ثامناً : تداخل الجنايات على النّفس والأطراف :
18 - ذكر الحنفيّة أنّ الجنايات على النّفس والأطراف إذا تعدّدت ، كما لو قطع عضواً من أعضائه ، ثمّ قتله ، فإنّها لا تتداخل إلاّ في حالة اجتماع جنايتين على واحد ، ولم يتخلّلهما برء ، وصورها ستّ عشرة ، كما ذكر ابن نجيم في الأشباه ، لأنّه إذا قطع ثمّ قتل ، فإمّا أن يكونا عمدين أو خطأين ، أو أحدهما عمداً والآخر خطأً ، وكلّ من الأربعة إمّا على واحد أو اثنين ، وكلّ من الثّمانية . إمّا أن يكون الثّاني قبل البرء أو بعده .
وذكر المالكيّة أنّ الجناية على الطّرف تندرج في الجناية على النّفس ، أي في القصاص ، إن تعمّدها الجاني ، سواء أكان الطّرف للمقتول أم لغيره بأن قطع يد شخص عمداً ، وفقأ عين آخر عمداً ، فيقتل فقط ولا يقطع شيء من أطرافه ولا تفقأ عينه ، إن لم يقصد الجاني بجنايته على الطّرف مثلةً - أي تمثيلاً وتشويهاً - فإن قصدها فلا يندرج الطّرف في القتل ، فيقتصّ من الطّرف ، ثمّ يقتل .
أمّا إذا لم يتعمّد الجاني الجناية على الطّرف ، فإنّها لا تندرج في الجناية على النّفس ، كما لو قطع يد شخص خطأً ، ثمّ قتله عمداً عدواناً ، فإنّه يقتل به ، ودية اليد على عاقلته .
وذكر الشّافعيّة أنّ الجناية على النّفس والأطراف إذا اتّفقتا في العمد أو الخطأ ، وكانت الجناية على النّفس بعد اندمال الجناية على الطّرف وجبت دية الطّرف بلا خلاف . أمّا إذا كانت الجناية على النّفس قبل اندمال الجناية على الطّرف فوجهان ، أصحّهما : دخول الجناية على الطّرف في الجناية على النّفس ، بحيث لا يجب إلاّ ما يجب في النّفس كالسّراية . وثانيهما : عدم التّداخل بين الجنايتين ، خرّجه ابن سريج ، وبه قال الإصطخريّ ، واختاره إمام الحرمين . أمّا إذا كانت إحداهما عمداً والأخرى خطأً ، وقلنا بالتّداخل عند الاتّفاق ، فهنا وجهان : أحدهما التّداخل أيضاً . وأصحّهما : لا ، لاختلافهما .
والحنابلة يقولون : التّداخل في القصاص في إحدى الرّوايتين عن أحمد فيما لو جرح رجل رجلاً ، ثمّ قتله قبل اندمال جرحه ، واختار الوليّ القصاص ، فعلى هذه الرّواية ليس للوليّ إلاّ ضرب عنقه بالسّيف . لقوله صلى الله عليه وسلم : « لا قَوَدَ إلاّ بالسّيفِ » ، وليس له جرحه أو قطع طرفه ، لأنّ القصاص أحد بدلي النّفس ، فدخل الطّرف في حكم الجملة كالدّية. والرّواية الثّانية : أنّ للوليّ أن يفعل بالجاني مثلما فعل ، لقوله تعالى : { وإنْ عَاقَبْتُم فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُم به } . أمّا إذا عفا الوليّ عن القصاص ، أو صار الأمر إلى الدّية لكون الفعل خطأً أو شبه عمد ، فالواجب حينئذ دية واحدة ، لأنّه قتل قبل استقرار الجرح ، فدخل أرش الجراحة في أرش النّفس والتّفصيل في مصطلح : ( جناية ) .
تاسعاً : تداخل الدّيات :
19 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الدّيات قد تتداخل ، فيدخل الأدنى منها في الأعلى ، ومن ذلك دخول دية الأعضاء والمنافع في دية النّفس ، ودخول أرش الموضحة المذهبة للعقل في دية العقل ، ودخول حكومة الثّدي في دية الحلمة إلى غير ذلك من الفروع .
والتّفصيل في مصطلح : ( دية ) .
عاشراً : تداخل الحدود :
20 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحدود - كحدّ الزّنى والسّرقة والشّرب - إذا اتّفقت في الجنس والموجب أي الحدّ فإنّها تتداخل ، فمن زنى مراراً ، أو سرق مراراً ، أو شرب مراراً ، أقيم عليه حدّ واحد للزّنى المتكرّر ، وآخر للسّرقة المتكرّرة . وآخر للشّرب المتكرّر ، لأنّ ما تكرّر من هذه الأفعال هو من جنس ما سبقه ، فدخل تحته . ومثل ذلك حدّ القذف إذا قذف شخصاً واحداً مراراً ، أو قذف جماعةً بكلمة واحدة ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد اتّفاقاً ، بخلاف ما لو قذف جماعةً بكلمات ، أو خصّ كلّ واحد منهم بقذف .
