنّ الإنصات ، ولا فرق في ذلك بين التّشميت وغيره ، واستدلّ بما روى أنس رضي الله عنه قال : « دخل رجل والنّبيّ صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال : متى السّاعة ؟ فأشار النّاس إليه أن اسكت فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند الثّالثة : ما أعددت لها ؟ قال : حبَّ اللّه ورسوله قال : إنّك مع من أحببتَ » وإذ جاز هذا في الخطبة جاز تشميت العاطس أثناءها .
وعند المالكيّة ، وهو القديم عند الشّافعيّة : أنّ الإنصات لسماع الخطبة واجب . لما روى جابر رضي الله عنه قال : « دخل ابن مسعود رضي الله عنه والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبيّ رضي الله عنه فسأله عن شيء فلم يردّ عليه ، فسكت حتّى صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له : ما منعك أن تردّ عليّ ؟ فقال : إنّك لم تشهد معنا الجمعة . قال : ولم ؟ قال : لأنّك تكلّمت والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقام ابن مسعود فدخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ، فقال : صدق أبيّ » وإذا كان الإنصات واجباً كان ما خالفه من تشميت العاطس أثناء الخطبة حراما . وللحنابلة روايتان : إحداهما : الجواز مطلقا أخذاً من قول الأثرم : سمعت أبا عبد اللّه أي الإمام أحمد - سئل : يردّ الرّجل السّلام يوم الجمعة ؟ فقال : نعم . قال : ويشمّت العاطس ؟ فقال : نعم . والإمام يخطب . وقال أبو عبد اللّه قد فعله غير واحد . قال ذلك غير مرّة ، وممّن رخّص في ذلك الحسن والشّعبيّ والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ وإسحاق .
والثّانية : إن كان لا يسمع الخطبة شمّت العاطس ، وإن كان يسمع لم يفعل ، قال أبو طالب : قال أحمد : إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت ولا تقرأ ولا تشمّت ، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمّت وردّ السّلام . وقال أبو داود : قلت لأحمد : يردّ السّلام والإمام يخطب ويشمّت العاطس ؟ قال : إذا كان ليس يسمع الخطبة فيردّ ، وإذا كان يسمع فلا لقول اللّه تعالى :
{ فَاسْتَمِعُوا لَه وأَنْصِتُوا } وروي نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما .
تشميت مَنْ في الخلاء لقضاء حاجته :
7 - يكره لمن في الخلاء لقضاء حاجته أن يشمّت عاطساً سمع عطسته .
بذلك قال فقهاء المذاهب الأربعة . كما كرهوا له إن عطس في خلائه أن يحمد اللّه بلسانه ، وأجازوا له ذلك في نفسه دون أن يحرّك به لسانه . وعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلّمت عليه ، فلم يردّ حتّى توضّأ ، ثمّ اعتذر إليّ وقال : إنّي كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلا على طهر أو قال : على طهارة »
تشميت المرأة الأجنبيّة للرّجل والعكس :
8 - إن كانت المرأة شابّة يخشى الافتنان بها كره لها أن تشمّت الرّجل إذا عطس ، كما يكره لها أن تردّ على مشمّت لها لو عطست هي . بخلاف لو كانت عجوزاً ولا تميل إليها النّفوس فإنّها تشمّت وتشمّت متى حمدت اللّه ، بذلك قال المالكيّة ومثلهم في ذلك الحنابلة . جاء في الآداب الشّرعيّة لابن مفلح عن ابن تميم : لا يشمّت الرّجل الشّابّة ولا تشمّته .
وقال السّامريّ : يكره أن يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ولا يكره ذلك للعجوز .
وقال ابن الجوزيّ : وقد روينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه كان عنده رجل من العبّاد فعطست امرأة أحمد ، فقال لها العابد : يرحمك اللّه . فقال أحمد رحمه الله . عابد جاهل . وقال حرب : قلت لأحمد : الرّجل يشمّت المرأة إذا عطست ؟ فقال : إن أراد أن يستنطقها ليسمع كلامها فلا ، لأنّ الكلام فتنة ، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمّتهنّ .
