عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 05-19-2012, 07:19 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ترميم المستأجر من شريكين :
8 - إذا استأجر شخص ما داراً مشتركةً بين اثنين مثلاً من صاحبيها ، ثمّ احتاجت إلى مرمّة ، فاستأذن فيها واحداً منهما فحسب ، فأذن له دون رجوع إلى شريكه فليس للمستأجر حقّ الرّجوع على الشّريك الآخر بما أنفقه في المرمّة .
فإن كان للآذن حقّ الرّجوع على شريكه كان للمستأجر الرّجوع على آذنه بالنّفقة كلّاً ، ثمّ يرجع هذا على شريكه بحصّته من النّفقة . وإن لم يكن له حقّ الرّجوع فإذنه لغو في حصّة شريكه ، وليس للمستأجر إلاّ الرّجوع على الآذن وحده بنسبة حصّته .
ثالثاً : ترميم الرّهن :
9 - كلّ ما يحتاج إليه لبقاء الرّهن ومصلحته فهو على الرّاهن ، لأنّه باق على ملكه ، وذلك مؤنة الملك . وكلّ ما كان لحفظه فعلى المرتهن ، لأنّ حبسه له ، فلو شرط منه شيء على الرّاهن لا يلزمه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :
« الظّهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً ، ولبن الدّرّ يشرب بنفقته ، وعلى الّذي يركب ويشرب النّفقة » والّذي يركب هو الرّاهن ، فوجب أن تكون النّفقة عليه ، ولأنّ الرّقبة والمنفعة على ملكه ، فكانت النّفقة عليه .
ويقول الحنابلة : إنّ مؤنة الرّهن على راهنه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يُغْلَقُ الرَّهنُ من صاحبه الّذي رهنه ، له غُنْمه وعليه غُرْمه » ولأنّه ملك للرّاهن فكان عليه نفقته وما يحتاج إليه .
فإن امتنع الرّاهن من بذل ما وجب عليه أجبره الحاكم عليه ، فإن لم يفعل أخذ الحاكم من ماله وفعله ، فإن تعذّر أَخْذُ ذلك من الرّهنِ بيع منه فيما يجب على الرّاهن فعله بقدر الحاجة ، لأنّ حفظ البعض أولى من إضاعة الكلّ ، فإن خيف استغراق البيع للرّهن في الإنفاق عليه بيع كلّه وجعل ثمنه رهناً مكانه لأنّه أحظّ لهما .
وإن أنفق المرتهن على الرّهن بلا إذن الرّاهن ، مع قدرته على استئذانه ، فمتبرّع حكماً لتصدّقه به ، فلا يرجع بعوضه ولو نوى الرّجوع ، كالصّدقة على مسكين ، ولتفريطه بعدم الاستئذان . وإن تعذّر استئذانه وأنفق بنيّة الرّجوع رجع ولو لم يستأذن الحاكم ، لاحتياجه لحراسة حقّه . وتفصيل ذلك ينظر في ( رهن ) .

تروية *
انظر : يوم التّروية .

ترياق *
التّعريف :
1 - التِّرْياق بكسر فسكون ، وجُوِّز ضمّه وفتحه ، ولكنّ المشهور الأوّل وهو معرّب ، ويقال بالدّال والطّاء أيضاً : دواء يستعمل لدفع السّمّ وهو أنواع .
الحكم الإجماليّ :
2 - قال الحنابلة : التّرياق دواء يتعالج به من السّمّ ، ويجعل فيه من لحوم الحيّات ، ولذلك لم يبيحوا أكله ولا شربه ، لأنّ لحم الحيّة حرام ، ولا يجوز التّداوي بمحرّم ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » وعن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال : « سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : ما أبالي ما أتيت إنْ أنا شربت ترياقاً ، أو تعلّقت بتميمة ، أو قلت الشّعر من قبل نفسي » والمعنى : أنّي إن فعلت هذه الأشياء كنت ممّن لا يبالي بما فعله من الأفعال ، ولا ينزجر عمّا لا يجوز فعله شرعاً . وقال الخطّابيّ : ليس شرب التّرياق مكروهاً من أجل التّداوي .
وقد أباح رسول اللّه صلى الله عليه وسلم التّداوي والعلاج في عدّة أحاديث ، ولكن من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي ، وهي محرّمة . والتّرياق أنواع ، فإذا لم يكن فيه من لحوم الأفاعي فلا بأس بتناوله .
وممّا ورد من أحاديث في التّداوي والعلاج ما روي « عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال : كنت عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا : يا رسول اللّه أنتداوى ؟ فقال : نعم يا عباد اللّه تداووا فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً ، غير داء واحد قالوا : ما هو ؟ قال : الهرم » وفي لفظ « إنّ اللّه لم ينزل داءً إلاّ أنزل له شفاءً ، علمه من علمه ، وجهله من جهله » .
وفي مرقاة المفاتيح : إذا لم يكن في التّرياق محرّم شرعاً من لحوم الأفاعي والخمر ونحوه ، فإنّه لا يكون حراماً . وبتحريم لحوم الحيّات يقول الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وللحنفيّة فيما إذا جعل لحم الحيّات في التّرياق للتّداوي - أسوةً بالتّداوي بالمحرّم - رأيان : ظاهر المذهب : المنع . وقيل : يرخّص إذا علم فيه الشّفاء ولم يعلم دواء آخر ، وعليه الفتوى . فإنّ اللّه تعالى قد أذن بالتّداوي ، وجعل لكلّ داء دواءً ، فإذا كان في ذلك الدّواء ما هو محرّم وعلم فيه الشّفاء فقد زالت حرمة استعماله ، وحلّ تناوله للتّداوي به . وحديث :
« إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » معناه : نفي الحرمة عند العلم بالشّفاء .
