عرض مشاركة واحدة
  #270  
قديم 05-19-2012, 07:19 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تعلّق دين اللّه سبحانه بالتّركة :
26 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ دين اللّه سبحانه وتعالى يجب أداؤه من التّركة ، سواء أوصى به أم لا ، على خلاف سبق في تقديمه على دين الآدميّ .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ دين اللّه تعالى لا يجب أداؤه من التّركة إلاّ إذا أوصى به الميّت ، فإن أوصى به فيخرج من ثلث التّركة . قال الفناريّ في توجيه ذلك : إنّ أداء دين اللّه عبادة ، ومعنى العبادة لا يتحقّق إلاّ بنيّة وفعل ممّن يجب عليه حقيقةً أو حكماً ، كما في الإيصاء لتحقّق أدائها مختاراً ، فيظهر اختياره الطّاعة من اختياره المعصية الّذي هو المقصود من التّكليف ، وفعل الوارث من غير أمر المبتلى بالأمر والنّهي لا يحقّق اختياره ، فإذا مات من غير فعل ولا أمر به فقد تحقّق عصيانه ، لخروجه من دار التّكليف ولم يمتثل ، وذلك تقرير عليه موجب العصيان ، فليس فعل الوارث الفعل المأمور به ، فلا يسقط به الواجب ، كما لو تبرّع به في حال حياته ، بخلاف حقوق العباد ، فإنّ الواجب فيها وصولها إلى مستحقّيها لا غير ، ولهذا لو ظفر به الغريم يأخذه ، ويبرأ من عليه بذلك .
ثمّ الإيصاء بحقوق اللّه تعالى تبرّع ، لأنّ الواجب في ذمّة من عليه الحقّ فعل لا مال ، والأفعال تسقط بالموت ، ولا يتعلّق استيفاؤها بالتّركة ، لأنّ التّركة مال يصلح لاستيفاء المال منها لا لاستيفاء الفعل . ألا يرى أنّه إذا مات وعليه القصاص لا يستوفى من تركته ، فصارت الحقوق المذكورة كالسّاقط في حقّ الدّنيا ، لأنّها لو لم يوص بها لم يجب على الورثة أداؤها ، فكان الإيصاء بأدائها تبرّعاً ، فيعتبر كسائر التّبرّعات من الثّلث بخلاف ديون العباد ، فإنّها لا تسقط بالموت ، لأنّ المقصود ثمّة المال لا الفعل ، لحاجة العباد إلى الأموال . وفيه بحث وهو أنّ الإيصاء بأداء حقوق اللّه تعالى واجب كما صرّح به في الهداية ، والإيصاء بسائر التّبرّعات ليس بلازم ، فلا وجه لقياس الإيصاء بأداء حقوق اللّه على الإيصاء بسائر التّبرّعات ، فتأمّل .
هذا وقد اختلف الجمهور في بعض التّفصيلات : فذهب المالكيّة إلى أنّه بعد وفاء دين العبد يبدأ بوفاء حقّ اللّه تعالى ، فيقدّم هدي التّمتّع إن مات الحاجّ بعد رمي جمرة العقبة ، أوصى به أم لا ، ثمّ زكاة فطر فرّط فيها ، وكفّارات فرّط فيها أيضاً ، ككفّارة يمين وصوم وظهار وقتل إذا أشهد في صحّته أنّها بذمّته ، كلّ ذلك يخرج من رأس المال ، أوصى بإخراجها أم لم يوص ، لأنّ المقرّر في مذهب المالكيّة : أنّ حقوق اللّه متى أشهد في صحّته بها خرجت من رأس المال ، فإن أوصى بها ولم يشهد فتخرج من الثّلث .
ومثل ما تقدّم : زكاة النّقدين الّتي حلّت وأوصى بها ، وزكاة ماشية وجبت ولا ساعي لأخذها ولم توجد السّنّ الّتي تجب فيها ، فإن وجدت فهو كالدّين المتعلّق بعين ، فيجب إخراجه قبل الكفن والتّجهيز .
