الحكم الإجماليّ :
4 - تراب الصّاغة : إمّا أن يكون ما فيه من الذّهب أو الفضّة مجهولاً أو معلوماً ، وإمّا أن يكون من جنس واحد أو أكثر من جنس ، وإمّا أن يصفّى ويميّز ما فيه من الذّهب أو الفضّة أو لا . قال الحنفيّة : إن اشترى تراب الفضّة بفضّة لا يجوز ، لأنّه إن لم يظهر في التّراب شيء فظاهر ، وإن ظهر فهو بيع الفضّة بالفضّة مجازفةً ، ولهذا لو اشتراه بتراب فضّة لا يجوز ، لأنّ البدلين هما الفضّة لا التّراب . ولو اشتراه بتراب ذهب أو بذهب جاز ، لعدم لزوم العلم بالمماثلة ، لاختلاف الجنس ، فلو ظهر أن لا شيء في التّراب لا يجوز .
وكلّ ما جاز فمشتري التّراب بالخيار إذا رأى ، لأنّه اشترى ما لم يره .
وهو أيضاً قول الحنابلة في تراب الصّاغة ، إذ لا يجوز عندهم بيعه بشيء من جنسه ، لأنّه مال رباً بيع بجنسه على وجه لا تعلم فيه المماثلة .
ولا يجوز عند المالكيّة بيع تراب الصّاغة لشدّة الغرر فيه ، وإن وقع فسخ .
وأمّا الشّافعيّة فلا يجوز عندهم بيع تراب الصّاغة قبل تصفيته وتمييز الذّهب أو الفضّة منه ، سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ، لأنّ المقصود مجهول أو مستور بما لا مصلحة له فيه في العادة ، فلم يصحّ بيعه فيه كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ .
تراب المعادن *
التّعريف :
1 - تراب المعادن : مركّب إضافيّ ، أمّا التّراب : فهو ظاهر الأرض ، وهو اسم جنس . وأمّا المعادن : فهي جمع معدن - بكسر الدّال - وهو كما قال اللّيث : مكان كلّ شيء يكون فيه أصله ومبدؤه كمعدن الذّهب والفضّة .
وأمّا عند الفقهاء فهو ، كما عرّفه الزّيلعيّ وابن عابدين : اسم لما يكون في الأرض خلقةً . وقال الرّمليّ الشّافعيّ : إنّ المعدن له إطلاقان : أحدهما على المستخرج ، والآخر على المخرج منه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - تراب الصّاغة :
2 - وهو - كما عرّفه المالكيّة - الرّماد الّذي يوجد في حوانيت الصّاغة ،ولا يدرى ما فيه. والفرق بين تراب الصّاغة وتراب المعدن ، هو أنّ تراب الصّاغة هو المتساقط من المعدن مختلطاً بتراب أو رمل أو نحوهما ، أمّا تراب المعدن فهو ما يتساقط من جوهر المعدن نفسه دون أن يختلط بجوهر آخر .
ب - الكنز :
3 - هو في الأصل مصدر كنز ، ومعناه في اللّغة : جمع المال وادّخاره ، وجمع التّمر في وعائه ، والكنز أيضاً : المال المدفون تسميةً بالمصدر ، والجمع كنوز كفلس وفلوس .
وأمّا عند الفقهاء فهو : اسم لمدفون العباد .
ج - الرِّكاز :
4 - الرّكاز معناه في اللّغة : المال المدفون في الجاهليّة ، وهو على وزن فعال ، بمعنى مفعول كالبساط بمعنى المبسوط ، ويقال هو المعدن .
وأمّا عند الفقهاء فهو : اسم لما يكون تحت الأرض خلقةً أو بدفن العباد . فالرّكاز بهذا المعنى أعمّ من المعدن والكنز ، فكان حقيقةً فيهما مشتركاً معنويّاً ، وليس خاصّاً بالدّفين . وقيّده الشّافعيّة بكونه دفين الجاهليّة .
أنواع المعادن :
5 - للمعادن أنواع ثلاثة :
- أ - جامد يذوب وينطبع ، كالذّهب والفضّة والحديد والرّصاص والصّفر .
- ب - جامد لا يذوب ، كالجصّ والنّورة ، والكحل والزّرنيخ .
- ج - مائع لا يتجمّد ، كالماء والقير والنّفط .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
ذكر الفقهاء الأحكام الخاصّة بتراب المعادن في مواطن نجملها فيما يلي :
أ - تغيّر الماء بتراب المعادن :
6 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ تغيّر الماء المطلق بتراب المعدن لا يضرّ ، ويجوز التّطهّر به ، لأنّه تغيّر بما هو من أجزاء الأرض . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ الماء المتغيّر بما لا يمكن صونه عنه من تراب المعادن ، بأن يكون في مقرّه أو ممرّه لا يمنع التّطهّر به ، ولا يكره استعماله فيه . والتّفصيل في مصطلح : ( مياه ) .
