تزكية الشّهود الذّمّيّين لمثلهم :
18 - إذا ترافع الذّمّيّون أمام قاض مسلم ، وطلبوا منه الفصل فيما شجر بينهم ، وأحضر المدّعي شهوده الذّمّيّين على المدّعى عليهم الذّمّيّين ، فقد قال الحنفيّة : التّزكية للذّمّيّ تكون بالأمانة في دينه ولسانه ويده ، وأنّه صاحب يقظة . فإن لم يعرفه المسلمون سألوا عنه عدول الذّمّيّين . ولم يعثر على حكم تزكية الذّمّيّين في المذاهب الأخرى .
رجوع المزكّي عن التّزكية :
19 - يرى أبو حنيفة أنّه لو رجع المزكّون عن تزكيتهم للشّهود ، بأن قالوا مثلاً : إنّ الشّهود عبيد أو مجوس ، وقد زكّيناهم ونحن نعلم ذلك ، فالدّية على المزكّين عند أبي حنيفة ، ولا يقتصّ منهم لو رجم المشهود عليه بالزّنا وهو محصن .
وقال الصّاحبان : بل يقتصّ منهم وأمّا إذا قالوا : أخطأنا في التّزكية فلا شيء عليهم .
وقيل : الخلاف بين الإمام وصاحبيه فيما إذا أخبر المزكّون أنّ الشّهود أحرار ، فإذا هم عبيد أمّا إذا قالوا : هم عدول ، فبانوا عبيداً لا يضمنون إجماعاً ، لأنّ العبد قد يكون عدلاً . ومذهب المالكيّة : أنّه لو رجع المزكّي لشهود الزّنا أو قتل العمد عن تزكيتهم ، بعد رجم المشهود عليه ، أو قتله قصاصاً ، فلا يغرم المزكّي شيئاً من الدّية ، سواء رجع الشّهود الأصول أم لا . وقال الشّافعيّة في الوجه الأصحّ عندهم : إنّه يتعلّق بالمزكّي الرّاجع القصاص والضّمان ، لأنّه ألجأ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل . وفي وجه آخر : لا ، لأنّه لم يتعرّض للمشهود عليه ، وإنّما أثنى على الشّاهد ، والحكم يقع بالشّاهد ، فكان كالممسك مع القاتل . وفي وجه ثالث : يتعلّق به الضّمان دون القصاص .
قال القفّال : الخلاف فيما إذا قال المزكّيان : علمنا كذب الشّاهدين . فإن قالا : علمنا فسقهما فلا شيء عليهما ، لأنّهما قد يكونان صادقين مع الفسق ، وطرد الإمام الخلاف في الحالين .
وعند الحنابلة أنّ المزكّيين إذا رجعا عن التّزكية ضمنا ، لأنّهما تسبّبا في الحكم غير الحقّ ، فيضمنان كرجوع شهود الإحصان .
تزكية الشّهود بعضهم لبعض :
20 - يكفي عند الحنفيّة تزكية أحد الشّاهدين صاحبه في الأصحّ ، لأنّ العدل لا يتّهم بمثله . وغاية ما فيه أنّ فيه منفعةً من حيث القضاء بشهادته ، ولكنّ العدل لا يتّهم بمثله كما لا يتّهم في شهادة نفسه . وفي الفتح أنّ بعضهم قال : لا يجوز ، لأنّه متّهم ، حيث كان بتعديله رفيقه يثبت القضاء بشهادته .
ولكنّ الصّحيح ما ذكر ، لأنّ شهادته تتضمّن مثل هذه المنفعة وهي القضاء بها ، فكما أنّه لم يعتبر الشّرع مع عدالته ذلك مانعاً ، كذلك تعديله لمن شهد معه .
وعند المالكيّة : أنّ الشّاهد لا يزكّي من شهد معه ، ولا تقبل معه شهادته في ذلك الحقّ . وأجاز سحنون إذا شهدت طائفة بعد ذلك أن تزكّي كلّ طائفة صاحبتها ، وهو عنده بمنزلة ما لو شهدتا في حقّين مختلفين . وروي عنه أنّ ذلك لا يجوز ولو شهدتا في حقّين مختلفين . وعند الشّافعيّة : أنّه لا يجوز أن يزكّي أحد الشّاهدين الآخر ، وفيه وجه ضعيف أنّه يجوز .
التّزكية تكون على عين المزكّي :
21 - التّزكية الّتي تشترط وتقبل تكون على عين المزكّي ، وذلك في تزكية العلانية . وصفتها : أن يحضر القاضي المزكّي - بعدما زكّى الشّهود في السّرّ - ليزكّيهم علانيةً بين يديه ، ويشير إليهم فيقول : هؤلاء عدول عندي ، إزالةً للالتباس ، واحترازاً عن التّبديل والتّزوير . قال ابن فرحون : لا يزكّى الشّاهد إذا لم يعرفه القاضي إلاّ على عينه ، وليس على القاضي أن يسأل المزكّي عن تفسير العدالة إذا كان المزكّي عالماً بوجوهها ، ولا عن الجرحة إذا كان عالماً بها .