وذهب الشّافعيّة إلى : أنّه بعد تجهيز الميّت وتكفينه تقضى ديونه المتعلّقة بذمّته من رأس المال ، سواء أكانت للّه تعالى أم لآدميّ ، أوصى بها أم لم يوص ، لأنّها حقّ واجب عليه . هذا وإنّ محلّ تأخير الدّين عن مؤن التّجهيز إذا لم يتعلّق بعين التّركة حقّ ، فإن تعلّق بعين التّركة حقّ قدّم على التّجهيز ، وذلك كالزّكاة الواجبة فيما قبل موته ، ولو من غير الجنس ، فيقدّم على مؤن التّجهيز ، بل على كلّ حقّ تعلّق بها فكانت كالمرهون بها .
وذهب الحنابلة إلى : أنّه بعد التّجهيز والتّكفين يوفّى حقّ مرتهن بقدر الرّهن ، ثمّ إن فضل للمرتهن شيء من دينه شارك الغرماء . ثمّ بعد ما سبق من تسديد الدّيون المتعلّقة بأعيان التّركة ، تسدّد الدّيون غير المتعلّقة بالأعيان ، وهي الّتي تثبت في الذّمّة ، ويتعلّق حقّ الغرماء بالتّركة كلّها ، سواء استغرقها الدّين أم لم يستغرقها ، وسواء أكان الدّين للّه تعالى كالزّكاة والكفّارات والحجّ الواجب ، أم كان لآدميّ كالقرض والثّمن والأجرة .
فإن زادت الدّيون عن التّركة ، ولم تف بدين اللّه تعالى ودين الآدميّ ، يتحاصّون بنسبة ديونهم كمال المفلس .
والتّفصيل في الزّكاة والكفّارات والحجّ وينظر مصطلح : ( حجّ ، ودين ، وإرث ) .
دين الآدميّ :
27 - دين الآدميّ هو الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد ، فإنّ إخراج هذا الدّين من التّركة والوفاء به واجب شرعاً على الورثة قبل توزيع التّركة بينهم ، لقوله تعالى . { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَيْنٍ } وعلى ذلك الإجماع ، وذلك حتّى تبرأ ذمّته من حقوق النّاس ، أو حتّى تبرد جلدته كما جاء في الحديث الشّريف .
وللفقهاء تفصيل في نوع تعلّق دين الآدميّ بين كونه متعلّقاً بعين التّركة أو بذمّة المتوفّى ، وفي دين الصّحّة والمرض ، وفي ضيق التّركة عن تسديد الدّين وغير ذلك ممّا سيأتي .
نوع التّعلّق :
الدّين الّذي له مطالب من جهة العباد إمّا أن يتعلّق بعين التّركة أو لا .
أ - الدّين المتعلّق بعين التّركة :
28 - ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة في الرّواية المشهورة عندهم ، والمالكيّة والشّافعيّة- إلى أنّه يبدأ من الدّيون بما تعلّق بعين التّركة ، كالدّين الموثق برهن ، ومن ثمّ يجب تقديم هذه الدّيون على تجهيز الميّت وتكفينه ، لأنّ المورّث في حال حياته لا يملك التّصرّف في الأعيان الّتي تعلّق بها حقّ الغير ، فأولى ألاّ يكون له فيها حقّ بعد وفاته .
فإن فضل شيء من التّركة بعد سداد هذا الدّين جهّز منه الميّت ، وإن لم يفضل شيء بعد سداد الدّين ، كان تجهيز الميّت على من كانت تجب عليه نفقته في حياته .
وذهب الحنابلة ، والحنفيّة في غير المشهور إلى أنّه إذا مات الإنسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدّماً على غيره ، كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ، ثمّ بعد التّجهيز والتّكفين تقضى ديونه ممّا بقي من ماله .