ب - حكم التّيمّم بتراب المعادن :
7 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّه لا يصحّ التّيمّم إلاّ بتراب طاهر ، أو برمل فيه غبار يعلق باليد ، وأمّا ما لا غبار له كالصّخر وسائر المعادن فلا يصحّ التّيمّم بها ، لأنّها ليست في معنى التّراب . ويجوز عند أبي حنيفة التّيمّم بكلّ ما لا ينطبع ولا يلين من المعادن ، كالجصّ والنّورة والكحل والزّرنيخ ، سواء التصق على يده شيء منها أو لم يلتصق .
وأمّا المعادن الّتي تلين وتنطبع ، كالحديد والنّحاس والذّهب والفضّة ، فلا يجوز التّيمّم بها إلاّ في محالّها ، بشرط أن يغلب عليها التّراب ، لأنّ التّيمّم حينئذ يكون بالتّراب لا بها ، ولأنّها ليست من جنس الأرض .
وأمّا عند أبي يوسف : فلا يجوز التّيمّم إلاّ بالتّراب والرّمل في رواية ، أو بالتّراب فقط في رواية أخرى . ويجوز عند المالكيّة التّيمّم بالمعادن المنطبعة وغير المنطبعة ما لم تنقل من محالّها ، لأنّها من أجزاء الأرض باستثناء معدن النّقدين ، وهما : تبر الذّهب ونقار الفضّة . والجواهر النّفيسة كالياقوت واللّؤلؤ والزّمرّد والمرجان ممّا لا يقع به التّواضع للّه . والتّفصيل في مصطلح : ( تيمّم ) .
ج - زكاة تراب المعادن :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الزّكاة تجب في معدني : الذّهب والفضّة . أمّا غيرهما من المعادن ، ففي وجوب الزّكاة فيه ووقت وجوبها ، تفصيل ينظر في مصطلح : ( زكاة ) .
د - بيع بعضه ببعض :
9 - تراب المعادن : إمّا أن يكون من صنف واحد ، وإمّا أن يكون من أصناف متعدّدة ، وإمّا أن يصفّى ويميّز ما فيه أو لا . فإن كان من صنف واحد ، فلا يجوز بيع بعضه ببعض ، كتراب ذهب بتراب ذهب عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة للجهل بالمماثلة .
وإن كان من أصناف كتراب ذهب بتراب فضّة ، فإنّه يجوز بيعه عند الحنفيّة والمالكيّة لخفّة الغرر فيه ، ولعدم لزوم العلم بالمماثلة ، ويكره بيعه عند الحنابلة لأنّه مجهول .
وأمّا الشّافعيّة : فلا يجوز عندهم بيع تراب المعدن قبل تصفيته وتمييز الذّهب والفضّة منه ، سواء أباعه بذهب أم بفضّة أم بغيرهما ، لأنّ المقصود النّقد وهو مجهول أو مستور بما لا مصلحة له فيه في العادة ، فلم يصحّ بيعه فيه ، كبيع اللّحم في الجلد بعد الذّبح وقبل السّلخ . والتّفصيل في مصطلح : ( بيع ) ( ورباً ) ( وصرف ) .
تراخي *
التّعريف :
1- التّراخي : مصدر تراخى ، ومعناه في اللّغة : التّقاعد عن الشّيء والتّقاعس عنه . وتراخى الأمر تراخياً : امتدّ زمانه ، وفي الأمر تراخ أي : فسحة .
ومعنى التّراخي في الاصطلاح : كون الأداء متأخّراً عن أوّل وقت الإمكان إلى مظنّة الفوت . وعلى ذلك لا يخرج معناه الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
الفور :
2 - يطلق الفور في اللّغة على : الوقت الحاضر الّذي لا تأخير فيه ، وهو مأخوذ من قولهم : فار الماء يفور فوراً أي : نبع وجرى ، ثمّ استعمل في الحالة الّتي لا بطء فيها .
يقال : جاء فلان في حاجته ، ثمّ رجع من فوره أي : من حركته الّتي وصل فيها ولم يسكن بعدها ، وحقيقته : أن يصل ما بعد المجيء بما قبله من غير لُبْث .
ومعنى الفور في الاصطلاح : كون الأداء في أوّل أوقات الإمكان .
والفرق بينه وبين التّراخي : أنّ الفور ضدّ التّراخي .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
تبحث الأحكام الخاصّة بالتّراخي في عدد من المواضع عند الأصوليّين والفقهاء توجز فيما يلي :
أوّلاً : مواضعه عند الأصوليّين :
ذكر الأصوليّون التّراخي في مواضع وهي :
أ - الأمر :
3 - اختلف الأصوليّون في الأمر المطلق الّذي لم يقيّد بوقت محدّد أو معيّن ، سواء أكان موسّعاً أو مضيّقاً ، والخالي عن قرينة تدلّ على أنّه للتّكرار أو للمرّة : هل يفيد الفور ، أو التّراخي ، أو غيرهما ؟ فالقائلون بأنّ الأمر المطلق يقتضي التّكرار يقولون : بأنّه يقتضي الفور ، لأنّه يلزم من القول بالتّكرار استغراق الأوقات بالفعل المأمور به .
وأمّا القائلون بأنّه للمرّة ، فقد اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال :
الأوّل : إنّه يكون لمجرّد الطّلب ، وهو القدر المشترك بين الفور والتّراخي ، فيجوز التّأخير على وجه لا يفوت المأمور به ، وهذا هو الصّحيح عند الحنفيّة ، وهو مذهب الشّافعيّ وأصحابه ، واختاره الرّازيّ والآمديّ وابن الحاجب والبيضاويّ .
