عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 05-19-2012, 07:16 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الألفاظ ذات الصّلة :
التّفسير :
2 - التّفسير مصدر فسّر ، وهو في اللّغة بمعنى : البيان والكشف والإظهار .
وفي الشّرع : توضيح معنى الآية ( أي ونحوها ) وشأنها ، وقصّتها ، والسّبب الّذي نزلت فيه بلفظ يدلّ عليه دلالة ظاهرة . فالتّرجمة تكون بلغة مغايرة ، وعلى قدر الكلام المترجم ، دون زيادة أو نقص ، بخلاف التّفسير فقد يطول ويتناول الدّلالات التّابعة للّفظ .
ترجمة القرآن الكريم وأنواعها :
3 - قال الشّاطبيّ : للّغة العربيّة - من حيث هي ألفاظ دالّة على معان - نظران : أحدهما : من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقةً دالّةً على معان مطلّقة ، وهي الدّلالة الأصليّة . والثّاني : من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مقيّدةً ، دالّةً على معان خادمة ، وهي الدّلالة التّابعة . فالجهة الأولى : هي الّتي يشترك فيها جميع الألسنة ، وإليها تنتهي مقاصد المتكلّمين ، ولا تختصّ بأمّة دون أخرى ، فإنّه إذا حصل في الوجود فعل لزيد مثلاً كالقيام ، ثمّ أراد كلّ صاحب لسان الإخبار عن زيد بالقيام ، تأتّى له ما أراد من غير كلفة .
ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأوّلين - ممّن ليسوا من أهل اللّغة العربيّة - وحكاية كلامهم . ويتأتّى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها ، وهذا لا إشكال فيه .
وأمّا الجهة الثّانية : فهي الّتي يختصّ بها لسان العرب في تلك الحكاية وذلك الإخبار ، فإنّ كلّ خبر يقتضي في هذه الجهة أموراً خادمةً لذلك الإخبار ، بحسب المخبر ، والمخبر عنه ، والمخبر به ، ونفس الإخبار ، في الحال والمساق ، ونوع الأسلوب : من الإيضاح والإخفاء ، والإيجاز ، والإطناب ، وغير ذلك .
وذلك أنّك تقول في ابتداء الإخبار : قام زيد إن لم تكن ثمّ عناية بالمخبر عنه ، بل بالخبر . فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت : زيد قام . وفي جواب السّؤال أو ما هو منزّل تلك المنزلة : إنّ زيداً قام . وفي جواب المنكر لقيامه : واللّه إنّ زيداً قام . وفي إخبار من يتوقّع قيامه ، أو الإخبار بقيامه : قد قام زيد ، أو زيد قد قام . وفي التّنكيت على من ينكر : إنّما قام زيد . ثمّ يتنوّع أيضاً بحسب تعظيمه أو تحقيره - أعني المخبر عنه - وبحسب الكناية عنه والتّصريح به ، وبحسب ما يقصد في مساق الإخبار ، وما يعطيه مقتضى الحال ، إلى غير ذلك من الأمور الّتي لا يمكن حصرها ، وجميع ذلك دائر حول الإخبار بالقيام عن زيد . فمثل هذه التّصرّفات الّتي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ، ليست هي المقصود الأصليّ ، ولكنّها من مكمّلاته ومتمّماته . وبطول الباع في هذا النّوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر . وبهذا النّوع الثّاني اختلفت العبارات وكثير من أقاصيص القرآن ، لأنّه يأتي مساق القصّة في بعض السّور على وجه ، وفي بعضها على وجه آخر ، وفي ثالثة على وجه ثالث ، وهكذا ما تقرّر فيه من الإخبارات لا بحسب النّوع الأوّل ، إلاّ إذا سكت عن بعض التّفاصيل في بعض ، ونصّ عليه في بعض . وذلك أيضاً لوجه اقتضاه الحال والوقت . { وما كان ربُّك نَسِيَّاً } وإذا ثبت هذا فلا يمكن لمن اعتبر هذا الوجه الأخير أن يترجم كلاماً من الكلام العربيّ بكلام العجم على حال ، فضلاً عن أن يترجم القرآن وينقل إلى لسان غير عربيّ ، إلاّ مع فرض استواء اللّسانين في اعتباره عيناً ، كما إذا استوى اللّسان في استعمال ما تقدّم تمثيله ونحوه .
فإذا ثبت ذلك في اللّسان المنقول إليه مع لسان العرب ، أمكن أن يترجم أحدهما إلى الآخر . وإثبات مثل هذا بوجه بيّن عسير جدّاً . وربّما أشار إلى شيء من ذلك أهل المنطق من القدماء ، ومن حذا حذوهم من المتأخّرين ، ولكنّه غير كاف ولا مغن في هذا المقام .
وقد نفى ابن قتيبة إمكان التّرجمة في القرآن يعني على هذا الوجه الثّاني ، فأمّا على الوجه الأوّل فهو ممكن ، ومن جهته صحّ تفسير القرآن وبيان معناه للعامّة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه ، وكان ذلك جائزاً باتّفاق أهل الإسلام ، فصار هذا الاتّفاق حجّةً في صحّة التّرجمة على المعنى الأصليّ .
4 - هذا وتنقسم التّرجمة إلى نوعين :
أ - التّرجمة الحرفيّة : وهي النّقل من لغة إلى أخرى ، مع التزام الصّورة اللّفظيّة للكلمة ، أو ترتيب العبارة .
ب - التّرجمة لمعاني الكلام : وهي تعبير بألفاظ تبيّن معاني الكلام وأغراضه ، وتكون بمنزلة التّفسير .
ما يتعلّق بالتّرجمة من أحكام :
أ - كتابة القرآن بغير العربيّة وهل تسمّى قرآناً ؟
5 - ذهب بعض الحنفيّة إلى جواز كتابة آية أو آيتين بحروف غير عربيّة ، لا كتابته كلّه ، لكن كتابة القرآن بالعربيّة وتفسير كلّ حرف وترجمته جائز عندهم .