وقال أبو طالب : إنّه سأل أبا عبد اللّه : يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ؟ قال : نعم قد شمّت أبو موسى امرأته. قلت : فإن كانت امرأة تمرّ أو جالسة فعطست أشمّتها ؟ قال : نعم. وقال القاضي : ويشمّت الرّجل المرأة البرزة ويكره للشّابّة . وقال ابن عقيل : يشمّت المرأة البرزة وتشمّته ولا يشمّت الشّابّة ولا تشمّته ، وقال الشّيخ عبد القادر : يجوز للرّجل تشميت المرأة البرزة والعجوز ، ويكره للشّابّة ، وفي هذا تفريق بين الشّابّة وغيرها .
وعند الحنفيّة ذكر صاحب الذّخيرة : أنّه إذا عطس الرّجل فشمّتته المرأة ، فإن عجوزاً ردّ عليها وإلا ردّ في نفسه . قال ابن عابدين : وكذا لو عطست هي كما في الخلاصة .
تشميت المسلم للكافر :
9 - لو عطس كافر وحمد اللّه عقيب عطاسه وسمعه مسلم كان عليه أن يشمّته بقوله : هداك اللّه أو عافاك اللّه ، فقد أخرج أبو داود من حديث أبي موسى الأشعريّ قال : « كانت اليهود يتعاطسون عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجاء أن يقول يرحمكم اللّه ، فكان يقول : يهديكم اللّه ويصلح بالكم » . وفي قوله : يهديكم اللّه ويصلح بالكم . تعريض لهم بالإسلام : أي اهتدوا وآمنوا يصلح اللّه بالكم . فلهم تشميت مخصوص ، وهو الدّعاء لهم بالهداية وإصلاح البال . بخلاف تشميت المسلمين ، فإنّهم أهل للدّعاء بالرّحمة بخلاف الكفّار . وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « اجتمع اليهود والمسلمون فعطس النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشمّته الفريقان جميعاً ، فقال للمسلمين يغفر اللّه لكم ويرحمنا وإيّاكم . وقال لليهود : يهديكم اللّه ويصلح بالكم »
تشميت المصلّي غيره :
10 - من كان في الصّلاة وسمع عاطسا حمد اللّه عقب عطاسه فشمّته بطلت صلاته ، لأنّ تشميته له بقوله : يرحمك اللّه يجري في مخاطبات النّاس ، فكان من كلامهم ، فقد روي عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال « : بينا أنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الصّلاة إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك اللّه ، فحدّقني القوم بأبصارهم ، فقلت : واثكل أُمّاه ، ما لكم تنظرون إليّ ؟ فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم ، فلمّا انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعاني بأبي وأمّي هو ، ما رأيتُ معلّماً أحسن تعليماً منه ، واللّه ما ضربني صلى الله عليه وسلم ولا كهرني ثمّ قال : إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميّين ، إنّما هي التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن » .
هذا قول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والمشهور عند الشّافعيّة ، وإن كان تعبير الحنفيّة بالفساد وتعبير غيرهم بالبطلان ، إلّا أنّ البطلان والفساد في ذلك بمعنى .
فإن عطس هو في صلاته فحمد اللّه وشمّت نفسه في نفسه دون أن يحرّك بذلك لسانه بأن قال : يرحمك اللّه يا نفسي لا تفسد صلاته ، لأنّه لمّا لم يكن خطابا لغيره لم يعتبر من كلام النّاس كما إذا قال : يرحمني اللّه . قال به الحنفيّة والحنابلة المالكيّة .
تشميت العاطس فوق ثلاث :
11 - من تكرّر عطاسه فزاد على الثّلاث فإنّه لا يشمّت فيما زاد عنها ، إذ هو بما زاد عنها مزكوم . فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه : « شمّت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجلاً عطس مرّتين بقوله : يرحمك اللّه ثمّ قال عنه في الثّالثة : هذا رجل مزكوم » .
وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشّافعيّة أنّه قال : يكرّر التّشميت إذا تكرّر العطاس ، إلا أن يعرف أنّه مزكوم فيدعو له بالشّفاء . وعند هذا سقط الأمر بالتّشميت عند العلم بالزّكام ، لأنّ التّعليل به يقتضي أن لا يشمّت من علم أنّ به زكاماً أصلاً ، لكونه مرضاً ، وليس عطاساً محموداً ناشئاً عن خفّة البدن وانفتاح المسامّ وعدم الغاية في الشّبع .

تشمير *
التّعريف :
1 - للتّشمير في اللّغة معان : منها : الرّفع يقال : شمّر الإزار والثّوب تشميراً : إذا رفعه ، ويقال : شمّر عن ساقه ، وشمّر في أمره : أي خفّ فيه وأسرع ، وشمّر الشّيء فتشمّر : قلّصه فتقلّص ، وتشمّر أي : تهيّأ . وفي الاصطلاح لا يخرج عن معنى رفع الثّوب .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - السّدل :
2 - من معاني السّدل في اللّغة : إرخاء الثّوب . يقال : سدلت الثّوب سدلاً : إذا أرخيته وأرسلته من غير ضمّ جانبيه .
وسدل الثّوب يسدله ويسدله سدلاً ، وأسدله : أرخاه وأرسله . وعن عليّ رضي الله عنه :" أنّه خرج فرأى قوما يصلّون قد سدلوا ثيابهم ، فقال : كأنّهم اليهود خرجوا من فهورهم "
واصطلاحا : أن يجعل الشّخص ثوبه على رأسه ، أو على كتفيه ، ويرسل أطرافه من جوانبه من غير أن يضمّها ، أو يردّ أحد طرفيه على الكتف الأخرى .
وهو في الصّلاة مكروه بالاتّفاق . لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن السّدل في الصّلاة . . » .
ب - الإسبال :
3 - الإسبال في اللّغة : الإرخاء والإطالة . يقال : أسبل إزاره : إذا أرخاه . وأسبل فلان ثيابه : إذا طوّلها وأرسلها إلى الأرض ، وفي الحديث : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكّيهم . قال : قلت : ومن هم ؟ خابوا وخسروا . فأعادها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرّات : المسبل ، والمنّان ، والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب » قال ابن الأعرابيّ وغيره : المسبل : الّذي يطوّل ثوبه ويرسله إلى الأرض إذا مشى ، وإنّما يفعل ذلك كبرا واختيالا .
وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا المعنى .
وحكمه الكراهة ، لما روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر اللّه إليه » وعن ابن مسعود قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من اللّه جلّ ذكره في حلّ ولا حرام » .
وحديث أبي سعيد الخدريّ يرفعه « لا ينظر اللّه يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطراً » . وللتّفصيل ر : ( صلاة - عورة - إسبال ) .
الحكم الإجماليّ :
4 - التّشمير في الصّلاة مكروه اتّفاقاً ، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن كفّ الثّياب والشّعر » . إلا أنّ المالكيّة قالوا بكراهته فيها إذا كان فعله لأجلها .
وأمّا فعله خارجها ، أو فيها لا لأجلها ، فلا كراهة فيه . ومثل ذلك عندهم تشمير الذّيل عن السّاق : فإن فعله لأجل شغل ، فحضرت الصّلاة ، فصلّى وهو كذلك فلا كراهة .
وظاهر المدوّنة أنّه سواء عاد لشغله ، أم لا . وحملها الشّبيبيّ على ما إذا عاد لشغله ، وصوّبه ابن ناجي . وللتّفصيل ر : ( صلاة ، عورة ، لباس ) .

تشهّد *
التّعريف :
1 - التّشهّد في اللّغة : مصدر تشهّد ، أي : تكلّم بالشّهادتين .
