عرض مشاركة واحدة
  #264  
قديم 05-19-2012, 07:15 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ثانياً : بالنّسبة للصّوم :
30 - إذا استوعب الجنون شهر رمضان بأكمله فلا قضاء على المجنون سواء ، أكان الجنون أصليّاً أم عارضاً عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لحديث : « رفع القلم عن ثلاث ... » وإذا استوعب الإغماء الشّهر كلّه وجب القضاء على المغمى عليه إلاّ عند الحسن البصريّ ، ودليل وجوب القضاء قوله تعالى : { فمنْ كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ من أيَّامٍ أُخَر } والإغماء مرض . وعند المالكيّة : يجب القضاء على المجنون بعد إفاقته للآية السّابقة ، والجنون مرض ، وعن الإمام أحمد مثل ذلك بالنّسبة للمجنون .
وإن أفاق المجنون في أيّ يوم من أيّام الشّهر كان عليه قضاء ما مضى من الشّهر استحساناً عند الحنفيّة ، والقياس أنّه لا يلزمه ، وهو قول زفر .
وفرّق محمّد فقال : لا قضاء لما فات في الجنون الأصليّ ، ويجب القضاء إذا كان الجنون عارضاً . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا قضاء لما فات زمن الجنون للحديث المتقدّم - ويجب القضاء عند المالكيّة . ويجب القضاء على المغمى عليه لما فات عند الجميع .
31 - أمّا اليوم الّذي جنّ أو أغمي عليه فيه ، فإنّه يعتبر مدركاً لصيام هذا اليوم إن كان نوى الصّيام من اللّيل ، ولا قضاء عليه ، وهذا عند الحنفيّة .
وعند المالكيّة : إن جنّ أو أغمي عليه بعد الفجر ، واستمرّ الجنون أو الإغماء أكثر اليوم فعليه القضاء ، وإن كان بعد الفجر ولم يستمرّ نصف يوم فأقلّ أجزأه ، ولا قضاء عليه . وإن كان الإغماء أو الجنون مع الفجر أو قبله فالقضاء مطلقاً ، لزوال العقل وقت النّيّة . وعند الشّافعيّة في الأظهر ، وهو قول الحنابلة : أنّ الإغماء لا يضرّ صومه إذا أفاق لحظةً من نهار ، أيّ لحظة كانت ، اكتفاءً بالنّيّة مع الإفاقة في جزء .
والثّاني للشّافعيّة : يضرّ مطلقاً ، والثّالث : لا يضرّ إذا أفاق أوّل النّهار .
وإن نوى الصّوم ثمّ جنّ ففيه قولان : في الجديد يبطل الصّوم ، لأنّه عارض يسقط فرض الصّلاة فأبطل الصّوم ، وقال في القديم : هو كالإغماء . وعند الحنابلة : الجنون كالإغماء يجزئ صومه إذا كان مفيقاً في أيّ لحظة منه مع تبييت النّيّة .
32 - أمّا اليوم الّذي تحدث فيه الإفاقة من الجنون أو الإغماء ، فعند الحنفيّة : أن المجنون جنوناً عارضاً لو أفاق في النّهار قبل الزّوال ، فنوى الصّوم أجزأه . وفي الجنون الأصليّ خلاف ، ويجزئ في الإغماء بلا خلاف .
وعند المالكيّة : إن أفاق قبل الفجر أجزأ ذلك اليوم عن الصّيام بالنّسبة للمجنون والمغمى عليه ، وإن كانت الإفاقة بعد الفجر فهو على التّفصيل السّابق .
وعند الشّافعيّة : إن أفاق المجنون في النّهار فعلى الأصحّ لا قضاء عليه ، ويستحبّ له الإمساك ، وهذا في وجه . وفي الوجه الثّاني : يجب القضاء ، أمّا المغمى عليه فإذا أفاق أجزأه . وعند الحنابلة في قضاء اليوم الّذي أفاق فيه المجنون وإمساكه روايتان ، أمّا المغمى عليه فيصحّ صومه إن أفاق في جزء من النّهار .
ثالثاً : بالنّسبة للحجّ :
33 - من أحرم بالحجّ ، وطرأ عليه جنون أو إغماء ثمّ أفاق منه قبل الوقوف بعرفة ، ووقف ، أجزأه الحجّ باتّفاق . وكذلك من لم يحرم بالحجّ لجنون أو إغماء ، ولكنّه أفاق من قبل الوقوف ، وأحرم ووقف بعرفة أجزأه ، على تفصيل في وجوب الجزاء عليه .
ومثل ذلك أيضاً المجنون الّذي أحرم عنه وليّه ، أو المغمى عليه - عند من يقول بجواز الإحرام عنه كالحنفيّة وبعض الشّافعيّة - إذا أفاقا قبل الوقوف ووقفا أجزأهما الحجّ ، ومن وقف بعرفة وهو مجنون أو مغمًى عليه بعد أن أحرم وهو مفيق ، أو أحرم وليّه عنه فعند المالكيّة وبعض الشّافعيّة : كان حجّهما صحيحاً ، مع الاختلاف بين وقوعه فرضاً أو نفلاً . وعند الحنفيّة كان حجّ المغمى عليه صحيحاً ، وفي المجنون خلاف .
وينظر تفصيل جميع ما مرّ في العبادات في : ( صلاة ، صوم ، حجّ ، جنون ، إغماء ) .