لما روي عن سلمان الفارسيّ رضي الله عنه أنّ قوماً من الفرس سألوه أن يكتب لهم شيئاً من القرآن ، فكتب لهم فاتحة الكتاب بالفارسيّة .
ب - قراءة القرآن بغير العربيّة :
ونظر الفقهاء في ذلك على اختلاف آرائهم متوجّه إلى عدم الإخلال بحفظ القرآن ، وأن لا تكون مؤدّيةً إلى التّهاون بأمره ، ولكنّها لا تسمّى قرآناً على أيّ وجه كانت .
6 - واختلف الفقهاء في جواز القراءة في الصّلاة بغير العربيّة .
فيرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا يجوز القراءة بغير العربيّة ، سواء أحسن قراءتها بالعربيّة أم لم يحسن ، لقوله تعالى : { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّر مِنَ القرآنِ } أمر بقراءة القرآن في الصّلاة ، والقرآن هو المنزّل بلغة العرب ، كما قال سبحانه وتعالى : { إِنَّا أنْزَلْنَاه قًرآنَاً عَرَبيّاً } وقال أيضاً : { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } ولأنّ ترجمة القرآن من قبيل التّفسير ، وليست قرآناً ، لأنّ القرآن هو اللّفظ العربيّ المنزّل على سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن دليل النّبوّة وعلامة الرّسالة ، وهو المعجز بلفظه ومعناه ، والإعجاز من حيث اللّفظ يزول بزوال النّظم العربيّ ، فلا تكون التّرجمة قرآناً لانعدام الإعجاز ، ولذا لم تحرم قراءة التّرجمة على الجنب والحائض ، ولا يحنث بها من حلف لا يقرأ القرآن .
وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّ المصلّي إن كان يحسن العربيّة لا يجوز أن يقرأ القرآن بغيرها ، وإن كان لا يحسن يجوز . وقد ثبت رجوع أبي حنيفة إلى قولهما لقوّة دليلهما وهو : أنّ المأمور به قراءة القرآن ، وهو اسم للمنزّل باللّفظ العربيّ المنظوم هذا النّظم الخاصّ المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا نقلاً متواتراً .
والأعجميّة إنّما تسمّى قرآناً مجازاً ، ولذا يصحّ نفي اسم القرآن على المترجم إليها .
وذهب أبو حنيفة في المشهور من قوله إلى جواز القراءة بالفارسيّة - فيما يمكن ترجمته حرفيّاً - كما يجوز بالعربيّة ، سواء أكان يحسن العربيّة أم لا يحسن ، فتجب لأنّها اعتبرت خلفاً عن النّظم العربيّ ، وليس لكونها قرآناً ، فهي حينئذ رخصة عنده .
غير أنّه إن كان يحسن العربيّة يصير مسيئاً لمخالفته السّنّة المتوارثة .
وقد رجع أبو حنيفة إلى رأي صاحبيه كما سبق . ثمّ الجواز على قول أبي حنيفة - المرجوع عنه - مقصور على قراءة من لا يكون متّهماً بالعبث بالقرآن ، وأن لا يكون معتاداً لقراءة القرآن بالعجميّة ، أمّا اعتياد القراءة بالأعجميّة فممنوع مطلقاً .
ت - مسّ المحْدِث التّرجمة وحملها وقراءتها :
7 - ذهب الحنفيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّه لا يجوز للحائض قراءة القرآن بقصد القراءة ولا مسّه ، ولو مكتوباً بغير العربيّة ، وقال بعضهم : يجوز ، وقال ابن عابدين نقلاً عن البحر : وهذا أقرب إلى القياس ، والمنع أقرب إلى التّعظيم ، والصّحيح المنع .
والمتبادر من أقوال المالكيّة ، وهو ما صرّح به الحنابلة : جواز مسّ كتب التّفسير مطلقاً ، قلّ التّفسير أو كثر ، لأنّه لا يقع عليها اسم المصحف ، ولا تثبت لها حرمته .
ويرى الشّافعيّة حرمة حمل التّفسير ومسّه ، إذا كان القرآن أكثر من التّفسير ، وكذلك إن تساويا على الأصحّ ، ويحلّ إذا كان التّفسير أكثر على الأصحّ ، وفي رواية : يحرم لإخلاله بالتّعظيم . والتّرجمة من قبيل التّفسير .
ث - ترجمة الأذان :
8 - لو أذّن بالفارسيّة أو بلغة أخرى غير العربيّة ، فالصّحيح عند الحنفيّة والحنابلة : أنّه لا يصحّ ، ولو علم أنّه أذان .
وهو المتبادر من كلام المالكيّة ، لأنّهم يشترطون في الأذان : أن يكون بالألفاظ المشروعة . وأمّا الشّافعيّة فقد فصّلوا الكلام فيه ، وقالوا : إن كان يؤذّن لجماعة ، وفيهم من يحسن العربيّة ، لم يجزئ الأذان بغيرها ، ويجزئ إن لم يوجد من يحسنها . وإن كان يؤذّن لنفسه ، فإن كان يحسن العربيّة لا يجزئه الأذان بغيرها ، وإن كان لا يحسنها أجزأه .
ج - ترجمة التّكبير والتّشهّد وخطبة الجمعة وأذكار الصّلاة :
9 - لو كبّر المصلّي بغير العربيّة ، فذهب أبو حنيفة إلى جوازه مطلقاً ، عجز عن العربيّة أم لم يعجز ، واحتجّ في ذلك بقوله تعالى : { وَذَكَرَ اسمَ رَبِّه فَصَلَّى } ، وقياساً على إسلام الكافر . وشرط أبو يوسف ومحمّد عجز الشّخص عن العربيّة .