دلّ عليه جواز إساغة اللّقمة بالخمر ، وجواز شربها لإزالة العطش ، ما لم يوجد ما يقوم مقامها . وللشّافعيّة في التّداوي به أسوةً بالمحرّم المخالط للدّواء المنع عند البعض ، والجواز عند البعض الآخر متى علم فيه الشّفاء ولم يوجد غيره .
أمّا المالكيّة فقد أباحوا أكل الحيّة متى ذكّيت في موضع ذكاتها ، وأمن سمّها ، واحتيج لأكلها بسمّها لمن ينفعه ذلك لمرضه ، فإنّه يجوز أكلها . ومفهوم هذا أنّ لحمها متى دخل في التّرياق وخالطه فإنّه يجوز التّداوي به . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح : ( تداوي ) .

تزاحم *
التّعريف :
1 - التّزاحم في اللّغة مصدر تزاحم ، يقال : تزاحم القوم : إذا زحم بعضهم بعضاً ، أي تضايقوا في المجلس ، أو تدافعوا في المكان الضّيّق .
والاصطلاح الشّرعيّ لا يختلف عن هذا .
الحكم التّكليفيّ :
2 - تحرم المزاحمة إن ترتّب عليها أذًى لأحد ، كمزاحمة الأقوياء للضّعفاء عند استلام الحجر الأسود ، أو ترتّب عليها أمر محظور شرعاً ، كمزاحمة المرأة للرّجال في الطّواف وعند استلام الحجر الأسود وغيره من الأماكن العامّة . وقد ورد التّزاحم في أمور منها :
أوّلاً : زحم المأموم :
3 - إذا زحم المأموم وتعذّر عليه السّجود على الأرض متابعةً للإمام ، وقدر على السّجود على ظهر إنسان أو دابّة ، فهل يلزمه السّجود على ذلك ؟ اختلف فيه الأئمّة .
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّه يلزمه أن يسجد على ما يمكنه السّجود عليه ، وإن كان على ظهر إنسان أو قدمه ، لتمكّنه من المتابعة ، ولخبر « إذا اشتدّ الزّحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه » فإن لم يسجد فمتخلّف عن المتابعة بغير عذر عند الأئمّة المذكورين. وعند المالكيّة : لا يجوز السّجود على ظهر الإنسان ، فإن سجد أعاد الصّلاة . ويستدلّون لذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مكِّن جبهتك من الأرض » ولا يحصل التّمكين من الأرض في حالة السّجود على ظهر إنسان . أمّا إذا لم يتمكّن من السّجود مطلقاً ، فهل يخرج عن المتابعة أو ينتظر ؟ فيه خلاف وتفصيل ينظر في ( صلاة الجماعة )و( وصلاة الجمعة ).
ثانياً : التّزاحم في الطّواف :
4 - إذا منعت الزّحمة الطّائف من تقبيل الحجر الأسود أو استلامه اقتصر على الإشارة إليه وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء . لما روي « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال لعمر : رضي الله عنه يا عمر إنّك رجل قويّ ، لا تؤذ الضّعيف ، إذا أردتَ استلام الحجر ، فإن خلا لك فاستلمه ، وإلاّ فاستقبله وكبّر » ، . والتّفصيل في مصطلح ( إشارة وطواف ) .
ثالثاً : تزاحم الغرماء في مال المفلس :
5 - إذا أقرّ المدين المفلس - بعد الحجر عليه لحقّ الغرماء - بدين قد لزمه قبل الحجر عليه ، فهل يقبل في حقّ الغرماء الّذين حجر عليه لحقّهم ويزاحمهم المقرّ له في المال ، أم يبقى الدّين في ذمّة المحجور عليه ، لئلاّ يتضرّر الغرماء بالمزاحمة ؟
ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى : أنّه لا يقبل إقراره في حقّ الغرماء ، إن أقرّ في حال الحجر ، لأنّ هذا الحقّ تعلّق به حقّ الأوّلين . وعند المالكيّة : لا يقبل إقراره إلاّ ببيّنة .
وأظهر القولين عند الشّافعيّة أنّه يقبل أيضاً في حقّهم ويزاحمهم في المال ، كإقرار المريض في مرضه بدين يزاحم غرماء دين الصّحّة . هذا إذا أقرّ أنّه لزم الدّين قبل الحجر .
أمّا إذا لزمه بعد الحجر ففي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح : ( تفليس ) .
تزاحم الوصايا :
6 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا تزاحمت الوصايا نظر فإن كانت كلّها للّه تعالى : فإن كانت كلّها فرائض كالحجّ والزّكاة ، أو كانت كلّها واجبات كالكفّارات والنّذر ، وصدقة الفطر ، أو كانت كلّها تطوّعات : كحجّ التّطوّع والصّدقة على الفقراء يبدأ بما بدأ به الموصي .
