عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 05-19-2012, 07:22 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ج - التّسليم بمعنى التّمكين من القبض :
4 - التّسليم ، أو القبض معناه عند الحنفيّة : التّخلية أو التّخلّي ، وهو أن يخلّي البائع بين المبيع والمشتري برفع الحائل بينهما على وجه يتمكّن والمشتري من التّصرّف فيه ، بحيث لا ينازعه فيه غيره ، وهذا يحصل بالتّخلية ، فيجعل البائع مسلّماً للمبيع والمشتري قابضاً له ، فكانت التّخلية تسليماً من البائع ، والتّخلّي قبضاً من المشتري .
وكذا هذا في تسليم الثّمن إلى البائع ، لأنّ التّسليم واجب ، ومن عليه الواجب لا بدّ أن يكون له سبيل الخروج من عهدة ما وجب عليه ، والّذي في وسعه هو التّخلية ورفع الموانع .
والقبض يتمّ بطريق التّخلية ، وهي أن يتمكّن المشتري من المبيع بلا مانع - أي بأن يكون مفرزاً ولا حائل - في حضرة البائع مع الإذن له بالقبض .
فقبض العقار عند الجميع - كالأرض وما فيها من بناء ونخل ونحوهما - يكون بالتّخلية بين المبيع وبين المشتري وتمكينه من التّصرّف فيه ، وذلك بتسليم المفاتيح إن وجدت بشرط الفراغ من الأمتعة ، إن كان شراء العقار للسّكن - عند الحنفيّة والمالكيّة - وقبض المنقول كالأمتعة ، والأنعام والدّوابّ بحسب العرف الجاري بين النّاس عند الإطلاق ، فالثّوب قبضه باحتيازه ، والحيوان بتمشيته من مكانه ، وقبض الموزون بوزنه ، وقبض المكيل بكيله ، إذا بيعا كيلاً ووزناً . وزاد المالكيّة : تفريغه في أوعية المشتري ، حتّى لو هلك قبل التّفريغ في أوعية المشتري كان الضّمان على البائع عندهم .
وهذا : لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا بِعْتَ فَكِلْ ، وإذا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ » وعن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه « نهى عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع وصاع المشتري » .
وإن بيع جزافاً فقبضه نقله عند الحنابلة ، وعند الحنفيّة قبضه بالتّخلية . ( ر : قبض ) .
التّسليم في العقود يشمل ما يلي :
أ - التّسليم في البيع :
5 - التّسليم في البيع يكون بتسليم المبيع والثّمن ،لأنّ المقصود من البيع لا يتحقّق إلاّ بذلك. ومن يجب عليه التّسليم أوّلاً ، يختلف بحسب نوع البدلين ، وهو كالآتي : إن كان البيع بيع عين بعين ، واختلفا فيمن يسلّم أوّلاً ، يجب على العاقدين التّسليم معاً تحقيقاً للمساواة في المعاوضة المقتضية للمساواة عادةً المطلوبة بين العاقدين ، إذ ليس أحدهما بالتّقديم أولى من الآخر ، فيجعل بينهما عدل يقبض من كلّ منهما ويسلّم الآخر .
والحكم كذلك إن تبايعا ديناً بدين ، كما في عقد الصّرف ، وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وأحد قولي الشّافعيّة . وإن كان بيع عين بدين ، فيجب على المشتري عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو القول الثّاني عند الشّافعيّة تسليم الثّمن - أي الدّين أوّلاً -
والمذهب عند الشّافعيّة والحنابلة : وجوب تسليم المبيع أوّلاً ، واستثنى الجميع من ذلك أمرين : أوّلهما : السّلم فيه لأنّه دين مؤجّل .
والثّاني : الثّمن المؤجّل ، فإن كان عيناً أو عرضاً بعرض جعل بينهما عدل - عند الجمهور - ، فيقبض منهما ، ثمّ يسلّم إليهما ، وهذا قول الثّوريّ وأحد قولي الشّافعيّ ، لأنّ تسليم المبيع يتعلّق به استقرار البيع ، وتمامه فكان تقديمه أولى ، سيّما مع تعلّق الحكم بعينه ، وتعلّق حقّ البائع بالذّمّة ، وتقديم ما يتعلّق بالعين أولى لتأكّده .
ومذهب الحنفيّة أنّهما يسلّمان معاً .
ب - تسليم المعقود عليه في الرّبويّات :
6 - تسليم المعقود عليه في الرّبويّات حرام ، لأنّ عقد الرّبا حرام .
والتّفصيل في مصطلح : ( رباً ) .
ت - التّسليم في السّلم :
7 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ الثّمن في السّلم إن كان ديناً في الذّمّة - سواء أكان عيناً ( سلعةً معيّنةً ) أم نقوداً - فلا بدّ من تسليمه في مجلس العقد قبل التّفرّق ، ولو طال المجلس . وإذا قاما من المجلس يمشيان ، ثمّ قبض المسلم إليه رأس السّلم بعد مسافة ، فإنّه يصحّ إن لم يتفرّقا . وكذا إذا تعاقدا ثمّ قام ربّ السّلم - المشتري - ليحضر الثّمن من داره ، فإن لم يغب شخصه عن المسلم إليه - البائع - يصحّ وإلاّ فلا ، لأنّ المسلم فيه دين في الذّمّة ، فلو أخّر تسليم رأس مال السّلم عن مجلس العقد لكان التّسليم في معنى مبادلة الدّين بالدّين ، وقد « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ » ولأنّ تسمية هذا العقد دليل على هذا الشّرط ، فإنّه يسمّى سلماً وسلفاً ، والسّلم ينبئ عن التّسليم ، والسّلف ينبئ عن التّقدّم ، فيقتضي لزوم تقديم رأس المال ، ويقدّم قبضه على قبض المسلم فيه ، ولأنّ في السّلم غرراً - أي تعريضاً للهلاك أو على خطر الوجود - فلا يضمّ إليه غرر تأخير رأس المال .