ولم يصرّح الحنابلة بتكرار سؤال المزكّي أمام الشّهود وإشارته إلى عين من يزكّيهم .
الإعذار إلى المدّعى عليه في تزكية المزكّين :
22 - هل على القاضي أن يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى من شهد عليه من تلقاء نفسه ؟ أو يطلب من المدّعى عليه أو لا يعذر أصلاً .
الّذي يفيده كلام الحنفيّة : أنّه لا يعذر إلى المدّعى عليه فيمن زكّى شهود المدّعي . إذ قالوا : اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة .
وقال المالكيّة : ممّا لا يعذر فيه مزكّي السّرّ ، وهو من يخبر القاضي في السّرّ بحال الشّهود من عدالة أو جرح . ولو سأل الطّالب المقيم للبيّنة عمّن جرّحها لا يلتفت إلى سؤاله .
وكذلك لو سأل المطلوب عمّن زكّى بيّنة الطّالب ، فإنّه لا يلتفت إليه ، لأنّه لا يقيم لذلك إلاّ من يثق به ، فهو قائم مقام القاضي فلا يعذر في نفسه .
وكذلك الشّاهد المبرز في العدالة الفائق أقرانه فيها لا يعذر فيه لغير العداوة ، ويعذر فيه فيها ، ومثلها القرابة . وكذلك المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه ، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه ، ومعناه أنّ الشّاهد على من يخشى منه لا يسمّى له .
ومؤدّى ذلك أنّ غير المذكورين يعذر فيهم إلى المشهود عليه .
وقال الشّافعيّة : بعد السّؤال والبحث ومشافهة المزكّي بما عنده ، فإن كان جرحاً ستره ، وقال للمدّعي : زدني في شهودك ، أو تعديلاً عمل بمقتضاه .
وظاهر ذلك أنّه يعمل بمقتضى الجرح والتّعديل ، من غير أن يقول للمدّعي الّذي أحضر الشّهود : إنّ شهودك قد جرّحهم فلان وفلان ، ولا يقول للمدّعى عليه : إنّ من شهدوا عليك قد عدّلهم فلان وفلان . هذا ولم نطّلع على حكم ذلك عند الحنابلة .
تزكية رواة الأحاديث :
23 - الأحكام الّتي تقدّمت هي في شهود الدّعاوى . أمّا بالنّسبة لرواة الأحاديث فقد أجمع جماهير أئمّة الحديث والفقه على أنّه يشترط فيمن يحتجّ بروايته : أن يكون عدلاً ضابطاً لما يرويه ، بأن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً ، سالماً من أسباب الفسق وما يخلّ بالمروءة متيقّظاً غير مغفّل ، حافظاً إن حدّث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدّث من كتابه . وإن كان يحدّث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك : أن يكون عالماً بما يحيل المعاني .
وعدالة الرّاوي تارةً تثبت بتنصيص معدّلين على عدالته ، وتارةً تثبت بالاستفاضة ، فيمن اشتهرت عدالته من أهل النّقل أو نحوهم من أهل العلم ، ومن شاع الثّناء عليه بالثّقة والأمانة استغني فيه بذلك عن بيّنة شاهدة بعدالته تنصيصاً ، وهذا هو الصّحيح في مذهب الشّافعيّ ، وعليه الاعتماد في فنّ أصول الفقه .
وذلك مثل الإمام مالك وأبي بكر الخطيب الحافظ .
والتّعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصّحيح المشهور ، لأنّ أسبابه كثيرة يصعب حصرها ، بخلاف الجرح ، فإنّه لا يقبل إلاّ مفسّراً مبيّن السّبب ، لأنّ النّاس يختلفون فيما يجرّح ولا يجرّح .
وهناك تفصيلات وأحكام أخرى يرجع إليها في الملحق الأصوليّ ،وفي علم مصطلح الحديث .
تزكية الإنسان نفسه :
24 - نهى اللّه عزّ وجلّ عن تزكية الإنسان نفسه بقوله تعالى : { فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُم هوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } . وليس من التّزكية المذمومة بيان الإنسان لبعض صفاته على سبيل التّعريف ، حيث يحتاج إلى ذلك في توليته ، كما حصل لنبيّ اللّه يوسف عليه السلام حيث قال : { اجْعَلْنِي على خَزَائنِ الأرضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } . والتّفصيل في مصطلح : ( مدح ) .
تزويج *
التّعريف :
1 - التّزويج لغةً : مصدر زوّج . يقال : تزوّجت امرأةً ، وزوَّجه امرأةً أي : قرنه بها .
وفي التّنزيل : { وَزَوَّجْنَاهم بِحُورٍ عِينٍ } أي قرنّاهم بهنّ ، وكلّ شيئين اقترن أحدهما بالآخر فهما زوجان ، والاسم من التّزويج : الزّواج .
وهو في الاصطلاح كما عرّفه الحنفيّة : عقد يفيد ملك استمتاع الرّجل بالمرأة ، وحلّ استمتاع المرأة بالرّجل على وجه مشروع .