ب - الدّيون المطلقة :
29 - اتّفق الفقهاء على أنّ الدّيون المطلقة ، وهي الّتي لا تتعلّق بعين من أعيان التّركة تؤخّر عن تجهيز الميّت وتكفينه ، فإن فضل شيء بعد التّجهيز والتّكفين دفع للدّائن واحداً كان أو أكثر بقدر حصصهم . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( دين وإرث )
ج - دين الصّحّة ودين المرض :
30 - دين الصّحّة : هو ما كان ثابتاً بالبيّنة مطلقاً ، أي في حال الصّحّة أو المرض على السّواء .
وما كان ثابتاً بالإقرار في حال الصّحّة وكذا الدّين الثّابت بنكول المتوفّى في زمان صحّته .
ودين المرض : هو ما كان ثابتاً بإقراره في مرضه ، أو ما هو في حكم المرض ، كإقرار من خرج للمبارزة ، أو خرج للقتل قصاصاً ، أو ليرجم .
ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وابن أبي ليلى إلى : أنّ دين الصّحّة ودين المرض سواء في الأداء ، ولهذا إن لم يكن في التّركة وفاء بهما يكون لكلّ دائن حصّة منهما ، بنسبة مقدار دينه ، بلا تمييز بين ما كان منها من ديون الصّحّة أو ديون المرض ، فهي في مرتبة واحدة ، لأنّه إن عرّف سببها للنّاس فهي ديون الصّحّة - ووافقهم على ذلك الحنفيّة - وإن لم يعرّف سببها فيكفي الإقرار في إثباتها ، لأنّ الإقرار حجّة ، إلاّ إذا قام دليل أو قرينة على كذبه . والإنسان وهو مريض يكون أبعد عن هواه ، وأقرب إلى اللّه ، وإلى ما يؤمر به من الصّدق في حال الصّحّة ، لأنّ المرض مظنّة التّوبة . يصدق فيه الكاذب ، ويبرّ فيه الفاجر ، وتنتفي تهمة الكذب عن إقراره ، فيكون الثّابت بالإقرار كالثّابت بالبيّنة .
وذهب الحنفيّة إلى تقديم دين الصّحّة على دين المرض الّذي ثبت بطريق الإقرار ، ولم يعلم النّاس به ، لأنّ الإقرار في مرض الموت مظنّة التّبرّع أو المحاباة ، فيكون في حكم الوصايا الّتي تنفذ من الثّلث ، والوصايا مؤخّرة عن الدّيون .
تزاحم الدّيون :
31 - إذا كانت التّركة متّسعةً للدّيون كلّها على اختلاف أنواعها ، فلا إشكال في ذلك حينئذ ، إذ يمكن الوفاء بها جميعاً من التّركة .
أمّا إذا ضاقت التّركة ولم تتّسع لجميع الدّيون ، فقد اختلف الفقهاء في تقديم بعضها على بعض . وقد تقدّم بيان أقوال الفقهاء في تقديم الدّيون المتعلّقة بعين التّركة على غيرها ، وتقديم دين الصّحّة على دين المرض أو عدم تقديمه .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( دين ، ورهن ، وقسمة ) .
ثالثاً : الوصيّة :
32 - يأتي في المرتبة الثّالثة تنفيذ الوصيّة . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ تنفيذ ما يوصي به الميّت يجيء بعد الدّين وقبل أخذ الورثة أنصباءهم من التّركة ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَيْنٍ } ولا يكون تنفيذ ما يوصى به من أصل المال ، لأنّ ما تقدّم من التّكفين وقضاء الدّين قد صار مصروفاً في ضروراته الّتي لا بدّ منها ، والباقي هو ماله الّذي كان له أن يتصرّف في ثلثه . وأيضاً ربّما استغرق ثلث الأصل جميع الباقي ، فيؤدّي إلى حرمان الورثة بسبب الوصيّة ، وهذا سواء أكانت الوصيّة مطلقةً أم معيّنةً .
وتقديم الوصيّة على الدّين في الآية الكريمة لا يفيد التّقديم فعلاً كما تبيّن من قبل ( ف 23 ) وإنّما يفيد العناية بأمر وصيّة الميّت ، وإن كانت تبرّعاً منه ، كي لا تشحّ نفوس الورثة بإخراجها من التّركة قبل توزيعها بينهم .