واتّفق الفقهاء أيضاً على أنّ من زنى أو سرق أو شرب ، فأقيم عليه الحدّ ، ثمّ صدر منه أحد هذه الأفعال مرّةً أخرى ، فإنّه يحدّ ثانياً ، ولا يدخل تحت الفعل الّذي سبقه ، واتّفقوا أيضاً على عدم التّداخل بين هذه الأفعال عند اختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فمن زنى وسرق وشرب حدّ لكلّ فعل من هذه الأفعال ، لاختلافها في الجنس والقدر الواجب فيها ، فلا تتداخل . أمّا إذا اتّحدت في القدر الواجب واختلفت في الجنس ، كالقذف والشّرب مثلاً ، فلا تداخل بينها عند غير المالكيّة ، وأمّا عند المالكيّة فتتداخل ، لاتّفاقها في القدر الواجب فيها ، وهو الحدّ ، فإنّ الواجب في القذف ثمانون جلدةً وفي الشّرب أيضاً مثله ، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر . ولو لم يقصد عند إقامة الحدّ إلاّ واحداً فقط ، ثمّ ثبت أنّه شرب أو قذف ، فإنّه يكتفي بما ضرب له عمّا ثبت .
ومثل ذلك عندهم - أي المالكيّة - ما لو سرق وقطع يمين آخر ، فإنّه يكتفي فيه بحدّ واحد . وهذا كلّه إذا لم يكن في تلك الحدود القتل ، فإن كان فيها القتل ، فإنّه يكتفي به عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لقول ابن مسعود : ما كانت حدود فيها قتل إلاّ أحاط القتل بذلك كلّه ، ولأنّ المقصود الزّجر وقد حصل . واستثنى المالكيّة من ذلك حدّ القذف ، فقد ذكروا أنّه لا يدخل في القتل ، بل لا بدّ من استيفائه قبله .
وأمّا الشّافعيّة فإنّهم لا يكتفون بالقتل ، ولم يقولوا بالتّداخل في هذه المسألة ، بل يقدّمون الأخفّ ثمّ الأخفّ ، فمن سرق وزنى وهو بكر ، وشرب ولزمه قتل بردّة ، أقيمت عليه الحدود الواجبة فيها بتقديم الأخفّ ثمّ الأخفّ .
الحادي عشر : تداخل الجزية :
21 - ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الجزية تتداخل كما إذا اجتمع على الذّمّيّ جزية عامين ، فلا يؤخذ منه إلاّ جزية عام واحد ، لأنّ الجزية وجبت عقوبةً للّه تعالى تؤخذ من الذّمّيّ على وجه الإذلال . والعقوبات الواجبة للّه تعالى إذا اجتمعت ، وكانت من جنس واحد ، تداخلت كالحدود ، ولأنّها وجبت بدلاً عن القتل في حقّهم وعن النّصرة في حقّنا ، لكن في المستقبل لا في الماضي ، لأنّ القتل إنّما يستوفى لحراب قائم في الحال ، لا لحراب ماض ، وكذا النّصرة في المستقبل لأنّ الماضي وقعت الغُنْية عنه .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف ومحمّد إلى أنّها لا تتداخل ، ولا تسقط بمضيّ المدّة ، لأنّ مضيّ المدّة لا تأثير له في إسقاط الواجب كالدّيون .
وأمّا خراج الأرض فقيل على هذا الخلاف ، وقيل لا تداخل فيه بالاتّفاق .
وأمّا المالكيّة فإنّهم لم يصرّحوا بتداخل الجزية ، ولكن يفهم التّداخل من قول أبي الوليد ابن رشد : ومن اجتمعت عليه جزية سنين ، فإن كان ذلك لفراره بها أخذت منه لما مضى ، وإن كان لعسره لم تؤخذ منه ، ولا يطالب بها بعد غناه . والتّفصيل في مصطلح : ( جزية ) .
الثّاني عشر : تداخل العددين في حساب المواريث :
22 - العددان في حساب المواريث إمّا أن يكونا متماثلين ، وإمّا أن يكونا مختلفين .
وفي حال اختلافهما إمّا أن يفنى الأكثر بالأقلّ ، وإمّا أن يفنيهما عدد ثالث ، وإمّا أن لا يفنيهما إلاّ واحد ليس بعدد ، بل هو مبدؤه ، فهذه أربعة أقسام .