وقال الحنابلة : يقوم مقام القبض ما كان في معناه ، كما إذا كان عند المسلم إليه أمانة أو عين مغصوبة ، فإنّه يصحّ أن يجعلها صاحب السّلم رأس مال ما دامت ملكاً له ، لأنّ ذلك في معنى القبض .
واشترط الشّافعيّة أن يكون قبض رأس المال في المجلس قبضاً حقيقيّاً ، فلا تنفع فيه الحوالة ، ولو قبضه من المحال عليه في المجلس ، لأنّ المحال عليه ما دفعه عن نفسه إلاّ إذا قبضه ربّ السّلم وسلّمه بنفسه للمسلم إليه .
ومذهب المالكيّة اشتراط قبض رأس المال كلّه ، ويجوز تأخير قبضه إلى ثلاثة أيّام فأقلّ ، ولو بشرط في العقد سواء أكان رأس المال عيناً أو ديناً ، لأنّ السّلم معاوضة لا يخرج بتأخير قبض رأس المال عن أن يكون سلماً ، فأشبه ما لو تأخّر إلى آخر المجلس ، وكلّ ما قارب الشّيء يعطى حكمه ، ولا يكون له بذلك حكم الكالئ ، فإن أخّر رأس المال عن ثلاثة أيّام : فإن كان التّأخير بشرط فسد السّلم اتّفاقاً ، سواء أكان التّأخير كثيراً جدّاً ، بأن حلّ أجل المسلم فيه ، أو لم يكثر جدّاً بأن لم يحلّ أجله . وإن كان التّأخير بلا شرط فقولان في المدوّنة الكبرى لمالك بفساد السّلم وعدم فساده ، سواء أكان التّأخير كثيراً جدّاً أم لا . والمعتمد الفساد بالزّيادة عن الثّلاثة الأيّام ولو قلّت مدّة الزّيادة بغير شرط . ( ر : سلم ) .
ث - قبض المرهون :
8 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ القبض شرط في الرّهن ، واختلفوا في تحديد نوع الشّرط . هل هو شرط لزوم أو شرط تمام ؟ فقال جمهور الفقهاء : القبض ليس شرط صحّة ، وإنّما هو شرط لزوم الرّهن ، فلا يتمّ الرّهن إلاّ بالقبض لقوله تعالى : { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فقد علّقه سبحانه وتعالى بالقبض ، فلا يتمّ إلاّ به .
وقال المالكيّة : لا يتمّ الرّهن إلاّ بالقبض ، أو الحوز ، وهو شرط تمام وليس شرط صحّة أو لزوم ، فإذا عقد الرّهن بالقول ( الإيجاب والقبول ) لزم العقد ، وأجبر الرّاهن على إقباضه للمرتهن بالمطالبة به ، فإن تراضى المرتهن في المطالبة به ، أو رضي بتركه في يد الرّاهن بطل الرّهن . ودليلهم قياس الرّهن على سائر العقود الماليّة اللازمة بالقول .
لقوله تعالى : { أَوْفُوا بِالعُقُودِ } ، والرّهن عقد فيجب الوفاء به . ( ر : رهن ) .
ج - تسليم المرهون :
9 - للمرتهن عند جمهور الفقهاء - ما عدا الشّافعيّة - حقّ الحبس الدّائم للمرهون حتّى يستوفي دينه ، ليضطرّ المدين إلى تسليم دينه ، ليتمكّن من استرداد المرهون لحاجته إليه والانتفاع به ، وللمرتهن أيضاً عند حلول أجل الدّين المطالبة بدينه مع بقاء الرّهن تحت يده ، وعلى المرتهن تسليم المرهون لصاحبه ، إمّا بانتهاء أجل الدّين ، أو بانتهاء عقد الرّهن . وانتهاء الدّين يكون بأسباب كالإبراء من الدّين أو هبته ، أو وفاء الدّين ، أو شراء سلعة من الرّاهن بالدّين ، أو إحالة الرّاهن المرتهن على غيره .
وانقضاء عقد الرّهن أو انتهاؤه يكون بأسباب كالإبراء والهبة ووفاء الدّين ونحو ذلك ، كالبيع الجبريّ الصّادر من الرّاهن بأمر القاضي ، أو من القاضي إذا أبى الرّاهن البيع . والتّفصيل في ( رهن ) . والشّافعيّة مع الجمهور في اشتراط استدامة القبض ، لكنّهم قالوا : قد يتخلّف هذا الشّرط لمانع ، كما لو كان المرهون مصحفاً والمرتهن كافر ونحو ذلك .