وإن جمعت ما ذكر كحجّة الإسلام والكفّارات والنّذر وصدقة التّطوّع على الفقراء فيبدأ بالفرض ، ثمّ بالواجب ، ثمّ بالتّطوّع أمّا إذا جمعت بين حقّ اللّه وحقّ العباد فإنّه يقسم الثّلث على جميعها ، لأنّها وإن كانت كلّها للّه في واقع الأمر فكلّ واحدة منها مقصودة في نفسها فتنفرد . فلو قال : ثلث مالي في الحجّ والزّكاة ولزيد والكفّارات . قسم على أربعة أسهم ، ولا يقدّم الفرض على حقّ الآدميّ لحاجته .
هذا إذا كان الآدميّ معيّناً ، أمّا إذا كان غير معيّن فلا يقسم بل يقدّم الأقوى فالأقوى ، لأنّ الكلّ يبقى حقّاً للّه تعالى ، إذا لم يكن هناك مستحقّ معيّن .
وقال الشّافعيّة : لا يقدّم الواجب على غير الواجب سواء كان تطوّعاً للّه أو لآدميّ . بل تتزاحم الوصايا فيوزّع عليه وعلى غيره ، ثمّ يكمّل الواجب من صلب المال ، إن لم يف الثّلث ، وبهذا قال : أبو الخطّاب من الحنابلة .
وعند الحنابلة : إن أوصى بأداء الواجب من الثّلث تصحّ الوصيّة ، فإن لم تكن له وصيّة غير هذه لم تفد الوصيّة شيئاً ويؤدّي من ماله كلّه كما لو لم يوص . وإن أوصى لجهة أخرى قدّم الواجب ، وإن فضل شيء من الثّلث بعد الواجب فهو للتّبرّع . ( ر : الوصيّة ) .
7- وإن أوصى بشيء معيّن لشخص ، ثمّ أوصى به لآخر ، فالموصى به بين الموصى له به أوّلاً والموصى له به ثانياً ، لتعلّق حقّ كلّ واحد منهما على السّواء ، فوجب أن يشتركا كما لو جمع بينهما في الوصيّة . وإن أوصى لشخص بثلث ماله ثمّ أوصى بثلثه لآخر فالثّلث بينهما إن لم يجز الورثة الثّلثين ، وإن أجاز الورثة أخذ كلّ واحد منهما ثلثه ، لتغايرهما . وكذا إن أوصى بكلّ ماله لشخص ثمّ أوصى به لآخر فهو بينهما للتّزاحم .
وإن مات أحدهما قبل موت الموصي فكلّ المال للآخر ، وكذا إن تأخّر موتهما عن موت الموصي وردّ أحدهما الوصيّة بعد موت الموصي لأنّه اشتراك تزاحم ، وقد زال بموت المزاحم وردّه . هذا إذا لم يوجد ما يدلّ على رجوع الموصي عن الوصيّة ، فإن وجد ما يدلّ على الرّجوع عن الوصيّة الأولى ، كأن يقول : أوصيت لفلان بما أوصيت به لفلان ، فهو رجوع عن الوصيّة لظهوره فيه . والتّفصيل في مصطلح : ( وصيّة ) .
خامساً : القتل بالزّحام :
8 - ذهب الأئمّة الثّلاثة : أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنّه إذا تزاحم قوم على بئر ، أو باب الكعبة ، أو في الطّواف ، أو في مضيق ، ثمّ تفرّقوا على قتيل لم يعرف قاتله لا يكون ذلك لوثاً ، وهو قول إسحاق ، وروي ذلك عن عمر وعليّ رضي الله عنهما .
ثمّ اختلفوا في ديته ، فقال الحنفيّة والحنابلة : إنّ ديته في بيت المال ، واستدلّوا بما روى سعيد بن منصور في سننه عن إبراهيم قال : قتل رجل في زحام النّاس بعرفة ، فجاء أهله لعمر فقال : بيّنتكم على من قتله . فقال عليّ يا أمير المؤمنين : لا يطلّ دم امرئ مسلم ، إن علمت قاتله ، وإلاّ فأعط ديته من بيت المال .
وقال المالكيّة : دمه هدر ، لأنّه لا يعلم له قاتل ، ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة ، لأنّ أسباب القسامة عندهم خمسة . وليس فيها التّفرّق في الزّحام عن قتيل .
وقال الشّافعيّة : إنّ ذلك يكون لوثاً ، ولا يشترط أن تكون بينهم وبينه عداوة . وقال الحسن والزّهريّ فيمن مات في الزّحام : ديته على من حضر لأنّ قتله حصل منهم ، وكذا لو تزاحم قوم لا يتصوّر اجتماعهم على القتل في مضيق ، وتفرّقوا عن قتيل ، فادّعى الوليّ القتل على عدد منهم يتصوّر اجتماعهم فيقبل ، ويمكّن من القسامة .
مواطن البحث :
9 - يذكر الفقهاء التّزاحم في صلاة الجمعة والجماعة : في حال تعذّر متابعة المأموم للإمام في انتقالاته للزّحمة . وفي باب التّفليس : إذا ظهر دين بعد حجر المفلس للغرماء أو طرأ التزام ماليّ جديد . وفي الطّواف : إذا عسر عليه استلام الحجر أو تقبيله .

تزكية *
التّعريف :
1 - التّزكية لغةً : مصدر زكّى . يقال : زكّى فلان فلاناً : إذا نسبه إلى الزّكاء ، وهو الصّلاح . وزكا الرّجل يزكو : إذا صلح ، فهو زكيّ والجمع أزكياء .