الحكم التّكليفيّ :
2 - التّزويج ليس له حكم واحد ينطبق عليه في جميع الحالات بل يختلف حكمه باختلاف النّاس من ناحية قدرتهم على مطالب الزّواج واستعدادهم للقيام بالحقوق الزّوجيّة .
فيكون فرضاً أو واجباً أو حراماً أو مكروهاً أو مندوباً أو مباحاً .
فيكون فرضاً أو واجباً : إذا كان الشّخص في حالة يتيقّن فيها الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ، وكان قادراً على النّفقة والمهر وحقوق الزّواج الشّرعيّة ، ولا يستطيع الاحتراز عن الوقوع في الزّنى ونحوه .
ويكون حراماً : إذا كان المرء في حالة يتيقّن فيها عدم القيام بأمور الزّوجيّة والإضرار بالمرأة إذا هو تزوّج .
ويكون مكروهاً : إذا خاف الشّخص الوقوع في الجور والضّرر إن تزوّج ، لعجزه عن الإنفاق أو عدم القيام بالواجبات الزّوجيّة .
ويكون مندوباً : في حالة الاعتدال ، وهي أن يكون الشّخص معتدل الطّبيعة ، بحيث لا يخشى الوقوع في الزّنى إن لم يتزوّج ، ولا يخشى أن يظلم زوجته إن تزوّج ، وهذا عند جمهور الفقهاء . وقال الشّافعيّة : إنّ الزّواج في هذه الحالة مباح ، يجوز فعله وتركه .
مَنْ له ولاية التّزويج :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الرّجل الحرّ البالغ العاقل الرّشيد له أن يزوّج نفسه ، وأن يباشر عقد النّكاح دون إذن من أحد ، لما له من حرّيّة التّصرّف في خالص حقّه . كما أنّ له أن يوكّل غيره في تزويجه ، وأن يزوّج غيره بالولاية أو الوكالة .
أمّا الصّغير والمجنون فلا ولاية لهما على أنفسهما ، وإنّما يزوّجهما الوليّ أباً أو جدّاً ، أو الوصيّ عليهما . ولا يجوز للصّغير والمجنون مباشرة عقد النّكاح ، لعدم أهليّتهما .
والسّفيه لا يصحّ له الزّواج بدون إذن القيّم عليه عند المالكيّة والشّافعيّة ، خلافاً للحنفيّة والحنابلة فيجوز له أن يتزوّج بلا إذن وليّه ، وأن يباشر العقد عند الحنفيّة ، لأنّه عقد غير ماليّ فصحّ منه ، وإن لزم منه المال ، فحصوله بطريق الضّمن ، فلا يمنع الحجر عليه من العقد . وقال ابن قدامة في تزويج القيّم للسّفيه : إن تزوّج صحّ النّكاح بإذن وليّه وبغير إذنه وقال أبو الخطّاب : لا يصحّ بغير إذن وليّه .
والولاية على الصّغير والمجنون ولاية إجبار ، فيجوز للوليّ تزويجهما ، بدون إذنهما ، إذا كان في ذلك مصلحة . وهذا بلا خلاف .
لكن الاختلاف فيمن له ولاية الإجبار ، هل الأب فقط أو الأب والجدّ ، أو الأب والجدّ والوصيّ أو غيرهما . وينظر تفصيل ذلك في ( ولاية ) .
تزويج المرأة نفسها :
4 - المرأة البالغة العاقلة الحرّة الرّشيدة لا يجوز لها تزويج نفسها ، بمعنى أنّها لا تباشر العقد بنفسها ، وإنّما يباشره الوليّ عند جمهور الفقهاء ، لحديث « لا نِكاح إلاّ بوليّ » وروي عن عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها ، فإن تشاجروا فالسّلطان وليّ من لا وليّ له » ولقوله صلى الله عليه وسلم « لا تنكح المرأة المرأة ، ولا تنكح المرأة نفسها » .
ولا يجوز لها أن تزوّج غيرها ، سواء أكانت المرأة بكراً أم ثيّباً . وقالوا : البكر يجبرها الوليّ على النّكاح ، لكن يستحبّ إذنها . أمّا الثّيّب إن كانت صغيرةً فلا يجوز تزويجها حتّى تبلغ ، وتستأذن . وذلك عند الشّافعيّة .
وفي وجه عند الحنابلة ، وهو ظاهر قول الخرقيّ ، واختاره ابن حامد وابن بطّة والقاضي . وعند المالكيّة ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة : أنّ لأبيها تزويجها ، ولا يجب أن يستأمرها ، وهو أيضاً قول للحنفيّة . والعلّة عندهم هي الصّغر ، ولذلك له ولاية إجبارها .
أمّا الثّيّب الكبيرة - فإنّها وإن كانت لا تلي عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور - إلاّ أنّه لا يجوز تزويجها بدون إذنها ورضاها لما « روت الخنساء بنت خذام الأنصاريّة أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب ، فكرهت ذلك ، فأتت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فردّ نكاحه » . ولحديث « الثّيّب أحقّ بنفسها من وليّها » .