ومن هنا تقدّم ذكرها على الدّين تنبيهاً على أنّها مثله في وجوب الأداء أو المسارعة إليه ، ولذلك جيء بينهما بأو الّتي هي هنا للتّسوية .
وتقديم الوصيّة على حقوق الورثة ليس على إطلاقه ، لأنّ تنفيذ الوصيّة مقيّد بحدود الثّلث ، فإن كان الموصى به شيئاً معيّناً أخذه ، وإن كان بثلث أو ربع مثلاً كان الموصى له شريكاً للورثة في التّركة بنسبة نصيبه الموصى له به ، لا مقدّماً عليهم . فإذا نقص المال لحقه النّقص ، وهذا بخلاف التّجهيز والدّين ، فإنّهما متقدّمان حقّاً على الوصيّة وحقوق الورثة .
ولمّا كانت الوصيّة بنسبة شائعة على سبيل المشاركة مع حقوق الورثة - فلو هلك شيء من التّركة قبل القسمة فإنّه يهلك على الموصى له والورثة جميعاً ، ولا يعطى الموصى له كلّ الثّلث من الباقي ، بل الهالك يهلك على الحقّين ، والباقي يبقى على الحقّين ، بخلاف الدّين - فإنّه إذا هلك بعض التّركة يستوفى كلّ الدّين من الباقي .
ثمّ إنّ طريقة حساب الوصيّة : أن يحسب قدر الوصيّة من جملة التّركة لتظهر سهام الورثة ، كما تحسب سهام أصحاب الفرائض أوّلاً ليظهر الفاضل للعصبة .
وللفقهاء تفصيل ينظر في ( وصيّة ، وإرث ) .
رابعاً : قسمة التّركة بين الورثة :
33 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة تقسم بين الوارثين بعد أداء الحقوق المتعلّقة بها انظر مصطلح : ( إرث ) . إلاّ أنّ الفقهاء اختلفوا فيما إذا قسّمت التّركة بين الورثة قبل أداء الحقوق المتعلّقة بها ، هل تنقض هذه القسمة أم تلزم ؟
فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ التّركة المستغرقة بالدّين تبقى على ملك المورّث ، أو هي في حكم ملكه ، لأنّ الدّين يشغلها جميعاً . أمّا غير المستغرقة فإنّها تنتقل إلى ملك الوارث من حين وفاة المورّث أو ينتقل الجزء الفارغ من الدّين .
ومن ثمّ لا يجوز للورثة اقتسام التّركة ما دامت مشغولةً بالدّين ، وذلك لأنّ ملكهم لا يظهر إلاّ بعد قضاء الدّين ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } فإذا قسموها نقضت قسمتهم حفظاً لحقّ الدّائنين ، لأنّهم قسموا ما لا يملكون . قال الكاسانيّ : الّذي يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع : منها ظهور دين على الميّت ، إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميّت سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم .
وإذا لم يكن الدّين محيطاً بالتّركة فملك الميّت وحقّ الغرماء ثابت في قدر الدّين من التّركة على الشّيوع ، فيمنع جواز القسمة .
وذهب بعض الحنفيّة إلى : جواز القسمة استحساناً ، إذا كان الدّين غير مستغرق للتّركة ، لأنّه قلّما تخلو تركة من دين يسير . ولا تنقض القسمة أيضاً إذا أبرأ الدّائن الميّت من الدّين ، أو ضمن الدّين بعض الورثة برضى الدّائن نفسه ، أو كان في التّركة من غير المقسوم ما يكفي لأداء الدّين . وقد جاء في مجلّة الأحكام العدليّة ما نصّه : إذا ظهر دين على الميّت بعد تقسيم التّركة تفسخ القسمة ، إلاّ إذا أدّى الورثة الدّين ، أو أبرأهم الدّائنون منه ، أو ترك الميّت مالاً سوى المقسوم يفي بالدّين ، فعند ذلك لا تفسخ القسمة .
