عرض مشاركة واحدة
  #14  
قديم 05-19-2012, 07:21 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تسبّب *
انظر : سبب .

تسبيح *
التّعريف :
1 - من معاني التّسبيح في اللّغة : التّنزيه . تقول : سبّحت اللّه تسبيحاً : أي نزّهته تنزيهاً. ويكون بمعنى الذّكر والصّلاة . يقال : فلان يسبّح اللّه : أي يذكره بأسمائه نحو سبحان اللّه . وهو يسبّح أي يصلّي السّبحة وهي النّافلة . وسمّيت الصّلاة ذِكْراً لاشتمالها عليه ، ومنه قوله تعالى : { فَسُبحَانَ اللّهِ حينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصْبِحون } أي اذكروا اللّه . ويكون بمعنى التّحميد نحو { سُبْحَانَ الّذي سَخَّرَ لنا هذا } وسبحان ربّي العظيم . أي الحمد للّه .
ولا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن هذه المعاني ، فقد عرّفه الجرجانيّ بأنّه : تنزيه الحقّ عن نقائص الإِمكان والحدوث .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الذِّكْر :
2 - الذّكر من معانيه في اللّغة : الصّلاة للّه والدّعاء إليه والثّناء عليه .
ففي الحديث : « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَه أمر صلّى » .
وفي اصطلاح الفقهاء قول سيق لثناء أو دعاء وقد يستعمل شرعاً لكلّ قول يثاب قائله ، فالذّكر شامل للدّعاء فهو أعمّ من التّسبيح .
ب - التّهليل :
3 - هو قول لا إله إلاّ اللّه : يقال : هلّل الرّجل أي من الهيللة ، من قول لا إله إلاّ اللّه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن هذا . فالتّسبيح أعمّ من التّهليل ، لأنّ التّسبيح تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ نقص . أمّا التّهليل فهو تنزيهه عن الشّريك .
ج - التّقديس :
4 - من معانيه في اللّغة تنزيه اللّه عزّ وجلّ عن كلّ ما لا يليق به .
والتّقديس : التّطهير والتّبريك . وتقدّس أي تطهّر ، وفي التّنزيل { ونحنُ نُسبِّحُ بِحَمْدك وَنُقدِّسُ لك } قال الزّجّاج : معنى نقدّس لك : أي نطهّر أنفسنا لك ، وكذلك نفعل بمن أطاعك ، والأرض المقدّسة أي المطهّرة . ومعناه الاصطلاحيّ لا يخرج عن هذا .
والتّقديس أخصّ من التّسبيح ، لأنّه تنزيه مع تبريك وتطهير .
حكمة مشروعيّة التّسبيح :
5 - حكمة التّسبيح استحضار العبد عظمة الخالق ، ليمتلئ قلبه هيبةً فيخشع ولا يغيب ، فينبغي أن يكون ذلك هو مقصود الذّاكر ، سواء أكان في الصّلاة أم في غيرها ، فيحرص على تحصيله ، ويتدبّر ما يذكر ، ويتعقّل معناه ، فالتّدبّر في الذّكر مطلوب ، كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود ، ولأنّه يوقظ القلب ، فيجمع همّه إلى الفكر ، ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النّوم ، ويزيد النّشاط .
آداب التّسبيح :
6 - آدابه كثيرة : منها أنّه ينبغي أن يكون الذّاكر المسبّح على أكمل الصّفات ، فإن كان جالساً في موضع استقبل القبلة ، وجلس متذلّلاً متخشّعاً بسكينة ووقار مطرقاً رأسه ، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقّه . لكن إن كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل ، والدّليل على عدم الكراهة قول اللّه تبارك وتعالى : { إنَّ في خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأرضِ واخْتِلافِ اللّيلِ والنّهارِ لآياتٍ لأولي الألبابِ الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبهم وَيَتَفَكَّرونَ في خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ } .
وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : إنّي لأقرأ حزبي ، وأنا مضطجعة على السّرير . وصيغه كثيرة ، منها ما ينبغي أن يكون كما وردت به السّنّة ، كما هو الحال في تسبيحات الرّكوع والسّجود ودبر الصّلوات .
ومنها ما هو مستحبّ ، وهو ما كان في غير ذلك كالتّسبيحات ليلاً ونهارًا .