تدارك المريض العاجز عن الإيماء :
34 - من عجز عن الإيماء في الصّلاة برأسه لركوعه وسجوده أومأ بطرفه ( عينه ) ونوى بقلبه ، لحديث عليّ رضي الله عنه : « يصلّي المريض قائماً ، فإن لم يستطع صلّى جالساً ، فإن لم يستطع صلّى على جنبه مستقبل القبلة ، فإن لم يستطع صلّى مستلقياً على قفاه ، ورجلاه إلى القبلة ، وأومأ بطرفه » . وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . فإن عجز عن الإيماء بطرفه أومأ بأصبعه ، فإن لم يستطع أتى بالصّلاة بقدر ما يطيق ولو بنيّة أفعالها ، ولا تسقط عنه أبداً ما دام معه شيء من عقل ، ويأتي بالصّلاة بأن يقصد الصّلاة بقلبه مستحضراً الأفعال والأقوال إن عجز عن النّطق ، لقوله تعالى : { لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسَاً إلاّ وسْعَها } .
وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وزفر من الحنفيّة .
وعند الحنفيّة غير زفر : الإيماء يكون بالرّأس فقط ولا يكون بعينيه أو جبينه أو قلبه ، لأنّ فرض السّجود لا يتأتّى بهذه الأشياء ، بخلاف الرّأس لأنّه يتأدّى به فرض السّجود ، فمن عجز عن الإيماء برأسه أخّر الصّلاة ، وإن مات على ذلك الحال لا شيء عليه ، وإن برأ فالصّحيح أنّه يلزمه قضاء يوم وليلة لا غير نفياً للحرج .
تدارك النّاسي والسّاهي :
35 - النّسيان أو السّهو إن وقع في ترك مأمور لم يسقط ، بل يجب تداركه . فمن نسي صلاةً أو صوماً أو زكاةً أو كفّارةً أو نذراً وجب عليه الأداء إن أمكن ، أو أن يتداركه بالقضاء بلا خلاف ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « مَنْ نسي صلاةً أو نام عنها ، فكفّارتُها أن يصلّيها إذا ذَكَرَها » .
وتكون الصّلاة أداءً إذا أدّى منها ركعةً في الوقت ، أو التّحريمة على الخلاف في ذلك .
وإذا فات الوقت تداركها بالقضاء . وينظر تفصيل ذلك في : ( صلاة ، صوم ، زكاة ) .
تدارك من أفسد عبادةً شرع فيها من صلاةٍ أو صومٍ أو حجٍ :
36 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من أفسد عبادة مفروضة وجب عليه أداؤها إن كان وقتها يسعها كالصّلاة ، أو القضاء إن خرج الوقت أو كان لا يسعها كالصّلاة إن خرج الوقت ، وكالصِّيام والحجّ لعدم اتساع الوقت .
أما التطوع بالعبادة فإنها تلزم بالشّروع فيه عند الحنفية والمالكية ، ويجب إتمامها ، وعند الشافعية والحنابلة : لا تجب بالشّروع ، ويستحب الإتمام فيما عدا الحجّ والعمرة فيلزمان بالشّروع ، ويجب إتمامهما ، وعلى ذلك فمن دخل في عبادة تطوّع وأفسدها وجب عليه قضاؤها عند الحنفية والمالكية لقوله تعالى : { ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم } .
ولا يجب القضاء عند الشافعية والحنابلة في غير الحجّ والعمرة لما روت « عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل عندك شيء ؟ فقلت : لا ، فقال : إنّي إذاً أصوم ، ثم دخل عليَّ يوماً آخر فقال : هل عندك شيء ؟ فقلت : نعم ، فقال : إذاً أفطر ، وإن كنت قد فرضت الصوم » .
أما الحجّ والعمرة فيجب قضاؤهما إذا أفسدهما ، لأن الوصول إليهما لا يحصل في الغالب إلا بعد كلفة عظيمة ، ولهذا يجبان بالشّروع .
تدارك المرتدّ لما فاته :
37 - ما فات المرتدّ من العبادات أيّام الرّدّة لا يجب عليه قضاؤه ، إذا تاب ورجع إلى الإسلام ، لأنّه غير مخاطب بفروع الشّريعة ، ولقوله تعالى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَد سَلَف } ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه » . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وعند الشّافعيّة يجب عليه قضاء ما فاته أيّام ردّته من عبادات ، لأنّ المرتدّ كان مقرّاً بإسلامه ولأنّه لا يستحقّ التّخفيف .
38 - وما فاته أيّام إسلامه من عبادات قبل ردّته وحال إسلامه ، يجب عليه قضاؤه بعد توبته من الرّدّة ، لاستقرار هذه العبادات عليه حال إسلامه ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وعند المالكيّة : لا يطالب بما فاته قبل ردّته ، فالرّدّة تسقط ما كان عليه من صلاة وصيام إلاّ الحجّ الّذي تقدّم منه ، فإنّه لا يبطل ، ويجب عليه إعادته إذا أسلم ، لبقاء وقته وهو العمر .
39 - وإذا رجع المرتدّ إلى الإسلام وأدرك وقت صلاة ، أو أدرك جزءاً من رمضان وجب عليه أداؤه .

تداوي *
التّعريف :
1 - التّداوي لغةً : مصدر تداوى أي : تعاطى الدّواء ، وأصله دوي يدوي دوى أي مرض ، وأدوى فلاناً يدويه بمعنى : أمرضه ، وبمعنى : عالجه أيضاً ، فهي من الأضداد ، ويداوي : أي يعالج ، ويداوي بالشّيء أي : يعالج به ، وتداوى بالشّيء : تعالج به ، والدِّواء والدَّواء والدُّواء : ما داويته به .
ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى ، كما تدلّ على ذلك عباراتهم .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّطبيب :
2 - التّطبيب لغةً : المداواة والعلاج ، يقال : طبّ فلان فلاناً أي : داواه ، وجاء يستطبّ لوجعه : أي يستوصف الأدوية أيّها يصلح لدائه .
والطّبّ : علاج الجسم والنّفس ، فالتّطبيب مرادف للمداواة .
ب - التّمريض :
3 - التّمريض مصدر مرّض ، وهو التّكفّل بالمداواة . يقال : مرّضه تمريضاً : إذا قام عليه ووليه في مرضه وداواه ليزول مرضه ،وقال بعضهم : التّمريض حسن القيام على المريض.
ج - الإسعاف :
4 - الإسعاف في اللّغة : الإعانة والمعالجة بالمداواة ، ويكون الإسعاف في حال المرض وغيره ، فهو أعمّ من التّداوي ، لأنّه لا يكون إلاّ في حال المرض .
حكمه التّكليفيّ :
5 - التّداوي مشروع من حيث الجملة ، لما روى أبو الدّرداء رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه أنزل الدّاءَ والدّواءَ ، وجعل لكلّ داءٍ دواءً ، فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام » ، ولحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال : « قالت الأعراب يا رسول اللّه ألا نتداوى ؟ قال : نعم عباد اللّه تداووا ، فإنّ اللّه لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً إلاّ داءً واحداً . قالوا : يا رسول اللّه وما هو ؟ قال : الهرم » .
وعن جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّقى ، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا : يا رسول اللّه إنّه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب : فإنّك نهيت عن الرّقى فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بها بأساً ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلْيفعل » . وقال صلى الله عليه وسلم : « لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » ولما ثبت من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه تداوى ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنّ « عروة كان يقول لعائشة : يا أمَّتاه ، لا أعجب من فقهك ، أقول : زوجة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر ، ولا أعجب من علمك بالشّعر وأيّام النّاس ، أقول : ابنة أبي بكر ، وكان أعلم النّاس أو من أعلم النّاس ، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ ، كيف هو ؟ ومن أين هو ؟ قال : فضربت على منكبيه ، وقالت : أيْ عريّة ؟ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره ، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كلّ وجه ، فكانت تنعت له الأنعات ، وكنت أعالجها له ، فمن ثَمَّ عَلِمْتُ » . وفي رواية : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه ، فكان يقدم عليه أطبّاء العرب والعجم ، فيصفون له فنعالجه » . وقال الرّبيع : سمعت الشّافعيّ يقول :" العلم علمان : علم الأديان وعلم الأبدان ".
6- وقد ذهب جمهور العلماء - الحنفيّة والمالكيّة - إلى أنّ التّداوي مباح ، غير أنّ عبارة المالكيّة : لا بأس بالتّداوي .
وذهب الشّافعيّة ، والقاضي وابن عقيل وابن الجوزيّ من الحنابلة إلى استحبابه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء ، وجعل لكلّ داء دواءً فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام » . وغير ذلك من الأحاديث الواردة ، والّتي فيها الأمر بالتّداوي . قالوا : واحتجام النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتداويه دليل على مشروعيّة التّداوي . ومحلّ الاستحباب عند الشّافعيّة عند عدم القطع بإفادته . أمّا لو قطع بإفادته كعصب محلّ الفصد فإنّه واجب . ومذهب جمهور الحنابلة : أنّ تركه أفضل ، ونصّ عليه أحمد ، قالوا : لأنّه أقرب إلى التّوكّل . قال ابن القيّم : في الأحاديث الصّحيحة الأمر بالتّداوي ، وأنّه لا ينافي التّوكّل ، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحرّ والبرد بأضدادها ، بل لا تتمّ حقيقة التّوحيد إلاّ بمباشرة الأسباب الّتي نصبها اللّه مقتضيات لمسبّباتها قدراً وشرعاً ، وأنّ تعطيلها يقدح في نفس التّوكّل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظنّ معطّلها أنّ تركها أقوى في التّوكّل ، فإنّ تركها عجز ينافي التّوكّل الّذي حقيقته اعتماد القلب على اللّه في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه ، ولا بدّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلاّ كان معطّلاً للحكمة والشّرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكّلاً ، ولا توكّله عجزاً .
أنواع التّداوي :
7 - التّداوي قد يكون بالفعل أو بالتّرك ، فالتّداوي بالفعل : يكون بتناول الأغذية الملائمة لحال المريض ، وتعاطي الأدوية والعقاقير ، ويكون بالفصد والكيّ والحجامة وغيرها من العمليّات الجراحيّة . فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً « الشّفاء في ثلاثة : في شَرْطَةِ مِحْجَم ، أو شَرْبةِ عسل ، أو كَيَّةٍ بنار ، وأنهى أُمّتي عن الكيّ » وفي رواية « وما أحبّ أن أكتوي » . وعن ابن عبّاس مرفوعاً « خير ما تداويتم به السّعوط ، واللّدود ، والحجامة ، والمشي » وإنّما كره الرّسول صلى الله عليه وسلم الكيّ لما فيه من الألم الشّديد والخطر العظيم ، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدّواء الكيّ " وقد « كوى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره » ، واكتوى غير واحد من الصّحابة ، فدلّ على أنّ المراد بالنّهي ليس المنع ، وإنّما المراد منه التّنفير عن الكيّ إذا قام غيره مقامه . قال ابن حجر في الفتح : ولم يرد النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحصر في الثّلاثة ، فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها ، وإنّما نبّه بها على أصول العلاج . وأمّا التّداوي بالتّرك : فيكون بالحمية ، وذلك بالامتناع عن كلّ ما يزيد المرض أو يجلبه إليه ، سواء كان بالامتناع عن أطعمة وأشربة معيّنة ، أو الامتناع عن الدّواء نفسه إذا كان يزيد من حدّة المرض . « لقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه حين أراد أن يأكل من الدّوالي إنّك ناقه » .