وعلى هذا الخلاف : الخطبة وأذكار الصّلاة ، كما لو سبّح بالفارسيّة في الصّلاة ، أو أثنى على اللّه تعالى ، أو تعوّذ ، أو هلّل ، أو تشهّد ، أو صلّى على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصحّ عنده ، وأمّا أبو يوسف ومحمّد فشرطا العجز .
وذكر ابن عابدين نقلاً عن شرح الطّحاويّ : أنّه لو كبّر الشّخص بالفارسيّة ، أو سمّى عند الذّبح ، أو لبّى عند الإحرام بالفارسيّة أو بأيّ لسان ، سواء أكان يحسن العربيّة أم لا ، جاز بالاتّفاق بين الإمام وصاحبيه ، وهذا يعني أنّ الصّاحبين رجعا إلى قول الإمام في جواز التّكبير والأذكار مطلقاً ، كما أنّ أبا حنيفة رجع إلى قولهما في عدم جواز القراءة بالعجميّة إلاّ عند العجز . ويرى المالكيّة أنّه إن عجز عن التّكبير بالعربيّة سقط ، ولا يجوز بغيرها ، ويكفيه نيّته كالأخرس ، فإن أتى العاجز عنه بمرادفه من لغة أخرى لم تبطل ، قياساً على الدّعاء بالعجميّة ولو للقادر على العربيّة .
وعند بعض شيوخ القاضي عياض : يجوز الإتيان بالتّكبير بغير العربيّة ، وأمّا الخطبة فلا تجوز عندهم بغير العربيّة ولو كان الجماعة عجماً لا يعرفون العربيّة ، فلو لم يكن منهم من يحسن الإتيان بالخطبة عربيّةً لم تلزمهم جمعة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز التّكبير بالعجميّة إذا أحسن العربيّة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « صلّوا كما رأيتموني أُصلّي » وكان عليه الصلاة والسلام يكبّر بالعربيّة ، وأيضاً قال للمسيء في صلاته : « إذا قمت للصّلاة فكبّر .. » ولأنّه لم ينقل عنه العدول عن ذلك حتّى فارق الدّنيا . هذا إذا أحسن العربيّة ، أمّا إن لم يحسن العربيّة لزمه تعلّم التّكبير بها إن كان في الوقت متّسع ، وإلاّ كبّر بلغته . وكذلك التّشهّد الأخير والصّلاة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يجوزان بغير العربيّة عندهم للعاجز عنها ، ولا يجوز للقادر .
وأمّا خطبة الجمعة ، فذهب الشّافعيّة في الأصحّ من المذهب إلى : أنّه يشترط أن تكون بالعربيّة ، فإن لم يكن ثمّ من يحسن العربيّة ، ولم يمكن تعلّمها ، خطب بغيرها ، فإن انقضت مدّة إمكان التّعلّم - ولم يتعلّموا - عصوا كلّهم ولا جمعة لهم .
وفي السّلام بالعجميّة ثلاثة أوجه : أحدهما : إن قدر على العربيّة لم يجز ، وقال النّوويّ : الصّواب صحّة سلامه بالعجميّة إن كان المخاطب يفهمها .
والضّابط عند الشّافعيّة في مسألة التّرجمة هو : أنّ ما كان المقصود منه لفظه ومعناه ، فإن كان لإعجازه امتنع قطعاً ، وإن لم يكن كذلك امتنع للقادر ، كالأذان وتكبير الإحرام والتّشهّد والأذكار المندوبة ، والأدعية المأثورة في الصّلاة ، والسّلام والخطبة .
وما كان المقصود منه معناه دون لفظه ، فجائز ، كالبيع والخلع والطّلاق ونحوها .
والقول الآخر عند الشّافعيّة أنّ كون الخطبة بالعربيّة مستحبّ فقط ، قال النّوويّ : لأنّ المقصود الوعظ ، وهو حاصل بكلّ اللّغات .
ح - الدّعاء بغير العربيّة في الصّلاة :
10 - المنقول عن الحنفيّة في الدّعاء بغير العربيّة الكراهة ، لأنّ عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن رطانة الأعاجم ، والرّطانة كما في القاموس : الكلام بالأعجميّة .
وظاهر التّعليل : أنّ الدّعاء بغير العربيّة خلاف الأولى ، وأنّ الكراهة فيه تنزيهيّة ، ولا يبعد أن يكون الدّعاء بالعجميّة مكروهاً تحريماً في الصّلاة ، وتنزيهاً خارجها .
وذهب المالكيّة إلى أنّه يحرم الدّعاء بغير العربيّة - على ما نقل ابن عابدين عن القرافيّ - معلّلاً باشتماله على ما ينافي التّعظيم ، وقيّد اللّقانيّ كلام القرافيّ بالأعجميّة المجهولة المدلول ، أخذاً من تعليله ، وهو اشتمالها على ما ينافي جلال الرّبوبيّة .
وأمّا إذا علم مدلولها فيجوز استعمالها مطلقاً في الصّلاة وغيرها ، لقوله تعالى : { وَعَلَّمَ آدمَ الأَسْمَاءَ كُلَّها } وقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا منْ رَسُولٍ إلاّ بِلِسَانِ قَومِه } وهذا ما صرّح به الدّسوقيّ أيضاً .
وقد فصّل الشّافعيّة الكلام فقالوا : الدّعاء في الصّلاة إمّا أن يكون مأثوراً أو غير مأثور .
أمّا الدّعاء المأثور ففيه ثلاثة أوجه : أصحّها ، ويوافقه ما ذهب إليه الحنابلة : أنّه يجوز بغير العربيّة للعاجز عنها ، ولا يجوز للقادر ، فإن فعل بطلت صلاته .
والثّاني : يجوز لمن يحسن العربيّة وغيره .
والثّالث : لا يجوز لواحد منهما لعدم الضّرورة إليه .