الثّاني : أنّه يوجب الفور ، فيأثم بالتّأخير ، وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ، والكرخيّ من الحنفيّة ، وبعض الشّافعيّة .
الثّالث : أنّه يفيد التّراخي جوازاً ، فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر ، وقد ذكر هذا القول البيضاويّ ونسبه لقوم ، واختاره السّرخسيّ في أصوله .
الرّابع : أنّه مشترك بين الفور والتّراخي ، وهو رأي القائلين بالتّوقّف في دلالته ، فإنّهم لم يحملوه على الفور ولا على التّراخي ، وإنّما توقّفوا فيه . وتوقّف فيه أيضاً الجوينيّ ، كما جاء في إرشاد الفحول ، فقد ذكر أنّ الأمر باعتبار اللّغة لا يفيد الفور ولا التّراخي ، فيمتثل المأمور بكلّ من الفور والتّراخي لعدم رجحان أحدهما على الآخر ، مع التّوقّف في إثمه بالتّراخي لا بالفور ، لعدم احتمال وجوب التّراخي ، وقيل بالتّوقّف في الامتثال ، أي لا يدري هل يأثم إن بادر ، أو إن أخّر ؟ لاحتمال وجوب التّراخي . ومن أمثلة الخلاف بين العلماء في هذه المسألة اختلافهم في الحجّ ، أهو على الفور ، أم على التّراخي ؟ .
ومن أمثلته أيضاً : الأمر بالكفّارات ، والأمر بقضاء الصّوم وبقضاء الصّلاة . ومحلّ تفصيل ما قالوه في ذلك ، مع ما استدلّوا به ، هو الملحق الأصوليّ ، ومصطلح : ( أمر ) .
الفور في النّهي :
4 - النّهي يقتضي الدّوام والعموم عند الأكثر من أهل الأصول وأهل العربيّة ، فهو للفور . وقيل : هو كالأمر في عدم اقتضائه الدّوام .
ب - الرّخصة :
5 - ذكر صاحب مسلّم الثّبوت أربعة أقسام لما يطلق عليه اسم الرّخصة ، من حيث كونها رخصةً . وذكر أنّ ثاني تلك الأقسام ، ما تراخى حكم سببه مع بقائه على السّببيّة إلى زوال العذر الموجب للرّخصة ، كفطر المسافر والمريض ، فإنّ سببيّة الشّهر باقية في حقّهما ، حتّى لو صاما بنيّة الفرض أجزأ ، لما روى البخاريّ ومسلم ، « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال لحمزة بن عمرو الأسلميّ إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر » .
وتأخّر الخطاب عنهما في قوله تعالى : { فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مريضَاً أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَر } والتّفصيل في مصطلح : ( رخصة ) .
ج - معنى ( ثمّ ) :
6 - أورد السّرخسيّ في أصوله : أنّ المعنى الّذي اختصّت به ( ثمّ ) في أصل الوضع هو : العطف على وجه التّعقيب مع التّراخي . وحكم هذا التّراخي فيه اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ، وتفصيله في الملحق الأصوليّ ومصطلح ( طلاق ) .
وأثر هذا الخلاف يظهر في قول الزّوج لغير المدخول بها ، أو للمدخول بها ، إن دخلت الدّار فأنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق ، أو أنت طالق ثمّ طالق ثمّ طالق إن دخلت الدّار ، أي مع تقديم الشّرط أو تأخيره . وتفصيله في الملحق الأصوليّ ومصطلح : ( طلاق ) .
ثانياً : مواضعه عند الفقهاء :
ذكر الفقهاء التّراخي وما يترتّب عليه في عدد من العقود والتّصرّفات ، توجز فيما يلي :
أ - التّراخي في ردّ المغصوب :
7 - صرّح الشّافعيّة والحنابلة بوجوب ردّ المغصوب فوراً من غير تراخ ، إن لم يكن للغاصب عذر في التّراخي ، كخوفه على نفسه ، أو ما بيده من مغصوب وغيره ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « على اليدِ ما أخذتْ حتّى تُؤَدِّيه » ولأنّه يأثم باستدامته تحت يده لحيلولته بينه وبين صاحبه ، فيجب عليه ردّه على الفور بنفسه أو وليّه أو وكيله ، وإن تكلّف عليه أضعاف قيمته ، إذ لا تقبل توبته ما دام في يده .
ولم نجد للحنفيّة والمالكيّة نصّاً في ذلك ، ولكنّ قواعدهم العامّة في وجوب رفع الظّلم تقتضي موافقة الشّافعيّة والحنابلة فيما ذهبوا إليه .
ب - تراخي الإيجاب عن القبول في الهبة :
8 - لا يجوز عند الشّافعيّة تراخي القبول عن الإيجاب في الهبة ، بل يشترط الاتّصال المعتاد كالبيع . وأجاز الحنابلة التّراخي في المجلس إذا لم يتشاغلا بما يقطع الاتّصال .
ولم يصرّح الحنفيّة والمالكيّة بذلك . والتّفصيل في مصطلح : ( هبة ) .
