عرض مشاركة واحدة
  #269  
قديم 05-19-2012, 07:18 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

عقوبة ترك الواجب :
15 - يقول ابن فرحون : التّعزير يكون على ترك الواجب ، ومن ذلك ترك قضاء الدّين وأداء الأمانات : مثل الودائع وأموال الأيتام وغلّات الوقوف وما تحت أيدي الوكلاء والمقارضين ، والامتناع من ردّ المغصوب والمظالم مع القدرة على الأداء ، ويجبر على ذلك إن أباه ولو بالحبس والضّرب . ويقول الزّركشيّ : إذا امتنع المكلّف من الواجب ، فإن كان حقّاً لآدميّ لا تدخله النّيابة حبس حتّى يفعله .
كما إذا امتنع المشتري من تسليم الثّمن ، فإنّ القاضي يخيّر بين حبسه وبين النّيابة عنه في التّسليم ، كالمقرّ بمبهم يحبس حتّى يبيّن . وإن كانت تدخله النّيابة قام القاضي مقامه .
النّيّة في التّرك :
16 - ترك المنهيّ عنه لا يحتاج إلى نيّة للخروج عن عهدة النّهي .
وأمّا لحصول الثّواب ، بأن كان التّرك كفّاً - وهو : أن تدعوه النّفس إليه قادراً على فعله ، فكفّ نفسه عنه خوفاً من ربّه - فهو مثاب ، وإلاّ فلا ثواب على تركه ، فلا يثاب العنّين على ترك الزّنا ، ولا الأعمى على ترك النّظر .
آثار التّرك :
17 - تتعدّد آثار التّرك وتختلف باختلاف متعلّقه ، وباختلاف ما إذا كان التّرك عمداً أو نسياناً أو جهلاً وهكذا . وفيما يأتي بعض آثار التّرك .
أ - يسقط الحقّ في الشّفعة بترك طلبها بلا عذر .
ويختلف الفقهاء في المدّة الّتي يسقط بها هذا الحقّ . ( ر : شفعة ) .
ب - لا تؤكل الذّبيحة إذا ترك الذّابح التّسمية عمداً عند جمهور الفقهاء ، وأمّا إن ترك نسياناً فتؤكل اتّفاقاً ، وفي المسألة خلاف ينظر ( ذبائح - أضحيّة ) .
والأجير إن ترك التّسمية عمداً ضمن قيمة الذّبيحة .
ج - ترك القيام بالدّعوى بلا عذر ، وبعد مضيّ المدّة المحدّدة يمنع سماعها ، وهذا عند متأخّري الحنفيّة بناءً على أمر سلطانيّ ، وكما لا تسمع في حياة المدّعي للتّرك لا تسمع من الورثة . وإذا ترك المورّث الدّعوى مدّةً وتركها الوارث مدّةً ، وبلغ مجموع المدّتين حدّ مرور الزّمان فلا تسمع . ( ر : دعوى ) .
د - يلزم الحنث والكفّارة في الحلف على ترك الواجب . ( ر : أيمان ) .
هـ - ترك العبادات أو بعض أجزائها يستلزم الجبران . والمتروكات منها ما يجبر بالعمل البدنيّ كسجود السّهو في الصّلاة ، والقضاء أو الإعادة لمن ترك فرضاً .
ومنها ما يجبر بالمال كجبر الصّوم بالإطعام في حقّ الشّيخ العاجز ، والدّم لترك واجب من واجبات الحجّ . وينظر تفصيل ذلك في مواضعه . هذا وقد ورد في ثنايا البحث آثار التّرك ، كترتّب الحدّ أو التّعزير في ترك واجب أو عدم ترك محرّم ، وكالضّمان في التّلف بالتّرك .

تركة *
التّعريف :
1 - التّركة لغةً : اسم مأخوذ من ترك الشّيء يتركه تركاً . يقال : تركت الشّيء تركاً : خلّفته ، وتركة الميّت : ما يتركه من الميراث ، والجمع تركات .
وفي الاصطلاح ، اختلف الفقهاء في تعريفها . فذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ التّركة : هي كلّ ما يخلّفه الميّت من الأموال والحقوق الثّابتة مطلقاً . وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة : هي ما يتركه الميّت من الأموال صافياً عن تعلّق حقّ الغير بعينه . ويتبيّن من خلال التّعريفين أنّ التّركة تشمل الحقوق مطلقاً عند الجمهور ، ومنها المنافع . في حين أنّ المنافع لا تدخل في التّركة عند الحنفيّة .