ح - ما يتمّ به تسليم المرهون :
10 - يسلّم الرّاهن الدّين أوّلاً ، ثمّ يسلّم المرتهن المرهون ، لأنّ حقّ المرتهن يتعيّن بتسليم الدّين ، وحقّ الرّاهن متعيّن في تسلّم المرهون ، فيتمّ التّسليم على هذا التّرتيب تحقيقاً للتّسوية بين الرّاهن والمرتهن .
وإذا سلّم الرّاهن بعض الدّين يظلّ المرهون كلّه رهناً بحاله على ما بقي من الدّين بلا خلاف ، لأنّ الرّهن كلّه وثيقة بالدّين كلّه ، وهو محبوس بكلّ الحقّ ، والحبس بالدّين الّذي هو موجب الرّهن لا يتجزّأ ، فيكون محبوساً بكلّ جزء من الدّين لا ينفكّ منه شيء حتّى يقضي جميع الدّين ، سواء أكان الرّهن ممّا يمكن قسمته أم لا يمكن . ر : ( رهن ) .
خ - تسليم ثمن المرهون عند البيع :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرهون يظلّ ملكاً للرّاهن بعد تسليمه للمرتهن ، كما دلّت السّنّة « لا يغلق الرّهن من صاحبه » ولكن تعلّق دين المرتهن بعين الرّهن ، فاستحقّ المرتهن حبسه وثيقةً بالدّين إلى أن يوفّي الدّين ، ولا يجوز للرّاهن أن يتصرّف في الرّهن لتعلّق حقّه به إلاّ بإذن المرتهن ، فيعتبر متنازلاً عن حقّه في حبس الرّهن .
واتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للرّاهن أن يبيع الرّهن بإذن المرتهن ، وهذا يسمّى البيع الاختياريّ بعد الإذن ، وحينئذ فالمرتهن أولى وأحقّ بثمن المرهون من سائر الغرماء الدّائنين ، حتّى يستوفي حقّه ، حيّاً كان أو ميّتاً . ويثبت هذا الحقّ للمرتهن باتّفاق الفقهاء . وإذا لم يتمّ البيع للمرهون اختياريّاً ، وحلّ أجل الدّين طالب المرتهن الرّاهن بوفاء الدّين ، فإن استجاب ووفّى سلّم المرهون ، وإن لم يستجب لمطل أو إعسار ، رفع أمره إلى القاضي . ويطلب القاضي أوّلاً من الرّاهن الحاضر بيع المرهون ، فإن امتثل تمّ المقصود ، وإن امتنع باعه القاضي عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة ، بدون حاجة إلى إجباره بحبس أو ضرب أو تهديد ، ويسلّم ما يستحقّه المرتهن من دينه .
وقال أبو حنيفة : ليس للقاضي أن يبيع الرّهن بيد المرتهن من غير رضا الرّاهن ، لكنّه يحبس الرّاهن حتّى يبيعه بنفسه . وإذا وجد في مال المدين الرّاهن مال من جنس الدّين ، وفّى الدّين منه ، ولا حاجة حينئذ إلى البيع جبراً . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( رهن ) .
د - تسليم المال للمحجور عليه :
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الصّغير لا يسلّم إليه ماله إلاّ بعد معرفة رشده ، وذلك باختبار الصّغير المميّز في التّصرّفات ، لقوله تعالى : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى } أي اختبروهم ، واختبار الصّغير المميّز يحصل بتفويض التّصرّفات الّتي يتصرّف فيها أمثاله إليه ، ليتبيّن مدى إدراكه وحسن تصرّفه . وتفصيل ذلك في ( حجر ) .
واتّفق الفقهاء على أنّ أموال الصّغير لا تسلّم إليه حتّى يبلغ راشداً ، لأنّ اللّه تعالى علّق دفع المال إليه على شرطين هما البلوغ والرّشد في قوله تعالى : { وَابْتَلُوا اليَتَامَى حتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فإِنْ آنَسْتُم منهم رُشْدَاً فَادْفَعُوا إليهم أَمْوَالَهمْ } ، والحكم المعلّق على شرطين لا يثبت بدونهما ، فإذا بلغ الصّغير رشيداً مصلحاً للمال ، وجب دفع ماله إليه وفكّ الحجر عنه .
وإذا دفع إليه ماله أشهد عند الدّفع . لقوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِليهمْ أَمْوَالَهمْ فَأَشْهِدُوا عَليهمْ } وفي هذه المسائل تفصيلات موطنها باب الحجر .
ذ - التّسليم في الكفالة بالنّفس :
13 - الكفالة تكون بالنّفس ، وتكون بالفعل ، والمراد بالفعل المكفول به فعل التّسليم ، وعلى هذا تصحّ الكفالة بنفس من عليه الحقّ ، وتسمّى الكفالة بالنّفس كما تسمّى الكفالة بالوجه : وهي التزام إحضار المكفول إلى المكفول له للحاجة إليها ، ذلك لأنّ الكفالة بالنّفس كفالة بالفعل ، وهو تسليم النّفس ، وفعل التّسليم مضمون على الأصيل فجازت الكفالة به . ويرى جمهور الفقهاء جواز الكفالة بالنّفس إذا كانت بسبب المال ، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام : « الزَّعيمُ غَارِم » وهذا يشمل الكفالة بنوعيها ، ولأنّ ما وجب تسليمه بعقد وجب تسليمه بعقد الكفالة كالمال ، ولأنّ الكفيل يقدر على تسليم الأصيل ، بأن يعلم من يطلبه مكانه فيخلّي بينه وبينه ، أو يستعين بأعوان القاضي في التّسليم .