ج - التّراخي في طلب الشّفعة :
9 - ذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة على القول الأظهر ، والحنابلة إلى أنّ طلب الشّفعة بعد العلم بها يكون على الفور ، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه : « الشّفعة كحلّ العقال » .
وأجاز المالكيّة طلبها إلى سنة وما قاربها وتسقط بعدها .والتّفصيل في مصطلح : ( شفعة ).
د - التّراخي في قبول الوصيّة :
10 - اتّفق الفقهاء على اشتراط القبول في الوصيّة إن كانت لمعيّن ، ومحلّ القبول بعد موت الموصي . ولا يشترط فيه الفور عند الشّافعيّة والحنابلة ، فله القبول على الفور أو على التّراخي بعد موت الموصي . والتّفصيل في مصطلح : ( وصيّة ) .
هـ - حكم تراخي القبول عن الإيجاب في عقد النّكاح :
11 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى اشتراط ارتباط القبول بالإيجاب في عقد النّكاح ، حتّى إنّ النّوويّ ذكر أنّ القبول في المجلس لا يكفي ، بل يشترط الفور .
إلاّ أنّه يغتفر عند المالكيّة التّأخير اليسير . وأمّا الحنفيّة والحنابلة ، فيصحّ عندهم تراخي القبول عن الإيجاب في عقد النّكاح ، وإن طال الفصل بينهما ما لم يتفرّقا عن المجلس أو يتشاغلا بما يقطعه عرفاً ، لأنّ المجلس له حكم حالة العقد ، بدليل صحّة القبض فيما يشترط لصحّته قبضه في المجلس . والتّفصيل في مصطلح : ( نكاح ) .
و - التّراخي في خيار العيوب والشّروط في النّكاح :
12 - نصّ الحنابلة على أنّ خيار العيوب والشّروط في النّكاح على التّراخي ، لأنّه لدفع ضرر متحقّق ، فيكون على التّراخي ، كخيار أولياء الدّم بين القصاص أو الدّية أو العفو ، فلا يسقط إلاّ أن يوجد ممّن له الخيار دلالة على الرّضا ، من قول أو فعل ، من الزّوج إن كان الخيار له ، أو من الزّوجة إن كان الخيار لها ، أو يأتي بصريح الرّضا كأن يقول : رضيت بالعيب . وأمّا عند الشّافعيّة ، فقد نصّ النّوويّ في الرّوضة على : أنّ خيار العيب في النّكاح يكون على الفور ، كخيار العيب في البيع ، وقال : إنّ هذا هو المذهب ، وهو الّذي قطع به الجمهور . ورُوي قولان آخران : أحدهما : يمتدّ ثلاثة أيّام . والثّاني : يبقى إلى أن يوجد صريح الرّضا بالمقام معه أو ما يدلّ عليه . حكاهما الشّيخ أبو عليّ ، وهما ضعيفان .
ولا يثبت خيار العيب في النّكاح عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، فقد جاء في الفتاوى الهنديّة : خيار الرّؤية والعيب والشّرط - سواء جعل الخيار للزّوج أو للزّوجة أو لهما - ثلاثة أيّام أو أقلّ أو أكثر ، حتّى أنّه إذا شرط ذلك فالنّكاح جائز والشّرط باطل ، إلاّ إذا كان العيب هو الجبّ والخصاء والعنّة ، فإنّ المرأة بالخيار . وأمّا المالكيّة فقد ذكروا أنّ لكلّ واحد من الزّوجين الخيار بشروطه إذا وجد بصاحبه عيباً ، إلاّ أنّهم لم يصرّحوا بكون ذلك على الفور أو على التّراخي . والتّفصيل في مصطلح : ( نكاح ) .
ز - التّراخي في تطليق المرأة نفسها بعد تفويض الطّلاق إليها :
13 - إذا فوّض الزّوج الطّلاق إلى زوجته ، فإنّ تطليقها نفسها لا يتقيّد بالمجلس عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . غير أنّ المالكيّة لا فرق عندهم بين كون التّفويض تخييراً أو تمليكاً ، فإن قيّده بوقت كسنة فليس للزّوجة الخروج عنه ، ويفرّق بينهما بعد التّفويض إلى أن تختار البقاء أو الفراق عند المالكيّة .
وأمّا عند الشّافعيّة فإنّ التّفويض يقتضي الفور في الجديد على أنّه تمليك ما لم يعلّقه بشرط . ( ر : طلاق ) . وتفصيل ما لم يذكر هنا من مسائل التّراخي موطنه الملحق الأصوليّ .
تراضي *
التّعريف :
1 - التّراضي في اللّغة : تفاعل من الرّضا ضدّ السّخط ، والرّضا : هو الرّغبة في الفعل أو القول والارتياح إليه ، والتّفاعل يدلّ على الاشتراك .
ويستعمله الفقهاء في نفس المعنى ، حينما يتّفق العاقدان على إنشاء العقد دون إكراه أو نحوه ، فيقولون مثلاً : البيع مبادلة المال بالمال بالتّراضي .