وقد وقع التّداخل في القسم الثّاني منها ، وهو ما إذا اختلفا وفني الأكثر بالأقلّ عند إسقاطه من الأكثر مرّتين فأكثر منهما ، فيقال حينئذ : إنّهما متداخلان ، كثلاثة مع ستّة أو تسعة أو خمسة عشر ، فإنّ السّتّة تفنى بإسقاط الثّلاثة مرّتين ، والتّسعة بإسقاطها ثلاث مرّات ، والخمسة عشر بإسقاطها خمس مرّات ، لأنّها خمسها ، وسمّيا متداخلين لدخول الأقلّ في الأكثر . وحكم الأعداد المتداخلة : أنّه يكتفى فيها بالأكبر ويجعل أصل المسألة .
أمّا في الأقسام الأخرى ، وهي الأوّل والثّالث والرّابع ، فلا تداخل بين العددين فيها ، لأنّ العددين إن كانا متماثلين - كما في القسم الأوّل - فإنّه يكتفى بأحدهما ، فيجعل أصلاً للمسألة كالثّلاثة والثّلاثة مخرجي الثّلث والثّلثين ، لأنّ حقيقة المتماثلين إذا سلّط أحدهما على الآخر أفناه مرّةً واحدةً . وإن كانا مختلفين ، ولا يفنيهما إلاّ عدد ثالث - وهو القسم الثّالث - فهما متوافقان ، ولا تداخل بينهما أيضاً ، لأنّ الإفناء حصل بغيرهما ، كأربعة وستّة بينهما موافقة بالنّصف ، لأنّك إذا سلّطت الأربعة على السّتّة يبقى منهما اثنان ، سلّطهما على الأربعة مرّتين تفنى بهما ، فقد حصل الإفناء باثنين وهو عدد غير الأربعة والسّتّة ، فهما متوافقان بجزء الاثنين وهو النّصف .
وحكم المتوافقين : أن تضرب وفق أحدهما في كامل الآخر ، والحاصل أصل المسألة .
وإن كانا مختلفين لا يفنى أكثرهما بأقلّهما ولا بعدد ثالث ، بأن لم يفنهما إلاّ الواحد كما في القسم الرّابع فهما متباينان ، ولا تداخل بينهما أيضاً كثلاثة وأربعة ، لأنّك إذا أسقطت الثّلاثة من الأربعة يبقى واحد ، فإذا سلّطته على الثّلاثة فنيت به . وحكم المتباينين أنّك تضرب أحد العددين في الآخر . والتّفصيل في باب حساب الفرائض ، وينظر مصطلح : ( إرث ) .
تدارك *
التّعريف :
1 - التّدارك : مصدر تدارك ، وثلاثيّه : درك ، ومصدره الدّرك بمعنى : اللّحاق والبلوغ . ومنه الاستدراك وللاستدراك في اللّغة استعمالان :
الأوّل : أن يتستدرك الشّيء بالشّيء .
الثّاني : أن يتلافى ما فرّط في الرّأي أو الأمر من الخطأ أو النّقص .
وللاستدراك في الاصطلاح معنيان أيضاً :
الأوّل ، للأصوليّين والنّحويّين : وهو رفع ما يتوهّم ثبوته ، أو إثبات ما يتوهّم نفيه .
والثّاني : يرد في كلام الفقهاء : وهو إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل أو قصور أو فوات . وقد ورد في كلام الفقهاء التّعبير بالتّدارك في موضع الاستدراك ، الّذي هو بمعنى فعل الشّيء المتروك بعد محلّه ، سواء أترك سهواً أم عمداً ، ومن ذلك قول الرّمليّ : إذا سلّم الإمام من صلاة الجنازة ، تدارك المسبوق باقي التّكبيرات بأذكارها .
وقوله : لو نسي تكبيرات صلاة العيد فتذكّرها قبل ركوعه ، أو تعمّد تركها بالأولى - وشرع في القراءة وإن لم يتمّ فاتحته - فاتت في الجديد فلا يتداركها .
ومن ذلك أيضاً ما ذكره البهوتيّ ، من أنّه لو دفن الميّت قبل الغسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه ، وأن يخرج ويغسّل ، تداركاً لواجب غسله .
وعلى هذا يمكن تعريف التّدارك في الاصطلاح الفقهيّ بأنّه : فعل العبادة ، أو فعل جزئها إذا ترك المكلّف فعل ذلك في محلّه المقرّر شرعاً ما لم يفت .
وبالتّتبّع وجدنا الفقهاء لا يطلقون التّدارك إلاّ على ما كان استدراكاً في العبادة .
الألفاظ ذات الصّلة :
2 - منها القضاء والإعادة والاستدراك ، وكذلك الإصلاح في اصطلاح المالكيّة وقد سبق بيان معانيها ، والتّفريق بينها وبين التّدارك في مصطلح ( استدراك ) .
الحكم التّكليفيّ :
3 - الأصل أنّ تدارك ركن العبادة المفروضة فرض ، وذلك إن فات الرّكن لعذر - كنسيان أو جهل - مع القدرة عليه ، أو فعل على وجه غير مجزئ .