حكمه التّكليفيّ :
7 - يختلف الحكم التّكليفيّ للتّسبيح بحسب موضعه وسببه على التّفصيل الآتي :
التّسبيح على طهر :
8 - أجمع العلماء على جواز الذّكر بالقلب واللّسان للمحدث والجنب والحائض والنّفساء ، وذلك في التّسبيح والتّهليل والتّحميد والتّكبير والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم والدّعاء وغير ذلك . فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه » . على أنّ ذكر اللّه على طهارة سواء أكان تسبيحاً أم غيره ، أولى وأفضل لحديث : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سلّم عليه أحد الصّحابة فلم يردّ عليه ، حتّى تيمّم فردّ السّلام ، ثمّ قال : كرهت أن أذكر اللّه إلاّ على طهر » .
التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح :
9- التّوسّط في رفع الصّوت في التّسبيح وغيره مستحبّ عند عامّة الفقهاء ، لقوله تعالى : { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بها وابْتَغ بينَ ذلك سَبِيلاً } وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يفعله . فعن أبي قتادة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم خرج ليلةً فإذا هو بأبي بكر رضي الله عنه يصلّي يخفض من صوته . قال : ومرّ بعمر رضي الله عنه وهو يصلّي رافعاً صوته قال : فلمّا اجتمعا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تحفض صوتك ؟ قال : قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول اللّه . قال : فارفع قليلاً وقال لعمر : مررت بك وأنت تصلّي رافعاً صوتك ؟ فقال : يا رسول اللّه : أوقظ الوسنان وأطرد الشّيطان . قال : اخفض من صوتك شيئاً » .
وقال أبو سعيد رضي الله عنه « اعتكف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف السّتر وقال : ألا إنّ كلّكم مناج ربّه ، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً ، ولا يرفعْ بعضكم على بعض في القراءة ، أو قال في الصّلاة » . والمراد بالتّوسّط أن يزيد على أدنى ما يسمع نفسه من غير أن تبلغ تلك الزّيادة سماع من يليه .
ما يجوز به التّسبيح :
10 - أجاز الفقهاء التّسبيح باليد والحصى والمسابح خارج الصّلاة ، كعدّه بقلبه أو بغمزه أنامله . أمّا في الصّلاة ، فإنّه يكره لأنّه ليس من أعمالها . وعن أبي يوسف ومحمّد : أنّه لا بأس بذلك في الفرائض والنّوافل جميعاً مراعاةً لسنّة القراءة والعمل بما جاءت به السّنّة . فعن « سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه أنّه دخل مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على امرأة ، وبين يديها نوًى أو حصًى تسبّح به ، فقال : أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل . فقال : سبحان اللّه عدد ما خلق في السّماء ، وسبحان اللّه عدد ما خلق في الأرض ، وسبحان اللّه عدد ما بين ذلك ، وسبحان اللّه عدد ما هو خالق ، والحمد للّه مثل ذلك ، واللّه أكبر مثل ذلك ، ولا إله إلاّ اللّه مثل ذلك ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه مثل ذلك » فلم ينهها عن ذلك ، وإنّما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل ، ولو كان مكروهاً لبيّن لها ذلك . وعن بسيرة الصّحابيّة المهاجرة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمرهنّ أن يراعين بالتّكبير والتّقديس والتّهليل ، وأن يعقدن بالأنامل فإنّهنّ مسئولات مستنطقات » . وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال : « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يعقد التّسبيح » وفي رواية « بيمينه » .
ونقل الطّحطاويّ عن ابن حجر قوله : الرّوايات بالتّسبيح بالنّوى والحصى كثيرة عن الصّحابة في بعض أمّهات المؤمنين ، بل رأى ذلك صلى الله عليه وسلم وأقرّ عليه . وعقد التّسبيح بالأنامل أفضل من السّبحة ، وقيل : إن أمن الغلط فهو أولى ، وإلاّ فهي أولى .
أوقاته وما يستحبّ منها :
11 - ليس للذّكر - ومنه التّسبيح - وقت معيّن ، بل هو مشروع في كلّ الأوقات . روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر اللّه على كلّ أحيانه » . وفي قوله تعالى : { الّذينَ يَذْكُرونَ اللّهَ قِيَامَاً وَقُعُودَاً وعلى جُنُوبِهمْ } ما يدلّ على استحباب الذّكر في جميع الأحوال الّتي يكون عليها الإنسان من يومه وليله .