ويطلق في اصطلاح الفقهاء على قول كلمة التّوحيد ، وعلى التّشهّد في الصّلاة ، وهي قراءة : التّحيّات للّه . . إلى آخره في الصّلاة . وصرّح ابن عابدين نقلا عن الحلية : أنّ التّشهّد اسم لمجموع الكلمات المرويّة عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره . سمّي به لاشتماله على الشّهادتين . من باب تسمية الشّيء باسم جزئه .
الحكم الإجماليّ :
2 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ ، والمالكيّة في قول ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أنّ التّشهّد واجب في القعدة الّتي لا يعقبها السّلام ، لأنّه يجب بتركه سجود السّهو .
ويرى الحنفيّة في قول ، والمالكيّة في المذهب ، والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية : سنّيّة التّشهّد في هذه القعدة ، لأنّه يسقط بالسّهو فأشبه السّنن .
وأمّا التّشهّد في القعدة الأخيرة في الصّلاة فواجب عند الحنفيّة ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابيّ : « إذا رفعت رأسك من آخر سجدة ، وقعدت قدر التّشهّد ، فقد تَمَّتْ صلاتُك » علّق التّمام بالقعدة دون التّشهّد ، فالفرض عند الحنفيّة في هذه القعدة هو الجلوس فقط ، أمّا التّشهّد فواجب ، يجبر بسجود السّهو إن ترك سهوا ، وتكره الصّلاة بتركه تحريما ، فتجب إعادتها . والمذهب عند المالكيّة أنّه سنّة ، وفي قول واجب .
ويرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه ركن من أركان الصّلاة ، وهذا ما يسمّيه بعضهم فرضاً أو واجباً وبعضهم ركناً ، تشبيها له بركن البيت الّذي لا يقوم إلا به .
وفي الفرق بين الفرض والواجب عند الحنفيّة ، ومعنى الوجوب عند غيرهم تفصيل يرجع فيه إلى مظانّه في كتب الفقه والأصول . وانظر أيضا : ( فرض ، وواجب ) .
ألفاظ التّشهّد :
3 - يرى الحنفيّة والحنابلة أنّ أفضل التّشهّد ، التّشهّد الّذي علّمه النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعبد اللّه بن مسعود رضي الله عنهما ، وهو : « التّحيّات للّه ، والصّلوات والطّيّبات ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله » .
ووجه اختيارهم لهذه الرّواية ما روي : أنّ حمّاداً أخذ بيد أبي حنيفة وعلّمه التّشهّد ، وقال أخذ إبراهيم النّخعيّ بيديّ وعلّمني ، وأخذ علقمة بيد إبراهيم وعلّمه ، وأخذ عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه بيد علقمة وعلّمه ، « وأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيد عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه وعلّمه التّشهّد فقال : قل : التّحيّات للّه . . . » إلى آخره . ويؤيّده ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : « علّمني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التّشهّد - كفّي بين كفّيه - كما يعلّمني سورة من القرآن ، التّحيّات للّه . . . » .
لأنّ فيه زيادة واو العطف ، وإنّه يوجب تعدّد الثّناء ، لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه ، وبه يقول : الثّوريّ ، وإسحاق ، وأبو ثور .
ويرى المالكيّة أنّ أفضل التّشهّد تشهّد عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وهو : التّحيّات للّه ، الزّاكيات للّه ، الطّيّبات الصّلوات للّه ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله . وهذا لأنّ عمر رضي الله عنه قاله على المنبر ، فلم ينكروه ، فجرى مجرى الخبر المتواتر ، وكان أيضاً إجماعاً .