فإنّ الحنفيّة يحصرون التّركة في المال أو الحقّ الّذي له صلة بالمال فقط على تفصيل يأتي . الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإرث :
2 - الإرث لغةً : الأصل والأمر القديم توارثه الآخر عن الأوّل . والبقيّة من كلّ شيء . ويطلق الإرث ويراد به : الموروث ، ويساويه على هذا الإطلاق في المعنى : التّركة واصطلاحاً : هو حقّ قابل للتّجزّؤ يثبت لمستحقّه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها . ما تشمله التّركة وما يورث منها :
3 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّ التّركة تشمل جميع ما تركه المتوفّى من أموال وحقوق . وقد استدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « من مات وترك مالاً فماله لموالي العصبة ، ومن ترك كَلّاً أو ضَياعاً فأنا وليّه » .
فقد جمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين المال والحقّ وجعلهما تركةً لورثة الميّت ، إلاّ أنّ هذه الحقوق أنواع مختلفة ، ولكلّ منها حكمه من ناحية إرثه ، أو عدم إرثه وذلك تبعاً لطبيعته وهي :
أ - حقوق غير ماليّة : وهي حقوق شخصيّة لا تتعدّى إلى غير صاحبها بحال ما ، فهي لا تورث عنه مطلقاً ، كحقّ الأمّ في الحضانة ، وحقّ الأب في الولاية على المال ، وحقّ الوصيّ في الإشراف على مال من تحت وصايته .
ب - حقوق ماليّة ، ولكنّها تتعلّق بشخص المورّث نفسه ، وهذه لا تورث عنه أيضاً ، كرجوع الواهب في هبته ، وحقّ الانتفاع بشيء معيّن يملكه الغير ، كدار يسكنها أو أرض يزرعها ، أو سيّارة يركبها ، فهذا ونحوه لا يورث عن صاحبه .
ومن هذا النّوع الأجل في الدّين ، فالدّائن يمنح هذا الأجل للمدين لاعتبارات خاصّة يقدّرها الدّائن وحده ، وذلك من الأمور الشّخصيّة الّتي لا تورث عنه . ولذلك يحلّ الدّين بموت المدين ، ولا يرث الورثة حقّ الأجل .
ج - حقوق ماليّة أخرى تتعلّق بمشيئة المورّث وإرادته ، وهي تورث عند الجمهور .
وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تورث . وأهمّ هذه الحقوق حقّ الشّفعة ، وحقّ الخيارات المعروفة في عقود البيع ، كخيار الشّرط ، وخيار الرّؤية ، وخيار التّعيين .
وللتّفصيل تنظر أحكام ( الخيار ، والشّفعة ) .
د - حقوق ماليّة تتعلّق بمال المورّث ، لا بشخصه ولا بإرادته ومشيئته ، وهذه حقوق تورث عنه بلا خلاف بين الفقهاء ، وذلك كحقّ الرّهن ، وحقوق الارتفاق المعروفة ، كحقّ المرور وحقّ الشّرب وحقّ المجرى وحقّ التّعلّي .
4 - فيدخل في التّركة ما كان للإنسان حال حياته ، وخلّفه بعد مماته ، من مال أو حقوق أو اختصاص ، كالرّدّ بالعيب والقصاص والولاء وحدّ القذف .
وكذا من أوصى له بمنفعة شيء من الأشياء كدار مثلاً ، كانت المنفعة له حال حياته ولورثته بعد موته ، إلاّ إذا كانت المنفعة مؤقّتةً بمدّة حياته في الوصيّة .
وصرّح الشّافعيّة بأنّ من التّركة أيضاً ما دخل في ملكه بعد موته ، بسبب كان منه في حياته ، كصيد وقع في شبكة نصبها في حياته ، فإنّ نصبه للشّبكة للاصطياد هو سبب الملك ، وكما لو مات عن خمر فتخلّلت بعد موته . قال القرافيّ : اعلم أنّه يروى عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من مات عن حقّ فلورثته » وهذا اللّفظ ليس على عمومه ، بل من الحقوق ما ينقل إلى الوارث ، ومنها ما لا ينتقل . فمن حقّ الإنسان أن يلاعن عند سبب اللّعان ، وأن يفيء بعد الإيلاء ، وأن يعود بعد الظّهار ، وأن يختار من نسوة إذا أسلم عليهنّ وهنّ أكثر من أربع ، وأن يختار إحدى الأختين إذا أسلم عليهما ، وإذا جعل المتبايعان الخيار لأجنبيّ عن العقد فمن حقّه أن يملك إمضاء البيع عليهما أو فسخه ، ومن حقّه ما فوّض إليه من الولايات والمناصب كالقصاص والإمامة والخطابة وغيرهما ، وكالأمانة والوكالة . فجميع هذه الحقوق لا ينتقل للوارث منها شيء وإن كانت ثابتةً للمورّث .
والضّابط : أنّه ينتقل إليه كلّ ما كان متعلّقاً بالمال ، أو يدفع ضرراً عن الوارث في عرضه بتخفيف ألمه . أمّا ما كان متعلّقاً بنفس المورّث وعقله وشهواته فلا ينتقل للوارث .