وذهب الشّافعيّة إلى : أنّ ملك الورثة للتّركة يبدأ من حين موت المورّث ، سواء أحاط الدّين بالتّركة أم لا . وقسمة التّركة ما هي إلاّ تمييز وإفراز لحقوق كلّ من الورثة ، ومن ثمّ فلا وجه لنقض القسمة عندهم . وإن قيل : إنّها بيع ففي نقضها وجهان .
وعند الحنابلة : لا تبطل القسمة بظهور دين على الميّت ، لأنّ تعلّق الدّين بالتّركة لا يمنع صحّة التّصرّف فيها ،لأنّه تعلّق بها بغير رضا الورثة . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( قسمة ).
نقض قسمة التّركة :
34 - المقصود بنقض القسمة : إبطالها بعد تمامها ، وتنقض قسمة التّركة في الحالات التّالية : - أ - الإقالة أو التّراضي على فسخ القسمة .
ب - ظهور دين على الميّت وقد تقدّم .
ج - ظهور وارث أو موصًى له في قسمة التّراضي ، لأنّ الوارث والموصى له شريكان للورثة في التّركة .
د - ظهور غبن فاحش لحق ببعض الورثة ، وهو الّذي لا يدخل تحت تقويم المقوّمين ، كأن قوّم المال بألف ، وهو يساوي خمسمائة .
وتنقض هنا قسمة القاضي ، لأنّ تصرّف القاضي مقيّد بالعدل ولم يوجد .
وتنقض أيضاً قسمة التّراضي ، لأنّ شرط جوازها المعادلة ولم توجد ، فجاز نقضها .
هـ - وقوع غلط في المال المقسوم . وفي جميع هذه الصّورة تفصيل وخلاف ينظر في مصطلح : ( قسمة ) .
التّصرّف في التّركة :
35 - تقدّم خلاف الفقهاء في نفاذ أو عدم نفاذ قسمة التّركة إذا كانت مستغرقةً بالدّين كلّاً أو بعضاً . وإذا تصرّف الورثة في التّركة المدينة بالبيع أو الهبة أو بغير ذلك من التّصرّفات الّتي من شأنها أن تنقل الملكيّة أو ترتّب عليها حقوقاً عينيّةً كالرّهن ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على الوجه التّالي : ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين - وهم الّذين قالوا بمنع ملكيّة الوارث إلاّ بعد سداد الدّين - إلى : أنّه لا يجوز أيّ تصرّف من الورثة في التّركة إلاّ في الأحوال التّالية :
أ - أن تبرأ ذمّة الميّت من الدّين قبل تصرّف الورثة ، إمّا بالأداء أو الكفالة .
ب - أن يرضى الدّائنون بقيام الورثة ببيع التّركة لسداد ديونهم ، لأنّ منع تصرّف الورثة بالتّركة كان ضماناً لحقّ الدّائنين المتعلّق بالتّركة .
ج - أن يأذن القاضي بالتّصرّف ، وذلك لأنّ القاضي بما له من الولاية العامّة يملك الإذن للورثة بالبيع لجميع التّركة أو بعضها .
وأمّا الشّافعيّة والحنفيّة في الرّواية الأخرى - وهم الّذين ذهبوا إلى أنّ ملك الوارث يبدأ من وقت وفاة المورّث ، سواء كانت التّركة مدينةً أم لا - فإنّهم ذهبوا إلى أنّ تصرّف الوارث بالبيع أو الهبة مع استغراق التّركة بالدّين لا ينفذ مراعاةً لحقّ الميّت ، أذن الدّائن أم لا ، إلاّ إذا كان التّصرّف لقضاء الدّين فإنّه ينفذ .
وفي المسألة تفصيل يرجع فيه إلى الهبة ، وإلى بيع منهيّ عنه ، ومصطلح : ( دين ) .