التّداوي بالنّجس والمحرّم :
8 - اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالمحرّم والنّجس من حيث الجملة ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم » ولقوله صلى الله عليه وسلم :« إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء ، وجعل لكلّ داء دواءً ، فتداووا ، ولا تتداووا بالحرام» وعن عمر رضي الله عنه أنّه كتب إلى خالد بن الوليد " إنّه بلغني أنّك تدلّك بالخمر ، وإنّ اللّه قد حرّم ظاهر الخمر وباطنها ، وقد حرّم مسّ الخمر كما حرّم شربها ، فلا تمسّوها أجسادكم ، فإنّها نجس " .
وقد عمّم المالكيّة هذا الحكم في كلّ نجس ومحرّم ، سواء أكان خمراً ، أم ميتةً ، أم أيّ شيء حرّمه اللّه تعالى ، وسواء كان التّداوي به عن طريق الشّرب أو طلاء الجسد به ، وسواء كان صرفاً أو مخلوطاً مع دواء جائز ، واستثنوا من ذلك حالةً واحدةً أجازوا التّداوي بهما ، وهي أن يكون التّداوي بالطّلاء ، ويخاف بتركه الموت ، سواء كان الطّلاء نجساً أو محرّماً ، صرفاً أو مختلطاً بدواء جائز .
وأضاف الحنابلة إلى المحرّم والنّجس كلّ مستخبث ، كبول مأكول اللّحم أو غيره ، إلاّ أبوال الإبل فيجوز التّداوي بها ، وذكر غير واحد من الحنابلة أنّ الدّواء المسموم إن غلبت منه السّلامة ، ورجي نفعه ، أبيح شربه لدفع ما هو أعظم منه ، كغيره من الأدوية ، كما أنّه يجوز عندهم التّداوي بالمحرّم والنّجس ، بغير أكل وشرب .
وذهب الحنابلة أيضاً إلى حرمة التّداوي بصوت ملهاة ، كسماع الغناء المحرّم ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تتداووا بالحرام » .
وشرط الحنفيّة لجواز التّداوي بالنّجس والمحرّم أن يعلم أنّ فيه شفاءً ، ولا يجد دواءً غيره ، قالوا : وما قيل إنّ الاستشفاء بالحرام حرام غير مجرى على إطلاقه ، وإنّ الاستشفاء بالحرام إنّما لا يجوز إذا لم يعلم أنّ فيه شفاءً ، أمّا إذا علم ، وليس له دواء غيره ، فيجوز . ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه " لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم يحتمل أن يكون قاله في داء عرف له دواء غير المحرّم ، لأنّه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام ، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة ، فلا يكون الشّفاء بالحرام ، وإنّما يكون بالحلال .
وقصر الشّافعيّة الحكم على النّجس والمحرّم الصّرف ، فلا يجوز التّداوي بهما ، أمّا إذا كانا مستهلكين مع دواء آخر ، فيجوز التّداوي بهما بشرطين : أن يكون عارفاً بالطّبّ ، حتّى ولو كان فاسقاً في نفسه ، أو إخبار طبيب مسلم عدل ،وأن يتعيّن هذا الدّواء فلا يغني عنه طاهر. وإذا كان التّداوي بالنّجس والمحرّم لتعجيل الشّفاء به ، فقد ذهب الشّافعيّة إلى جوازه بالشّروط المذكورة عندهم ، وللحنفيّة فيه قولان .
التّداوي بلبس الحرير والذّهب :
9 - اتّفق الفقهاء على جواز لبس الحرير للرّجال لحكّة ، لما روى أنس رضي الله عنه
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : رخّص لعبد الرّحمن بن عوف والزّبير في القميص الحرير في السّفر من حكّة كانت بهما » . وروى أنس أيضاً : « أنّ عبد الرّحمن بن عوف والزّبير شكيا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم القمل فأرخص لهما في الحرير ، فرأيته عليهما في غزاة » وجاز للمريض قياساً على الحكّة والقمل . والمشهور عند المالكيّة الحرمة مطلقاً .
ونصّ الحنابلة على جواز لبسه في الثّلاث المذكورة ، ولو لم يؤثّر لبسه في زوالها ، ولكن لا بدّ أن يكون نافعاً في لبسه . وأجاز الحنفيّة عصب الجراحة بالحرير مع الكراهة .
10 - كما اتّفق الفقهاء على جواز اتّخاذ الأنف من الذّهب ، وزاد المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة : السّنّ ، وزاد الشّافعيّة : الأنملة .
كما نصّ المالكيّة والحنابلة : على جواز ربط السّنّ أو الأسنان بالذّهب .