وإذا اشترط الأصيل في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزم الكفيل إحضار المكفول به إذا طالبه به في الوقت ، وفاءً بما التزمه كالدّين المؤجّل ، فإن أحضره فبها ، وإن لم يحضره حبسه الحاكم لامتناعه عن إيفاء حقّ مستحقّ عليه .
وإن أحضره وسلّمه إلى المطالب به في موضع يقدر على إحضاره مجلس القضاء ، مثل أن يكون في مصر من الأمصار برئ من الكفالة ، لأنّ التّسليم يتحقّق بالتّخلية بين المكفول بنفسه والمكفول له ، ولأنّه أتى بما التزمه وحصل المقصود من الكفالة بالنّفس ، وهو إمكان المحاكمة عند القاضي . ويتعيّن محلّ التّسليم بالتّعيين ، وإن أطلق ولم يعيّن ، وجب التّسليم في مكان الكفالة ، لأنّ العرف يقتضي ذلك .
ر - التّسليم في الوكالة :
14 - الوكالة بأجر ( بجعل ) حكمها حكم الإجارات ، فيستحقّ الوكيل الجعل بتسليم ما وكّل فيه إلى الموكّل - إن كان ممّا يمكن تسليمه - كثوب يخيطه فمتى سلّمه مخيطاً فله الأجر . وإن وكّله في بيع ، وقال : إذا بعت الثّوب وقبضت ثمنه وسلّمته إليّ فلك الأجر ، لم يستحقّ من الأجرة شيئاً حتّى يسلّمه إليه . فإن فات التّسليم لم يستحقّ شيئاً لفوات الشّرط . والوكيل في بيع شيء يملك تسليمه للمشتري ، لأنّ إطلاق الوكالة في البيع يقتضي التّسليم ، ويتعيّن على الوكيل في البيع طلب الثّمن من المشتري وقبضه ، لأنّه من توابع البيع ، وكذا الوكيل بالشّراء ، له قبض المبيع من البائع وتسليمه لمن وكّله بالشّراء ، وهذا بلا خلاف . ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ المقبوض في يد الوكيل يعتبر أمانةً ، لأنّ يده يد نيابة عن الموكّل ، ويجب عليه ردّ المقبوض عند طلب الموكّل مع الإمكان ، ويضمن بالتّعدّي أو التّقصير كما يضمن في الودائع ، ويبرأ بما يبرأ فيها . ( ر : وكالة ) .
ز - التّسليم في الإجارة :
15 - إذا كان العمل يجري في عين تسلّم للأجير المشترك ، كان عليه تسليم العين بعد قيامه بالعمل فيها . وإن كان العمل لا يجري في عين تسلّم للأجير ، فإنّ مجرّد قيامه بالعمل المطلوب يعتبر تسليماً كالطّبيب أو السّمسار . وإن كان الأجير خاصّاً كان تسليم نفسه للعمل في محلّ العمل تسليماً معتبراً ، والتّفصيل في مصطلح : ( إجارة ) .
س - تسليم اللّقطة :
16 - للإمام ، أو من ينوب عنه ، أن يتسلّم اللّقطة من الملتقط إن رأى المصلحة في ذلك ، وهذا عند الحنفيّة .
وقال المالكيّة : يباح للملتقط أن يدفع اللّقطة للإمام إن كان عدلاً ، وهو مخيّر في ذلك . ويرى الشّافعيّة : أنّ الملتقط إن دفع اللّقطة إلى القاضي لزم القاضي القبول حفظاً لها على صاحبها . والتّفصيل في ( لقطة ) .
ش - تسليم اللّقيط للقاضي :
17 - يجوز للقاضي أن يتسلّم اللّقيط من ملتقطه إذا علم عجزه عن حفظه بنفسه وأتى به إليه ، والأولى للقاضي أن يقبله . وتفصيله في بحث ( لقيط ) .
ص - تسليم الصّداق للزّوجة :
18 - إذا طالبت الزّوجة بالمهر يجب على الزّوج تسليمه أوّلاً ، لأنّ حقّ الزّوج في المرأة متعيّن ، وحقّ المرأة في المهر لم يتعيّن بالعقد ، وإنّما يتعيّن بالقبض ، فوجب على الزّوج التّسليم عند المطالبة ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة .
وقال المالكيّة : والبعض الآخر من الشّافعيّة : يجب على الزّوج تسليم الصّداق لزوجته ، أو لوليّها المجبر ، لأنّه لمّا كان له إجبارها على النّكاح كان له تسلّم صداقها بغير إذنها كالصّغيرة .
ض - تسليم الزّوجة نفسها :
19 - يجوز للزّوجة قبل دخول الزّوج بها أن لا تسلّم نفسها إلى زوجها ، حتّى تقبض جميع مهرها المعيّن الحالّ ، سواء أكان بعضه أم كلّه .
وإن انتقلت إلى بيت زوجها فالحكم كذلك لتعيّن حقّها في البدل ، كما يتعيّن حقّه في المبدل .
ولا يتعيّن حقّها إلاّ بالتّسليم والانتقال إلى حيث يريد زوجها إن أراد ، وهذا بلا خلاف .