والسّرّ في الفرق : أنّ الورثة يرثون المال ، فيرثون ما يتعلّق به تبعاً له ، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه ، فلا يرثون ما يتعلّق بذلك ، وما لا يورث لا يرثون ما يتعلّق به ، فاللّعان يرجع إلى أمر يعتقده لا يشاركه فيه غيره غالباً ، والاعتقادات ليست من باب المال ، والفيئة شهوته ، والعود إرادته ، واختيار الأختين والنّسوة إربه وميله ، وقضاؤه على المتبايعين عقله وفكرته ، ورأيه ومناصبه وولاياته وآراؤه واجتهاداته ، وأفعاله الدّينيّة فهو دينه ، ولا ينتقل شيء من ذلك للوارث ، لأنّه لم يرث مستنده وأصله ، وانتقل للوارث خيار الشّرط في البياعات ، وقاله الشّافعيّ رحمه الله تعالى . ثمّ قال القرافيّ : إنّه لم يخرج عن حقوق الأموال - فيما يورث - إلاّ صورتان فيما علمت : حدّ القذف وقصاص الأطراف والجرح والمنافع في الأعضاء . فإنّ هاتين الصّورتين تنتقلان للوارث ، وهما ليستا بمال ، لأجل شفاء غليل الوارث بما دخل على عرضه من قذف مورّثه والجناية عليه .
وأمّا قصاص النّفس فإنّه لا يورث ، فإنّه لم يثبت للمجنيّ عليه قبل موته ، وإنّما يثبت للوارث ابتداءً ، لأنّ استحقاقه فرع زهوق النّفس ، فلا يقع إلاّ للوارث بعد موت الموروث .
5- وعند الحنابلة أنّ ما كان من حقوق المورّث ، ويجب له بموته ، كالدّية والقصاص في النّفس فللورثة استيفاؤه . وما كان واجباً للمورّث في حياته إن كان قد طالب به ، أو هو في يده ثبت للورثة إرثه ، وذلك على تفصيل في المذهب .
6- وذهب الحنفيّة إلى أنّ التّركة هي المال فقط ، ويدخل فيها الدّية الواجبة بالقتل الخطأ ، أو بالصّلح عن عمد ، أو بانقلاب القصاص بعفو بعض الأولياء ، فتعتبر كسائر أمواله ، حتّى تقضى منها ديونه وتخرج وصاياه ، ويرث الباقي ورثته .
ولا تدخل الحقوق في التّركة ، لأنّها ليست ثابتةً بالحديث ، وما لم يثبت لا يكون دليلاً .
ولأنّ الحقوق ليست أموالاً ، ولا يورث منها إلاّ ما كان تابعاً للمال أو في معنى المال ، مثل حقوق الارتفاق والتّعلّي وحقّ البقاء في الأرض المحتكرة للبناء والغراس ، أمّا غير ذلك من الحقوق فلا يعتبر تركةً ، كحقّ الخيار في السّلعة الّتي اشتراها المورّث وكان له فيها حقّ الخيار - كما سبق - وحقّ الانتفاع بما أوصي له به ، ومات قبل مضيّ المدّة الّتي حدّدها الموصي . قال ابن رشد : وعمدة المالكيّة والشّافعيّة ( والحنابلة أيضاً ) أنّ الأصل هو أن تورث الحقوق والأموال ، إلاّ ما قام دليل على مفارقة الحقّ في هذا المعنى للمال . وعمدة الحنفيّة أنّ الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق ، إلاّ ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال . فموضع الخلاف : هل الأصل أن تورث الحقوق كالأموال أو لا ؟ وكلّ واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلّم له خصمه منها بما يسلّمه منها له ، ويحتجّ على خصمه .
الحقوق المتعلّقة بالتّركة :
7 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة أربعة :
وهي تجهيز الميّت للدّفن ، وقضاء ديونه إن مات مديناً ، وتنفيذ ما يكون أوصى به قبل موته من وصايا ، ثمّ حقوق الورثة .
وصرّح المالكيّة ، وصاحب الدّرّ المختار من الحنفيّة بأنّها خمسة بالاستقراء .
قال الدّردير : وغايتها - أي الحقوق المتعلّقة بالتّركة - خمسة : حقّ تعلّق بعين ، وحقّ تعلّق بالميّت ، وحقّ تعلّق بالذّمّة ، وحقّ تعلّق بالغير ، وحقّ تعلّق بالوارث .
والحصر في هذه استقرائيّ ، فإنّ الفقهاء تتبّعوا ذلك فلم يجدوا ما يزيد على هذه الأمور الخمسة ، لا عقليّ كما قيل . وقال صاحب الدّرّ المختار : والحقوق هاهنا خمسة بالاستقراء ، لأنّ الحقّ إمّا للميّت ، أو عليه ، أو لا .