والأصل في ذلك أنّ « عرفجة بن أسعد رضي الله عنه قطع أنفه يوم الكلاب ، فاتّخذ أنفاً من ورق ، فأنتن عليه ، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاتّخذ أنفاً من ذهب » .
ولما روى الأثرم عن موسى بن طلحة ، وأبي جمرة الضّبعيّ ، وأبي رافع بن ثابت البنانيّ وإسماعيل بن زيد بن ثابت ، والمغيرة بن عبد اللّه ، أنّهم شدّوا أسنانهم بالذّهب .
والسّنّ مقيس على الأنف ، وزاد الشّافعيّة في القياس الأنملة دون الأصبع واليد ، قالوا : والفرق بين الأنملة والأصبع أو اليد أنّها تعمل بخلافهما ، وعندهم وجه أنّه يجوز ، وإنّما قصر الحنفيّة الجواز على الأنف فقط لضرورة نتن الفضّة ، لأنّ المحرّم لا يباح إلاّ لضرورة . قالوا : وقد اندفعت في السّنّ بالفضّة ، فلا حاجة إلى الأعلى ، وهو الذّهب .
تداوي المُحْرِم :
11 - الأصل أنّ المحرم ممنوع من الطّيب ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المحرم الّذي وقصته راحلته فمات : لا تمسّوه طيباً » وفي رواية « لا تحنّطوه » فلمّا منع الميّت من الطّيب لإحرامه فالحيّ أولى ، ومتى تطيّب المحرم فعليه الفدية ، لأنّه استعمل ما حظر عليه بالإحرام ، فوجبت عليه الفدية كاللّباس .
ولم يستثن الفقهاء من هذا الأصل ما لو تداوى المحرم بالطّيب ، أو بما له رائحة طيّبة ، وأوجبوا عليه الفدية ، غير أنّ الحنفيّة خصّوا الحكم بالطّيب بنفسه كالمسك والعنبر والكافور ونحوها ، وأمّا الزّيت والخلّ ممّا فيهما رائحة طيّبة بسبب ما يلقى فيهما من الأنوار كالورد والبنفسج فلا يجب عليه شيء إن تداوى بها .
قال ابن الهمام : وإن داوى قرحةً بدواء فيه طيب ، ثمّ خرجت قرحة أخرى فداواها مع الأولى ، فليس عليه إلاّ كفّارة واحدة ما لم تبرأ الأولى ، ولا فرق بين قصده وعدمه .
وعن أبي يوسف رحمه الله أنّه إذا خضّب ( أي المحرم ) رأسه بالوسمة لأجل المعالجة من الصّداع ، فعليه الجزاء باعتبار أنّه يغلّف رأسه ، قال ابن الهمام : هذا صحيح أي فينبغي أن لا يكون فيه خلاف ، لأنّ التّغطية موجبة بالاتّفاق ، غير أنّها للعلاج ، فلهذا ذكر الجزاء ولم يذكر الدّم . وعن أبي حنيفة : فيه صدقة ، لأنّه يليّن الشّعر ويقتل الهوامّ ، فإن استعمل زيتاً مطيّباً كالبنفسج والزّنبق وما أشبههما كدهن البان والورد ، فيجب باستعماله الدّم بالاتّفاق ، لأنّه طيب ، وهذا إذا استعمله على وجه التّطيّب ، ولو داوى به جرحه أو شقوق رجليه فلا كفّارة عليه ، لأنّه ليس بطيب في نفسه ، إنّما هو أصل الطّيب ، أو طيب من وجه ، فيشترط استعماله على وجه التّطيّب ، بخلاف ما إذا تداوى بالمسك وما أشبهه ، لأنّه طيب بنفسه ، فيجب الدّم باستعماله وإن كان على وجه التّداوي .
وفي حاشية الدّسوقيّ : أنّ الجسد وباطن الكفّ والرّجل يحرم دهن كلّ واحد منها كلاً أو بعضاً ، إن كان لغير علّة ، وإلاّ فلا حرمة . وأمّا الفدية فإن كان الدّهن مطيّباً افتدى مطلقاً كان الإدهان لعلّة أو لا . وإن كان غير مطيّب ، فإن كان لغير علّة افتدى أيضاً ، وإن كان لعلّة فقولان . وفي الكحل إذا كان فيه طيب حرم استعماله على المحرم رجلاً كان أو امرأةً إذا كان استعماله لغير ضرورة كالزّينة ، ولا حرمة إذا استعمله لضرورة حرّ ونحوه ، والفدية لازمة لمستعمله مطلقاً استعمله لضرورة أو لغيرها .
وإن كان الكحل لا طيب فيه فلا فدية مع الضّرورة ، وافتدى في غيرها .
وفي الإقناع للشّربينيّ الشّافعيّ : أنّ استعمال الطّيب حرام على المحرم سواء أكان ذكراً أم غيره ، ولو أخشم بما يقصد منه رائحته غالباً ولو مع غيره كالمسك والعود والكافور والورس والزّعفران ، وإن كان يطلب للصّبغ والتّداوي أيضاً ، سواء أكان ذلك في ملبوسه كثوبه أم في بدنه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « ولا تلبسوا من الثّياب ما مسّه وَرْس أو زعفران » سواء كان ذلك بأكل أم استعاط أم احتقان ، فيجب مع التّحريم في ذلك الفدية .