وفي الآية الكريمة : { لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بينكُمْ بالبَاطِلِ إلاّ أنْ تكونَ تِجَارَةً عن تَرَاضٍ منكُم }. قال القرطبيّ : عن رضاً منكم ، وجاءت من المفاعلة ، إذ التّجارة تكون بين طرفين .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإرادة :
2 - الإرادة في اللّغة : الطّلب والمشيئة . ويستعملها الفقهاء بمعنى : القصد والاتّجاه إلى الشّيء ، فهي أعمّ من الرّضا ، فقد يريد المرء شيئاً ويرتاح إليه ، فيجتمع الرّضا مع الإرادة ، وقد لا يرتاح إليه ولا يحبّه ، فتنفرد الإرادة عن الرّضا .
ب - الاختيار :
3 - الاختيار : إرادة الشّيء بدلاً من غيره ، وأصله من الخير ، فالمختار هو المريد لخير الشّيئين في الحقيقة ، أو خير الشّيئين عند نفسه ، وقد يتوجّه القصد إلى أمر واحد دون النّظر إلى أمر آخر ، وفي هذه الحالة تنفرد الإرادة عن الاختيار .
وقد يختار المرء أمراً لا يحبّه ولا يرتاح إليه ، فيأتي الاختيار بدون الرّضا ، كما يقول الفقهاء : " يختار أهون الشّرّين " ، والمكره قد يختار الشّيء ولا يرضاه كما يقول الحنفيّة .
الحكم الإجماليّ :
4 - الأصل أنّ التّراضي بين الطّرفين يكون قولاً بالإيجاب والقبول ، وقد يكون قولاً من أحدهما وفعلاً من الطّرف الآخر ، أو فعلاً من الجانبين كما في المعاطاة ، وتفصيله في مصطلح : ( عقد ) . وإذا حصل التّراضي بالقول يتمّ بمجرّد الإيجاب والقبول عند الحنفيّة والمالكيّة ، فيلزم العقد بذلك ، ويرتفع الخيار .
وقال الشّافعيّة والحنابلة : تمّام التّراضي ولزومه بافتراق الأبدان ، فهما على خيارهما أبداً ما لم يتفرّقا بأبدانهما ، كما ورد في الحديث : « البَيِّعانِ بالخِيَارِ ما لم يتفرّقا » .
وقد فسّره الحنفيّة والمالكيّة بافتراق الأقوال بالإيجاب والقبول .
وتفصيله في مصطلح : ( افتراق ، وخيار المجلس ) .
5- هذا ، وحيث إنّ التّراضي أساس انعقاد العقود ، والإيجاب والقبول أو التّعاطي ونحوهما وسيلة للتّعبير عنه ، ينبغي أن يكون الرّضا الّذي دلّ عليه التّعبير خالياً عن العيوب ، وإلاّ اختلّ التّراضي ، فيختلّ العقد .
ويختلّ التّراضي بأسباب نذكر منها ما يلي :
أ - الإكراه :
6 - وهو حمل الإنسان على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه .
وبما أنّ الإكراه يعدم الرّضا ، فإنّ العقد يفسد به عند أكثر الفقهاء ، ويصير قابلاً للفسخ عند المالكيّة ، وقال بعض الحنفيّة : يتوقّف حكمه على إجازة المكره بعد زوال الإكراه ، وتفصيله في مصطلح : ( إكراه ) .
ب - الهزل :
7 - وهو ضدّ الجدّ ، بأن يراد بالشّيء ما لم يوضع له ، ولا ما صحّ له اللّفظ استعارةً . والهازل يتكلّم بصيغة العقد باختياره ، لكن لا يختار ثبوت الحكم ولا يرضاه ، ولهذا لا تنعقد به العقود الماليّة عند أكثر الفقهاء ، وله آثاره في بعض التّصرّفات كالزّواج والطّلاق والرّجعة ( ر : هزل ) .
ج - المواضعة أو التّلجئة :
8 - وهي أن يتظاهر العاقدان بإنشاء عقد صوريّ للخوف من ظالم ونحوه ، ولا يريدانه في الواقع ، والعقد بهذه الصّورة : فاسد ، أو باطل ، أو جائز ، على خلاف وتفصيل موضعه مصطلح : ( مواضعة وتلجئة ) .
د - التّغرير :
9 - هو إيقاع الشّخص في الغرر ، أي : الخطر ، كأن يوصف المبيع للمشتري بغير صفته الحقيقيّة لترغيبه في العقد . فإذا غرّ أحد العاقدين الآخر ، وتحقّق أنّ في البيع غبناً فاحشاً فللمغبون أن يفسخ العقد على تفصيل ينظر في مصطلح : ( غبن وتغرير ) .
وهناك أسباب أخرى يختلّ بها التّراضي كالغلط والتّدليس والجهل والنّسيان ونحوها ، وتفصيل القول في كلّ منها في مصطلحاتها .
مواطن البحث :
10 - يتكلّم الفقهاء عن التّراضي في : إنشاء العقود ، ولا سيّما في تعريف البيع ، وفي الإقالة ، وفي موافقة الزّوجين على مقدار الصّداق بعد العقد ، أو الزّيادة أو النّقصان فيه في بحث المهر ، وفي الخلع ، والصّلح ، واتّفاق الأبوين على فطام المولود لأقلّ من سنتين في بحث الرّضاع .