قال الرّاغب : أصل الزّكاة النّموّ الحاصل عن بركة اللّه تعالى ، ويعتبر ذلك بالأمور الدّنيويّة والأخرويّة . يقال : زكا الزّرع يزكو : إذا حصل منه نموّ وبركة . وقال تعالى : { أيُّها أَزْكَى طَعَامَاً } إشارةً إلى ما يكون حلالاً لما لا يستوخم عقباه ، ومنه الزّكاة لما يخرج الإنسان من حقّ اللّه تعالى إلى الفقراء ، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة ، أو لتزكية النّفس أي تنميتها بالخيرات والبركات ، أو لهما جميعاً ، فإنّ الخيرين موجودان فيها . وبزكاة النّفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحقّ في الدّنيا الأوصاف المحمودة ، وفي الآخرة الأجر والمثوبة ، وهو أن يتحرّى الإنسان ما فيه تطهيره ، وذلك ينسب تارةً إلى العبد ، لكونه مكتسباً لذلك ، نحو { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وتارةً ينسب إلى اللّه تعالى لكونه فاعلاً لذلك في الحقيقة نحو { بَل اللّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } وتارةً إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكونه واسطةً في وصول ذلك إليهم نحو { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } وقوله تعالى : { يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا ويُزَكِّيكُم } وتارةً إلى العبادة الّتي هي آلة في ذلك نحو { وَحَنَانَاً مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً } ونحو { لأَهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيَّاً } أي مزكًّى بالخلقة ، وذلك على طريق ما ذكرنا من الاجتباء ، وهو أن يجعل بعض عباده عالماً وطاهر الخلق لا بالتّعلّم والممارسة ، بل بتوفيق إلهيّ .
وتزكية الإنسان نفسه ضربان : أحدهما : بالفعل وهو محمود ، وإليه قصد بقوله : { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وقوله { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } .
والثّاني : بالقول كتزكية العدل غيره ، وذلك مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه ، وقد نهى اللّه تعالى عنه فقال : { فَلا تُزَكُّوا أَنْفَسَكُمْ } ونهيه عن ذلك تأديب ، لقبح مدح الإنسان نفسه عقلاً وشرعاً ، ولهذا قيل لحكيم : ما الّذي لا يحسن وإن كان حقّاً ؟ فقال : مدح الرّجل نفسه . والفقهاء يعبّرون عن النّسبة إلى الصّلاح بالتّزكية أو التّعديل فهما مترادفان .
ويعرّفون التّزكية في باب القضاء بأنّها : تعديل الشّهود .
وتزكية الرّجل ماله : أن يخرج القدر الواجب عليه من الزّكاة فيه .
والجَرْحُ ضدّ التّزكية ، وهو في اللّغة : القطع في الجسم ، ومنه قولهم : جرحه بلسانه جرحاً : إذا عابه وتنقّصه ، ومنه : جرحت الشّاهد أو الرّاوي : إذا أظهرت فيه ما تردّ به شهادته أو روايته . وقد أطلق الفقهاء على من يبعث إليه للتّحرّي عن الشّهود ( المزكّي ) وهو في الحقيقة يزكّي ويجرح ، ولكن وصف بأحسن الوصفين .
حكم التّزكية :
2 - ذهب الإمام أبو حنيفة ، وإحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد : أنّه يقضي بظاهر العدالة ، إلاّ إذا طعن الخصم في عدالة من شهد ، واستثنى أبو حنيفة الحدود والقصاص ، فأوجب فيهما التّزكية وإن لم يطعن الخصم .
وعند الإمام أحمد في الرّواية المذكورة : يستوي في ذلك الحدّ والمال . وقال الإمام مالك وأبو يوسف ومحمّد والشّافعيّة ، والإمام أحمد في الرّواية الأخرى عنه : إنّ التّزكية واجبة في كلّ الأمور ، لكنّ ذلك مشروط بما إذا لم يعرف القاضي حال الشّهود ، فإن عرف عدالتهم فلا حاجة إلى التّزكية . وإن عرف أنّهم مجروحون ردّ شهادتهم ، وذلك عند جميع الفقهاء .
3 - واستدلّ أصحاب القول الأوّل على جواز الحكم بظاهر العدالة بقول عمر : المسلمون عدول بعضهم على بعض . « وبأنّ أعرابيّاً جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشهد برؤية الهلال ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم أتشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ؟ فقال : نعم . فقال : أتشهد أنّي رسول اللّه ؟ فقال : نعم . فصام وأمر النّاس بالصّيام » .
ولأنّ العدالة أمر خفيّ سببها الخوف من اللّه تعالى ، ودليل ذلك الإسلام ، فإذا وجد فليكتف به ، ما لم يقم على خلافه دليل .
واستدلّ لأبي حنيفة في استثناء الحدود والقصاص ولزوم التّحرّي فيها وإن لم يطعن الخصم : بأنّ الحدود والقصاص ممّا يحتاط فيها وتندرئ بالشّبهات بخلاف غيرها .