ولو استهلك الطّيب في المخالط له بأن لم يبق ريح ولا طعم ولا لون ، كأن استعمل في دواء ، جاز استعماله وأكله ولا فدية . وما يقصد به الأكل أو التّداوي لا يحرم ولا فدية فيه وإن كان له ريح طيّبة ، كالتّفّاح والسّنبل وسائر الأبازير الطّيّبة كالمصطكى ، لأنّ ما يقصد منه الأكل أو التّداوي لا فدية فيه . وفي المغني لابن قدامة حرمة التّداوي بما له ريح طيّبة للمحرم . أمّا ما لا طيب فيه كالزّيت والشّيرج والسّمن والشّحم ودهن البان فنقل الأثرم عن أحمد أنّه سئل عن المحرم يدهن بالزّيت والشّيرج فقال : نعم يدهن به إذا احتاج إليه ، ويتداوى المحرم بما يأكل . وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه صدع وهو محرم فقالوا : ألا ندهنك بالسّمن ؟ فقال : لا . قالوا : أليس تأكله ؟ قال : ليس أكله كالإدهان به . وعن مجاهد قال : إن تداوى به فعليه الكفّارة .
أثر التّداوي في الضّمان :
12 - ذهب الحنابلة إلى أنّ المجنيّ عليه إذا لم يداو جرحه ومات كان على الجاني الضّمان ، لأنّ التّداوي ليس بواجب ولا مستحبّ ، فتركه ليس بقاتل .
وفرّق الشّافعيّة بين علاج الجرح المهلك وغيره ، فإن ترك المجنيّ عليه علاج الجرح المهلك ومات ، فعلى الجاني الضّمان ، لأنّ البرء لا يوثق به وإن عالج ، وأمّا إذا كان الجرح غير مهلك فلا ضمان على الجاني .
التّداوي بالرّقى والتّمائم :
13 - أجمع الفقهاء على جواز التّداوي بالرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه وصفاته ، وباللّسان العربيّ أو بما يعرف معناه من غيره ، وأن يعتقد أنّ الرّقية لا تؤثّر بذاتها بل بإذن اللّه تعالى . فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال : « كنّا نرقي في الجاهليّة فقلنا : يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ؟ فقال : اعرضوا عليّ رقاكم ، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك » وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدّي إلى الشّرك فيمنع احتياطاً . وقال قوم : لا تجوز الرّقية إلاّ من العين واللّدغة لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه « لا رقية إلاّ من عين أو حمّة » وأجيب بأنّ معنى الحصر فيه أنّهما أصل كلّ ما يحتاج إلى الرّقية ، وقيل : المراد بالحصر معنى الأفضل ، أو لا رقية أنفع ، كما قيل لا سيف إلاّ ذو الفقار . وقال قوم : المنهيّ عنه من الرّقى ما يكون قبل وقوع البلاء ، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ، ذكره ابن عبد البرّ والبيهقيّ وغيرهما ، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً « إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك »
وأجيب بأنّه إنّما كان ذلك من الشّرك لأنّهم أرادوا دفع المضارّ وجلب المنافع من عند غير اللّه ، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء اللّه وكلامه ، وقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كحديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفّيه ب قل هو اللّه أحد وبالمعوّذتين ثمّ يمسح بهما وجهه » . وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين بكلمات اللّه التّامّة ، من كلّ شيطان وهامّة » . قال الرّبيع : سألت الشّافعيّ عن الرّقية فقال : لا بأس أن يرقي بكتاب اللّه وما يعرف من ذكر اللّه . قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين ؟ قال : نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب اللّه وبذكر اللّه ، وقال ابن التّين : الرّقية بالمعوّذات وغيرها من أسماء اللّه هو الطّبّ الرّوحانيّ ، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشّفاء بإذن اللّه تعالى ، فلمّا عزّ هذا النّوع فزع النّاس إلى الطّبّ الجسمانيّ .

تدبير *
التّعريف :
1 - دبّر الرّجل عبده تدبيراً : إذا أعتقه بعد موته ، والتّدبير في الأمر : النّظر إلى ما تئول إليه عاقبة الأمر ، والتّدبير أيضاً : عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت .
ولا يخرج المعنى الشّرعيّ عن هذا المعنى الأخير .
حكمه التّكليفيّ :
2 - التّدبير نوع من العتق ، والعتق مطلوب شرعاً ، وهو من أعظم القرب ، ويكون كفّارةً للجنايات ، إمّا وجوباً أي في قتل الخطأ ، والحنث في اليمين ونحو ذلك ، أو ندباً أي في قتل العمد عند المالكيّة ، وسائر الذّنوب ، لأنّ العتق من أكبر الحسنات ، وقد قال اللّه تعالى :
{ إنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السّيّئاتِ } . ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل العلم ، ويعتق من جميع مال الميّت في قول بعض العلماء كابن مسعود وغيره .
حكمة مشروعيّته :
3 - يؤدّي التّدبير إلى حرّيّة المدبّر بعد موت من دبّره ، والشّارع يحرص على تحرير الرّقاب ، والتّدبير طريقة ميسّرة لذلك ، لأنّه تدوم معه منفعة الرّقيق مدّة حياته ، ثمّ يكون قربةً له بعد وفاته .
صيغته :
4 - يثبت التّدبير بكلّ لفظ يفيد إثبات العتق للمملوك بعد موت سيّده ، كأن يقول ، معلّقاً : إذا متّ فأنت حرّ ، أو يقول مضيفاً لمستقبل : أنت حرّ بعد موتي .