فإن سلّمت نفسها بالدّخول ، أو بالخلوة الصّحيحة ، فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد : أنّه لا يجوز لها أن تمنع نفسها ، لأنّها بالدّخول أو بالخلوة الصّحيحة سلّمت جميع المعقود عليه برضاها ، وهي من أهل التّسليم ، فبطل حقّها في المنع .
ويرى أبو حنيفة : أنّ للزّوجة أن تمتنع من زوجها حتّى تأخذ المعجّل لها من المهر ، ولو دخل بها برضاها وهي مكلّفة ، لأنّ المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البضع في جميع أنواع الاستمتاع الّتي توجد في هذا الملك ، ويكون رضاها بالدّخول أو الخلوة قبل قبض معجّل مهرها إسقاطاً لحقّها في منع نفسها في الماضي ، وليس لحقّها في المستقبل ، على الرّاجح عند الحنفيّة .
ويرى الشّافعيّة في قول أنّ لها الامتناع حتّى تستوفي مهرها ، كما لو كان حالاً ابتداءً .
20 - والتّسليم الواجب على المرأة يحصل في المكان الّذي يتمكّن فيه زوجها من استمتاعه بها ، سواء أكان المكان بيت أبيها إن رضيا معاً بالإقامة فيه ، أم كان مسكناً شرعيّاً أعدّه لها زوجها . ويترتّب على تسليم نفسها لزوجها وجوب نفقتها عليه ، لأنّها محبوسة لحقّه ، وهذا بلا خلاف .
ط - تسليم النّفقة :
21 - اتّفق الفقهاء على أنّ نفقة الزّوجة حقّ أصيل من حقوقها الواجبة على زوجها ، وأنّها تجب على الزّوج الحاضر ، إذا سلّمت الزّوجة نفسها إلى الزّوج وقت وجوب التّسليم . وإذا امتنع الزّوج عن الإنفاق على زوجته بعدما فرضه على نفسه ، أو بعد فرض القاضي باع القاضي من ماله ، إن كان موسراً وله مال ظاهر ، وأعطى لزوجته ما يكفي النّفقة . وللتّفصيل : ( ر : نفقة ) .

تسمّع *
انظر : استماع .

تسمية *
التّعريف :
1 - التّسمية : مصدر سمّى بتشديد الميم ، ومادّة : ( سما ) لها في اللّغة عدّة معان :
فمنها : سما يسمو سموّاً أي علا . يقال : سَمَتْ همّته إلى معالي الأمور : إذا طلب العزّ والشّرف ، وكلّ عال : سماء .
والاسم : من السّموّ وهو العلوّ ، وقيل : الاسم من الوسم ، وهو العلامة .
وقال في الصّحاح : وسمّيت فلاناً زيداً وسمّيته بزيد بمعنًى وأسميته مثله ، فتسمّى به . وتقول : هذا سميّ فلان ، إذا وافق اسمه اسمه ، كما تقول : هو كنيّه ، وقوله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَه سَمِيَّاً } أي : نظيراً يستحقّ مثل اسمه ، ويقال : مسامياً يساميه . وتستعمل التّسمية عند الفقهاء بمعنى قول : بسم اللّه ، وبمعنى : وضع الاسم العلم للمولود وغيره ، وبمعنى : تحديد العوض في العقود ، كالمهر والأجرة والثّمن ، وبمعنى : التّعيين بالاسم مقابل الإبهام .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّكنية :
2 - التّكنية مصدر : كنّى بتشديد النّون ، أي : جعل له كُنْيةً ، كأبي فلان وأمّ فلان .
وتفصيل الأحكام المتعلّقة بالتّكنية ينظر في مصطلح ( كنية ) .
ب - التّلقيب :
3 - التّلقيب : مصدر لقّب بتشديد القاف . واللّقب واحد الألقاب ، وهو ما كان مشعراً بمدح أو ذمّ . ومعناه : النّبز بالتّمييز .
والنّبز بالألقاب المكروهة منهيّ عنه في قوله تعالى : { وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ } .
فإن قصد به التّعريف فلا يدخل تحت النّهي ، ومن ذلك تعريف بعض الأئمّة المتقدّمين ، كالأعمش والأخفش والأعرج . هذا والنّحاة في كتبهم يفرّقون بين الكنية واللّقب والاسم .
فالكنية عندهم : كلّ مركّب إضافيّ في صدره أب أو أمّ ، كأبي بكر رضي الله عنه ، وأمّ كلثوم رضي الله عنها بنت النّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وفرّق الأبهريّ في حواشي العضد بين الاسم واللّقب ، فقال : الاسم يقصد بدلالته الذّات المعيّنة ، واللّقب يقصد به الذّات مع الوصف ، ولذلك يختار اللّقب عند إرادة التّعظيم أو الإهانة .
هذا وسيأتي حكم الكنية واللّقب عند الكلام على التّسمية بمعنى وضع الاسم العلم للمولود .
أحكام التّسمية :
أوّلاً : التّسمية أو البسملة : قول : ( بسم اللّه ) :
4 - أكملها : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، ويتعلّق بها عدد من الأحكام ، كالتّسمية في ابتداء الوضوء ، وعند الغسل ، وفي الصّلاة ، وعند الذّبح ، وفي الصّيد عند إرسال الكلب أو السّهم ، وعند الطّعام أو الجماع أو دخول الخلاء . وينظر التّفصيل في : ( بسملة ) .