وأمّا الشّافعيّة فأفضل التّشهّد عندهم ما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعلّمنا التّشهّد ، كما يعلّمنا السّورة من القرآن ، فيقول : قولوا : التّحيّات المباركات ، الصّلوات الطّيّبات للّه ، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته ، السّلام علينا وعلى عباد اللّه الصّالحين ، أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه » . أخرجه مسلم والتّرمذيّ ، إلا أنّه في رواية مسلم « وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله » . والخلاف بين الأئمّة هنا خلاف في الأولويّة ، فبأيّ تشهّد تشهّد ممّا صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم جاز . ومن النّاس من اختار تشهّد أبي موسى الأشعريّ ، وهو أن يقول : التّحيّات للّه ، الطّيّبات ، والصّلوات للّه . . . والباقي كتشهّد ابن مسعود وذكر ابن عابدين أنّ المصلّي يقصد بألفاظ التّشهّد معانيها ، مرادة له على وجه الإنشاء ، كأنّه يحيّي اللّه تعالى ويسلّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه والأولياء ، ولا يقصد الإخبار والحكاية عمّا وقع في المعراج منه صلى الله عليه وسلم ومن ربّه سبحانه وتعالى ومن الملائكة .
الزّيادة والنّقصان في ألفاظ التّشهّد والتّرتيب بينها :
4 - اختلفت أقوال الفقهاء في هذه المسألة على النّحو الآتي :
ذهب الحنفيّة إلى أنّه يكره تحريما أن يزيد في التّشهّد حرفا ، أو يبتدئ بحرف قبل حرف . قال أبو حنيفة : ولو نقص من تشهّده أو زاد فيه . كان مكروها ، لأنّ أذكار الصّلاة محصورة ، فلا يزاد عليها . ثمّ أضاف ابن عابدين قائلا : والكراهة عند الإطلاق للتّحريم . ويكره كذلك عند المالكيّة الزّيادة على التّشهّد ، واختلفوا في ترك بعض التّشهّد ، فالظّاهر من كلام بعض شيوخهم عدم حصول السّنّة ببعض التّشهّد ، خلافا لابن ناجي في كفاية بعضه ، قياسا على السّورة .
وأمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا الكلام ، وقالوا : إنّ لفظ المباركات والصّلوات ، والطّيّبات والزّاكيات سنّة ليس بشرط في التّشهّد ، فلو حذف كلّها واقتصر على الباقي أجزأه من غير خلاف عندهم . وأمّا لفظ : السّلام عليك . . . إلخ فواجب لا يجوز حذف شيء منه ، إلّا لفظ ورحمة اللّه وبركاته . وفي هذين اللّفظين ثلاثة أوجه : أصحّها عدم جواز حذفهما .
والثّاني : جواز حذفهما . والثّالث : يجوز حذف وبركاته ، دون رحمة اللّه " .
وكذلك التّرتيب بين ألفاظها مستحبّ عندهم على الصّحيح من المذهب ، فلو قدّم بعضه على بعض جاز ، وفي وجه لا يجوز كألفاظ الفاتحة .
والحنابلة يرون أنّه إذا أسقط لفظة هي ساقطة في بضع التّشهّدات المرويّة صحّ تشهّده في الأصحّ . وفي رواية أخرى : لو ترك واوا أو حرفا أعاد الصّلاة ، لقول الأسود : فكنّا نتحفّظه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كما نتحفّظ حروف القرآن .
الجلوس في التّشهّد :
5 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول الطّحاويّ والكرخيّ من الحنفيّة إلى : أنّ الجلوس في التّشهّد الأوّل سنّة .
والأصحّ عند الحنفيّة - وهو وجه عند الحنابلة - أنّه واجب .
وأمّا في التّشهّد الثّاني فالجلوس بقدر التّشهّد ركن عند الأربعة ، وهو ما عبّر عنه الحنفيّة بالفرضيّة ، وغيرهم تارة بالوجوب وتارة بالفرضيّة .
وأمّا هيئة الجلوس في التّشهّد ، فتفصيله في مصطلح : ( جلوس ) .
التّشهّد بغير العربيّة :
6 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز التّشهّد بغير العربيّة للعاجز ، واختلفوا فيه للقادر عليها . والتّفصيل في مصطلح : ( ترجمة ) .