ولا تفيد الصّيغة حكمها إلاّ إذا صدرت ممّن له أهليّة التّبرّع على سبيل الوصيّة .
آثاره :
5 - الفقهاء مختلفون في الآثار الّتي تترتّب على التّدبير . فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو ظاهر كلام الخرقيّ ، وأومأ إليه أحمد إلى : أنّه لا يباع ، ولا يوهب ، ولا يرهن ، ولا يخرج من الملك إلاّ بالإعتاق والكتابة ، ويستخدم ويستأجر ، ومولاه أحقّ بكسبه وأرشه .
وذهب الشّافعيّة ، وهو إحدى الرّوايات عن الإمام أحمد : أنّه يباع مطلقاً في الدّين وغيره ، وعند حاجة السّيّد إلى بيعه وعدمها . لحديث : « أنّ رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر ، فاحتاج ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : من يشتريه منّي . فباعه من نعيم بن عبد اللّه بثمانمائة درهم ، فدفعها إليه وقال : أنت أحوج منه » متّفق عليه .
وفسّر الشّافعيّة الحاجة هنا بالدّين ، ولكنّه ليس قيداً احترازيّاً ، بل هو اتّفاقيّ لما ورد أنّ عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرةً لها ولم ينكر عليها أحد من الصّحابة .
من مبطلاته :
6 - من مبطلات التّدبير : قتل المدبّر سيّده ، واستغراق تركة السّيّد بالدّين .
وهناك تفصيلات كثيرة وأحكام في المذاهب مختلفة لا حاجة لإيرادها لعدم وجود الرّقّ الآن .

تدخين *
انظر : تبغ .

تدريس *
انظر : تعليم .

تدليس *
التّعريف :
1 - التّدليس : مصدر دلّس ، يقال : دلّس في البيع وفي كلّ شيء : إذا لم يبيّن عيبه . والتّدليس في البيع : كتمان عيب السّلعة عن المشتري . قال الأزهريّ : ومن هذا أخذ التّدليس في الإسناد . وهو في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن المعنى اللّغويّ ، وهو كتمان العيب . قال صاحب المغرب : كتمان عيب السّلعة عن المشتري .
وعند المحدّثين هو قسمان: أحدهما : تدليس الإسناد . وهو : أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه ، موهماً أنّه سمعه منه ،أو عمّن عاصره ولم يلقه موهماً أنّه لقيه أو سمعه منه.
والآخر : تدليس الشّيوخ . وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسمّيه أو يكنّيه ، ويصفه بما لم يعرف به كيلا يعرف .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الخلابة :
2 - الخلابة هي : المخادعة . وقيل : هي الخديعة باللّسان .
والخلابة أعمّ من التّدليس ، لأنّها كما تكون بستر العيب ، قد تكون بالكذب وغيره .
ب - التّلبيس :
3 - التّلبيس من اللّبس ، وهو : اختلاط الأمر . يقال : لبّس عليه الأمر يلبّسه لبساً فالتبس . إذا خلطه عليه حتّى لا يعرف جهته ، والتّلبيس كالتّدليس والتّخليط ، شدّد للمبالغة . والتّلبيس بهذا المعنى أعمّ من التّدليس ، لأنّ التّدليس يكون بإخفاء العيب ، والتّلبيس يكون بإخفاء العيب ، كما يكون بإخفاء صفات أو وقائع أو غيرها ليست صحيحةً .
ج - التّغرير :
4 - وهو من الغرر ، يقال : غرّر بنفسه وماله تغريراً وتغرّةً : عرّضهما للهلكة من غير أن يعرف . ويقال : غرّه يغرّه غرّاً وغروراً وغرّةً : خدعه وأطمعه بالباطل .
والتّغرير في الاصطلاح : إيقاع الشّخص في الغرر ، والغرر : ما انطوت عنك عاقبته .
وعلى هذا يكون التّغرير أعمّ من التّدليس ، لأنّ الغرر قد يكون بإخفاء عيب ، وقد يكون بغير ذلك ممّا تجهل عاقبته .
د - الغِش :
5 - وهو اسم من الغشّ ، مصدر غشَّه : إذا لم يمحّضه النّصح ، وزيّن له غير المصلحة ، أو أظهر له خلاف ما أضمره . وهو أعمّ من التّدليس ، إذ التّدليس خاصّ بكتمان العيب .
الحكم التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّدليس حرام بالنّصّ في أحاديث كثيرة . فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « البيّعَان بالخيار ما لم يتفرّقا ، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما ، وإن كَذَبا وكَتَما مُحقت بركةُ بيعهما » وقال عليه أفضل الصّلاة والسّلام : « من باع عَيْباً لم يبيّنه لم يزل في مقتِ اللّه ، ولم تزل الملائكة تلعنْهُ » . وقال صلى الله عليه وسلم : « من غشّنا فليس منّا » ولهذا يؤدّب الحاكم المدلّس ، لحقّ اللّه ولحقّ العباد .
التّدليس في المعاملات :
7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ تدليس يختلف الثّمن لأجله في المعاملات يثبت به الخيار : كتصرية الشّياه ونحوها قبل بيعها ليظنّ المشتري كثرة اللّبن ، وصبغ المبيع بلون مرغوب فيه ، على اختلاف بين الفقهاء في بعض الصّور .
واستدلّوا لثبوت الخيار بالتّصرية بحديث : « من اشترى شاةً مصرّاةً فهو بخير النّظرين : إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردّها وصاعاً من تمر » .