وأمّا الدّعاء غير المأثور في الصّلاة ، فلا يجوز اختراعه والإتيان به بالعجميّة قولاً واحداً . وأمّا سائر الأذكار كالتّشهّد الأوّل والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه ، والقنوت ، والتّسبيح في الرّكوع والسّجود ، وتكبيرات الانتقالات ، فعلى القول بجواز الدّعاء بالأعجميّة تجوز بالأولى ، وإلاّ ففي جوازها للعاجز أوجه : أصحّها : الجواز . والثّاني : لا . والثّالث : يجوز فيما يجبر بسجود السّهو . وذكر صاحب الحاوي : أنّه إذا لم يحسن العربيّة أتى بكلّ الأذكار بالعجميّة ، وإن كان يحسنها أتى بالعربيّة ، فإن خالف وقالها بالفارسيّة : فما كان واجباً كالتّشهّد والسّلام لم يجزه ، وما كان سنّةً كالتّسبيح والافتتاح أجزأه وقد أساء .
خ - الإِتيان بالشّهادتين بغير العربيّة لمن أراد الإِسلام :
11 - يرى جمهور الفقهاء أنّ الكافر إذا أراد الإسلام ، فإن لم يحسن العربيّة جاز أن يأتي بالشّهادتين بلسانه ، وأمّا إن كان يحسنها : فيرى الحنفيّة ، وهو الصّحيح عند عامّة الشّافعيّة أنّه جائز ، لأنّ المراد من الشّهادتين الإخبار عن اعتقاده ، وذلك يحصل بكلّ لسان . وأمّا المالكيّة فالأصل عندهم أنّ النّطق بالشّهادتين بالعربيّة شرط في صحّة الإسلام إلاّ لعجز - بخرس ونحوه - مع قيام القرينة على تصديقه بقلبه ، فيحكم له بالإسلام ، وتجري عليه أحكامه . وذهب الحنابلة إلى أنّه يثبت إسلام الكافر الأصليّ بالنّطق بالشّهادتين . وأمّا إن قال : أنا مؤمن أو أنا مسلم ،قال القاضي أبو يعلى : يحكم بإسلامه بهذا وإن لم يلفظ الشّهادتين.
د - الأمان بغير العربيّة :
12 - الأمان بغير العربيّة لا خلاف بين الفقهاء في أنّه يجوز ، لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنّه قال : إذا قلتم : لا بأس أو : لا تذهل أو : مترس ، فقد آمنتموهم ، فإنّ اللّه تعالى يعلم الألسنة . وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مثل ذلك .
ذ - انعقاد النّكاح ووقوع الطّلاق ، بغير العربيّة :
أوّلاً - ترجمة صيغة النّكاح :
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من لا يحسن العربيّة يصحّ منه عقد النّكاح بلسانه ، لأنّه عاجز عمّا سواه ، فسقط عنه كالأخرس ، ويحتاج أن يأتي بالمعنى الخاصّ بحيث يشتمل على معنى اللّفظ العربيّ ، وقال أبو الخطّاب من الحنابلة : عليه أن يتعلّم ما كانت العربيّة شرطاً فيه كالتّكبير . واختلفوا فيمن يقدر على لفظ النّكاح بالعربيّة :
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة في الأصحّ ، والشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة وابن قدامة من الحنابلة إلى : أنّه ينعقد بغيرها ، لأنّه أتى بلفظه الخاصّ ، فانعقد به ، كما ينعقد بلفظ العربيّة .
ولأنّ اللّغة العجميّة تصدر عمّن تكلّم بها عن قصد صحيح .
ويرى الشّافعيّة في وجه آخر أنّه لا يصحّ بغير العربيّة ، حتّى وإن كان لا يحسنها . وللشّافعيّة قول ثالث : وهو أنّه ينعقد إن لم يحسن العربيّة وإلاّ فلا . وقال في كشّاف القناع : فإن كان أحد المتعاقدين في النّكاح يحسن العربيّة دون الآخر أتى الّذي يحسن العربيّة بما هو من قبله - من إيجاب أو قبول - بالعربيّة لقدرته عليه ، والعاقد الآخر يأتي بما هو من قبله بلغته ، وإن كان كلّ منهما لا يحسن لسان الآخر ترجم بينهما ثقة يعرف اللّسانين .
ثانياً - التّطليق بغير العربيّة :
14 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ العجميّ إذا أتى بصريح الطّلاق بالعجميّة كان طلاقاً ، وإذا أتى بالكناية لا يقع إلاّ بنيّته . ولكنّهم اختلفوا في الألفاظ الّتي تعتبر صريح الطّلاق وكنايته بالعجميّة ، وبيّن الفقهاء بعضها في كتاب الطّلاق .
ويرى المالكيّة أنّ من طلّق بالعجميّة لزمه إن شهد بذلك عدلان يعرفان العجميّة .
قال ابن ناجي : قال أبو إبراهيم : يؤخذ منها أنّ التّرجمان لا يكون أقلّ من عدلين .
وينظر مصطلح : ( طلاق ) .
ر - التّرجمة في القضاء :
15 - جمهور الفقهاء على أنّ القاضي يجوز له أن يتّخذ مترجماً .
وأمّا تعدّده ، فذهب الحنفيّة وهو رواية عن أحمد إلى : أنّه يكفي واحد عدل ، وهو اختيار أبي بكر وقاله ابن المنذر أيضاً . قال ابن المنذر في حديث زيد بن ثابت : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلّم كتاب يهود ، قال : فكنت أكتب له إذا كتب إليهم ، وأقرأ له إذا كتبوا » . ولأنّه ممّا لا يفتقر إلى لفظ الشّهادة فأجزأ فيه الواحد كأخبار الدّيانات . ويرى المالكيّة أنّه يكفي الواحد العدل إن رتّبه القاضي .