وتفصيل ما يتّصل بالتّراضي من طرفين أو طرف واحد موطنه مصطلح : ( رضاً ) .
تراويح *
انظر : صلاة التّراويح .
تربّص *
انظر : عدّة .
تربّع *
التّعريف :
1 - التّربّع في اللّغة : ضرب من الجلوس ، وهو خلاف الجثوّ والإقعاء .
وكيفيّته : أن يقعد الشّخص على وركيه ، ويمدّ ركبته اليمنى إلى جانب يمينه ، وقدمه اليمنى إلى جانب يساره . واليسرى بعكس ذلك . واستعمله الفقهاء بهذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - التّربّع : غير الاحتباء : والافتراش ، والإِفضاء ، والإِقعاء ، والتّورّك .
فالاحتباء : أن يجلس على أليتيه ، رافعاً ركبتيه محتوياً عليهما بيديه أو غيرهما . والافتراش : أن يثني رجله اليسرى فيبسطها ويجلس عليها ، وينصب قدمه اليمنى ويخرجها من تحته ، ويجعل بطون أصابعه على الأرض معتمداً عليها لتكون أطراف أصابعها إلى القبلة .
والإفضاء في الجلوس في الصّلاة هو : أن يلصق أليته بالأرض ، وينصب رجله اليمنى وظاهر إبهامها ممّا يلي الأرض ، ويثني رجله اليسرى .
والإقعاء : أن يلصق أليتيه بالأرض ، وينصب ساقيه ، ويضع يديه على الأرض .
أو أن يجعل أليتيه على عقبيه ، ويضع يديه على الأرض .
وفي نصّ الشّافعيّة : الإقعاء المكروه : أن يجلس الشّخص على وركيه ناصباً ركبتيه . والتّورّك : أن ينصب اليمنى ويثني رجله اليسرى ، ويقعد على الأرض .
ولتمام الفائدة تنظر هذه الألفاظ في مصطلحاتها .
حكم التّربّع :
أوّلاً - التّربّع في الصّلاة :
أ - التّربّع في الفريضة لعذر :
3 - أجمع أهل العلم على أنّ من لا يطيق القيام ، له أن يصلّي جالساً ، وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه : صلّ قائماً ، فإِن لم تستطع فقاعداً ، فإِن لم تستطع فعلى جَنْب » وفي رواية : « فإن لم تستطع فمستلقياً » .
ولأنّ الطّاعة بحسب القدرة لقول اللّه تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسَاً إلاّ وُسْعَها } .
4 - واختلفوا في هيئة الجلوس إذا عجز المصلّي عن القيام كيف يقعد ؟
فذهب المالكيّة في المشهور عندهم ، والشّافعيّة في قول ، والحنابلة إلى : أنّه إذا قعد المعذور يندب له أن يجلس متربّعاً ، وهو رواية عن أبي يوسف .
ويرى أبو حنيفة - في رواية محمّد عنه وهي ما صحّحها العينيّ - أنّ المعذور إذا افتتح الصّلاة يجلس كيفما شاء ، لأنّ عذر المرض يسقط الأركان عنه ، فلأن يسقط عنه الهيئات أولى .
وروى الحسن عن أبي حنيفة : أنّه يتربّع ، وإذا ركع يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها . ويرى الشّافعيّة في الأظهر من القولين - وهو قول زفر من الحنفيّة - أنّه يقعد مفترشاً . وذهب المالكيّة في قول - وهو ما اختاره المتأخّرون - أنّ المعذور يجلس كما يجلس للتّشهّد . وهناك تفاصيل فيمن له أن يصلّي جالساً ، وفي هيئة الّذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام تنظر في مصطلحات : ( صلاة المريض ، عذر ، وقيام ) .
ب - التّربّع في الفريضة بغير عذر :
5 - التّربّع مخالف للهيئة المشروعة في الفريضة في التّشهّدين جميعاً .
وقد صرّح الحنفيّة بكراهة التّربّع من غير عذر ، لما روي أنّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما رأى ابنه يتربّع في صلاته ، فنهاه عن ذلك ، فقال : رأيتك تفعله يا أبت ، فقال : إنّ رجليّ لا تحملاني . ولأنّ الجلوس على الرّكبتين أقرب إلى الخشوع ، فكان أولى .
وهذا ما يفهم من عبارات المالكيّة أيضاً ، لأنّهم يعدّون الإفضاء في الجلوس من مندوبات الصّلاة ، ويعتبرون ترك سنّة خفيفة عمداً من سنن الصّلاة مكروهاً .
ويسنّ عند الشّافعيّة في قعود آخر الصّلاة التّورّك ، وفي أثنائها الافتراش .
ويقول الحنابلة بسنّيّة الافتراش في التّشهّد الأوّل ، والتّورّك في التّشهّد الثّاني .
ونقل ابن عبد البرّ إجماع العلماء على عدم جواز التّربّع للصّحيح في الفريضة .
وقال ابن حجر العسقلانيّ : لعلّ المراد بكلام ابن عبد البرّ بنفي الجواز إثبات الكراهة .