ثانياً : التّسمية بمعنى وضع الاسم العلم للمولود وغيره :
5 - الفقهاء يذكرون التّسمية ويريدون بها وضع الاسم العلم للمولود وغيره ، وهي بهذا المعنى تعريف الشّيء المسمّى ، لأنّه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به . ويتعلّق بها عدد من الأحكام :
أ - تسمية المولود :
6 - ذكر ابن عرفة أنّ مقتضى القواعد وجوب التّسمية ، وممّا لا نزاع فيه أنّ الأب أولى بها من الأمّ ، فإن اختلف الأبوان في التّسمية فيقدّم الأب .
ب - وقت التّسمية :
7 - يرى المالكيّة أنّ وقت تسمية المولود هو اليوم السّابع من ولادته بعد ذبح العقيقة ، هذا إذا كان المولود ممّن يعقّ عنه ، فإن كان ممّن لا يعقّ عنه لفقر وليّه فيجوز أن يسمّوه متى شاءوا . قال الحطّاب : قال في المدخل في فصل ذكر النّفاس : وينبغي إذا كان المولود ممّن يعقّ عنه فلا يوقع عليه الاسم الآن حتّى تذبح العقيقة ، ويتخيّر له في الاسم مدّة السّابع ، وإذا ذبح العقيقة أوقع عليه الاسم .
وإن كان المولود لا يعقّ عنه لفقر وليّه فيسمّونه متى شاءوا . انتهى .
ثمّ قال : ونقله بعض شرّاح الرّسالة عن التّادليّ ، وأصله للنّوادر في باب العقيقة .
قال ابن عرفة : ومقتضى القواعد وجوب التّسمية ، سمع ابن القاسم يسمّى يوم سابعه .
قال ابن رشد : لحديث : « يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمّى » وفيه سعة لحديث « ولد لي اللّيلة غلام ، فسمّيته باسم أبي إبراهيم » « وأتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعبد اللّه بن أبي طلحة صبيحة ولد فحنّكه ودعا له وسمّاه » .
ويحتمل حمل الأوّل على منع تأخير التّسمية عن سابعه فتتّفق الأخبار ، وعلى قول مالك قال ابن حبيب : لا بأس أن تتخيّر له الأسماء قبل سابعه ، ولا يسمّى إلاّ فيه .
ويرى الشّافعيّة أنّه يستحبّ تسمية المولود في اليوم السّابع كما ذكر النّوويّ في الرّوضة ، ولا بأس أن يسمّى قبله ، واستحبّ بعضهم أن لا يفعله . ولا يترك تسمية السّقط ، ولا من مات قبل تمام السّبعة .
هذا وأمّا الأخبار الصّحيحة الواردة في تسمية يوم الولادة ، فقد حملها البخاريّ على من لم يرد العقّ ، والأخبار الواردة في تسميته في اليوم السّابع على من أراده .
وأمّا الحنابلة فلهم في وقت التّسمية روايتان : إحداهما : أنّه يسمّى في اليوم السّابع . والثّانية : أنّه يسمّى في يوم الولادة . قال صاحب كشّاف القناع : ويسمّى المولود فيه أي : في اليوم السّابع ، لحديث سمرة رضي الله عنه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : « كلّ غلام رهينة بعقيقته ، تذبح عنه يوم سابعه ، ويسمّى فيه ، ويحلق رأسه » .
والتّسمية للأب فلا يسمّيه غيره مع وجوده . وفي الرّعاية : يسمّى يوم الولادة ، لحديث مسلم في قصّة ولادة إبراهيم ابنه صلى الله عليه وسلم : « ولد لي اللّيلة مولود فسمّيته إبراهيم باسم أبي إبراهيم » هذا ولم يذكر ابن عابدين ولا صاحب الفتاوى الهنديّة من الحنفيّة عند الكلام على التّسمية الوقت الّذي تكون فيه .
قال ابن القيّم : إنّ التّسمية لمّا كانت حقيقتها تعريف الشّيء المسمّى ، لأنّه إذا وجد وهو مجهول الاسم لم يكن له ما يقع تعريفه به ، فجاز تعريفه يوم وجوده ، وجاز تأخير التّعريف إلى ثلاثة أيّام ، وجاز إلى يوم العقيقة عنه ، ويجوز قبل ذلك وبعده ، والأمر فيه واسع .
ج - تسمية السّقط :
8 - المراد بالسّقط هنا الولد ذكراً كان أو أنثى يخرج ميّتاً من بطن أمّه قبل تمامه وهو مستبين الخَلْق . يقال : سقط الولد من بطن أمّه سقوطاً فهو سقط بالكسر ، والتّثليث لغة ، ولا يقال : وقع ، وأسقطت الحامل بالألف : ألقت سقطاً .
هذا ، وقد اختلف الفقهاء في تسمية السّقط . قال صاحب الفتاوى الهنديّة : من ولد ميّتاً لا يسمّى عند أبي حنيفة خلافاً لمحمّد رحمهما اللّه تعالى .
والمشهور عند المالكيّة أنّ السّقط لا يسمّى .
ويرى الشّافعيّة ، كما قال النّوويّ في الرّوضة : أنّ تسمية السّقط لا تترك .