أمّا غير المرتّب بأن أتى به أحد الخصمين ، أو طلبه القاضي للتّبليغ ، فلا بدّ فيه من التّعدّد ، لأنّه صار كالشّاهد . وفي قول : لا بدّ من تعدّده ، ولو رتّب .
وذهب الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى : أنّ التّرجمة شهادة ، لأنّ المترجم ينقل إلى القاضي قولاً لا يعرفه القاضي ، وما خفي عليه فيما يتعلّق بالمتخاصمين ، ولذا فإنّها تفتقر إلى العدد والعدالة ، ويعتبر فيه من الشّروط ما يعتبر في الشّهادة .
فإن كان الحقّ ممّا يثبت برجل أو امرأتين قبلت التّرجمة من رجل وامرأتين ، وما لا يثبت إلاّ برجلين يشترط في ترجمته رجلان ، وفي حدّ الزّنا قولان عند الشّافعيّة .
أحدهما : أنّه لا يكفي فيه أقلّ من أربعة رجال أحرار عدول . والثّاني : يكفي فيه اثنان . وقيل عند الشّافعيّة : يكفي رجلان قطعاً .

ترجيح *
انظر : تعارض .

ترجيع *
التّعريف :
1 - التّرجيع في اللّغة هو : ترديد الصّوت في قراءة أو أذان أو غناء أو غير ذلك ممّا يُتَرنّم به . وفي الاصطلاح هو : أن يخفض المؤذّن صوته بالشّهادتين مع إسماعه الحاضرين ، ثمّ يعود فيرفع صوته بهما .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّثويب :
2 - التّثويب لغةً : العود إلى الإعلام بعد الإعلام .
واصطلاحاً : قول المؤذّن في أذان الصّبح بعد الحيعلتين ، أو بعد الأذان وقبل الإقامة - كما يقول بعض الفقهاء - الصّلاة خير من النّوم ، مرّتين .
ويختلف التّثويب عن التّرجيع - بالمعنى الأوّل - في أنّ التّثويب يكون في أذان الفجر بعد الحيعلتين أو بعد الأذان ، وأمّا التّرجيع فيكون في الإتيان بالشّهادتين في كلّ أذان .
الحكم الإجماليّ :
3 - يرى الحنفيّة والحنابلة على الصّحيح من المذهب - وهو قول الثّوريّ وإسحاق - أنّه لا ترجيع في الأذان ، « لحديث عبد اللّه بن زيد من غير ترجيع . فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : إنّها حقّ إن شاء اللّه ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ، فليؤذّن به ، فإنّه أندى صوتاً منك . فقمت مع بلال ، فجعلت ألقيه عليه ويؤذّن به » .
فإذا رجع المؤذّن ، فقد نصّ الإمام أحمد على أنّه لا بأس به ، واعتبر الاختلاف في التّرجيع من الاختلافات المباحة ، وقال ابن نجيم : الظّاهر من عبارات مشايخ الحنفيّة أنّ التّرجيع مباح ليس بسنّة ولا مكروه ، لأنّ كلا الأمرين صحّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم ونقل الحصكفيّ عن ملتقى الأبحر كراهة التّرجيع في الأذان ، وحملها ابن عابدين على الكراهة التّنزيهيّة . ويرى المالكيّة ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة : أنّه يسنّ التّرجيع في الأذان ، لما روي عن أبي محذورة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ألقى عليه التّأذين هو بنفسه ، فقال له : قل : اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، ثمّ قال : ارجع فامدد صوتك ، ثمّ قال : قل : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ، أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه .. إلخ » .
وهناك وجه للشّافعيّة حكاه الخراسانيّون : أنّ التّرجيع ركن لا يصحّ الأذان إلاّ به . قال القاضي حسين : نقل البيهقيّ عن الإمام الشّافعيّ : أنّه إن ترك التّرجيع لا يصحّ أذانه .
محلّ التّرجيع :
4 - التّرجيع يكون كما تقدّم في حديث أبي محذورة بعد الإتيان بالشّهادتين معاً ، فلا يرجّع الشّهادة الأولى قبل الإتيان بالشّهادة الثّانية .
حكمة التّرجيع :
5 - حكمة التّرجيع هي تدبّر كلمتي الإخلاص ، لكونهما المنجّيتين من الكفر ، المدخلتين في الإسلام ، وتذكّر خفائهما في أوّل الإسلام ثمّ ظهورهما .

ترجيل *
التّعريف :
1 - التّرجيل لغةً : تسريح الشّعر وتنظيفه وتحسينه . يقال : رجّلته ترجيلاً : إذا سرّحته ومشّطته . وقد يكون التّرجيل أخصّ من التّمشيط ،لأنّه يراعى فيه الزّيادة في تحسين الشّعر. أمّا التّسريح فهو : إرسال الشّعر وحلّه قبل المشط ، وعلى هذا فيكون التّسريح مغايراً للتّرجيل ، ومضادّاً للتّمشيط . وقال الأزهريّ : تسريح الشّعر ترجيله ، وتخليص بعضه من بعض بالمشط . فعلى المعنى الأوّل يكون مغايراً للتّرجيل ، وعلى الثّاني يكون مرادفاً .
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ التّرجيل عن معناه اللّغويّ .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الأصل في ترجيل الشّعر الاستحباب ، لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : « من كان له شعر فَلْيُكْرمْه » ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ التّرجيل ، وكان يرجّل نفسه تارةً ، وترجّله عائشة رضي الله عنها تارةً أخرى فقد روت
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصغي إليّ رأسَه وهو مجاور في المسجد ، فأرجِّله وأنا حائض » .
وهناك حالات يختلف فيها حكم التّرجيل باختلاف الأشخاص والأوقات منها :
أ - ترجيل المعتكف :
3 - يرى جمهور الفقهاء : أنّه لا يكره للمعتكف إلاّ ما يكره فعله في المسجد ، فيجوز له ترجيل شعره ، لما روي عن « عائشة رضي الله عنها أنّها قالت : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصغي إليّ رأسَه ، وهو مجاور في المسجد ، فأرجّله وأنا حائض » .