إلاّ أنّ أحوالاً منها ورد الشّرع باستثنائها : كالخلاء عند قضاء الحاجة ، وفي حالة الجماع ، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب ، وفي الأماكن المستقذرة والدّنسة ، وما أشبه ذلك ممّا يكره الذّكر معه . ولكن ورد في بعض الأخبار استحباب التّسبيح في أوقات خاصّة ، من ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال :
« من سبّح اللّه في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين ، وحمد اللّه ثلاثاً وثلاثين ، وكبّر اللّه ثلاثاً وثلاثين ، فتلك تسعة وتسعون ، وقال تمام المائة : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، غفرت خطاياه ، وإن كانت مثل زبد البحر » ويستحبّ التّسبيح في الإصباح والإمساء ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من قال حين يصبح وحين يمسي : سبحان اللّه وبحمده مائة مرّة ، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل ممّا جاء به ، إلاّ أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه » وفي رواية أبي داود « سبحان اللّه العظيم وبحمده » . ويستحبّ التّسبيح ونحوه عند الكسوف والخسوف ، لما روي عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد كسفت الشّمس وهو قائم في الصّلاة رافع يديه ، فجعل يسبّح ويهلّل ويكبّر ويحمد ويدعو حتّى حسر عنها . فلمّا حسر عنها قرأ سورتين وصلّى ركعتين » .
التّسبيح في افتتاح الصّلاة :
12 - هو سنّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
أمّا المالكيّة فإنّهم لا يرونه ، بل كرهوه في افتتاحها .
واستدلّ الجمهور بما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا قمتم إلى الصّلاة فارفعوا أيديكم ، ولا تخالف آذانكم ، ثمّ قولوا : اللّه أكبر ، سبحانك اللّهمّ وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدّك ، ولا إله غيرك » .
وبما روت عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصّلاة قال : سبحانك اللّهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك » .
واستدلّ المالكيّة بما روي عن « أنس رضي الله عنه قال : صلّيت خلف النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، وكانوا يستفتحون بالحمد للّه ربّ العالمين » .
ولم يذكروا التّسبيح في افتتاح الصّلاة لا من الفرائض ولا من السّنن .
التّسبيح في الرّكوع :
13 - التّسبيح في الرّكوع سنّة عند الحنفيّة في المشهور ، وقيل واجب . ومستحبّ عند الشّافعيّة ، ومندوب عند المالكيّة . وواجب عند الحنابلة بتسبيحة واحدة ، والسّنّة الثّلاث . وأقلّ المسنون عند الحنفيّة والحنابلة . والمستحبّ عند الشّافعيّة : ثلاث تسبيحات . لما رواه ابن مسعود رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : إذا ركع أحدكم فقال : سبحان ربّي العظيم ثلاثاً ، فقد تمّ ركوعه ، وذلك أدناه »
وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّه يندب التّسبيح بأيّ لفظ كان بركوع وسجود .
ونصّ ابن جزيّ على أنّه يستحبّ في الرّكوع سبحان ربّي العظيم ثلاث مرّات .
ودليله ما ورد أنّه « لمّا نزل قول اللّه تبارك وتعالى : { فسبّحْ باسْمِ ربِّكَ العظيم } قال صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم » والتّسبيح فيه لا يتحدّد بعدد ، بحيث إذا نقص عنه يفوته الثّواب ، بل إذا سبّح مرّةً يحصل له الثّواب ، وإن كان يزاد الثّواب بزيادته .
والزّيادة على هذه التّسبيحات أفضل إلى خمس أو سبع أو تسع بطريق الاستحباب عند الحنفيّة . وفي منية المصلّي : أدناه ثلاث ، وأوسطه خمس ، وأكمله سبع .
وأدنى الكمال عند الشّافعيّة في التّسبيح ثلاث ثمّ خمس ثمّ سبع ثمّ تسع ثمّ إحدى عشرة وهو الأكمل . وهذا للمنفرد ولإمام قوم محصورين رضوا بالتّطويل .
أمّا غيره فيقتصر على الثّلاث ، ولا يزيد عليها للتّخفيف على المقتدين .
ويزيد المنفرد وإمام قوم محصورين على ذلك : اللّهمّ لك ركعت ، وبك آمنت إلخ .
قال في الرّوضة : وهذا مع الثّلاث أفضل من مجرّد أكمل التّسبيح .
والزّيادة على التّسبيحة الواحدة مستحبّة عند الحنابلة ، فأعلى الكمال في حقّ الإمام يزاد إلى عشر تسبيحات ، لما روي عن « أنس رضي الله عنه أنّه قال : ما رأيت أحداً أشبه صلاةً بصلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى - يعني عمر بن عبد العزيز - فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات » . وقال أحمد : جاء عن الحسن أنّ التّسبيح التّامّ سبع ، والوسط خمس ، وأدناه ثلاث . وأعلى التّسبيح في حقّ المنفرد العرف ، وقيل : ما لم يخف سهواً ، وقيل : بقدر قيامه ، وقيل : سبع .