الأوّل : التّجهيز ، والثّاني : إمّا أن يتعلّق بالذّمّة وهو الدّين المطلق أو لا ، وهو المتعلّق بالعين ، والثّالث : إمّا اختياريّ وهو الوصيّة ، أو اضطراريّ وهو الميراث .
أحكام التّركة :
للتّركة أحكام خاصّة بيانها فيما يلي :
ملكيّة التّركة :
تنتقل ملكيّة التّركة جبراً إلى الورثة ، ولهذا الانتقال شروط :
الشّرط الأوّل - موت المورّث :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ انتقال التّركة من المورّث إلى الوارث يكون بعد وفاة المورّث حقيقةً أو حكماً أو تقديراً .
فالموت الحقيقيّ : هو انعدام الحياة إمّا بالمعاينة ، كما إذا شوهد ميّتاً ،أو بالبيّنة أو السّماع. والموت الحكميّ : هو أن يكون بحكم القاضي إمّا مع احتمال الحياة أو تيقّنها .
مثال الأوّل : الحكم بموت المفقود .
ومثال الثّاني : حكم القاضي على المرتدّ باعتباره في حكم الأموات إذا لحق بدار الحرب . وتقسّم التّركة في هاتين الحالتين من وقت صدور الحكم بالموت .
والموت التّقديريّ : هو إلحاق الشّخص بالموتى تقديراً ، كما في الجنين الّذي انفصل عن أمّه بجناية ، بأن يضرب شخص امرأةً حاملاً ، فتلقي جنيناً ميّتاً ، فتجب الغرّة ، وتقدّر بنصف عشر الدّية . وقد اختلف الفقهاء في إرث هذا الجنين : فذهب الجمهور إلى أنّه لا يرث ، لأنّه لم تتحقّق حياته ، ومن ثمّ فلم تتحقّق أهليّته للتّملّك بالإرث ، ولا يورث عنه إلاّ الدّية فقط . وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يرث ويورث ، لأنّه يقدر أنّه كان حيّاً وقت الجناية ، وأنّه مات بسببها . وللتّفصيل انظر ( إرث ، جنين ، جناية ، موت ) .
الشّرط الثّاني - حياة الوارث :
9 - تحقّق حياة الوارث بعد موت المورّث ، أو إلحاقه بالأحياء تقديراً ، فالحياة الحقيقيّة هي المستقرّة الثّابتة للإنسان المشاهدة له بعد موت المورّث .
والحياة التّقديريّة هي الثّابتة تقديراً للجنين عند موت المورّث ، فإذا انفصل حيّاً حياةً مستقرّةً لوقت يظهر منه وجوده عند الموت - ولو نطفةً - فيقدّر وجوده حيّاً حين موت المورّث بولادته حيّاً . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
الشّرط الثّالث - العلم بجهة الميراث :
10 - يشترط العلم بالجهة المقتضية للإرث من زوجيّة أو قرابة أو ولاء ، وذلك لأنّ الأحكام تختلف في ذلك ، ويجب أيضاً أن تعيّن جهة القرابة ، مع العلم بالدّرجة الّتي يجتمع الوارث فيها مع المورّث . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
أسباب انتقال التّركة :
11 - أسباب انتقال التّركة أربعة ، اتّفق الفقهاء على ثلاثة منها وهي : النّكاح والولاء والقرابة .
وزاد المالكيّة والشّافعيّة جهة الإسلام وهي : بيت المال ، على تفصيل ينظر في موضعه . وكلّ سبب من هذه الأسباب يفيد الإرث على الاستقلال . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ) .
موانع انتقال التّركة بالإرث :
12 - موانع انتقال التّركة عن طريق الإرث ثلاثة : الرّقّ ، والقتل ، واختلاف الدّين . واختلفوا في ثلاثة : وهي الرّدّة ، واختلاف الدّارين ، والدّور الحكميّ .
وهناك موانع أخرى لبعض الفقهاء ، مع خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ( إرث ) .
انتقال التّركة :
13 - لا يشترط لانتقال التّركة إلى الوارث قبول الوراثة ، ولا إلى أن يتروّى قبل أن يقبلها ، بل إنّها تئول إليه جبراً بحكم الشّرع من غير قبول منه . وقد تكون التّركة خاليةً من الدّيون ، وقد تكون مدينةً . والدّين إمّا أن يكون مستغرقاً أو لا ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة تنتقل إلى الوارث ، إذا لم يتعلّق بها دين من حين وفاة الميّت .
واختلفوا في انتقال التّركة الّتي يتعلّق بها الدّين على ثلاثة أقوال :
أ - فذهب الشّافعيّة ، وهو أشهر الرّوايتين عند الحنابلة إلى : أنّ أموال التّركة تنتقل إلى ملك الورثة بمجرّد موت المورّث ، مع تعلّق الدّين بها ، سواء أكان الدّين مستغرقاً للتّركة أم غير مستغرق لها .