واستدلّ القائلون بوجوب التّزكية في كلّ الأمور بقوله تعالى : { مِمَّنْ تَرْضَونَ مِن الشّهَدَاء } ولا يعلم أنّه مرضيّ حتّى نعرفه . وبأنّ العدالة شرط ، فوجب العلم بها كالإسلام ، كما لو طعن الخصم في الشّهود . أمّا الأعرابيّ المسلم ، فإنّه كان من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت عدالتهم بثناء اللّه تعالى عليهم ، فإنّ من ترك دينه في زمن رسول اللّه إيثاراً لدين الإسلام وصحبة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثبتت عدالته ." وللأثر عن عمر رضي الله عنه أنّه أتي بشاهدين ، فقال لهما عمر : لست أعرفكما ولا يضرّكما إن لم أعرفكما ، جيئا بمن يعرفكما ، فأتيا برجل ، فقال له عمر : تعرفهما ؟ فقال : نعم . فقال عمر : صحبتَهما في السّفر الّذي يتبيّن فيه جواهر النّاس ؟ قال : لا . قال : عاملتَهما بالدّنانير والدّراهم الّتي تقطع فيها الرّحم ؟ قال : لا . قال : كنت جاراً لهما تعرف صباحهما ومساءهما ؟ قال : لا . قال : يا ابن أخي لست تعرفهما . جيئا بمن يعرفكما ".
قال ابن قدامة : وهذا بحث يدلّ على أنّه لا يكتفى بدونه .
4 - هذا ، وقد قال علماء الحنفيّة : إنّ الخلاف بين الإمام وصاحبيه ليس اختلافاً حقيقيّاً ، بل هو اختلاف عصر وزمان ، فإنّ النّاس في عهده كانوا أهل خير وصلاح ، لأنّه زمن التّابعين ، وقد شهد لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالخيريّة بقوله : « خير النّاسُ قَرْني ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ الّذين يلونهم ، ثمّ يجيء من بعدهم قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم ، وأيمانُهم شهادتَهم » فكان الغالب في أهل زمانه الصّلاح والسّداد ، فوقعت الغنية عن السّؤال عن حالهم في السّرّ ، ثمّ تغيّر الزّمان وظهر الفساد في قرنهما ، فوقعت الحاجة إلى السّؤال عن العدالة . ومن العلماء من حقّق الاختلاف .
متى تسقط التّزكية :
5 - قال إسماعيل بن حمّاد ناقلاً عن أبي حنيفة : أربعة شهود لا يسأل عن عدالتهم : شاهدا ردّ الظّنّة ، وشاهدا تعديل العلانية ، وشاهدا الغربة ، وشاهدا الأشخاص .
وقال المالكيّة : إنّ الشّاهد المبرز في العدالة - أي الفائق أقرانه فيها - لا يعذر فيه لغير العداوة ، ويعذر فيه فيها . ومثلها القرابة . ومنها أنّ المحكوم عليه إذا كان يخشى منه على من شهد عليه ، فإنّه لا يعذر إليه فيمن شهد عليه .
ونقل صاحب المغني عن مالك : أنّه يقبل شهادة المتوسّمين ، وذلك إذا حضر مسافران ، فشهدا عند حاكم لا يعرفهما ، يقبل شهادتهما إذا رأى فيهما سيما الخير ، لأنّه لا سبيل إلى معرفة عدالتهما ، ففي التّوقّف عن قبولها تضييع الحقوق ، فوجب الرّجوع فيهما إلى السّيما الجميلة . ومعنى هذا أنّ الشّهود المذكورين لا يسمّون لمن شهدوا عليه ليزكّيهم أو يطعن فيهم ، بل يحكم بشهادتهم من غير تزكية ، للأسباب الّتي أوردوها .
أقسام التّزكية :
6 - التّزكية نوعان : تزكية السّرّ ، وتزكية العلانية .
أمّا تزكية السّرّ ، فينبغي للقاضي أن يختار للمسألة عن الشّهود من هو أوثق النّاس وأورعهم ديانةً وأعظمهم درايةً وأكثرهم خبرةً وأعلمهم بالتّمييز فطنةً ، فيولّيه البحث عن أحوال الشّهود ، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة ، فيجب عليه المبالغة في الاحتياط فيه . وبعد أن يختار ، يكتب في رقعة أسماء الشّهود جملةً بأنسابهم وقبائلهم ومحالّهم ومصلاهم ، وعلى الجملة كلّ ما يميّزهم عن غيرهم تمييزاً لا تتمكّن معه الشّبهة ، فقد يتّفق أن تتّحد الأسماء وتتّفق الأوصاف وغير ذلك .
فإذا كتب القاضي دفع المكتوب إلى من يستأمنه على ذلك ، وأخفاه عن كلّ من سواه ، لئلاّ يعلم أحد فيخدع الأمين ، وعلى المرسل أمين القاضي أن يتعرّف أحوال الشّهود ممّن يعرف حالهم ، فيسأل عنهم أهل الثّقة من جيرانهم وأهل محلاتهم ، وأن يسأل أهل أسواقهم .
أمّا تزكية العلانية ، فتكون بعد تزكية السّرّ .
وكيفيّتها : أن يحضر القاضي المزكّي بعدما زكّى ، ليزكّي الشّهود أمامه .
وهل يلزم أن يجمع بين التّزكية في السّرّ والتّزكية في العلانية ؟ اختلف الفقهاء في ذلك .
قال الحنفيّة : اليوم وقع الاكتفاء بتزكية السّرّ ، لما في تزكية العلانية من بلاء وفتنة .
وقال المالكيّة : يندب للقاضي تزكية السّرّ مع تزكية العلانية . فإن اقتصر على تزكية السّرّ أجزأه قطعاً كالعلانية على الرّاجح . وقال الشّافعيّة : بعد تزكية السّرّ يشافه المبعوث الحاكم بما سمعه من المبعوث إليه . وقيل : يشافه المبعوث إليه بما يعلمه المبعوث من جهة الحاكم . وقيل : تكفي كتابته . والظّاهر من كلام الحنابلة أنّه يكتفى بتزكية السّرّ .