تصفية التّركة :
36 - تقدّم الكلام حول تصرّف الوارثين البالغين في التّركة قسمةً أو بيعاً ، أمّا إذا كان الورثة أو بعضهم قصّراً : فإنّ التّصرّف فيها يكون راجعاً للوصيّ إن كان ، أو للقاضي إن لم يكن وصيّ ، وذلك لضمان الحقوق المتعلّقة بالتّركة من جهة ، ولحفظ أموال الورثة الضّعفاء كيلا يظلموا من غيرهم . ولتفصيل هذه الأحكام ينظر ( الوصيّة ) ومصطلح : ( إيصاء ) .
التّركة الّتي لا وارث لها :
37 - اختلف الفقهاء في التّركة الّتي لا وارث لها ، أو لها وارث لا يرثها جميعها ، فمن قال من الفقهاء بالرّدّ قال : لا تئول التّركة إلى بيت المال ما دام لها وارث . ومن لا يرى الرّدّ من الفقهاء قال : إنّ بيت المال يرث جميع التّركة ، أو ما بقي بعد أصحاب الفروض . وإذا آلت التّركة إلى بيت المال كانت على سبيل الفيء لا الإرث عند الحنفيّة والحنابلة . وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ حقّ بيت المال هنا هو على سبيل الميراث ، أي على سبيل العصوبة . وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( إرث ، وبيت المال ) .

ترميم *
التّعريف :
1 - للتّرميم في اللّغة معان . منها : الإصلاح .
يقال : رمَّمت الحائط وغيره ترميماً : أصلحته . ورمَّمت الشّيء أرُمّه وأرِمّه رمّاً ومَرَمّةً : إذا أصلحته . ويقال : قد رَمّ شأنُه . واسترمّ الحائط : أي حان له أن يُرَمّ ، وذلك إذا بعد عهده بالتّطيين ونحوه . والرِّم : إصلاح الشّيء الّذي فسد بعضه من نحو حبل يبلى فيرمّه ، أو دار ترمّ مرمّةً . ولا يخرج في معناه الاصطلاحيّ عن هذا . والتّرميم قد يكون بقصد التّقوية ، إذا كان الشّيء معرّضاً للتّلف ، وقد يكون بقصد التّحسين .
الحكم الإجماليّ :
أوّلاً : ترميم الوقف :
2 - إذا احتاجت عين الوقف إلى ترميم ، فإنّه يبدأ به من غلّته قبل الصّرف إلى المستحقّين ، لأنّ قصد الواقف صرف الغلّة مؤبّداً ، ولا تبقى دائمةً إلاّ بعمارته ، وما بقي بعد العمارة يصرف للمستحقّين ، هذا ما عليه الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
وفي هذا يقول الحنفيّة : لو شرط الواقف تقديم العمارة ، ثمّ الفاضل للفقراء أو للمستحقّين ، لزم النّاظر إمساك قدر ما تحتاجه العمارة كلّ سنة ، وإن لم يحتجه وقت الإمساك ، لجواز أن يحدث في الوقف بعد التّوزيع حدث يحتاج إلى ترميم ولا يجد غلّةً يرمّم بها ، بخلاف ما إذا لم يشترطه . والفرق بين الشّرط وعدمه : أنّه مع السّكوت تقدّم العمارة عند الحاجة إليها ، ولا يدّخر لها عند عدم الحاجة إليها ، ومع الاشتراط تقدّم عند الحاجة ، ويدّخر لها عند عدمها ، ثمّ يفرّق الباقي ، لأنّ الواقف إنّما جعل الفاضل عنها للفقراء .
ولو كان الموقوف داراً ، فعمارتها على من له السّكنى ، أي على من يستحقّها من ماله لا من الغلّة ، إذ الغرم بالغنم . ومفاده : أنّه لو كان بعض المستحقّين للسّكنى غير ساكن فيها يلزمه التّعمير مع السّاكنين ، لأنّ تركه لحقّه لا يسقط حقّ الوقف ، فيعمّر معهم ، وإلاّ تؤجّر حصّته . ولو أبى من له السّكنى ، أو عجز لفقره ، آجرها الحاكم منه أو من غيره ، وعمّرها بأجرتها كعمارة الوقف ، ثمّ يردّها بعد التّعمير إلى من له السّكنى رعايةً للحقّين .