أمّا الحنفيّة : فإنّه لا يجوز عندهم إجبار البالغة على النّكاح بكراً كانت أم ثيّباً ، ولها أن تعقد النّكاح بنفسها . ففي الهداية : ينعقد نكاح الحرّة العاقلة البالغة برضاها ، وإن لم يعقد عليها وليّ ، بكراً كانت أو ثيّباً عند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرّواية .
وعن أبي يوسف أنّه لا ينعقد إلاّ بوليّ . وعند محمّد ينعقد موقوفاً .
ووجه الجواز : أنّها تصرّفت في خالص حقّها وهي من أهله ، لكونها عاقلةً بالغةً مميّزةً ، وإنّما يطالب الوليّ بالتّزويج كي لا تنسب إلى الوقاحة . والثّيّب من باب أولى إذا كانت كبيرةً ، فإنّها تعقد على نفسها . أمّا الصّغيرة سواء أكانت بكراً أم ثيّباً فلوليّها إجبارها على النّكاح ، لأنّ ولاية الإجبار تدور مع الصّغر وجوداً وعدماً . وأمّا المجنونة فللوليّ إجبارها على النّكاح مطلقاً ، وهذا باتّفاق . وفي كلّ ما مرّ تفصيل ينظر في ( نكاح - ولاية ) .
تزوير *
التّعريف :
1 - التّزوير في اللّغة : مصدر زوّر ، وهو من الزّور ، والزّور : الكذب ، قال تعالى : { والّذين لا يَشْهَدُونَ الزّورَ } وزوّر كلامه : أي زخرفه ، وهو أيضاً : تزيين الكذب .
وزوّرت الكلام في نفسي : هيّأته ، ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه : ما زوّرت كلاماً لأقوله إلاّ سبقني إليه أبو بكر . أي : هيّأته وأتقنته . وله في اللّغة معان أخرى .
وفي الاصطلاح : تحسين الشّيء ووصفه بخلاف صفته ، حتّى يخيّل إلى من سمعه أو رآه أنّه بخلاف ما هو عليه في الحقيقة . فهو تمويه الباطل بما يوهم أنّه حقّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الكذب :
2 - الكذب هو : الإِخبار بما ليس مطابقاً للواقع . وبينه وبين التّزوير عموم وخصوص وجهيّ ، فالتّزوير يكون في القول والفعل ، والكذب لا يكون إلاّ في القول .
والكذب قد يكون مزيّناً أو غير مزيّن ، والتّزوير لا يكون إلاّ في الكذب المموّه .
ب - الخلابة :
3 - الخلابة هي : المخادعة ، وتكون بستر العيب ، وتكون بالكذب وغيره .
ت - التّلبيس :
4 - التّلبيس من اللَبْس ، وهو اختلاط الأمر ، وهو ستر الحقيقة وإظهارها بخلاف ما هي عليها .
ث - التّغرير :
5 - التّغرير هو : الخديعة والإيقاع في الباطل وفيما انطوت عاقبته .
ج – الغشّ :
6 - الغشّ مصدر غشّه إذا لم يمحّضه النّصح ، بل خدعه .
والغشّ يكون بالقول والفعل ، فالتّزوير والغشّ لفظان متقاربان .
ح - التّدليس :
7 - التّدليس : كتمان العيب ، وهو في البيع كتمان عيب السّلعة عن المشتري .
والتّدليس أخصّ من التّزوير ، لأنّه خاصّ بكتمان العيب في السّلعة المبيعة ، أمّا التّزوير فهو أعمّ ، لأنّه يكون بالقول والفعل وفي السّلعة المبيعة وغيرها .
خ - التّحريف :
8 - التّحريف : تغيير الكلام عن مواضعه والعدول به عن حقيقته .
د - التّصحيف :
9 - والتّصحيف : هو تغيير اللّفظ حتّى يتغيّر المعنى المراد .
وقد تقدّمت الألفاظ ذات الصّلة وما يتعلّق بها من أحكام في مصطلح ( تدليس ) ( وتحريف ).
الحكم التّكليفيّ :
10 - الأصل في التّزوير أنّه محرّم شرعاً في الشّهادة لإبطال حقّ أو إثبات باطل .
والدّليل على حرمته قوله تعالى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِن الأوثَانِ واجْتَنِبُوا قَولَ الزّورِ } ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال الإشراك باللّه وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متّكئاً ، ثمّ قال : ألا وقول الزّور . فما يزال يكرّرها حتّى قلنا : ليته سكت » .
11 - وقد استثني من حرمة التّزوير أمور : منها الكذب في الحرب ، وتطييب خاطر زوجته ليرضيها ، والإصلاح بين النّاس .
واستدلّوا بحديث : أسماء بنت يزيد مرفوعاً : « لا يحلّ الكذب إلاّ في ثلاث : يحدّث الرّجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين النّاس » ومنه : الكذب لدفع ظالم على مال له أو لغيره أو عرض ، وفي ستر معصية منه أو من غيره . وقد نقل عن النّوويّ : الظّاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثّلاثة ، ولكنّ التّعريض أولى .
وقال ابن العربيّ : الكذب في الحرب هو من المستثنى الجائز بالنّصّ .