7- ثمّ هل المعتبر قول المرسل إليه ( المزكّي ) أو قول المرسلين ، ويسمّون أصحاب المسائل ؟ قال بعض الشّافعيّة : المعوّل عليه شهادة المزكّي .
ونقل الشّيخان من الشّافعيّة : أنّهما نقلا عن جمع من الأصحاب أنّ المعوّل على قول أصحاب المسائل ، خلافاً لأبي إسحاق ، وأنّ ابن الصّبّاغ اعتذر عن قبولها ، وهي شهادة على شهادة - والأصل حاضر - لمكان الضّرورة .
التّعارض بين التّزكية والجرح :
اختلف فقهاء الحنفيّة في التّعارض بين التّزكية والجرح ، فقد نقل معين الحكّام عن المبسوط أنّه لو عدّله واحد ، وجرّحه آخر ، أعاد المسألة . وهذا قول محمّد .
لأنّ العدالة والجرح لا يثبت عنده بقول الواحد فصارا متساويين .
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف : الجرح أولى ، لأنّ الجرح والتّعديل يثبت بقول الواحد عندهما ، وترجّح الجرح على التّعديل ، لأنّ الجارح في الجرح اعتمد على الدّليل ، وهو العيان والمشاهدة ، فإنّ سبب الجرح ارتكاب الكبيرة .
ولو جرّحه واحد وعدّله اثنان ، فالتّعديل أولى . ولو عدّله جماعة وجرّحه اثنان فالجرح أولى ، لأنّه لا يثبت التّرجيح بزيادة العدد على الاثنين .
8- وعند المالكيّة لو عدّل شاهدان رجلاً وجرّحه آخران ، ففي ذلك قولان .
قيل : يقضى بأعدلهما ، لاستحالة الجمع بينهما . وقيل : يقضى بشهود الجرح ، لأنّهم زادوا على شهود التّعديل ، إذ الجرح ممّا يبطن فلا يطّلع عليه كلّ النّاس ، بخلاف العدالة . وللّخميّ تفصيل ، قال : إن كان اختلاف البيّنتين في فعل شيء في مجلس واحد ، كدعوى إحدى البيّنتين أنّه فعل كذا في وقت كذا ، وقالت البيّنة الأخرى : لم يكن ذلك ، فإنّه يقضى بأعدلهما . وإن كان ذلك في مجلسين متقاربين قضي بشهادة الجرح ، لأنّها زادت علماً في الباطن . وإن تباعد ما بين المجلسين قضي بآخرهما تاريخاً ، ويحمل على أنّه كان عدلاً ففسق ، أو كان فاسقاً فتزكّى ، إلاّ أن يكون في وقت تقييد الجرح ظاهر العدالة فبيّنة الجرح مقدّمة ، لأنّها زادت . وعند الشّافعيّة : أنّه يقدّم الجرح على التّعديل لما فيه من زيادة العلم . فإن قال المعدّل : عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح ، قدّم قوله على قول الجارح .
أمّا الحنابلة فقد قال في المغني : فإذا رجع أصحاب مسألة فأخبر اثنان بالعدالة ، قبل القاضي شهادته . وإن أخبرا بالجرح ردّ شهادته وإن أخبر أحدهما بالعدالة والآخر بالجرح بعث آخرين ، فإن عادا فأخبرا بالتّعديل تمّت بيّنة التّعديل ، وسقط الجرح لأنّ بيّنته لم تتمّ ، وإن أخبرا بالجرح ثبت وردّ الشّهادة .
وإن أخبر أحدهما بالجرح والآخر بالتّعديل تمّت البيّنتان ويقدّم الجرح .
وقت التّزكية :
9 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّزكية تكون بعد الشّهادة لا قبلها .
عدد من يقبل في التّزكية :
10 - تقدّم أنّ التّزكية نوعان : تزكية السّرّ ، وتزكية العلانية .
فبالنّسبة لتزكية السّرّ ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في أحد قوليه : إنّ القاضي يجتزئ بواحد في تزكية السّرّ ، لأنّها ليست شهادةً بل هي إخبار .
والقول الآخر لمالك ، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّه لا بدّ من اثنين .
أمّا بالنّسبة لتزكية العلانية ، فالأئمّة الثّلاثة ، وهو المشهور عند المالكيّة : أنّه لا يقبل فيها إلاّ اثنان ، لأنّها شهادة . وقال ابن كنانة من المالكيّة : لا بدّ من ثلاثة . وعن ابن الماجشون : أنّ أقلّ ما يزكّي الرّجل أربعة شهود . وقال ابن حبيب في الواضحة : والتّزكية تختلف ، فتكون بالواحد والاثنين والجماعة ، بقدر ما يظهر للحاكم ويتأكّد عنده .
قال المتيطيّ : وما كثر من الشّهود فهو أحسن ، إلاّ أن تكون التّزكية في شاهد شهد بزناً ، فإنّ مطرّفاً روى عن مالك : أنّه لا يزكّيه إلاّ أربعة .
من تقبل تزكيته :
11 - فقهاء المذاهب - عدا الحنفيّة - قالوا : يشترط في شاهد التّزكية أن يكون مبرزاً ناقداً فطناً ، لا يخدع في عقله ، ولا تخفى عليه شروط التّعديل .