3 - فإذا امتنع عن العمارة من ماله يؤجّرها المتولّي ويعمّرها من غلّتها ، لأنّها موقوفة للغلّة . ولو كان هو المتولّي وامتنع من عمارتها ينصب غيره ليعمّرها ، أو يعمّرها الحاكم . ولو احتاج الخان الموقوف إلى المرمّة آجر بيتاً أو بيتين منه وأنفق عليه ، أو يؤذن للنّاس بالنّزول فيه سنةً ، ويؤجّر سنةً أخرى ، ويرمّ من أجرته .
ويقول المالكيّة : إنّ إصلاح الوقف من غلّته . فإن شرط على المستحقّ إصلاحه يلغى الشّرط ، والوقف صحيح ، ويصلح من غلّته .
فإن أصلح من شرط عليه الإصلاح رجع بما أنفق لا بقيمته منقوضاً .
فلو شرط الواقف أن يبدأ من غلّته بمنافع أهله ، ويترك إصلاح ما تهدّم منه ، أو يترك الإنفاق عليه إذا كان حيواناً بطل شرطه ، وتجب البداءة بمرمّته والنّفقة عليه من غلّته لبقاء عينه . ولمّا كانت رقبة الوقف عند المالكيّة للواقف والغلّة للموقوف عليه ، يترتّب على هذا أنّه إذا خرب الوقف فللواقف إن كان حيّاً - ولوارثه إن مات - منع من يريد إصلاحه إذا خرب أو احتاج للإصلاح ، لأنّه ليس لأحد أن يتصرّف في ملك غيره إلاّ بإذنه ، ولأنّ إصلاح الغير مظنّة لتغيير معالمه ، وهذا إذا أصلحه الواقف أو ورثته ، وإلاّ فليس لهم المنع ، بل الأولى لهم تمكين من أراد بناءه إذا خرب ، لأنّه من التّعاون على الخير .
وهذا في غير المساجد ، وأمّا هي فقد ارتفع ملكه عنها قطعاً .
ويقول الشّافعيّة : لو خربت الدّار الموقوفة ، ولم يعمّرها الموقوف عليه ، فإن كان للوقف مال كانت عمارته في مال الوقف ، وإن لم يكن له مال أوجر وعمّر من أجرته . فإذا تعطّلت منافع الوقف وكان حيواناً كخيل الجهاد ، فالنّفقة من بيت المال .
أمّا عمارة الدّار الموقوفة فلا تجب على أحد كالملك المطلق بخلاف الحيوان فإنّ نفقته تجب لصيانة روحه . وريع الأعيان الموقوفة على المسجد إذا انهدم وتوقّع عوده حفظ له ، وإلاّ فإن أمكن صرفه إلى مسجد آخر صرف إليه ، وإلاّ فمنقطع الآخر فيصرف لأقرب النّاس إلى الواقف ، فإن لم يكونوا صرف إلى الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين .
4- أمّا غير المنهدم فما فضل من غلّة الموقوف على مصالحه يشترى بها عقار ويوقف عليه ، بخلاف الموقوف على عمارته يجب ادّخاره لأجلها ، وإلاّ لم يعد منه شيء لأجلها ، لأنّه يعرّض للضّياع أو لظالم يأخذ .
5- وأمّا الحنابلة فيرجع عندهم إلى شرط الواقف في الإنفاق على الوقف وفي سائر أحواله ، لأنّه ثبت بوقفه ، فوجب أن يتبع فيه شرطه .
فإن عيّن الواقف الإنفاق عليه من غلّته أو من غيرها عمل به رجوعاً إلى شرطه ، وإن لم يعيّنه - وكان الموقوف ذا روح كالخيل - فإنّه ينفق عليه من غلّته ، لأنّ الوقف يقتضي تحبيس الأصل وتسبيل منفعته ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالإنفاق عليه فكان ذلك من ضرورته .