التّسبيح في السّجود :
14 - يقال في السّجود ما قيل في الرّكوع ، من حيث الصّفة والعدد والاختلاف في ذلك . فالتّسبيح في السّجود سنّة عند الحنفيّة في المشهور ، وقيل واجب . ومندوب عند المالكيّة . ومستحبّ عند الشّافعيّة . وواجب عند الحنابلة في أقلّه ، وهو الواحدة ، وسنّة في الثّلاث ، كما في الرّكوع . ولا خلاف إلاّ في أنّ تسبيح السّجود أن يقول : سبحان ربّي الأعلى ، أمّا في الرّكوع فيقول : سبحان ربّي العظيم .
تسبيح المقتدي تنبيهاً للإمام :
15 - لو عرض للإمام شيء في صلاته سهواً منه كان للمأموم تنبيهه بالتّسبيح استحباباً ، إن كان رجلاً ، وبالتّصفيق إن كانت أنثى عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
لحديث : « إنّما التّصفيقُ للنّساء ، ومن نَابَه شيء في صلاته فلْيقُلْ سبحان اللّه » .
وأمّا المالكيّة فكرهوا للمرأة التّصفيق في الصّلاة مطلقاً ، وقالوا : إنّها تسبّح لعموم حديث : « من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان اللّه » ووجه الاستدلال أنّ ( من ) من ألفاظ العموم فيشمل النّساء .
تنبيه المصلّي غيره بالتّسبيح :
16 - إذا أتى المصلّي بذكر مشروع يقصد به تنبيه غيره إلى أنّه في صلاة ، كأن يستأذن عليه إنسان يريد الدّخول وهو في الصّلاة ، أو يخشى المصلّي على إنسان الوقوع في بئر أو هلكة ، أو يخشى أن يتلف شيئاً ، كان للمصلّي استحباباً أن يسبّح تنبيهاً له ، وتصفّق المرأة على الخلاف السّابق بيانه . للحديث المذكور آنفاً ، ولقوله عليه الصلاة والسلام « من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان اللّه ، فإنّه لا يسمعه أحد يقول سبحان اللّه إلاّ التفت »
وفي المسند عن عليّ رضي الله عنه : « كان لي من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ساعة آتيه فيها فإذا أتيته استأذنته إن وجدته يصلّي فسبّح دخلت ، وإن وجدته فارغاً أذن لي » .
وعند الحنيفة تبطل الصّلاة إذا محّض التّسبيح للإعلام ، أو قصد به التّعجّب أو نحو ذلك .. ومذهب الشّافعيّة أنّ التّسبيحات في الصّلاة " لا تضرّ إلاّ ما كان فيه خطاب لمخلوق غير رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
ومذهب المالكيّة والحنابلة أنّ كلّ ذلك لا يؤثّر في صحّة الصّلاة .
التّسبيح أثناء الخطبة :
17 - قال الحنفيّة بكراهة التّسبيح لمستمع الخطبة ، لأنّه يشغله عن سماعها .
فإن كان بعيداً عن الخطيب ولا يسمعه فلا بأس به سرّاً عند بعض الحنفيّة ، والمعتمد في المذهب المنع مطلقاً للقريب والبعيد السّامع وغيره .
وعند المالكيّة يجوز الذّكر - على أنّه خلاف الأولى على المعتمد عندهم - من تسبيح وتهليل وغير ذلك ، إن كان قليلاً وبالسّرّ ، ويحرم الكثير مطلقاً ، كما يحرم القليل إذا كان جهراً . والشّافعيّة والحنابلة لم يتعرّضوا للتّسبيح بخصوصه ، لكن تعرّضوا للذّكر أثناء الخطبة ، فقالوا : الأولى لغير السّامع للخطبة أن يشتغل بالتّلاوة والذّكر . وأمّا السّامع فلا يشتغل بشيء من ذلك إلاّ بالصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا سمع ذكره .
التّسبيح في افتتاح صلاة العيدين وبين تكبيرات الزّوائد فيها :
18 - الثّناء عقب تكبيرة الافتتاح في صلاة العيدين سنّة عند الحنفيّة والحنابلة ، مستحبّ عند الشّافعيّة ، وهو كما في افتتاح الصّلاة على نحو ما سبق بيانه .
والتّسبيح بين التّكبيرات الزّوائد في صلاة العيدين سنّة كذلك عند الحنفيّة والحنابلة ومستحبّ عند الشّافعيّة ، ولا يقول به المالكيّة ، بل كرهوه ، أو أنّه خلاف الأولى عندهم ، فلا يفصل الإمام بين آحاده إلاّ بقدر تكبير المؤتمّ ، بلا قول من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير .
وليس فيه عند الحنفيّة ذكر مسنون بين هذه التّكبيرات ، ولا بأس بأن يقول : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه أكبر . وهو أولى من السّكوت ، كما في القهستانيّ .
وعند الشّافعيّة : يذكر اللّه بين كلّ تكبيرتين بالمأثور ، وهو عند الأكثرين منهم : سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلاّ اللّه ، واللّه أكبر . ويجوز عند الحنابلة أن يقول بين كلّ تكبيرتين من هذه التّكبيرات : اللّه أكبر كبيراً ، والحمد للّه كثيراً ، وسبحان اللّه بكرةً وأصيلاً ، وصلّى اللّه على محمّد النّبيّ وآله وسلّم تسليماً كثيراً ، لقول عقبة بن عامر سألت ابن مسعود رضي الله عنه ممّا يقوله بين تكبيرات العيد فقال : يحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم رواه الأثرم وحرب واحتجّ به أحمد .
التّسبيح للإعلام بالصّلاة :
19 - اختلف في تسبيح المؤذّنين للإعلام بالصّلاة بين كونه بدعةً حسنةً ، أو مكروهةً على خلاف سبق في مصطلح : ( أذان ) .
صلاة التّسبيح :
20 - ورد في صلاة التّسبيح حديث اختلف في صحّته .
وللفقهاء خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( صلاة التّسبيح ) .
أماكن ينهى عن التّسبيح فيها :
21 - لمّا كان التّسبيح نوعاً من الذّكر ، وهو مكروه في الأماكن التّالية ، كان التّسبيح مكروهاً كذلك فيها ، لأنّ النّهي عن العامّ نهي عن الخاصّ ، وذلك تنزيهاً لاسم اللّه عن الذّكر في هذه الأماكن المستقذرة طبعاً . فيكره التّسبيح وغيره من الذّكر في الخلاء عند قضاء الحاجة ، وفي مواضع النّجاسات والقاذورات ، والمواضع الدّنسة بنجاسة أو قذارة ، وعند الجماع ، وفي الحمّام والمغتسل ، وما أشبه ذلك متى كان باللّسان . أمّا بالقلب فقط فإنّه لا يكره . وما لم تكن هناك ضرورة له كإنقاذ أعمى من الوقوع في بئر أو غيره ، أو تحذير معصوم من هلكة كغافل أو ما أشبه ذلك . والأولى التّحذير بغير التّسبيح والذّكر في مثل هذه الحالات . كما يكره الذّكر - ومنه التّسبيح - لمن يسمع صوت الخطيب في الجمعة لما تقدّم.
التّعجّب بلفظ التّسبيح :
22 - يجوز التّعجّب بلفظ التّسبيح . ففي الصّحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لقي أبا هريرة ، وأبو هريرة جنب ، فانسلّ ، فذهب فاغتسل ، فتفقّده النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلمّا جاء قال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : يا رسول اللّه لقيتني وأنا جنب ، فكرهت أن أجالسك حتّى أغتسل . فقال : سبحان اللّه ! ، إنّ المؤمن لا ينجس » . وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه « أنّ أخت الرّبيّع أمّ حارثة جرحت إنساناً ، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : القصاص القصاص فقالت أمّ الرّبيّع : يا رسول اللّه أتقتصّ من فلانة ؟ واللّه لا يُقْتَصُّ منها . فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : القصاص كتاب اللّه . سبحان اللّه يا أمّ الرّبيّع ! » .
التّسبيح أمام الجنازة :
23 - يكره عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لمشيّع الجنازة رفع صوته بالذّكر والتّسبيح ، لأنّه من البدع المنكرات ، ولا كراهة في ذلك لو كان في نفسه سرّاً ، بحيث يسمع نفسه ، ويستحبّ له أن يشغل نفسه بذكر اللّه والتّفكير فيما يلقاه الميّت ، وأنّ هذا عاقبة أهل الدّنيا . ويتجنّب ذكر ما لا فائدة فيه من الكلام ، فعن قيس بن عبادة رضي الله عنه أنّه قال : « كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصّوت عند الجنائز ، وعند القتال ، وعند الذّكر » ، ولأنّه تشبّه بأهل الكتاب فكان مكروهاً .