قال صلى الله عليه وسلم : « الحرب خدعة » ، وفيه : الأمر باستعمال الحيلة في الحرب مهما أمكن ذلك . وفيه : التّحريض على أخذ الحذر في الحرب ، والنّدب إلى خداع الكفّار . وقال النّوويّ : اتّفقوا على جواز خداع الكفّار في الحرب كيفما أمكن ، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان ، فلا يجوز . وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه .
وجاء في حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : مَنْ لكعب بن الأشرف ؟ فإنّه قد آذى اللّه ورسوله ؟ قال محمّد بن مسلمة : أتحبّ أن أقتله يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : فأتاه ، فقال : هذا - يعني النّبيّ صلى الله عليه وسلم - قد عنّانا وسألنا الصّدقة . قال : وأيضاً واللّه لتمُلُنَّه قال : فإنّا اتّبعناه فنكره أن ندعه حتّى ننظر إلى ما يصير أمره . قال : فلمْ يزل يكلّمه حتّى استمكن منه فقتله » .
فقوله : عنّانا أي : كلّفنا بالأوامر والنّواهي ، وقوله : سألنا الصّدقة أي : طلبها منّا ليضعها مواضعها ، وقوله : نكره أن ندعه أي نكره فراقه .
فقوله له من قبيل التّعريض والتّمويه والتّزوير ، حتّى يأمنه فيتمكّن من قتله .
وجاء في رواية : « ائذن لي أن أقول . قال : قل » فيدخل فيه الكذب تصريحاً وتلويحاً .
وفي سيرة ابن هشام : « أتى نُعَيمُ بن مسعود رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه ، إنّي قد أسلمت ، وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئت ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إنّما أنت فينا رجل واحد ، فخذّل عنّا إن استطعت ، فإنّ الحرب خدعةٌ . فخرج نعيم بن مسعود حتّى أتى بني قريظة ، فقال لهم : لا تقاتلوا مع القوم - الأحزاب - حتّى تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم ، يكونون بأيديكم ثقةً لكم على أن تقاتلوا معهم محمّداً ، حتّى تناجزوه ، فقالوا له : لقد أشرت بالرّأي . ثمّ خرج حتّى أتى قريشاً فقال لهم : قد عرفتم ودّي لكم وفراقي محمّداً ، وأنّه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقّاً أن أُبلِغكموه ، نصحاً لكم . تعلموا أنّ معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمّد ، وقد أرسلوا إليه : إنّا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين ، من قريش وغطفان ، رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم ، فتضرب أعناقهم ، ثمّ نكون معك على من بقي منهم حتّى نستأصلهم ؟ فأرسل إليهم : أن نعم . فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُناً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً . ثمّ خرج حتّى أتى غطفان ، فقال لهم مثل ما قال لقريش ، وحذّرهم ما حذّرهم وأرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بني قريظة : فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّداً ونفرغ ممّا بيننا وبينه ، فأرسلوا إليهم : ولسنا بالّذين نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً من رجالكم ، يكونون بأيدينا ثقةً لنا ، حتّى نناجز محمّداً ، فإنّا نخشى إن ضرّستكم الحرب واشتدّ عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا ، والرّجل في بلدنا ، ولا طاقة لنا بذلك منه . فلمّا رجعت إليهم الرّسل بما قالت بنو قريظة ، قالت قريش وغطفان : واللّه إنّ الّذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ . فأرسلوا إلى بني قريظة : إنّا واللّه لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا . فقالت بنو قريظة ، حين انتهت الرّسل إليهم بهذا : إنّ الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا ، فإن رأوا فرصةً انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم ، وخلّوا بينكم وبين الرّجل في بلدكم ، فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنّا واللّه لا نقاتل معكم محمّداً حتّى تعطونا رُهُناً . فأبوا عليهم ، وخذل اللّه بينهم ، وبعث اللّه عليهم الرّيح في ليال شاتية باردة شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنيتهم » .
القضاء بشهادة الزّور :
12 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد وزفر ، وهو المفتى به عند الحنفيّة ، إلى أنّ قضاء الحاكم بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً لا باطناً ، ولا يزيل الشّيء عن صفته الشّرعيّة سواء العقود من النّكاح وغيره والفسوخ ، ويستوي في ذلك الأملاك المرسلة ( أي الّتي لم يبيّن سبب ملكها من إرث أو شراء ) وغير المرسلة .
واستدلّوا : بخبر : « إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار » .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ القضاء بشهادة الزّور ينفذ ظاهراً وباطناً في الفسوخ والعقود ، حيث كان المحلّ قابلاً ، والقاضي غير عالم ." لقول عليّ رضي الله عنه لامرأة أقام عليها رجل بيّنةً على أنّه تزوّجها ، فأنكرت ، فقضى له عليّ . فقالت له : لم يتزوّجني ، فأمّا وقد قضيت عليّ فجدّد نكاحي ، فقال : لا أجدّد نكاحك ، الشّاهدان زوّجاك ". ومحلّ تفصيل هذا في مصطلح : ( قضاء ) ( وشهادة ) .