ب - وذهب المالكيّة إلى : أنّ أموال التّركة تبقى على ملك الميّت بعد موته إلى أن يسدّد الدّين ، سواء أكان الدّين مستغرقاً لها أم غير مستغرق ، لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَينٍ } .
ج - وذهب الحنفيّة إلى أنّه يميّز بين ما إذا كانت التّركة مستغرقةً بالدّين ، أو كانت غير مستغرقة به . فإن استغرق الدّين أموال التّركة تبقى أموال التّركة على ملك الميّت ، ولا تنتقل إلى ملك الورثة . وإن كان الدّين غير مستغرق ، فالرّأي الرّاجح أنّ أموال التّركة تنتقل إلى الورثة بمجرّد موت المورّث ، مع تعلّق الدّين بهذه الأموال على تفصيل سيأتي .
قال السّرخسيّ : الدّين إذا كان محيطاً بالتّركة يمنع ملك الوارث في التّركة ، وإن لم يكن محيطاً فكذلك في قول أبي حنيفة الأوّل .
وفي قوله الآخر : لا يمنع ملك الوارث بحال ، لأنّ الوارث يخلف المورّث في المال ، والمال كان مملوكاً للميّت في حال حياته مع اشتغاله بالدّين كالمرهون ، فكذلك يكون ملكاً للوارث ، قال : وحجّتنا في ذلك قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دَينٍ } .
فقد جعل اللّه تعالى أوان الميراث ما بعد قضاء الدّين ، والحكم لا يسبق أوانه فيكون حال الدّين كحال حياة المورّث في المعنى .
ثمّ الوارث يخلفه فيما يفضل من حاجته ، فأمّا المشغول بحاجته فلا يخلفه وارثه فيه .
وإذا كان الدّين محيطاً بتركته فالمال مشغول بحاجته ، وقيام الأصل يمنع ظهور حكم الخلف . ولا نقول : يبقى مملوكاً بغير مالك ، ولكن تبقى مالكيّة المديون في ماله حكماً لبقاء حاجته . وخلافة الوارث في التّركة ناقصة في حال تعلّق الدّين بها من غير استغراق ، وهي صوريّة إذا كانت مستغرقةً بالدّين ، وذلك لا يعني أنّه لا قيمة لهذه الخلافة ، بل لها شأنها ، ويعلم ذلك من أقوال الفقهاء . قال ابن قاضي سماوة من الحنفيّة : للورثة أخذ التّركة لأنفسهم ودفع الدّين والوصيّة من مالهم .
ولو كانت التّركة مستغرقةً بدين أو غير مستغرقة ، فأدّاه الورثة لاستخلاص التّركة يجبر ربّ الدّين على قبوله ، إذ لهم الاستخلاص وإن لم يملكوها ، بخلاف الأجنبيّ .
ولو كانت التّركة مستغرقةً بالدّين فالخصم في إثبات الدّين إنّما هو وارثه ، لأنّه خلفه ، فتسمع البيّنة الّتي يتقدّم بها الدّائن عليه .
أثر الخلاف السّابق في انتقال التّركة :
14 - أ - نماء التّركة أو نتاجها إذا حصل بين الوفاة وأداء الدّين ، هل تضمّ إلى التّركة لمصلحة الدّائنين أم هي للورثة ؟
وذلك كأجرة دار للسّكنى ، أو أرض زراعيّة استحقّت بعد وفاته ، وكدابّة ولدت أو سمنت فزادت قيمتها ، وكشجر صار له ثمر . كلّ ذلك نماء أو زيادة في التّركة ، وفيه خلاف بين الفقهاء مبنيّ على أنّ التّركة قبل وفاء الدّين المتعلّق بها هل تنتقل إلى الورثة أم لا ؟ فمن قال : تنتقل إلى الورثة قال : إنّ الزّيادة للوارث وليست للدّائن ، ومن قال بعدم انتقالها ضمّت الزّيادة إلى التّركة لوفاء الدّين ، فإن فضل شيء انتقل إلى الورثة .
ب - صيد وقع في شبكة أعدّها المورّث حال حياته ، ووقوع الصّيد كان بعد وفاته ، فعلى الخلاف السّابق . وللتّفصيل ينظر في مصطلح : ( دين ، وصيد ، وإرث ) .