فإن لم يكن للموقوف غلّة لضعف به ونحوه فنفقته على الموقوف عليه المعيّن ، لأنّ الوقف عندهم يخرج من ملك الواقف إلى ملك الموقوف عليه إن كان آدميّاً معيّناً ، مع منعه من التّصرّف فيه . فإن تعذّر الإنفاق من الموقوف عليه لعجزه أو غيبته ونحوهما بيع الوقف ، وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً لمحلّ الضّرورة .
ولو احتاج خان مسبّل إلى مرمّة ، أو احتاجت دار موقوفة لسكنى الحاجّ أو الغزاة أو أبناء السّبيل ونحوهم إلى مرمّة ، يؤجّر منه بقدر ما يحتاج إليه في مرمّته .
6- وإن كان الوقف على غير معيّن كالمساكين ونحوهم كالفقهاء فنفقته في بيت المال ، لانتفاء المالك المعيّن فيه .
فإن تعذّر الإنفاق عليه من بيت المال بيع وصرف ثمنه في عين أخرى تكون وقفاً .
وإن كان الوقف ممّا لا روح فيه كالعقار ونحوه من سلاح ومتاع وكتب ، لم تجب عمارته على أحد إلاّ بشرط الواقف .
فإن شرط عمارته عمل بشرطه ، سواء شرط البداءة بالعمارة أو تأخيرها ،فيعمل بما شرط . لكن إن شرط تقديم الجهة عمل به ما لم يؤدّ إلى التّعطيل ، فإذا أدّى إليه قدّمت العمارة حفظاً لأصل الوقف . فإن لم يذكر البداءة بالعمارة أو تأخيرها ، فتقدّم على أرباب الوظائف ، ما لم يفض ذلك إلى تعطيل مصالحه ، فيجمع بينهما حسب الإمكان .
ويصحّ بيع بعضه لإصلاح باقيه ، لأنّه إذا جاز بيع الكلّ عند الحاجة فبيع البعض مع بقاء البعض أولى ، إن اتّحد الواقف . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح : ( وقف ) .
ثانياً : التّرميم في الإجارة :
7 - إذا احتاجت الدّار المستأجرة للتّرميم . فإنّ عمارتها وإصلاح ما تلف منها وكلّ ما يخلّ بالسّكنى على المؤجّر عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
ويقول الحنفيّة : إن أبى صاحبها أن يفعل كان للمستأجر أن يخرج منها ، إلاّ أن يكون المستأجر استأجرها وهي كذلك وقد رآها لرضاه بالعيب ، وأنّه لا يجبر المؤجّر على إصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج إن أبى إصلاح ذلك ، لأنّه لا يجبر على إصلاح ملكه ، فإن فعله المستأجر فهو متبرّع ، وله أن يخرج إن أبى المؤجّر .
وعلى المستأجر إصلاح ما تلف من العين بسبب استعماله .
ويقول الشّافعيّة : إن بادر المؤجّر إلى إصلاح ما تلف فلا خيار للمكتري ، وإلاّ فله الخيار لتضرّره بنقص المنفعة .
والحنابلة كالشّافعيّة في هذا ، إلاّ أنّهم قالوا : لو شرط المؤجّر على المكتري النّفقة الواجبة لعمارة المأجور لم يصحّ ، لأنّه يؤدّي إلى جهالة الإجارة ، فلو عمّر المستأجر بهذا الشّرط أو عمّر بإذن المؤجّر رجع عليه .
وإن أنفق المستأجر من غير إذنه لم يرجع بشيء ، لأنّه متبرّع ، لكن له أخذ أعيان آلاته .
وأجاز المالكيّة شرط المرمّة للدّار وتطيينها إن احتاجت على المكتري ، بشرط أن يكون من كراء وجب على المكتري ، إمّا في مقابلة سكنى مضت ، أو باشتراط تعجيل الكراء ، أو يجري العرف بتعجيله ، لا إن لم يجب فلا يجوز . أو وقع العقد على أنّ ما تحتاج إليه الدّار من المرمّة والتّطيين من عند المكتري ، فلا يجوز للجهالة .
رد مع اقتباس