التّسبيح عند الرّعد :
24 - التّسبيح عند الرّعد مستحبّ عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، فيقول سامعه عند سماعه : سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته ، اللّهمّ لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا من قبل ذلك . فقد روى مالك في الموطّأ عن عبد اللّه بن الزّبير رضي الله عنهما « أنّه كان إذا سمع الرّعد ترك الحديث وقال : سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته » ، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « كنّا مع عمر رضي الله عنه في سفر ، فأصابنا رعد وبرق وبرد ، فقال لنا كعب رضي الله عنه : من قال حين يسمع الرّعد : سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته - ثلاثاً - عوفي من ذلك الرّعد ، فقلنا فعوفينا » .
قطع التّسبيح :
25 - الفقهاء متّفقون على أنّ المسبِّح وغيره من الذّاكرين ، أو التّالين لكتاب اللّه ، إذا سمعوا المؤذّن - وهو يؤذّن أذاناً مسنوناً - يقطعون تسبيحهم ، وذكرهم وتلاوتهم ، ويجيبون المؤذّن . وهو مندوب عند الجمهور . وهناك قول عند الحنفيّة بالوجوب .
ثواب التّسبيح :
26 - ثواب التّسبيح عظيم ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « من قال سبحان اللّه وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّتْ خطاياه ، ولو كانت مثل زبد البحر » وفي الباب أحاديث كثيرة .

تسبيل *
التّعريف :
1 - من معاني التّسبيل لغةً واصطلاحاً جعل الشّيء في سبيل اللّه . يقال : سبّل فلان ضيعته تسبيلاً : أي جعلها في سبيل اللّه ، وسبّلتُ الثّمرة : حملتها في سبيل الخير وأنواع البرّ . وفي حديث وقْفِ عمر رضي الله عنه قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إن شئتَ حبستَ أصلها وتصدّقت بها » أي : اجعلها وقفاً وأَبِحْ ثمرتها لمن وقفتها عليه . وسبّلتَ الشّيء : إذا أبحته ، كأنّك جعلت إليه طريقاً مطروقةً . وسبيل اللّه عامّ يقع على كلّ عمل خالص سلك به طريق التّقرّب إلى اللّه تعالى بأداء الفرائص والنّوافل وأنواع التّطوّعات ، وقد يطلق السّبيل على حوض الماء المباح للواردين .
وفي النّظم المستعذب في شرح غريب المهذّب تسبيل الثّمرة : أن يجعل الواقف لها سبيلاً : أي طريقاً لمصرفها . وفي كشّاف القناع : تسبيل المنفعة : أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلّة وثمرة وغيرها للجهة المعيّنة تقرّباً إلى اللّه تعالى .
ويطلق التّسبيل أيضاً - اصطلاحاً - على الوقف ، يقال : سبّلت الدّار أي وقفتها .
فالتّسبيل من ألفاظ الوقف الصّريحة عند الشّافعيّة والحنابلة ، بأن يقول الواقف : سبّلت داري لسكنى فقراء بلدة كذا وساكنيها .
فلفظ التّسبيل صريح في الوقف ، لأنّه موضوع له ومعروف فيه ، وثبت له عرف الشّرع ، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه : « إن شئت حبست أصلها وسبّلت ثمرتها » فصار هذا اللّفظ في الوقف كلفظ التّطليق في الطّلاق . وإضافة التّحبيس إلى الأصل والتّسبيل إلى الثّمرة لا يقتضي المغايرة في المعنى ، فإنّ الثّمرة محبّسة أيضاً على ما شرط صرفها إليه . وأمّا عند الحنفيّة ، لو قال الواقف : أرضي هذه للسّبيل إن تعارفوا وقفاً مؤبّداً ، كان كذلك . وإلاّ سئل فإن قال : أردت الوقف صار وقفاً ، لأنّ لفظه يحتمل ذلك ، أو قال : أردت معنى الصّدقة فهو نذر ، فيتصدّق بها أو بثمنها . وإن لم ينو كانت ميراثاً .
وأمّا المالكيّة فالّذي يظهر من كلامهم أنّ جعل الشّيء في السّبيل يقتضي التّصدّق بعينه ما لم توجد قرينة تصرفه إلى معنى وقف العين والتّصدّق بثمرتها أو منفعتها .
الحكم الإجماليّ :
2 - التّسبيل قربة مندوب إليها بالاتّفاق ، لحديث « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة : إلاّ من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » وقوله تعالى : { وافْعَلُوا الخَيرَ } وفعله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ « عمر رضي الله عنه أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكان قد ملك مائة سهم من خيبر فقال : قد أصبتُ مالاً لم أُصِبْ مثله ، وقد أردت أن أتقرّب به إلى اللّه تعالى ، فقال إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها » ، وقال جابر : لم يكن أحد من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلاّ وقف وتفصيله في مصطلح ( صدقة - وقف ) .