وقت انتقال التّركة :
يختلف وقت وراثة الوارث لمورّثه بناءً على ما يسبق الوفاة . وهنا يفرّق بين حالات ثلاث :
أ - الحالة الأولى :
15 - من مات دون سابق مرض ظاهر ، وذلك كأن مات فجأةً بالسّكتة القلبيّة ، أو في حادث مثلاً . ففي هذه الحالة يكون وقت خلافة الوارث لمورّثه هو نفس وقت الموت ، وبلا خلاف يعتدّ به بين الفقهاء . قال الفناريّ : فعند أبي يوسف ومحمّد يخلف الوارث مورّثه في التّركة بعد موته ، وعليه مشايخ بلخ ، لأنّه ما دام حيّاً مالك لجميع أمواله ، فلو ملكها الوارث في هذه الحالة أدّى إلى أن يصير الشّيء الواحد مملوكاً لشخصين في حالة واحدة ، وهذا غير معهود في الشّرع ، لكن عند محمّد ملك الوارث يتعقّب الموت ، وعند أبي يوسف لا يتعقّب ، بل يتحقّق إذا استغنى الميّت عن ماله بتجهيزه وأداء دينه ، لأنّ كلّ جزء يجوز أن يكون محتاجاً إليه بتقدير هلاك الباقي . وعن محمّد ينتقل الملك إلى الوارث قبل موته في آخر أجزاء الحياة ، وعليه مشايخ العراق ، لأنّ الإرث يجري بين الزّوج والزّوجة ، والزّوجيّة ترتفع بالموت أو تنتهي على حسب ما اختلفوا ، فبأيّ سبب يجري الإرث بينهما . وعند البعض يجري الإرث مع موت المورّث لا قبله ولا بعده - كما ذكره شارح الفرائض العثمانيّة واختاره - لأنّ انتقال الشّيء إلى ملك الوارث مقارن لزوال ملك المورّث عن ذلك الشّيء ، فحين يتمّ يحصل الانتقال والإرث .
ب - الحالة الثّانية :
16 - هي حالة من مات بعد أن كان مريضاً مرض الموت واتّصلت الوفاة به .
وقد عرّفت مجلّة الأحكام العدليّة مرض الموت بأنّه : المرض الّذي يخاف فيه الموت في الأكثر ، الّذي يعجز المريض عن رويّة مصالحه الخارجيّة عن داره إن كان من الذّكور ، ويعجزه عن رؤية المصالح الدّاخليّة في داره إن كان من الإناث ، ويموت على ذلك الحال قبل مرور سنة ، كان صاحب فراش أو لم يكن . وإن امتدّ مرضه دائماً على حال ، ومضى عليه سنة يكون في حكم الصّحيح ، وتكون تصرّفاته كتصرّفات الصّحيح ، ما لم يشتدّ مرضه ويتغيّر حاله ، ولكن لو اشتدّ مرضه وتغيّر حاله ومات ، يعدّ حاله اعتباراً من وقت التّغيّر إلى الوفاة مرض موت . ويلحق بالمريض مرض الموت : الحامل إذا أتمّت ستّة أشهر ودخلت في السّابع ، والمحبوس للقتل ، وحاضر صفّ القتال وإن لم يصب بجرح كما صرّح بذلك المالكيّة . ونحوه تصريح الحنابلة في الحامل إذا ضربها المخاض .
17 - وذهب الجمهور إلى أنّ وقت انتقال تركة المريض مرض الموت إلى ورثته ، يكون عقب الموت بلا تراخ ، وهو قول أكثر الحنفيّة أيضاً . وقال بعض متقدّمي الحنفيّة : إنّ انتقال الملكيّة في ثلثي تركة المريض مرض الموت يكون من حين ابتداء مرض الموت ، وتفصيل ذلك ودليله ينظر في المطوّلات . قالوا : ولأجل هذا منع المريض مرض الموت من التّصرّف في ثلثي التّركة ، وترث زوجته منه لو طلّقها بائناً فيه .
الحجر على المريض مرض الموت صوناً للتّركة لحقّ الورثة :
18 - إذا شعر المريض بدنوّ أجله ربّما تنطلق يده في التّبرّعات رجاء استدراك ما فاته في حال صحّته ، وقد يؤدّي ذلك إلى تبديد ماله وحرمان الورثة ، فشرع الحجر عليه .
وقد اتّفق الفقهاء على أنّ المريض مرض الموت محجور عليه بحكم الشّرع لحقّ الورثة ، والّذي يحجر فيه على المريض هو تبرّعاته فقط فيما زاد عن ثلث تركته حيث لا دين . وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ هذا الحجر على المريض مرض الموت هو في التّبرّع ، كالهبة والصّدقة والوصيّة والوقف وبيع المحاباة فيما يزيد عن ثلث ماله ، أي أنّ حكم تبرّعاته حكم وصيّته : تنفذ من الثّلث ، وتكون موقوفةً على إجازة الورثة فيما زاد عن الثّلث ، فإن برئ من مرضه صحّ تبرّعه . وقال المالكيّة : لا ينفذ من الثّلث تبرّع المريض ، إلاّ إذا كان المال الباقي بعد التّبرّع مأموناً ، أي لا يخشى تغيّره ، وهو العقار كدار وأرض وشجر ، فإن كان غير مأمون فلا ينفذ ، وإنّما يوقف ولو بدون الثّلث حتّى يظهر حاله من موت أو حياة ، كما يمنع من الزّواج بما زاد على الثّلث . قال الدّسوقيّ : والمريض لا يحجر عليه في تداويه ومؤنته ، ولا في المعاوضة الماليّة ولو بكلّ ماله . وأمّا التّبرّعات فيحجر عليه فيها بما زاد عن الثّلث . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( مرض الموت ) .