وفي النّهاية : يندب تسمية سقط نفخت فيه الرّوح .
وأمّا الحنابلة ، فقد قال ابن قدامة : فإن لم يتبيّن ذكر هو أم أنثى ؟ سمّي اسماً يصلح للذّكر والأنثى ، هذا على سبيل الاستحباب ، لأنّه يروى عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال :
« سمّوا أسقاطكم ، فإنّهم أسلافكم »
قيل : إنّهم إنّما يسمّون ليدعوا يوم القيامة بأسمائهم ، فإذا لم يعلم هل السّقط ذكر أو أنثى ، سمّي اسماً يصلح لهما جميعاً ، كسلمة وقتادة وسعاد وهند . ونحو ذلك .
د - تسمية من مات بعد الولادة :
9 - يرى الفقهاء أنّ من مات بعد الولادة ، وقبل أن يسمّى ، فإنّه يسمّى .
وبيان ذلك أنّ الحنفيّة قالوا : إذا استهلّ صارخاً فإنّه يعطى حكم الكبير ، وتثبت له كافّة الحقوق . وتسمية من مات بعد الولادة جائزة عند المالكيّة .
والشّافعيّة يرون أنّه يسمّى إذا مات قبل تمام السّبع ، كما قال النّوويّ في الرّوضة .
وقال صاحب مغني المحتاج : لو مات قبل التّسمية استحبّ تسميته . ومقتضى مذهب الحنابلة أنّهم يجيزون تسمية من مات بعد الولادة ، لأنّهم يجيزون تسمية السّقط ، ويقولون : إنّها مستحبّة ، فعلى هذا تسمية من مات بعد الولادة جائزة عندهم ، بل أولى .
ما تستحبّ التّسمية به من الأسماء :
10 - الأصل جواز التّسمية بأيّ اسم إلاّ ما ورد النّهي عنه ممّا سيأتي .
وتستحبّ التّسمية بكلّ اسم معبّد مضاف إلى اللّه سبحانه وتعالى ، أو إلى أيّ اسم من الأسماء الخاصّة به سبحانه تعالى ، لأنّ الفقهاء اتّفقوا على استحسان التّسمية به .
وأحبّ الأسماء إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرّحمن . وقال سعيد بن المسيّب : أحبّها إلى اللّه أسماء الأنبياء . والحديث الصّحيح يدلّ على أنّ أحبّ الأسماء إليه سبحانه وتعالى : عبد اللّه وعبد الرّحمن . ويدلّ لذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ أحبّ أسمائكم إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرّحمن ». ولما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي الجشميّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « تسمّوا بأسماء الأنبياء ، وأحبّ الأسماء إلى اللّه : عبد اللّه وعبد الرّحمن ، وأصدقها : حارث وهمّام ، وأقبحها : حرب ومرّة .
وقال ابن عابدين في حاشيته نقلاً عن المناويّ : إنّ عبد اللّه أفضل مطلقاً حتّى من عبد الرّحمن ، وأفضل الأسماء بعدهما محمّد ثمّ أحمد ثمّ إبراهيم .
والجمهور على استحباب التّسمية بكلّ معبّد مضاف إلى اللّه سبحانه وتعالى كعبد اللّه ، أو مضاف إلى اسم خاصّ به سبحانه وتعالى كعبد الرّحمن وعبد الغفور .
وأمّا الحنفيّة فهم مع الجمهور في أنّ أحبّ الأسماء إلى اللّه : عبد اللّه وعبد الرّحمن ، إلاّ أنّ صاحب الفتاوى الهنديّة قال : ولكنّ التّسمية بغير هذه الأسماء في هذا الزّمان أولى ، لأنّ العوامّ يصغّرونها للنّداء . وذكر ابن عابدين في حاشيته على الدّرّ المختار أنّ أفضليّة التّسمية بعبد اللّه وعبد الرّحمن ليست مطلقةً فإنّ ذلك محمول على من أراد التّسمية بالعبوديّة ، لأنّهم كانوا يسمّون عبد شمس وعبد الدّار ، فجاءت الأفضليّة ، فهذا لا ينافي أنّ اسم محمّد وأحمد أحبّ إلى اللّه تعالى من جميع الأسماء ، فإنّه لم يختر لنبيّه صلى الله عليه وسلم إلاّ ما هو أحبّ إليه ، هذا هو الصّواب .
ولا يجوز تغيير اسم اللّه بالتّصغير فيما هو مضاف . قال ابن عابدين : وهذا مشتهر في زماننا حيث ينادون من اسمه عبد الرّحيم وعبد الكريم أو عبد العزيز مثلاً ، فيقولون : رحيّم وكريّم وعزيّز بتشديد ياء التّصغير ، ومن اسمه عبد القادر قويدر وهذا مع قصده كفر .
ففي المنية : من ألحق التّصغير في آخر اسم عبد العزيز أو نحوه - ممّا أضيف إلى واحد من الأسماء الحسنى - إن قال ذلك عمداً قاصداً التّحقير كفر ، وإن لم يدر ما يقول ولا قصد له لم يحكم بكفره ، ومن سمع منه ذلك يحقّ عليه أن يعلّمه ، وبعضهم يقول : رحمون لمن اسمه عبد الرّحمن .