ولا تقبل التّزكية من الأبله والجاهل بشروط العدالة ، وإن كان في نفسه عدلاً مقبولاً في غير ذلك . ولا يقبل قول من يرى تعديل كلّ مسلم .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : تعديل السّرّ يقبل فيه تعديل الوالد لولده وكلّ ذي رحم محرم لرحمه ، لأنّ تعديل السّرّ ليس بشهادة . وقال محمّد : هو شهادة فلا بدّ من شهادة اثنين .
12 - وقال الحنفيّة : يقبل تعديل المرأة لزوجها وغيره ، إذا كانت امرأةً برزةً تخالط النّاس وتعاملهم ، لأنّ لها خبرةً بأمورهم فيفيد السّؤال . قالوا : وتجوز تزكية السّرّ من الأعمى والصّبيّ والمحدود في قذف . وهذا خلافاً لمحمّد .
وقال المالكيّة : لا تقبل تزكية النّساء ، لا في حقّ الرّجال ولا في حقّ النّساء .
قال ابن رشد : إنّ التّزكية يشترط فيها التّبريز في العدالة ، وهي صفة تختصّ بالرّجال .
قال : وقد قيل : إنّهنّ يزكّين الرّجال إذا شهدوا فيما تجوز شهادتهنّ فيه ، وهو قول ابن نافع وابن الماجشون في المبسوطة . والقياس جواز تزكيتهنّ للنّساء .
تزكية المشهود عليه للشّاهد :
13 - قال الحنفيّة : إذا عدّل المدّعى عليه شهود المدّعي ، بأن قال : صدقوا في شهادتهم ، أو قال : هم عدول في شهادتهم ، يقضى عليه بالمال بإقراره لا بالشّهادة ، لأنّ ذلك إقرار منه بالمال . وإن قال : هم عدول ، ولم يزد عليه ، ذكر في الجامع الصّغير : أنّه لا يصحّ هذا التّعديل ، لأنّ من زعم المدّعي وشهوده أنّ المدّعى عليه في الجحود ظالم وكاذب ، فلا تصحّ تزكيته . وقال في كتاب التّزكية : ويجوز تعديل المشهود عليه إذا كان من أهله ، لأنّ تعديل المشهود عليه بمنزلة تعديل المزكّي ، وإقراره بكون الشّاهد عدلاً لا يكون إقراراً بوجوب الحقّ على نفسه لا محالة .
وعند المالكيّة : لو أقرّ الخصم المشهود عليه بالعدالة لمن شهد عليه يحكم القاضي بهذا الإقرار ، ولو علم خلاف ذلك ، لأنّ إقراره بعدالته كإقراره بالحقّ ، حتّى لو شهدت بيّنة بخلاف عدالة الشّاهد . أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإذا شهد عند القاضي مجهول الحال ، فقال المشهود عليه : هو عدل ، فعند الشّافعيّة : فيه قولان ، وهما وجهان عند الحنابلة .
أوّلاً - لا يكفي في الأصحّ في التّعديل قول المدّعى عليه : هو عدل ، وقد غلط في شهادته عليّ . وقيل : يكفي في حقّه ، لأنّه اعترف بما لو ثبت بالبيّنة يقضى عليه .
والقولان هما الوجهان عند الحنابلة .
الأوّل : أنّه يلزم الحاكم الحكم بشهادته ، لأنّ البحث عن عدالته لحقّ المشهود عليه ، وقد اعترف بها ، ولأنّه إذا أقرّ بعدالته فقد أقرّ بما يوجب الحكم لخصمه عليه ، فيؤخذ بإقراره كسائر أقاريره .
والوجه الثّاني : أنّه لا يجوز الحكم بشهادته ، لأنّ في الحكم بها تعديلاً له ، فلا يثبت بقول واحد ، ولأنّ اعتبار العدالة في الشّاهد حقّ للّه تعالى ، ولهذا لو رضي الخصم أن يحكم عليه بقول فاسق لم يجز الحكم به ، لأنّه لا يخلو إمّا أن يحكم عليه مع تعديله أو مع انتفائه : لا يجوز أن يقال مع تعديله ، لأنّ التّعديل لا يثبت بقول الواحد .
ولا يجوز مع انتفاء تعديله ، لأنّ الحكم بشهادة غير العدل غير جائز ، بدليل شهادة من ظهر فسقه . فإن قلنا بالأوّل فلا يثبت تعديله في حقّ غير المشهود عليه ، لأنّه لم توجد بيّنة التّعديل ، وإنّما يحكم عليه لإقراره بوجود شروط الحكم ، وإقراره يثبت في حقّه دون غيره كما لو أقرّ بحقّ عليه وعلى غيره ثبت في حقّه دون غيره .
تجديد التّزكية :
14 - قال الإمام أحمد : ينبغي للقاضي أن يسأل عن شهوده كلّ قليل ، لأنّ الرّجل ينتقل من حال إلى حال . قال ابن قدامة : هل هذا مستحبّ أو واجب ؟ فيه وجهان :
أحدهما : أنّه مستحبّ ، لأنّ الأصل بقاء ما كان ، فلا يزول حتّى يثبت الجرح .
والثّاني : يجب البحث كلّما مضت مدّة يتغيّر الحال فيها ، لأنّ العيب يحدث ، وذلك على ما يراه الحاكم . ولأصحاب الشّافعيّ فيه وجهان مثل هذين .