الإسرار في التّشهّد :
7 - السّنّة في التّشهّد الإسرار ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهر به ، إذ لو جهر به لنقل كما نقلت القراءة ، وقال عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه « من السّنّة إخفاء التّشهّد » . قال صاحب المغني : ولا نعلم في هذا خلافاً .
ما يترتّب على ترك التّشهّد :
8 - لا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة سجدة السّهو بترك التّشهّد في القعدة الأولى ( قبل الأخيرة ) إن كان تركه سهوا ، على خلاف بينهم في الحكم .
واختلفوا في تركه عمدا : فذهب الحنفيّة ، والحنابلة في قول إلى : وجوب إعادة الصّلاة . ويرى المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة في رواية أخرى ، أنّ على المصلّي أن يسجد للسّهو في هذه الحالة أيضا . وأمّا ترك التّشهّد في القعدة الأخيرة إن كان عمدا : فذهب الحنفيّة والمالكيّة في وجه ، والشّافعيّة والحنابلة إلى وجوب الإعادة . وكذلك إن كان سهوا عند الشّافعيّة والحنابلة . ويرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ عليه سجدة السّهو في هذه الحالة .
وأمّا حكم الرّجوع إلى التّشهّد لمن قام إلى الثّالثة في ثنائيّة أو إلى الرّابعة في ثلاثيّة ، أو إلى خامسة في رباعيّة ، فقد فصّله الفقهاء في كتاب الصّلاة عند الكلام عن سجدة السّهو .
الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد :
9 - يرى جمهور الفقهاء أنّ المصلّي لا يزيد على التّشهّد في القعدة الأولى بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وبهذا قال النّخعيّ والثّوريّ وإسحاق .
وذهب الشّافعيّة في الأظهر من الأقوال إلى استحباب الصّلاة فيها ، وبه قال الشّعبيّ .
وأمّا إذا جلس في آخر صلاته فلا خلاف بين الفقهاء في مشروعيّة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعد التّشهّد . وأمّا صيغة الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في القعدة الأخيرة ، وما روي في ذلك من الأدلّة ، فقد فصّل الفقهاء الكلام عليه في موطنه من كتب الفقه . وانظر أيضا : " الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم " .

تشهير *
التّعريف :
1 - التّشهير في اللّغة مأخوذ من شهّره ، بمعنى : أعلنه وأذاعه ، وشهّر به : أذاع عنه السّوء ، وشهّره تشهيرا فاشتهر . والشّهرة : وضوح الأمر . ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعزير :
2 - التّعزير : التّأديب والإهانة دون الحدّ . وهو أعمّ من التّشهير ، إذ يكون بالتّشهير وبغيره . فالتّشهير نوع من أنواع التّعزير .
ب - السّتر :
3 - السّتر : المنع والتّغطية . وهو ضدّ التّشهير .
الحكم الإجماليّ :
3 - يختلف حكم التّشهير باعتبار من يصدر منه ، وباعتبار المشهّر به . فالتّشهير قد يكون من النّاس بعضهم ببعض ، على جهة العداوة أو الغيبة ، أو على جهة النّصيحة والتّحذير . وقد يكون من الحاكم في الحدود أو في التّعازير . وبيان ذلك فيما يأتي :
أوّلا : تشهير النّاس بعضهم ببعض :
الأصل أنّ تشهير النّاس بعضهم ببعض بذكر عيوبهم والتّنقّص منهم حرام .
وقد يكون مباحاً أو واجباً . وذلك راجع إلى ما يتّصف به المشهّر به .
4 - فيكون حراماً في الأحوال الآتية :
أ - إذا كان المشهّر به بريئا ممّا يشاع عنه ويقال فيه . والأصل في ذلك قوله تعالى : { إنَّ الّذينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الّذينَ آمَنُوا لهمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدّنيا والآخِرةِ واللّهُ يَعْلمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُون } . وقول النّبيّ : « أيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء ، يرى أن يشينه بها في الدّنيا ، كان حقّا على اللّه تعالى أن يرميه بها في النّار . ثمّ تلا مصداقه من كتاب اللّه تعالى : { إنَّ الّذينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ } » .
وقد ذمّ اللّه سبحانه وتعالى الّذين فعلوا ذلك ، وتوعّدهم بالعذاب العظيم ، وذلك في الآيات الّتي نزلت في شأن السّيّدة عائشة رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان بما قالوه من الكذب والافتراء ، وهي قوله تعالى : { إنَّ الّذينَ جَاءوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ . . . } .
وقال ابن كثير في قوله تعالى : { وَالّذينَ يُؤْذُونَ المُؤمنينَ والمؤمنَاتِ بِغَيرِ ما اكْتَسَبُوا فقد احْتَمَلُوا بُهتَاناً وإِثماً مُبِينَاً } أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ، يحكون على المؤمنين والمؤمنات ذلك على سبيل العيب والتّنقّص منهم ، وقد قال رسول اللّه فيه : « أربى الرّبا عند اللّه استحلالُ عِرض امرئ مسلم ثمّ قرأ : { وَالّذينَ يُؤْذُونَ المُؤْمنينَ وَالمُؤْمناتِ } » وقد قيل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللّهُ به » أي من سمّع بعيوب النّاس وأذاعها أظهر اللّه عيوبه .
ومن ذلك : الهجو بالشّعر . قال ابن قدامة : ما كان من الشّعر يتضمّن هجو المسلمين والقدح في أعراضهم فهو محرّم على قائله .
ب - إذا كان المشهّر به يتّصف بما يقال عنه ، ولكنّه لا يجاهر به ، ولا يقع به ضرر على غيره . فالتّشهير به حرام أيضا ، لأنّه يعتبر من الغيبة الّتي نهى اللّه سبحانه وتعالى عنها في قوله : { ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضَاً } . وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْره . قيل : أفرأيتَ إن كان في أخي ما أقولُ ؟ قال : إن كان فيه ما تقولُ فقد اغْتَبْتَه ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه » .
ومن ذلك : قول العالم : قال فلان كذا مريدا التّشنيع عليه . أو قول الإنسان : فعل كذا بعض النّاس ، أو بعض من يدّعي العلم ، أو بعض من ينسب إلى الصّلاح والزّهد ، أو نحو ذلك إذا كان المخاطب يفهمه بعينه ، ونحو ذلك .
ومن المقرّر شرعاً : أنّ السّتر على المسلم واجب لمن ليس معروفاً بالأذى والفساد .
فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَتَرَ مُسْلماً سَتَرَه اللّه عزّ وجلّ يومَ القيامة » قال في شرح مسلم : وهذا السّتر في غير المشتهرين .
وقال ابن العربيّ : إذا رأيت إنساناً على معصية فعظه فيما بينك وبينه ، ولا تفضحه .
ج - ويحرم كذلك تشهير الإنسان بنفسه ، إذ المسلم مطالب بالسّتر على نفسه .
ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « كلُّ أمّتي مُعَافى إلا المجاهرين ، وإنّ من الإجهار أن يعمل العبد باللّيل عملاً ، ثمّ يصبح وقد ستره عليه اللّه ، فيقول : يا فلان ، عملتُ البارحة كذا وكذا . وقد بات يستره اللّه عزّ وجلّ ويصبح يكشف ستر اللّه عزّ وجلّ عنه »
والسّتر واجب على المسلم في خاصّة نفسه إذا أتى فاحشة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه » .
5 - ويكون التّشهير جائزاً لمن يجاهر بالمعصية في الأحوال الآتية :
أ - بالنّسبة لمن يجاهر بالمعصية ، فيجوز ذكر من يتجاهر بفسقه ، لأنّ المجاهر بالفسق لا يستنكف أن يذكر به ، ولا يعتبر هذا غيبة في حقّه ، لأنّ من ألقى جلباب الحياء لا غيبة له. قال القرافيّ : المعلن بالفسوق - كقول امرئ القيس :" فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع "
فإنّه يفتخر بالزّنا في شعره - فلا يضرّ أن يحكى ذلك عنه ، لأنّه لا يتألّم إذا سمعه ، بل قد يسرّ بتلك المخازي ، وكثير من اللّصوص تفتخر بالسّرقة والاقتدار على التّسوّر على الدّور العظام والحصون الكبار ، فذكر مثل هذا عن هذه الطّوائف لا يحرم .