التّزوير في الأيمان :
13 - الأصل أنّ التّزوير في اليمين حرام ، وهي اليمين الغموس : وهي الّتي يكذب فيها الحالف عامداً عالماً عند الجمهور . وعند المالكيّة الّتي يكذب فيها الحالف عمداً ، أو يشكّ في المحلوف عليه ، أو يظنّ منه ظنّاً غير قويّ .
وقد يكون تزوير اليمين جائزاً أو واجباً - على الخلاف بين الفقهاء - فيما إذا تعيّن تزوير اليمين عند الإكراه عليها أو الاضطرار إليها ، لدفع الأذى عن نفسه أو عن مظلوم .
وقد تقدّم تفصيل أحكام اليمين الغموس في مصطلح : ( أيمان ) .
تضمين شهود الزّور :
14 - يضمن شهود الزّور ما ترتّب على شهادتهم من ضمان ، فإن كان المحكوم به مالاً ردّ إلى صاحبه ، وإن كان إتلافاً فعلى الشّهود ضمانه ، لأنّهم سبب إتلافه .
وذهب الشّافعيّة ، والحنابلة إلى وجوب القصاص على شهود الزّور ، إذا شهدوا على رجل بما يوجب قتله ، كأن شهدوا عليه بقتل عمد عدوان ، أو بردّة ، أو بزنًى وهو محصن ، فقتل بشهادتهما ، ثمّ رجعا ، وأقرّا بتعمّد قتله بتلك الشّهادة ، لعلمهما أنّه يقتل بشهادتهما .
فيجب القصاص عليهما لتعمّد القتل بتزوير الشّهادة ، لأنّ شهادتهما سبب القتل ، ولا يجب القصاص بنفس التّزوير والكذب .
وتجب عليهما الدّية المغلّظة إذا آل الأمر إليها بدل القصاص .
وكذلك الحكم إذا شهدا زوراً بما يوجب القطع قصاصاً فقطع ، أو في سرقة لزمهما القطع ، وإذا سرى أثر القطع إلى النّفس فعليهما القصاص في النّفس .
كما يجب القصاص على القاضي إذا قضى زوراً بالقصاص ، وكان يعلم بكذب الشّهود .
وذهب المالكيّة والحنفيّة : إلى أنّ الواجب هو الدّية لا القصاص .
لأنّ القتل بشهادة الزّور قتل بالسّبب ، والقتل تسبّباً لا يساوي القتل مباشرةً ، ولذا قصر أثره فوجبت به الدّية لا القصاص . ومحلّ وجوب القصاص أو الدّية إذا تبيّن كذب الشّهود ، أو رجعوا عن شهادتهم بعد استيفاء القصاص .
أمّا إذا رجعوا قبله وبعد الحكم فينقض الحكم ، ولا غرم على الشّهود ، بل يعزّرون .
ويجب حدّ القذف على شهود الزّور إذا شهدوا بالزّنى ، ويقام عليهم الحدّ سواء تبيّن كذبهم قبل الاستيفاء أو بعده ، إلاّ أنّه يجب عليهم القصاص مع حدّ القذف إذا شهدوا بالزّنى على محصن ، فرجم بسبب شهادتهم . وللتّفصيل في أحكام القصاص والقذف ينظر مصطلح ( جناية ، حدود ، قصاص ) وكذلك ( شهادة ) ( وقضاء ) .
التّزوير بالأفعال :
15 - يقع التّزوير في البيوع بإخفاء عيوب السّلعة وتزيينها وتحسينها ، لإظهارها بشكل مقبول ترغيباً فيها ، كتصرية الحيوان ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ، أو صبغ المبيع بلون مرغوب فيه ، وكالكذب في سعر السّلعة في بيوع الأمانات وهي : المرابحة والتّولية والحطيطة . ويقع التّزوير كذلك بمحاكاة خطّ القاضي أو تزوير توقيعه أو شهادة الشّهود في سجلّات القضاء بما يسلب الحقوق من أصحابها .
كما يقع التّزوير في النّكاح بأن يكتم أحد الزّوجين عيباً فيه عن الآخر . وقد يقع التّزوير بتسويد الشّعر بقصد التّغرير والكذب . وهذه الأنواع من التّزوير هي من التّزوير المحرّم ، وهي داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( تدليس ، تسويد ، بيع ، نكاح ، شهادة ، قضاء وعيب ) .
التّزوير في النّقود والموازين والمكاييل :
16 - التّزوير فيها يكون بالنّقص من مقاديرها ، بغشّها أو تغيير أوزانها أو أحجامها ، كأن تخلط دنانير الذّهب أو دراهم الفضّة بمعادن أخرى كالنّحاس والرّصاص ، رغبةً في نقص مقدار الذّهب أو الفضّة الخالصين ، أو بالنّقص من حجم الدّينار أو الدّرهم .
أو أن ينقص من وزن الصّنج الّتي يستعملها في الموازين ، أو حجم المكيال ، رغبةً في زيادة الرّبح وتقليل المبيع الموزون أو المكيل .