تسجيل *
انظر : توثيق .

تسرّي *
التّعريف :
1 - التّسرّي في اللّغة : اتّخاذ السّرّيّة . يقال : تسرّى الرّجل جاريته وتسرّى بها واستسرّها : إذا اتّخذها سرّيّةً ، وهي الأمة المملوكة يتّخذها سيّدها للجماع .
وهي في الأصل منسوبة إلى السّرّ بمعنى : الجماع ، غير أنّهم ضمّوا السّين تجنّباً لحصول اللّبس ، فرقاً بينها وبين السّرّيّة وهي الحرّة الّتي يتزوّجها الرّجل سرّاً . وقيل هي من السُّرّ بمعنى الإخفاء ، لأنّ الرّجال كثيراً ما كانوا يتّخذون السّراري سرّاً ، ويخفونهنّ عن زوجاتهم الحرائر . وقيل : هي من السّرّ بالضّمّ بمعنى السّرور ، وسمّيت الجارية سرّيّةً ، لأنّها موضع سرور الرّجل ، ولأنّه يجعلها في حال تَسُرّها من دون سائر جواريه .
وفي الاصطلاح : إعداد الأمة لأن تكون موطوءةً .
2 - ويتمّ التّسرّي عند الحنفيّة بأمرين : الأوّل : أن يحصن الرّجل أمته ، والثّاني : أن يجامعها . وتحصينها : بأن يبوّئها منزلاً ويمنعها من الخروج ، فلو وطئ دون تحصين لم يثبت بذلك التّسرّي ، ولو حملت منه . والجماع بأن يجامعها فعلاً ، فلو حصّنها وأعدّها للوطء لم يثبت التّسرّي بذلك ما لم يطأ فعلاً . فإذا وطئ المحصنة ثبت التّسرّي سواء أفضى بمائه إليها أم لا ، بأن لم ينزل أصلاً ، أو أنزل وعزل . وهذا قول أبي حنيفة ومحمّد . وقال أبو يوسف ، ونقل عن الشّافعيّ : لا يتمّ التّسرّي إلاّ بأن يفضي إليها بمائه ، فلو وطئ فلم ينزل ، أو أنزل وعزل ، لم يثبت التّسرّي بذلك ، ولو حلف لا يتسرّى لم يحنث بذلك .
والمقدّم عند الحنابلة أنّ التّسرّي يثبت بوطء الأمة المملوكة غير المحرّمة على واطئها ، سواء حصّنها أم لا ، أنزل أم لا . وفي قول القاضي أبي يعلى : لا يتمّ التّسرّي إلاّ بالوطء والإنزال . ولم نجد للمالكيّة نصّاً في هذه المسألة .
وسوف يكون هذا البحث على أنّ التّسرّي هو وطء الرّجل مملوكته مطلقاً ، سواء كان مع الوطء تحصين أم لم يكن ، ليكون شاملاً لكلّ ما يتعلّق بوطء الإماء بالملك ، ولأنّ ما ذكر من الخلاف عند الحنفيّة لا يظهر أثره ، إلاّ في نحو الحنث في الحلف على التّسرّي .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - النّكاح :
3 - النّكاح : هو التّزوّج بعقد . وقد يتزوّج الرّجل أمةً لغيره ينكحه إيّاها سيّدها ، ولا يسمّى ذلك تسرّياً . ولا ينكح الحرّ الأمة إلاّ إذا خاف العنت .
ب - الحَظِيّة :
4 - الحظيّة : المرأة تنال حظوةً لدى الرّجل من بين نسائه ، سواء أكانت زوجةً أم سرّيّةً .
ج - ملك اليمين :
5 - ملك اليمين أعمّ من التّسرّي ، لأنّه قد يطأ بملك اليمين بدون تسرّ ، أمّا السّرّيّة فلا بدّ أن تكون معدّةً للوطء .
حكم التّسرّي :
6 - التّسرّي جائز بالكتاب والسّنّة والإجماع إذا تمّت شروطه كما يأتي .