وفي الإكمال في شرح حديث مسلم : « مَنْ سَترَ مسلماً ستره اللّه » قال : وهذا السّتر في غير المشتهرين . وقال الخلال : أخبرني حرب : سمعت أحمد يقول : إذا كان الرّجل معلناً بفسقه فليست له غيبة .
وذكر ابن عبد البرّ في كتاب بهجة المجالس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « ثلاثةٌ لا غِيبة فيهم : الفاسقُ المعلن بفسقه ، وشارب الخمر ، والسّلطان الجائر » .
6 - ب - إذا كان التّشهير على سبيل نصيحة المسلمين وتحذيرهم ، وذلك كجرح الرّواة والشّهود والأمناء على الصّدقات والأوقاف والأيتام ، والتّشهير بالمصنّفين والمتصدّين لإفتاء أو إقراء مع عدم أهليّة ، أو مع نحو فسق أو بدعة يدعون إليها ، وأصحاب الحديث وحملة العلم المقلّدين ، هؤلاء يجب تجريحهم وكشف أحوالهم السّيّئة لمن عرفها ممّن يقلّد في ذلك ويلتفت إلى قوله ، لئلا يغترّ بهم ويقلّد في دين اللّه من لا يجوز تقليده ، وليس السّتر هنا بمرغّب فيه ولا مباح . على هذا اجتمع رأي الأمّة قديماً وحديثاً .
يقول القرافيّ : أرباب البدع والتّصانيف المضلّة ينبغي أن يشهّر النّاس فسادها وعيبها . وأنّهم على غير الصّواب ، ليحذرها النّاس الضّعفاء فلا يقعوا فيها ، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن ، بشرط أن لا يتعدّى فيها الصّدق ، ولا يفتري على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه ، بل يقتصر على ما فيهم من المنفّرات خاصّة ، فلا يقال في المبتدع : إنّه يشرب الخمر ، ولا أنّه يزني ، ولا غير ذلك ممّا ليس فيه .
ويجوز وضع الكتب في جرح المجروحين من رواة الحديث والأخبار بذلك لطلبة العلم الحاملين لذلك لمن ينتفع به وينقله ، بشرط أن تكون النّيّة خالصة للّه تعالى في نصيحة المسلمين في ضبط الشّريعة .
أمّا إذا كان لأجل عداوة أو تَفَكُّهٍ بالأعراض وجرياً مع الهوى فذلك حرام ، وإن حصلت به المصلحة عند الرّواة .
ويقول الخطيب الشّربينيّ : لو قال العالم لجماعة من النّاس : لا تسمعوا الحديث من فلان فإنّه يخلط أو لا تستفتوا منه فإنّه لا يحسن الفتوى فهذا نصح للنّاس . نصّ عليه في الأمّ . قال : وليس هذا بغيبة إن كان يقوله لمن يخاف أن يتبعه ويخطئ باتّباعه . ومثله في الفواكه الدّواني . ويقول النّوويّ : يجوز تحذير المسلمين من الشّرّ ونصيحتهم ، وذلك من وجوه منها : جرح المجروحين من الرّواة للحديث والشّهود ، وذلك جائز بإجماع المسلمين ، بل واجب للحاجة . ومنها : إذا استشارك إنسان في مصاهرته أو مشاركته أو إيداعه أو الإيداع عنده أو معاملته بغير ذلك ،وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه منه على جهة النّصيحة. وفي مغني المحتاج : ينكر على من تصدّى للتّدريس والفتوى والوعظ وليس هو من أهله ، ويشهّر أمره لئلّا يغترّ به .
رد مع اقتباس