ويرى الحنفيّة : أنّه متى ثبتت العدالة عند القاضي ، ثمّ شهد الشّهود في حادثة أخرى ، فلا يشتغل بتعديلهم إن كان العهد قريباً ، وإلاّ سأل عنهم . وفي الحدّ الفاصل بينهما قولان ، أحدهما : أنّ القريب مقدّر بستّه أشهر .
والثّاني : أنّه مفوّض إلى رأي القاضي .
وعند المالكيّة : أنّه لو شهد المزكّي ثانياً قبل عام من تاريخ شهادته السّابقة ، وجهل حاله ، ولم يكثر معدّلوه ، ووجد من يعدّله عند شهادته ثانياً ، فقد اختلفوا فيه على قولين :
الأوّل : ما قاله أشهب عن مالك أنّه لا يحتاج إلى تزكية .
والقول الثّاني لسحنون : أنّه يحتاج إلى تزكية . فإن فقد قيد من الثّلاثة الأخيرة : بأن لم يجهل حاله ، أو كثر معدّلوه ، أو لم يوجد من يعدّله ثانياً لم يحتج إلى تزكية أخرى اكتفاءً بالتّزكية السّابقة اتّفاقاً بين المالكيّة . أمّا لو فقد القيد الأوّل ، كما لو شهد مجهول الحال بعد تمام سنة ، ولم يكن زكّاه قبله كثيرون احتاج لإعادة التّزكية اتّفاقاً .
بيان سبب الجرح والتّعديل :
15 - قال أبو حنيفة والمالكيّة : يقبل الجرح المطلق ، وهو : أن يشهد أنّه فاسق ، أو أنّه ليس بعدل . وعن أحمد مثله ، لأنّ التّعديل يسمع مطلقاً فكذلك الجرح ، لأنّ التّصريح بالسّبب يجعل المجرّح فاسقاً ، ويوجب عليه الحدّ في بعض الحالات . وهو أن يشهد عليه بالزّنى ، فيفضي الجرح إلى جرح الجارح ، وتبطل شهادته ، ولا يتجرّح بها المجروح .
وقال الشّافعيّة : يجب ذكر سبب الجرح للاختلاف فيه ، بخلاف سبب التّعديل .
واستدلّ من قالوا باشتراط بيان سبب الجرح بأنّ النّاس يختلفون في أسباب الجرح ، كاختلافهم في شارب النّبيذ ، فوجب ألاّ يقبل مجرّد الجرح ، لئلاّ يجرّحه بما لا يراه القاضي جرحاً ، ولأنّ الجرح ينقل عن الأصل ، فإنّ الأصل في المسلمين العدالة والجرح ينقل عنها ، فلا بدّ أن يعرف النّاقل ، لئلاّ يعتقد نقله عن أصل العدالة بما لا يراه الحاكم ناقلاً .
الفرق بين شهود الدّعوى وشهود التّزكية :
16 - يختلف شهود التّزكية عن شهود الدّعوى في أمور ، ويتّفقان في أمور :
فيتّفقان في الجملة في اشتراط العقل الكامل والضّبط والولاية والعدالة والبصر والنّطق ، وألاّ يكون الشّاهد محدوداً في قذف ، وعدم القرابة المانعة من قبول الشّهادة ، وألاّ تجرّ الشّهادة على الشّاهد نفعاً . وهذه الشّرائط هي في الجملة ، إذ في كلّ مذهب تفصيل . وهذا في تزكية العلانية . أمّا في تزكية السّرّ ، فقد تقدّم الكلام عمّن تقبل شهادتهم فيها ، ومن ذلك يعلم الفرق بين شهود تزكية السّرّ والشّهادة أمام القاضي . ويختلفان في أنّ شاهد التّزكية في العلانية يشترط أن يكون : مبرزاً في العدالة فطناً حذراً لا يخدع ولا يستغفل .
قال محمّد بن الحسن في النّوادر : كم من رجل أقبل شهادته ولا أقبل تعديله ، لأنّه يحسن أن يؤدّي ما سمع ولا يحسن التّعديل .
وفي كتاب ( المتيطيّة ) من كتب المالكيّة : شهود التّزكية بخلاف شهود الحقوق .
قال مالك : قد تجوز شهادة الرّجل ولا يجوز تعديله ، ولا يجوز إلاّ تعديل العارف .
وقال سحنون : لا يجوز في التّعديل إلاّ العدل المبرز الفطن الّذي لا يخدع في عقله ولا يستزلّ في رأيه . وعلى هذا أكثر أصحاب مالك ، وبه جرى العمل .
وروي عنه أيضاً : شهود التّزكية كشهود سائر الحقوق .
17 - ومثل ما تقدّم ما قاله الشّافعيّة : أنّه يشترط في المزكّي ما يشترط في الشّاهد ويزيد عليه أمران : أحدهما : معرفة أسباب الجرح والتّعديل ، لأنّه يشهد بهما .
والأمر الثّاني : خبرة باطن من يعدّله أو يجرّحه ، بصحبة أو جوار أو معاملة ، ليتأتّى له بها التّعديل أو الجرح . ولا يخرج كلام الحنابلة عن ذلك . فقد قالوا : لا يقبل التّعديل إلاّ من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة ، ولأنّ عادة النّاس إظهار الصّالحات وإسرار المعاصي ، فإذا لم يكن ذا خبرة باطنة ربّما اغترّ بحسن ظاهره ، وهو في باطنه فاسق .
رد مع اقتباس