وقيس عليها غيرها ، وهو كلّ فعل من البائع بالمبيع يظنّ المشتري به كمالاً فلا يوجد ، لأنّ الخيار غير منوط بالتّصرية لذاتها ، بل لما فيها من التّلبيس والإيهام .
شرط الرّدّ بالتّدليس :
8 - لا يثبت الخيار بمجرّد التّدليس ، بل يشترط ألاّ يعلم المدلّس عليه بالعيب قبل العقد ، فإن علم فلا خيار له لرضاه به ، كما يشترط ألاّ يكون العيب ظاهراً ، أو ممّا يسهل معرفته . ويثبت خيار التّدليس في كلّ معاوضة ، كما في البيع والإجارة ، وبدل الصّلح عن إقرار ، وبدل الصّلح عن دم العمد .
التّدليس القوليّ :
9 - التّدليس القوليّ كالتّدليس الفعليّ في العقود ، كالكذب في السّعر في بيوع الأمانات ( وهي المرابحة والتّولية والحطيطة ) فيثبت فيها خيار التّدليس .
التّدليس في عقد النّكاح :
10 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه إذا دلّس أحد الزّوجين على الآخر ، بأن كتم عيباً فيه ، يثبت به الخيار ، لم يعلمه المدلّس عليه وقت العقد ، ولا قبله . أو شرط أحدهما في صلب العقد وصفاً من صفات الكمال كإسلام ، وبكارة ، وشباب ، فتخلّف الشّرط : يثبت للمدلَّس عليه والمغرور بخلف المشروط خيار فسخ النّكاح . وقال : أبو حنيفة وأبو يوسف : ليس لواحد من الزّوجين خيار الفسخ لعيب ، فالنّكاح عندهم لا يقبل الفسخ . وقالوا : إنّ فوتَ الاستيفاءِ أصلاً بالموت لا يوجب الفسخ ، فاختلاله بهذه العيوب أولى بألاّ يوجب الفسخ ، ولأنّ الاستيفاء من ثمرات العقد ، والمستحقّ هو التّمكّن ، وهو حاصل . وقال محمّد بن الحسن : لا خيار للزّوج بعيب في المرأة ، ولها هي الخيار بعيب في الزّوج من العيوب الثّلاثة : الجنون ، والجذام ، والبرص فللمرأة الخيار في طلب التّفريق أو البقاء معه ، لأنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقّها بمعنًى فيه ، فكان ذلك بمنزلة ما لو وجدته مجبوباً ، أو عنّيناً بخلاف الرّجل ، لأنّه يتمكّن من دفع الضّرر عن نفسه بالطّلاق. والكلام عن العيوب المثبتة للخيار في النّكاح موطنه باب النّكاح .
سقوط المهر بالفسخ :
11 - لا خلاف بين من يقول بالفسخ بالعيوب من الفقهاء في أنّ الفسخ قبل الدّخول ، أو الخلوة الصّحيحة يسقط المهر .
وقالوا : إن كان العيب بالزّوج فهي الفاسخة - أي طالبة الفسخ - فلا شيء لها ، وإن كان العيب بها فسبب الفسخ معنًى وجد فيها ، فكأنّها هي الفاسخة ، لأنّها غارّة ومدلّسة .
وإن كان الفسخ بعد الدّخول ، بأن لم يعلم إلاّ بعده فلها المهر ، لأنّ المهر يجب بالعقد ، ويستقرّ بالدّخول ، فلا يسقط بحادث بعده .
رجوع المغرور على من غرّه :
12 - إن فسخ الزّوج النّكاح بعيب في المرأة بعد الدّخول ، يرجع بالمهر على من غرّه من زوجة أو وكيل أو وليّ ، وإلى هذا ذهب المالكيّة ، والحنابلة ، وقاله الشّافعيّ في القديم للتّدليس عليه بإخفاء العيب المقارن ، وقال الشّافعيّ في الجديد : إنّه لا يرجع بالمهر على من غرّه ، لاستيفائه منفعة البضع المتقوّم عليه بالعقد . أمّا العيب الحادث بعد العقد فلا يرجع جزماً . أمّا هل خيار العيب على التّراخي ؟ وهل يحتاج إلى حكم حاكم ؟ وحكم ولد المغرور ، والتّفصيل في ذلك فيرجع فيه إلى مصطلح : ( تغرير ) ( وفسخ ) .
المغرور بخلف الشّرط :
13 - لو شرط أحد الزّوجين في صلب العقد صفةً من صفات الكمال ، ممّا لا يمنع عدمه صحّة النّكاح كبكارة وشباب وإسلام ، أو نفي عيب لا يثبت به الخيار كألاّ تكون عوراء أو خرساء ، أو شرط ما ليس من صفات الكمال ولا النّقص كطول وبياض وسمرة ، فتخلّف الشّرط ، صحّ النّكاح ، وثبت للمغرور خيار الفسخ . عند الجمهور على خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح : ( تغرير ، وشرط ) . وقال الحنفيّة : لا يثبت الخيار بخلف الشّرط .
وجاء في فتح القدير : فلو شرط وصفاً مرغوباً فيه كالعذرة ( البكارة ) والجمال ، والرّشاقة ، وصغر السّنّ : فظهرت ثيّباً عجوزاً شوهاء ، ذات شقّ مائل ، ولعاب سائل ، وأنف هائل ، وعقل زائل ، فلا خيار له عند أبي حنيفة وأبي يوسف .
رد مع اقتباس