ج - التّربّع في صلاة التّطوّع :
6 - لا خلاف في جواز التّطوّع قاعداً مع القدرة على القيام ، ولا في أنّ القيام أفضل ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من صلّى قائماً فهو أفضل ، ومن صلّى قاعداً فله نصف أجر القائم » وقالت عائشة رضي الله عنها : « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يمت حتّى كان كثير من صلاته وهو جالس » .
7- أمّا كيفيّة القعود في التّطوّع فقد اختلف فيها :
فذهب المالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في قول - وهو رواية عن أبي يوسف ومحمّد - إلى أنّه يستحبّ للمتطوّع جالساً أن يكبّر للإحرام متربّعاً ويقرأ ، ثمّ يغيّر هيئته للرّكوع أو السّجود على اختلاف بينهم ، وروي ذلك عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم . كما روي عن ابن سيرين ومجاهد وسعيد بن جبير والثّوريّ وإسحاق رحمهم الله .
ويرى أبو حنيفة ومحمّد - فيما نقله الكرخيّ عنه - تخيير المتطوّع في حالة القراءة بين القعود والتّربّع والاحتباء .
وعن أبي يوسف أنّه يحتبي ، هذا ما اختاره الإمام خواهر زاده ، لأنّ عامّة صلاة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في آخر العمر كان محتبياً ،ولأنّه يكون أكثر توجّهاً بأعضائه إلى القبلة. وقال زفر : يقعد في جميع الصّلاة كما في التّشهّد ، هذا ما اختاره السّرخسيّ .
وقال الفقيه أبو اللّيث : وعليه الفتوى لأنّه المعهود شرعاً في الصّلاة .
وقال الشّافعيّة في أصحّ الأقوال : إنّ المتطوّع يقعد مفترشاً .
ثانياً - التّربّع عند تلاوة القرآن :
8 - لا بأس بقراءة القرآن في كلّ حال : قائماً أو جالساً ، متربّعاً أو غير متربّع ، أو مضطجعاً أو راكباً أو ماشياً ، لحديث « عائشة قالت : كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يتّكئ في حجري وأنا حائض ثمّ يقرأ القرآن » وعنها قالت : " إنّي لأقرأ القرآن وأنا مضطجعة على سريري " .
ترتيب *
التّعريف :
1 - التّرتيب في اللّغة : جعل كلّ شيء في مرتبته . واصطلاحاً : هو جعل الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد ، ويكون لبعض أجزائه نسبة إلى البعض بالتّقدّم والتّأخّر .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّتابع والموالاة :
2 - التّتابع : مصدر تتابع ، يقال : تتابعت الأشياء والأمطار والأمور ، إذا جاء واحد منها خلف واحد على أثره بشرط عدم القطع .
وفسّر الفقهاء التّتابع في الصّيام : بأن لا يفطر المرء في أيّام الصّيام . وعلى ذلك ، فالتّتابع والموالاة متقاربان في المعنى ، إلاّ أنّ الفقهاء يستعملون التّتابع غالباً في الاعتكاف وكفّارة الصّيام ونحوهما ، ويستعملون الموالاة غالباً في الطّهارة من الوضوء والتّيمّم والغسل .
ويختلف التّرتيب عن التّتابع والموالاة في أنّ التّرتيب يكون لبعض الأجزاء نسبة إلى البعض بالتّقدّم والتّأخّر ، بخلاف التّتابع والموالاة ، ومن جهة أخرى فإنّ التّتابع والموالاة يشترط فيهما عدم القطع والتّفريق ، فيضرّهما التّراخي ، بخلاف التّرتيب .
الحكم الإجماليّ :
3 - التّرتيب إنّما يكون بين أشياء مختلفة كالأعضاء في الوضوء ، والجمرات الثّلاث ، فإن اتّحد المحلّ ولم يتعدّد فلا معنى للتّرتيب كما يقول الزّركشيّ ، ومن ثمّ لم يجب التّرتيب في الغسل ، لأنّه فرض يتعلّق بجميع البدن ، تستوي فيه الأعضاء كلّها . وكذلك الرّكوع الواحد والسّجود الواحد لا يظهر فيه أثر التّرتيب ، فإذا اجتمع الرّكوع والسّجود ظهر أثره .
هذا ، وقد بيّن الفقهاء حكم وأهمّيّة التّرتيب في مباحث العبادات من : الطّهارة ، وأركان الصّلاة ، ونسك الحجّ ، والكفّارات في النّذور والأيمان ونحوها .
واتّفقوا على فرضيّة التّرتيب في بعض العبادات ، كالتّرتيب في أركان الصّلاة من القيام والرّكوع والسّجود ، واختلفوا في بعضها ، نذكر منها ما يلي :
أ - التّرتيب في الوضوء :
4 - التّرتيب في أعمال الوضوء فرض عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّها وردت في الآية مرتّبةً ، قال اللّه تعالى : { إذا قُمْتم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وجُوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامسَحُوا برءوسِكم وأرجلَكم إلى الكَعْبَين } لأنّ إدخال الممسوح " أي الرّأس " بين المغسولات " أي الأيدي والأرجل " قرينة على أنّه أريد به التّرتيب ، فالعرب لا تقطع النّظير عن النّظير إلاّ لفائدة ، والفائدة هاهنا التّرتيب .
وذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى عدم وجوب التّرتيب في الوضوء ، بل هو سنّة عندهم ، لأنّ اللّه تعالى أمر بغسل الأعضاء ، وعطف بعضها على بعض بواو الجمع ، وهي لا تقتضي التّرتيب . وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّه قال :" ما أبالي بأيّ أعضائي بدأت ". والتّرتيب إنّما يكون في عضوين مختلفين ، فإن كانا في حكم العضو الواحد لم يجب ، ولهذا لا يجب التّرتيب بين اليمنى واليسرى في الوضوء اتّفاقاً .
ولكن يسنّ ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحبّ التّيامن » .
ب - التّرتيب في قضاء الفوائت :
5 - جمهور الفقهاء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة قالوا بوجوب التّرتيب بين الصّلوات الفائتة ، وبينها وبين الصّلاة الوقتيّة إذا اتّسع الوقت . فمن فاتته صلاة أو صلوات وهو في وقت أخرى ، فعليه أن يبدأ بقضاء الفوائت مرتّبةً ، ثمّ يؤدّي الصّلاة الوقتيّة ، إلاّ إذا كان الوقت ضيّقاً لا يتّسع لأكثر من الحاضرة فيقدّمها ، ثمّ يقضي الفوائت على التّرتيب .
على أنّ المالكيّة يقولون بوجوب التّرتيب في قضاء يسير الفوائت مع صلاة حاضرة ، وإن خرج وقتها . وقال الشّافعيّة : لا يجب ذلك ، بل يسنّ ترتيب الفوائت ، كأن يقضي الصّبح قبل الظّهر ، والظّهر قبل العصر . وكذلك يسنّ تقديم الفوائت على الحاضرة محاكاةً للأداء ، فإن خاف فوت الحاضرة بدأ بها وجوباً لئلاّ تصير فائتةً .
هذا ، ويسقط التّرتيب عند الحنفيّة والحنابلة بالنّسيان ، وخوف فوت الوقتيّة ، وزاد الحنفيّة مسقطاً آخر هو زيادة الفوائت على خمس .
وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه في ( قضاء الفوائت ) .
ج - التّرتيب في صفوف الصّلاة :
6 - صرّح الفقهاء بأنّه : لو اجتمع الرّجال والنّساء والصّبيان ، فأرادوا أن يصطفّوا لصلاة الجماعة ، يقوم الرّجال صفّاً ممّا يلي الإمام ، ثمّ الصّبيان بعدهم ثمّ الإناث .
وإذا تقدّمت النّساء على الرّجال فسدت صلاة من وراءهنّ من صفوف الرّجال عند الحنفيّة ، خلافاً لجمهور الفقهاء حيث صرّحوا بكراهة الصّلاة حينئذ دون الفساد ، كما هو مفصّل في مصطلح : ( اقتداء ، صلاة الجماعة ) .
مواطن البحث :
يرد ذكر التّرتيب عند الفقهاء - إضافةً إلى ما سبق - في مواضع مختلفة منها :
أ - التّرتيب في الجنائز :
7 - إذا كانت أكثر من واحدة ، فإذا اجتمعت جنائز الرّجال والنّساء والصّبيان حين الصّلاة عليها ، فإنّه يصفّ الرّجال ممّا يلي الإمام ، ثمّ صفّ الصّبيان ، ثمّ صفّ النّساء ، وكذلك التّرتيب في وضع الأموات في قبر واحد ، ويفصّل الفقهاء هذه المسائل في أبواب الجنائز .
ب - التّرتيب في الحجّ :
8 - التّرتيب في أعمال الحجّ وما يترتّب على الإخلال به ، فصّله الفقهاء في كتاب الحجّ .
( ر : إحرام ) .
ج - الدّيون :
9 - التّرتيب في قضاء الدّيون ، وما يجب تقديمه منها على غيره ، وما يتعلّق بحقوق العباد ، فصّله الفقهاء في باب الرّهن والنّفقة والكفّارة وغيرها ( ر : دين ) .
د - أدلّة الإثبات :
10 - التّرتيب في أدلّة الإثبات من الإقرار والشّهادة والقرائن ونحوها يذكره الفقهاء في كتاب الدّعوى .
هـ - النّكاح :
11 - ترتيب الأولياء في النّكاح وحقّ القصاص وسائر الحقوق كالإرث والحضانة وغيرهما مذكور في أبوابها من كتب الفقه ، وتفصيله في مصطلحاتها .
و - الكفّارات :
12 - التّرتيب بين أنواع الكفّارات في الأيمان والنّذور وغيرها أورده الفقهاء في باب الكفّارة . وتفصيل هذه المسائل يرجع إليه في مصطلحاتها .
ترتيل *
انظر : تلاوة .
ترجمة *
التّعريف :
1 - التّرجمة : مصدر ترجم ، يقال : ترجم كلامه : إذا بيّنه ، ويقال : ترجم كلام غيره : إذا عبّر عنه بلسانٍ آخر . ومنه التَّرجِمان ، والتَّرجُمان ، والتُرجُمان .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لكلمة التّرجمة عن المعنى الثّاني .