وقال المالكيّة : لا بأس بأن يدني المعتكف رأسه لمن هو خارج المسجد لترجيل شعره ، كأنّهم يرون كراهة التّرجيل في المسجد ، لأنّ التّرجيل لا يخلو من سقوط شيء من الشّعر ، والأخذ من الشّعر في المسجد مكروه عندهم . وللتّفصيل يرجع إلى مصطلح : ( اعتكاف ) .
ب - ترجيل المحرم :
4 - ذهب الحنفيّة إلى عدم جواز التّرجيل للمحرم - وهو قول المالكيّة إذا كان التّرجيل بالدّهن - لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الحاجّ الشَّعثُ التَّفِل » . والمراد بالشّعث انتشار شعر الحاجّ فلا يجمعه بالتّسريح والدّهن والتّغطية ونحوه .
وقال الشّافعيّة بكراهية التّرجيل للمحرم لأنّه أقرب إلى نتف الشّعر .
ويرى الحنابلة أنّ التّرجيل في حالة الإحرام لا بأس به ، ما لم يؤدّ إلى إبانة شعره .
أمّا إذا تيقّن المحرم سقوط الشّعر بالتّرجيل فلا خلاف بين الفقهاء في حرمته حينئذ . وتفصيل ذلك في : ( إحرام ) .
ج - ترجيل المحدَّة :
5 - لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التّرجيل للمحدّة بشيء من الطّيب أو بما فيه زينة . أمّا التّرجيل بغير موادّ الزّينة والطّيب - كالسّدر وشبهه ممّا لا يختمر في الرّأس - فقد أجازه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لما روت أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : لا تمتشطي بالطّيب ولا بالحنّاء فإنّه خضاب ، قالت : قلت : بأيّ شيء أمتشط ؟ قال : بالسّدر تغلّفين به رأسك » ولأنّه يراد للتّنظيف لا للتّطيّب .
وقال الحنفيّة بعدم جواز ترجيل المحدّة - وإن كان بغير طيب - لأنّه زينة ، فإن كان فبمشط ذي أسنان منفرجة دون المضمومة . وقيّد صاحب الجوهرة جواز ترجيل المحدّة بأسنان المشط الواسعة بالعذر . وينظر التّفصيل في ( إحداد ، وامتشاط ) .
كيفيّة التّرجيل :
6 - يستحبّ التّيامن في التّرجيل ، لحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التّيامن في تنعّله وترجّله وطهوره ، وفي شأنه كلّه » .
الإغباب في التّرجيل :
يسنّ ترجيل الشّعر ودهنه غبّاً ، فالاستكثار من التّرجيل والمداومة عليه مكروه إلاّ لحاجة ، لحديث عبد اللّه بن مغفّل رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن التّرجّل إلاّ غبّاً » . ولما روى حميد بن عبد الرّحمن الحميريّ عن بعض أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كلّ يوم » .

ترحّم *
التّعريف :
1 - التّرحّم : من الرّحمة ، ومن معانيها : الرّقة ، والعطف ، والمغفرة .
والتّرحّم : طلب الرّحمة ، وهو أيضاً الدّعاء بالرّحمة ، كقولك : رحمه اللّه . وترحّمتُ عليه : أي قلت له : رحمة اللّه عليك ، ورحَّم عليه : قال له : رحمة اللّه عليك .
وتراحم القوم : رحم بعضهم بعضاً . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التَّرَضِّي :
2 - التّرضّي من الرّضا ، وهو ضدّ السّخط ، والتّرضّي : طلب الرّضا ، والتّرضّي أيضاً : أن تقول : رضي اللّه عنه . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى ، فالتّرضّي دعاء بالرّضوان ، والتّرحّم دعاء بالرّحمة . وللتّفصيل ر : ( ترضّي ) .
ب - التّبريك :
3 - التّبريك : الدّعاء بالبركة ، وهي بمعنى الزّيادة والنّماء ، يقال : بارك اللّه فيك وعليك ولك وباركك ، كلّها بمعنى : زادك خيراً ، ومنه قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَنْ في النَّارِ ومَنْ حَوْلَها } وتبرّك به : أي تيمّن .
فالتّبريك بمعنى : الدّعاء بالبركة ، يتّفق مع التّرحّم في نفس هذا المعنى ، أي الدّعاء .
الحكم التّكليفيّ :
4 - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب التّرحّم على الوالدين أحياءً وأمواتاً ، وعلى التّابعين من العلماء والعبّاد الصّالحين ، وعلى سائر الأخيار ، أحياءً وأمواتاً .
وأمّا التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة وخارجها ، ففيه خلاف وتفصيل على النّحو الآتي :
أ - التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى آله في الصّلاة :
5 - وهو إمّا أن يكون في التّشهّد أو خارجه .
وقد ورد التّرحّم على الرّسول صلى الله عليه وسلم في التّشهّد ، وهو عبارة : " السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة اللّه وبركاته " وتفصيل أحكام التّشهّد في مصطلحه .
أمّا التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج التّشهّد ، فقد ذهب الحنفيّة ، وبعض المالكيّة ، وبعض الشّافعيّة إلى استحباب زيادة : " وارحم محمّداً وآل محمّد " في الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الصّلاة .
وعبارة الرّسالة لابن أبي زيد القيروانيّ : اللّهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ، وارحم محمّداً وآل محمّد ، كما صلّيت ورحمت وباركت على إبراهيم .