ج - الحالة الثّالثة :
19 - وهي حالة التّركة المدينة بدين مستغرق أو غير مستغرق لها ، وقد تقدّم الكلام على هذه الحالة في " انتقال التّركة " .
زوائد التّركة :
20 - المراد بزوائد التّركة نماء أعيانها بعد وفاة المورّث .
وقد فصّل الفقهاء حكم هذه الزّوائد ، آخذين بعين الاعتبار ما إذا كانت التّركة خاليةً من الدّيون أو مدينةً بدين مستغرق أو غير مستغرق . فإذا كانت التّركة غير مدينة ، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ التّركة بزوائدها للورثة ، كلّ حسب حصّته في الميراث .
أمّا إذا كانت التّركة مدينةً بدين مستغرق أو غير مستغرق ، فقد اختلف الفقهاء في زوائدها هل تبقى على ملك الميّت ، ومن ثمّ تصرف للدّائنين ؟ أم تنتقل للورثة ؟
فذهب الحنفيّة - في الدّين المستغرق - والمالكيّة إلى : أنّ نماء أعيان التّركة بزيادتها المتولّدة ملك للميّت ، كما أنّ نفقات أعيان التّركة ، من حفظ وصيانة ومصروفات حمل ونقل وطعام حيوان تكون في التّركة .
وذهب الحنفيّة في الدّين غير المستغرق والشّافعيّة والحنابلة - في أشهر الرّوايتين - إلى أنّ زوائد التّركة الّتي تعلّق بها دين ملك للورثة ، وعليهم ما تحتاجه من نفقات .
ترتيب الحقوق المتعلّقة بالتّركة :
21 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الحقوق المتعلّقة بالتّركة ليست على مرتبة واحدة ، وأنّ بعضها مقدّم على بعض ، فيقدّم من حيث الجملة تجهيز الميّت وتكفينه ، ثمّ أداء الدّين ، ثمّ تنفيذ وصاياه ، والباقي للورثة .
أوّلاً : تجهيز الميّت وتكفينه :
22 - إذا كانت التّركة خاليةً من تعلّق دين بعينها قبل الوفاة ، فقد اتّفق الفقهاء على أنّ أوّل الحقوق مرتبةً وأقواها هو : تجهيزه للدّفن والقيام بتكفينه وبما لا بدّ له منه ، « لقوله صلى الله عليه وسلم في الّذي وَقَصَته ناقتُه : كَفِّنوه في ثوبين » ولم يسأل هل عليه دين أم لا ؟ لأنّه محتاج إلى ذلك ، وإنّما يدفع إلى الوارث ما يستغني عنه المورّث ، لأنّه إذا ترك للمفلس الحيّ ثياب تليق به فالميّت أولى أن يستر ويوارى ، لأنّ الحيّ يعالج لنفسه ، وقد « كفّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد مصعباً رضي الله عنه في بردة له ، ولم يكن له غيرها ، وكفّن حمزة رضي الله عنه أيضاً » ولم يسأل عن دين قد يكون على أحدهما قبل التّكفين . أمّا إذا لم تكن التّركة خاليةً من تعلّق حقّ الغير بأعيانها قبل الوفاة ، كأن كان فيها شيء من الأعيان المرهونة ، أو شيء اشتراه ولم يقبضه ولم يدفع ثمنه ، كان حقّ المرتهن متعلّقاً بعين الشّيء المرهون ، وكان حقّ البائع متعلّقاً بالمبيع نفسه الّذي لا يزال تحت يده ، ففي هذه الحالة يكون الدّين متقدّماً في الدّفع على تكفين الميّت وتجهيزه عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهي الرّواية المشهورة عند الحنفيّة .
وعند الحنابلة ، وغير المشهور عند الحنفيّة : أنّه إذا مات الإنسان بدئ بتكفينه وتجهيزه مقدّماً على غيره ، كما تقدّم نفقة المفلس على ديون غرمائه ، ثمّ تقضى ديونه بعد تجهيزه ودفنه . والتّفصيل في ( جنائز ، ودين ) .