أمّا الكتاب ففي مواضع منها قوله تعالى : { وَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتَامَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لكم مِن النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُم ألاّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أيمَانُكمْ ذلكَ أَدْنَى أَلاّ تَعُولُوا } وقوله { حُرِّمَتْ عليكم أُمَّهَاتُكم وبَنَاتُكم ... } إلى قوله : { وَالمُحْصَنَاتُ مِن النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيمانُكُم } وقوله : { والّذينَ هم لِفُروجِهم حَافِظُونَ إلاّ على أَزْوَاجِهم أو ما مَلَكَتْ أَيمَانُهم فَإِنَّهم غَيرُ مَلُومِين } قال ابن عابدين : فمن لام المتسرّي على أصل الفعل ، بمعنى : أنّك فعلت أمراً قبيحاً فهو كافر لهذه الآية ، لكن لا يكفر إن لامه على تسرّيه ، لأنّه يشقّ على زوجته أو نحو ذلك .
وأمّا السّنّة فقد { قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس لا تُوطَأُ حاملٌ حتّى تَضَعَ ، ولا غيرَ ذاتِ حَمْلٍ حتّى تحيضَ حَيْضَةً » « وأعطى حسّان بن ثابت رضي الله عنه إحدى الجواري الّتي أهداها له المقوقس ، وقال لحسّان دونَك هذه بَيِّضْ بها ولدك » .
والسّنّة الفعليّة أيضاً دالّة على جواز التّسرّي ، فإنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كانت له سرار : قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى : { يَا أَيُّها النَّبيُّ إنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ ومَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَيكَ } قال : أي وأباح لك التّسرّي ممّا أخذت من الغنائم ، وقد ملك صفيّة وجويرية رضي الله عنهما ، فأعتقهما وتزوّجهما ، وملك ريحانة بنت شمعون النّصرانيّة ومارية القبطيّة رضي الله عنهما ، وكانتا من السّراري . أي فكان يطؤهما بملك اليمين . وكذلك الصّحابة رضي الله عنهم اتّخذوا السّراري ، فكان لعمر رضي الله عنه أمّهات أولاد أوصى لكلّ واحدة منهنّ بأربعمائة درهم ، وكان لعليّ رضي الله عنه أمّهات أولاد ، وكان عليّ بن الحسين ، والقاسم بن محمّد ، وسالم بن عبد اللّه بن عمر من أمّهات الأولاد . وروي أنّ النّاس لم يكونوا يرغبون في أمّهات الأولاد حتّى ولد هؤلاء الثّلاثة ، فرغب النّاس فيهنّ .
وأجمعت الأمّة على ذلك ، واستمرّ ذلك عند المسلمين دون نكير من أحد إلى حين انتهاء الرّقّ في العصر الحديث . وقد كثر التّسرّي في العصر الأمويّ والعصر العبّاسيّ لكثرة السّبي في الفتوح ، حتّى إنّ كثيراً من نساء الخلفاء العبّاسيّين كُنّ من السّراريّ . وكثيراً منهنّ ولدن الخلفاء . هذا وليس التّسرّي خاصّاً بالأمّة الإسلاميّة ، فقد ورد « أنّ إبراهيم عليه السلام تسرّى بهاجر الّتي وهبه إيّاها ملك مصر » ، فولدت له إسماعيل عليه السلام ، وقيل : كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة سرّيّة ، وكان التّسرّي في الجاهليّة أيضاً .
ملك السّيّد لأمته يبيح له وطأها دون عقد :
7 - لا يحتاج وطء السّيّد لأمته إلى إنشاء عقد زواج ، ولو عقد النّكاح لنفسه على مملوكته لم يصحّ النّكاح ، ولم تكن بذلك زوجةً . قال ابن قدامة : لأنّ ملك الرّقبة يفيد ملك المنفعة وإباحة البضع ، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه . ولو كان الحرّ متزوّجاً بأمة ، ثمّ ملك زوجته الأمة انفسخ نكاحها منه . ولا يجوز أن يتزوّج أمةً له فيها شرك .
حكمة إباحة التّسرّي :
8 - الحكمة في ذلك - بالإضافة إلى استعفاف مالك الأمة بها - أنّ في التّسرّي تحصين الإماء لكيلا يَمِلْنَ إلى الفجور ، وثبوت نسب أولادهنّ إلى السّيّد ، وكون الأولاد أحراراً . وإذا ولدت الأمة من سيّدها تكون أمّ ولد ، فتصير حرّةً عند موته كما يأتي .
حكم السّرّيّة إذا ولدت من سيّدها :
9 - إذا ولدت السّرّيّة لسيّدها استحقّت العتق بموت سيّدها بحكم الشّرع ، وتسمّى حينئذ ( أمّ ولد ) ولا يمنع ذلك من استمرار تسرّي سيّدها بها إلى أن يموت أحدهما ، ولا تباع ، ولها أحكام خاصّة ( ر : أمّ ولد ) .
رد مع اقتباس