11 - وأمّا التّسمية بأسماء الأنبياء فقد اختلف الفقهاء في حكمها ، فذهب الأكثرون إلى عدم الكراهة ، وهو الصّواب . قال صاحب تحفة المحتاج : ولا تكره التّسمية باسم نبيّ أو ملك ، بل جاء في التّسمية باسم نبيّنا عليه الصلاة والسلام فضائل . ومن ذلك ما رواه العتبيّ أنّ أهل مكّة يتحدّثون : ما من بيت فيه اسم محمّد إلاّ رأوا خيراً ورزقوا .
وذكر صاحب كشّاف القناع من الحنابلة : أنّه يحسن التّسمية بأسماء الأنبياء .
بل قال سعيد بن المسيّب ، كما تقدّم النّقل عنه : إنّها أحبّ الأسماء إلى اللّه .
وذهب آخرون إلى كراهة التّسمية بأسماء الأنبياء ، وقد نسب هذا القول إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه . قال صاحب تحفة المودود : ولعلّ صاحب هذا القول قصد صيانة أسمائهم عن الابتذال وما يعرض لها من سوء الخطاب ، عند الغضب وغيره .
وقال سعيد بن المسيّب : أحبّ الأسماء إلى اللّه أسماء الأنبياء . وفي تاريخ ابن خيثمة : أنّ طلحة كان له عشرة من الولد ، كلّ منهم اسمه اسم نبيّ ، وكان للزّبير عشرة كلّهم تسمّى باسم شهيد ، فقال له طلحة : أنا سمّيتهم بأسماء الأنبياء ، وأنت تسمّيهم بأسماء الشّهداء ، فقال له الزّبير : فإنّي أطمع أن يكون بَنيّ شهداء ، ولا تطمع أن يكون بنوك أنبياء .
ويدلّ على جواز التّسمية بأسماء الأنبياء ما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي الجشميّ قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « تسمّوا بأسماء الأنبياء » .
ويدلّ على جواز التّسمية باسم نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاريّ في صحيحه عن جابر رضي الله عنه « قال : ولد لرجل منّا غلام فسمّاه القاسم ، فقالوا : لا نكنّيه حتّى نسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : سمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي » .
ما تكره التّسمية به من الأسماء :
12 - تكره تنزيهاً التّسمية بكلّ اسم يتطيّر بنفيه ، كرباح وأفلح ونجاح ويسار وما أشبه ذلك ، فإنّ هذه الأسماء وما أشبهها يتطيّر بنفيها ، فيما لو سئل شخص سمّى ابنه رباحاً : أعندك رباح ؟ فيقول : ليس في البيت رباح ، فإنّ ذلك يكون طريقاً للتّشاؤم .
هذا وقد أخرج مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا تسمّين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح ، فإنّك تقول : أثمّ هو ؟ فلا يكون ، فيقول : لا » إلاّ أنّ ذلك لا يحرم لحديث عمر رضي الله عنه « إنّ الآذن على مشربة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عبد يقال له : رباح » وعن جابر رضي الله عنه « أراد صلى الله عليه وسلم أن ينهى عن أن يسمّى بيعلى وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك ، ثمّ رأيته بعد سكت عنها ، فلم يقل شيئاً ، ثمّ قبض رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولم ينه عن ذلك ، ثمّ أراد عمر رضي الله عنه أن ينهى عن ذلك ثمّ تركه » . وتكره التّسمية أيضاً بالأسماء الّتي تكرهها النّفوس وتشمئزّ منها كحرب ومرّة وكلب وحيّة . وقد صرّح المالكيّة بمنع التّسمية بكلّ اسم قبيح .
قال صاحب مواهب الجليل : يمنع بما قبح كحرب وحزن وضرار . وقال صاحب مغني المحتاج : تكره الأسماء القبيحة ، كشيطان وظالم وشهاب وحمار وكلب . إلخ .
وذكر الحنابلة أنّه تكره تسميته بأسماء الجبابرة كفرعون وأسماء الشّياطين . وجاء في مطالب أولي النّهى كراهية التّسمية بحرب . هذا ، وقد « كان النّبيّ عليه الصلاة والسلام يكره الاسم القبيح للأشخاص والأماكن والقبائل والجبال » . أخرج مالك في الموطّأ عن يحيى بن سعيد « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال للقحة تحلب : من يحلب هذه ؟ فقام رجل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما اسمك ، فقال له الرّجل : مُرَّة . فقال له رسول صلى الله عليه وسلم : اجلس . ثمّ قال : من يحلب هذه ؟ فقام رجل ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ما اسمك ؟ ، فقال : حرب . فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : اجلس . ثمّ قال : من يحلب هذه ؟ فقام رجل فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما اسمك ؟ فقال : يعيش ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : احلب » .
التّسمية بأسماء الملائكة :
13 - ذهب أكثر العلماء إلى أنّ التّسمية بأسماء الملائكة كجبريل وميكائيل لا تكره .
وذهب مالك إلى كراهة التّسمية بذلك ، قال أشهب : سئل مالك عن التّسمّي بجبريل ، فكره ذلك ولم يعجبه . وقال القاضي عياض : قد استظهر بعض العلماء التّسمّي بأسماء الملائكة ، وهو قول الحارث بن مسكين ، وأباح ذلك غيره .
رد مع اقتباس