ثانياً : أداء الدّين :
23 - يأتي في المرتبة الثّانية أداء الدّيون المتعلّقة بالتّركة بعد تجهيز الميّت - على التّفصيل السّابق - لقوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بها أو دينٍ } . ويقدّم الدّين على الوصيّة باتّفاق الفقهاء ، لأنّ الدّين واجب من أوّل الأمر ، لكنّ الوصيّة تبرّع ابتداءً ، والواجب يؤدّى قبل التّبرّع . « وعن الإمام عليّ رضي الله عنه أنّه قال : إنّكم تقرءون الوصيّة قبل الدّين ، وقد شهدت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدّين قبل الوصيّة » . وهذه الدّيون أو الحقوق أنواع :
منها : ما يكون للّه تعالى ، كالزّكاة والكفّارات والحجّ الواجب .
ومنها : ما يكون للعباد ، كدين الصّحّة ودين المرض .
وهذه الدّيون بشطريها ، إمّا أن تتعلّق بعين التّركة أو بجزء منها .
ومنها : ديون مطلقة متعلّقة بالذّمّة وحدها .
24 - وذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والثّوريّ والشّعبيّ والنّخعيّ وسوّار ، وهو الرّواية المرجوحة للحنابلة إلى : أنّ الدّيون الّتي على الميّت تحلّ بموته . قال ابن قدامة : لأنّه لا يخلو إمّا أن يبقى الدّين في ذمّة الميّت ، أو الورثة ، أو يتعلّق بالمال .
لا يجوز بقاؤه في ذمّة الميّت لخرابها وتعذّر مطالبته بها ، ولا ذمّة الورثة لأنّهم لم يلتزموها ، ولا رضي صاحب الدّين بذممهم ، وهي مختلفة متباينة ، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله ، لأنّه ضرر بالميّت وصاحب الدّين ولا نفع للورثة فيه أمّا الميّت فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دين » ، وأمّا صاحبه فيتأخّر حقّه ، وقد تتلف العين فيسقط حقّه ، وأمّا الورثة فإنّهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرّفون فيها ، وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظّ الميّت وصاحب الدّين لمنفعة لهم .
والمذهب عند الحنابلة ، وهو قول ابن سيرين وعبيد اللّه بن الحسن العنبريّ وأبي عبيد : أنّ الدّيون على الميّت لا تحلّ بموته ، إذا وثق الورثة أو غيرهم برهن أو كفيل مليء على أقلّ الأمرين من قيمة التّركة أو الدّين . قال ابن قدامة : لأنّ الموت ما جعل مبطلاً للحقوق ، وإنّما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من ترك حقّاً أو مالاً فلورثته » ، فعلى هذا يبقى الدّين في ذمّة الميّت كما كان ، ويتعلّق بعين ماله كتعلّق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه ، فإن أحبّ الورثة أداء الدّين والتزامه للغريم ويتصرّفون في المال لم يكن لهم ذلك إلاّ أن يرضى الغريم ، أو يوثّقوا الحقّ بضمين مليء أو رهن يثق به لوفاء حقّه ، فأنّهم قد لا يكونون أملياء ولم يرض بهم الغريم ، فيؤدّي إلى فوات الحقّ ، وذكر القاضي أبو يعلى : أنّ الحقّ ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورّثهم من غير أن يشترط التزامهم له . قال ابن قدامة : ولا ينبغي أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه ، ولو لزمهم ذلك لموت مورّثهم للزمهم وإن لم يخلّف وفاءً .
25 - وقد اختلف الفقهاء في أيّ الدّينين يؤدّى أوّلاً إذا ضاقت التّركة عنهما .
فذهب الحنفيّة إلى : أنّ ديون اللّه تعالى تسقط بالموت إلاّ إذا أوصى بها كما سيأتي .
وذهب المالكيّة إلى أنّ حقّ العبد يقدّم على حقّ اللّه تعالى ، لأنّ حقوق اللّه تعالى مبنيّة على المسامحة ، وحقوق العباد مبنيّة على المشاحّة ، أو لاستغناء اللّه وحاجة النّاس .
وذهب الشّافعيّة إلى تقديم حقوق اللّه تعالى أو ديونه على حقوق الآدميّ إذا ضاقت التّركة عنهما ، واستدلّوا بقوله صلى الله عليه وسلم : « دين اللّه أحقّ أن يقضى » .
وقوله : « اقضوا اللّه ، فاللّه أحقّ بالوفاء » .
وأمّا الحنابلة فإنّهم يقدّمون وفاء الدّين المتعلّق بعين التّركة أو ببعضها ، كالدّين المرهون به شيء منها ، ثمّ بعدها الدّين المطلقة المتعلّقة بذمّة المتوفّى ، ولا فرق في التّقديم بين حقّ اللّه أو حقّ العبد . وللتّفصيل انظر مصطلح : ( إرث ، ودين ) .
رد مع اقتباس