واستدلّوا بحديث أبي هريرة : قال : قلنا : « يا رسول اللّه : قد علمنا كيف نسلّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال : قولوا : اللّهمّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد ، كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد » . قال الحافظ ابن حجر : فهذه الأحاديث - وإن كانت ضعيفة الأسانيد - إلاّ أنّها يشدّ بعضها بعضاً ، أقواها أوّلها ،ويدلّ مجموعها على أنّ للزّيادة أصلاً . وأيضاً الضّعيف يعمل به في فضائل الأعمال. وما عليه جمهور الفقهاء الاقتصار على صيغة الصّلاة دون إضافة ( التّرحّم ) كما ورد في الرّوايات المشهورة في الصّحيحين وغيرهما ، بل ذهب بعض الحنفيّة وأبو بكر بن العربيّ المالكيّ والنّوويّ وغيرهم إلى أنّ زيادة " وارحم محمّداً ... إلخ " بدعة لا أصل لها ، وقد بالغ ابن العربيّ في إنكار ذلك وتخطئة ابن أبي زيد ، وتجهيل فاعله ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّمنا كيفيّة الصّلاة . فالزّيادة على ذلك استقصار لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم واستدراك عليه . وانتصر لهم بعض المتأخّرين ممّن جمع بين الفقه والحديث ، فقال : ولا يحتجّ بالأحاديث الواردة ، فإنّها كلّها واهية جدّاً . إذ لا يخلو سندها من كذّاب أو متّهم بالكذب . ويؤيّده ما ذكره السّبكيّ : أنّ محلّ العمل بالحديث الضّعيف ما لم يشتدّ ضعفه .
ب - التّرحّم في التّسليم من الصّلاة :
6 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الأكمل في التّسليم في الصّلاة أن يقول :
« السّلام عليكم ورحمة اللّه ، عن يمينه ويساره ، لحديث ابن مسعود وجابر بن سمرة وغيرهما رضي الله تعالى عنهم » . فإن قال : السّلام عليكم - ولم يزد - يجزئه ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « تحليلها التّسليم » .
والتّحليل يحصل بهذا القول ، ولأنّ ذكر الرّحمة تكرير للثّناء فلم يجب ، كقوله : وبركاته .
وقال ابن عقيل من الحنابلة - وهو المعتمد في المذهب - الأصحّ أنّه لا يجزئه الاقتصار على : السّلام عليكم ، لأنّ الصّحيح « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقول : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته » ، ولأنّ السّلام في الصّلاة ورد مقروناً بالرّحمة ، فلم يجز بدونها ، كالتّسليم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في التّشهّد .
قال الشّافعيّة والحنابلة : والأولى ترك " وبركاته " كما في أكثر الأحاديث . وصرّح المالكيّة : بأنّ زيادة " ورحمة اللّه " لا يضرّ ، لأنّها خارجة عن الصّلاة ، وظاهر كلام أهل المذهب أنّها غير سنّة ، وإن ثبت بها الحديث ، لأنّها لم يصحبها عمل أهل المدينة ، وذكر بعض المالكيّة أنّ الأولى الاقتصار على : السّلام عليكم ،وأنّ زيادة : ورحمة اللّه وبركاته هنا خلاف الأولى.
ج - التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج الصّلاة :
7 - اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم خارج الصّلاة ، فذهب بعضهم إلى المنع مطلقاً ووجّهه بعض الحنفيّة : بأنّ الرّحمة إنّما تكون غالباً عن فعل يلام عليه ، ونحن أمرنا بتعظيمه ، وليس في التّرحّم ما يدلّ على التّعظيم ، مثل الصّلاة ، ولهذا يجوز أن يدعى بها لغير الأنبياء والملائكة عليهم السلام .
أمّا هو صلى الله عليه وسلم فمرحوم قطعاً ، فيكون من باب تحصيل الحاصل ، وقد استغنينا عن هذه بالصّلاة ، فلا حاجة إليها ، ولأنّه يجلّ مقامه عن الدّعاء بها .
قال ابن دحية : ينبغي لمن ذكره صلى الله عليه وسلم أن يصلّي عليه ، ولا يجوز أن يترحّم عليه ، لقوله تعالى : { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضَاً } .
ونقل مثله عن ابن عبد البرّ ، والصّيدلانيّ ، كما حكاه عنه الرّافعيّ ولم يتعقّبه .
وصرّح أبو زرعة ابن الحافظ العراقيّ في فتاواه ، بأنّ المنع أرجح لضعف الأحاديث الّتي استند إليها ، فيفهم من قوله : حرمته مطلقاً .
وذهب بعض الفقهاء إلى الجواز مطلقاً : أي ولو بدون انضمام صلاة أو سلام .
واستدلّوا بقول الأعرابيّ فيما رواه البخاريّ وهو قوله : « اللّهمّ ارحمني ، وارحم محمّداً ، ولا ترحم معنا أحداً لتقريره صلى الله عليه وسلم على قوله : اللّهمّ ارحمني وارحم محمّداً ، ولم ينكر عليه سوى قوله : ولا ترحم معنا أحداً » .
وقال السّرخسيّ : لا بأس بالتّرحّم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لأنّ الأثر ورد به من طريق أبي هريرة وابن عبّاس رضي الله عنهم ، ولأنّ أحداً وإن جلّ قدره لا يستغني عن رحمة اللّه . كما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لن يدخل أحداً عمله الجنّة ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني اللّه برحمته » .
ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان من أشوق العبّاد إلى مزيد رحمة اللّه تعالى ، ومعناها معنى الصّلاة ، فلم يوجد ما يمنع ذلك . ولا ينافي الدّعاء له بالرّحمة أنّه عليه الصلاة والسلام عَيْنُ الرّحمة بنصّ : { ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلعَالَمِين } لأنّ حصول ذلك لا يمنع طلب الزّيادة له ، إذ فضل اللّه لا يتناهى ، والكامل يقبل الكمال .