والتّزوير في النّقود والموازين والمكاييل محرّم داخل في قوله تعالى : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إذا اكْتَالُوا على النّاسِ يَسْتَوفُونَ وَإذَا كَالُوهُمْ أو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } .
وداخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » كما أنّ فيه إفساداً للنّقود ، وإضراراً بذوي الحقوق ، وإغلاء الأسعار ، والنّقص من الصّدقات ، وانقطاع ما يجلب إلى البلاد من حوائج النّاس . ولذلك كان من وظيفة المحتسب أن يتفقّد عيار المثاقيل والصّنج ، وعليه أن يعيّر أوزانها ويختمها بختمه ، حتّى يأمن تزويرها وتغيير مقاديرها . كما تدخل في وظيفته مراقبة مقادير دنانير الذّهب ودراهم الفضّة وزناً وحجماً .
ولا يجوز للإمام ضرب الدّراهم المغشوشة ، وحرمته في حقّ غير الإمام أشدّ ، لأنّ الغشّ فيها يخفى على النّاس فيكون الغرر بها أكبر . بخلاف الإمام ، لأنّ ما يضربه من دنانير ودراهم يشهر ويعرف مقداره .
كما لا يجوز لغير الإمام ضرب الدّنانير والدّراهم الخالصة غير المغشوشة ، لأنّه لا يؤمن فيها الغشّ والفساد .
صور التّزوير في المستندات وطرق التّحرّز منها :
17 - جاء في تبصرة الحكّام : ومثله في معين الحكّام : ينبغي للموثّق أن يتأمّل الأسماء الّتي تنقلب بإصلاح يسير ، فيتحفّظ في تغييرها ، نحو مظفر فإنّه ينقلب إلى مظهر ، ونحو بكر فإنّه ينقلب إلى بكير ، ونحو عائشة فإنّه يصلح عاتكة . وقد يكون آخرَ السّطر بياضاً يمكن أن يزاد فيه شيء آخر . وكذلك ينبغي أن يحذر من أن يتمّم عليه زيادة حرف من الكتاب مثل أن يكتب في الوثيقة : أقرّ أنّ له عنده ألف درهم ، فإن لم يذكر عقب العدد بيان نصفه بأن يقول : ( الّذي نصفه خمسمائة مثلاً ) أمكن زيادة ألف فتصير ( ألفا درهم ) . وفي التّنبيه لابن المناصف : ولا ينبغي أن ينصب لكتابة الوثائق إلاّ العلماء العدول ، كما قال مالك رضي الله تعالى عنه : لا يكتب الكتب بين النّاس إلاّ عارف بها ، عدل في نفسه ، مأمون على ما يكتبه لقوله تعالى : { وَلْيَكْتُبْ بينَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ } وأمّا من لا يحسن وجوه الكتابة ، ولا يقف على فقه الوثيقة ، فلا ينبغي أن يمكّن من الانتصاب لذلك ، لئلاّ يفسد على النّاس كثيراً من معاملاتهم . وكذلك إن كان عالماً بوجوه الكتابة إلاّ أنّه متّهم في دينه ، فلا ينبغي تمكينه من ذلك وإن كان لا يضع اسمه بشهادة فيما يكتب ، لأنّ مثل هذا يعلّم النّاس وجوه الشّرّ والفساد ، ويلهمهم تحريف المسائل لتوجّه الإشهاد ، فكثيراً ما يأتي النّاس اليوم يستفتون في نوازل من المعاملات الرّبويّة والمشاركة الفاسدة والأنكحة المفسوخة ونحو ذلك ممّا لا يجوز ، فإذا صرفهم عن ذلك أهل الدّيانة أتوا إلى مثل هؤلاء ، فحرّفوا ألفاظها ، وتحيّلوا لها بالعبارة الّتي ظاهرها الجواز ، وهي مشتملة على صريح الفساد ، فضلّوا وأضلّوا . وتمالأ كثير من النّاس على التّهاون بحدود الإسلام ، والتّلاعب في طريق الحرام ، { وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
وجاء في " تبصرة الحكّام " أيضاً ، وفي " العالي الرّتبة في أحكام الحسبة " لأحمد بن موسى بن النّحويّ الدّمشقيّ الشّافعيّ فيما يتعلّق بالموثّق ممّا لا يخالف قواعد مذهب مالك رضي الله تعالى عنه ، قال : فإذا فرغ الكاتب من كتابته استوعبه ( أي كتابته ) وقرأه وتميّز ألفاظه ، وينبغي أن يميّز في خطّه بين السّبعة والتّسعة وإن كان فيه مائة درهم كتب بعدها ( واحدةً ) وينبغي أن يذكر نصفها ، فإن كانت ( أي الدّراهم ) ألفاً كتب واحداً وذكر نصفه رفعاً للّبس ، وإن كانت خمسة آلاف زاد فيها لا ما تصيّرها ( آلاف ) لئلاّ تصلّح الخمسة فتصير خمسين ألفاً ويحترز بذكر التّنصيف ممّا يمكن الزّيادة فيه كالخمسة عشر تصير خمسةً وعشرين ، والسّبعين تسعين ، فإن لم يذكر الكاتب النّصف من المبلغ فينبغي للشّهود أن يذكروا المبلغ في شهادتهم لئلاّ يدخل عليهم الشّكّ لو طرأ في الكتاب تغيير وتبديل ، وإن وقع في الكتاب إصلاح وإلحاق نبّه عليه وعلى محلّه في الكتاب ، وينبغي له أن يكمل أسطر المكتوب جميعها لئلاّ يلحق في آخر السّطر ما يفسد بعض أحكام المكتوب أو يفسده كلّه ، فلو كان آخر سطر مثلاً . ( وجعل النّظر في الوقف المذكور ) وفي أوّل السّطر الّذي يليه ( لزيد ) وكان في آخر السّطر فرجة أمكن أن يلحق فيها ( لنفسه ) ثمّ لزيد ، فيبطل الوقف وما أشبه ذلك ، فإن اتّفق أنّه بقي في آخر السّطر فرجة لا تسع الكلمة الّتي يريد كتابتها لطولها وكثرة حروفها ، فإنّه يسدّ تلك الفرجة بتكراره تلك الكلمة الّتي وقف عليها أو كتب فيها صحّ ، أو صادّاً ممدودةً ، أو دائرةً مفتوحةً ، ونحو ذلك ممّا يشغل به تلك الفرجة ، ولا يمكن إصلاحها بما يخالف المكتوب . وإن ترك فرجةً في السّطر الأخير كتب فيها حسبي اللّه أو الحمد للّه ، مستحضراً لذكر اللّه ناوياً له ، أو يأمر أوّل شاهد يضع خطّه في المكتوب أن يكتب في تلك الفرجة . وإن كتب في ورقة ذات أوصال كتب علامته على كلّ وصل ، وكتب عدد الأوصال في آخر المكتوب ، وبعضهم يكتب عدد أسطر المكتوب ، وإن كان للمكتوب نسخ ذكرها وذكر عدّتها ، وأنّها متّفقة ، وهذا نبّه عليه ابن سهل وابن الهنديّ وغيرهما .
ومثله في معين الحكّام أيضاً وقال : إنّ ذلك ممّا لا يخالف قواعد أبي حنيفة رضي الله عنه . وجاء في مجلّة الأحكام العدليّة ( المادّة 1814 ) ونصّها :
يضع القاضي في المحكمة دفتراً للسّجلّات ، ويقيّد ويحرّر في ذلك الدّفتر الإعلامات والسّندات الّتي يعطيها بصورة منتظمة سالمة عن الحيلة والفساد ، ويعتني بالدّقّة بحفظ ذلك الدّفتر ، وإذا عزل سلّم السّجلّات المذكورة إلى خلفه ، إمّا بنفسه أو بواسطة أمينه .
إثبات التّزوير :
18 - يثبت التّزوير بإقرار المزوّر على نفسه ، أو ظهور الكذب يقيناً ، كأن يشهد بقتل رجل وهو حيّ ، أو شهد على رجل أنّه فعل شيئاً في وقت ، وقد مات قبل ذلك الوقت ، أو لم يولد إلاّ بعده ، وأشباه ذلك .
19 - أمّا التّزوير في الوثائق ، فذهب اللّخميّ من المالكيّة ، وأبو اللّيث من الحنفيّة : إلى أنّه إذا ادّعى رجل على رجل بمال فجحده ، فأخرج المدّعي صحيفةً مكتوبةً بخطّ المدّعى عليه ، فأنكر المدّعى عليه ذلك ، وليس بينهما بيّنة ، فطلب المدّعي أن يجبر على أن يكتب بحضرة العدول ، ويقابل ما كتبه بما أظهره المدّعي ، فإنّه يجبر على الكتابة ، وعلى أن يطوّل فيما يكتب تطويلاً لا يمكن معه أن يستعمل خطّاً غير خطّه ، فإن ظهر بين الخطّين تشابه ظاهر دالّ على أنّهما خطّ كاتب واحد ، فإنّه حجّة يقضي بها .
وقال أبو اللّيث : وبه قال أئمّة بخارى . وقال عبد الحميد الصّائغ من المالكيّة : إنّه لا يجبر عليه ، كما لا يجبر على إحضار بيّنة تشهد عليه .
وفرّق اللّخميّ بين إلزامه بالكتابة وعدم إلزامه بإحضار الشّهادة عليه بأنّ المدّعى عليه يقطع بتكذيب البيّنة الّتي تشهد عليه ، فلا ينبغي أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه ، أمّا خطّه فإنّه صادر منه بإقراره ، والعدول يقابلون بما يكتبه الآن بما أحضره المدّعي ، ويشهدون بموافقته أو مخالفته . كما نقل صاحب المحيط عن محمّد بن الحسن أنّه نصّ أنّ ذلك لا يكون حجّةً ، لأنّها لا تكون أعلى حالاً ممّا لو أقرّ فقال : هذا خطّي ، وأنا كتبته ، غير أنّه ليس له عليّ هذا المال ، كان القول قوله ولا شيء عليه .