وفصّل بعض المتأخّرين ، فقال بالحرمة إنّ ذكرها استقلالاً : كأن يقول المتكلّم : قال النّبيّ رحمه الله . وبالجواز إن ذكرها تبعاً : أي مضمومةً إلى الصّلاة والسّلام ، فيجوز : اللّهمّ صلّ على محمّد وارحم محمّداً . ولا يجوز : ارحم محمّداً ، بدون الصّلاة ، لأنّها وردت في الأحاديث الّتي وردت فيها على سبيل التّبعيّة للصّلاة والبركة ، ولم يرد ما يدلّ على وقوعها مفردةً ، وربّ شيء يجوز تبعاً ، لا استقلالاً .
وبه أخذ جمع من العلماء ، بل نقله القاضي عن الجمهور ، وقال القرطبيّ : وهو الصّحيح .
د - التّرحّم على الصّحابة رضي الله عنهم والتّابعين ومن بعدهم من الأخيار :
8 - اختلف الفقهاء في جواز التّرحّم على الصّحابة ، فذهب بعضهم إلى أنّه عند ذكر الصّحابة الأولى أن يقال : رضي اللّه عنهم .
وأمّا عند ذكر التّابعين ومن بعدهم من العلماء ، والعبّاد ،وسائر الأخيار فيقال : رحمهم اللّه. قال الزّيلعيّ : الأولى أن يدعو للصّحابة بالرّضى ، وللتّابعين بالرّحمة ، ولمن بعدهم بالمغفرة والتّجاوز ، لأنّ الصّحابة كانوا يبالغون في طلب الرّضى من اللّه تعالى ، ويجتهدون في فعل ما يرضيه ، ويرضون بما يلحقهم من الابتلاء من جهته أشدّ الرّضى ، فهؤلاء أحقّ بالرّضى ، وغيرهم لا يلحق أدناهم ولو أنفق ملء الأرض ذهباً .
وذكر ابن عابدين نقلاً عن القرمانيّ على الرّاجح عنده : أنّه يجوز عكسه أيضاً ، وهو التّرحّم للصّحابة ، والتّرضّي للتّابعين ومن بعدهم . وإليه مال النّوويّ في الأذكار ، وقال : يستحبّ التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم من العلماء والعبّاد وسائر الأخيار . فيقال : رضي اللّه عنه ، أو رحمه اللّه ونحو ذلك .
وأمّا ما قاله بعض العلماء : إنّ قوله : رضي اللّه عنه مخصوص بالصّحابة ، ويقال في غيرهم : رحمه اللّه فقط فليس كما قال ، ولا يوافق عليه ، بل الصّحيح الّذي عليه الجمهور استحبابه ، ودلائله أكثر من أن تحصر . وذكر في النّهاية نقلاً عن المجموع : أنّ اختصاص التّرضّي بالصّحابة والتّرحّم بغيرهم ضعيف .
هـ - التّرحّم على الوالدين :
9 - الأصل في وجوب التّرحّم على الوالدين قوله تعالى : { وَاخْفِضْ لهما جَنَاحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما } حيث أمر اللّه سبحانه وتعالى عباده بالتّرحّم على آبائهم والدّعاء لهم . ومحلّ طلب الدّعاء والتّرحّم لهما إن كانا مؤمنين ، أمّا إن كانا كافرين فيحرم ذلك لقوله تعالى : { مَا كانَ لِلنَّبيِّ والّذينَ آمنُوا أنْ يَسْتَغفِرُوا للمُشْرِكِينَ ولو كانوا أُولِي قُرْبَى } .
و - التّرحّم في التّحيّة بين المسلمين :
10 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الأفضل أن يقول المسلم للمسلم في التّحيّة : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، ويقول المجيب أيضاً : وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، لما روى عمران بن الحصين أنّه قال : « جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : السّلام عليكم ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : عشر . ثمّ جاء آخر ، فقال : السّلام عليكم ورحمة اللّه ، فردّ عليه ، ثمّ جلس ، فقال : عشرون . ثمّ جاء آخر ، فقال : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، فردّ عليه ، فجلس ، فقال : ثلاثون » قال التّرمذيّ : حديث حسن . وهذا التّعميم مخصوص بالمسلمين ، فلا ترحّم على كافر لمنع بدئه بالسّلام عند الأكثرين تحريماً ، لحديث : « لا تبدءوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام » .
ولو سلّم اليهوديّ والنّصرانيّ ، فلا بأس بالرّدّ ، ولكن لا يزيد على قوله : " وعليك " .
والّذين جوّزوا ابتداءهم بالسّلام ، صرّحوا بالاقتصار على : " السّلام عليك " دون الجمع ، ودون أن يقول : " ورحمة اللّه " لما روي عن أنس رضي الله عنه ، قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : إذا سلّم عليكم أهل الكتاب ، فقولوا : وعليكم أو عليكم » بغير واو .
ز - التّرحّم على الكفّار :
11 - صرّح النّوويّ في كتابه الأذكار بأنّه لا يجوز أن يدعى للذّمّيّ بالمغفرة وما أشبهها في حال حياته ممّا لا يقال للكفّار ، لكن يجوز أن يدعى له بالهداية ، وصحّة البدن والعافية وشبه ذلك . لحديث أنس رضي الله عنه قال : « استسقى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسقاه يهوديّ ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم : جمّلك اللّه » فما رأى الشّيب حتّى مات .
وأمّا بعد وفاته فيحرم الدّعاء للكافر بالمغفرة ونحوها ، لقول اللّه تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ ولو كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحَابُ الجَحِيمِ } وقد جاء الحديث بمعناه ، وأجمع المسلمون عليه .
ح - التزام التّرحّم كتابةً ونطقاً عند القراءة :
ينبغي لكاتب الحديث وراويه أن يحافظ على كتابة التّرضّي والتّرحّم على الصّحابة والعلماء وسائر الأخيار ، والنّطق به ، ولا يسأم من تكراره ، ولا يتقيّد فيه بما في الأصل إن كان ناقصاً .
رد مع اقتباس