ولا يحصل الثّواب المرتّب على الرّكن مع تركه ، لعدم الامتثال .
ولا تصحّ العبادة إلاّ بالتّدارك . فإن لم يتدارك الرّكن في الوقت الّذي يمكن تداركه فيه فسدت العبادة ، ووجب الاستدراك باستئناف العبادة أو قضائها ، بحسب اختلاف الأحوال . وأمّا تدارك الواجبات والسّنن ففيه تفصيل . ويتّضح ذلك من الأمثلة المختلفة ،وبها يتبيّن الحكم .
التّدارك في الوضوء :
أ - التّدارك في أركان الوضوء :
4 - أركان الوضوء يتحتّم الإتيان بها ، فإن ترك غسل عضو من الثّلاثة أو جزءاً منه ، أو ترك مسح الرّأس ، فإنّه لا بدّ من تداركه ، بالإتيان بالفائت من غسل أو مسح ثمّ الإتيان بما بعده ، فمن نسي غسل اليدين ، وتذكّره بعد غسل الرّجلين ، لم يصحّ وضوءه حتّى يعيد غسل اليدين ويمسح برأسه ويغسل رجليه .
وهذا على قول من يجعل التّرتيب فرضاً في الوضوء ، وهم الشّافعيّة ، وعلى القول المقدّم عند الحنابلة . أمّا من أجازوا الوضوء دون ترتيب ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، فيجزئ عندهم التّدارك بغسل المتروك وحده . وإعادة ما بعده مستحبّ ، وليس واجباً .
ولو ترك غسل اليمنى من اليدين أو الرّجلين ، وتذكّره بعد غسل اليسرى ، أجزأه غسل اليمنى فقط ، ولا يلزمه غسل اليسرى اتّفاقاً ، لأنّهما بمنزلة عضو واحد .
وإنّما يجزئ التّدارك بالإتيان بالفائت وما بعده ، أو بالفائت وحده - على القولين المذكورين - إن لم تفت الموالاة عند من أوجبها ، فإن طال الفصل ، وفاتت الموالاة ، فلا بدّ من إعادة الوضوء كلّه . أمّا من لم يوجب الموالاة - وذلك مذهب الحنفيّة والشّافعيّة - فإنّه يجزئ عندهم التّدارك بغسل الفائت وحده . وفي المسألة تفصيلات يرجع إليها في ( وضوء ) .
ب - التّدارك في واجبات الوضوء :
5 - ليس للوضوء ولا للغسل واجبات عند بعض الفقهاء .
ومن واجبات الوضوء عند الحنابلة مثلاً التّسمية في أوّله - وليست ركناً في الوضوء عندهم - قالوا : وتسقط لو تركها سهواً . وإن ذكرها في أثناء الوضوء سمّى وبنى ، أي فلا يلزمه الاستئناف . قالوا : لأنّه لمّا عفي عنها مع السّهو في جملة الطّهارة ، ففي بعضها أولى . وهو المذهب خلافاً لما صحّحه في الإنصاف .
ج - التّدارك في سنن الوضوء :
6 - أمّا سنن الوضوء فقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بعدم مشروعيّة تداركها إذا فات محلّها . فيرى المالكيّة أنّ سنّة الوضوء يطالب بإعادتها لو نكّسها سهواً أو عمداً ، طال الوقت أو قصر . أمّا لو تركها بالكلّيّة عمداً أو سهواً - وذلك منحصر عندهم في المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين - قال الدّردير : يفعلها استناناً دون ما بعدها طال التّرك أو لا . وإنّما لم تجب إعادة ما بعده لندب ترتيب السّنن في نفسها ، أو مع الفرائض .
والمندوب - كما قال الدّسوقيّ - إذا فات لا يؤمر بفعله لعدم التّشديد فيه ، وإنّما يتداركها لما يستقبل من الصّلوات ، لا إن أراد مجرّد البقاء على طهارة ، إلاّ أن يكون بالقرب ، أي بحضرة الماء وقبل فراغه من الوضوء .
وكذلك عند الشّافعيّة : لو قدّم مؤخّراً ، كأن استنشق قبل المضمضة - وهما عندهم سنّتان - قال الرّمليّ : يحتسب ما بدأ به ، وفات ما كان محلّه قبله على الأصحّ في الرّوضة ، خلافاً لما في المجموع ، أي فلا يتداركه بعد ذلك ، وهذا قولهم في سنن الوضوء بصفة عامّة ، فيحسب منها ما أوقعه أوّلاً ، فكأنّه ترك غيره ، فلا يعتدّ بفعله بعد ذلك .
لكن في التّسمية في أوّل الوضوء - وهي سنّة عندهم - قالوا : إن تركها عمداً أو سهواً - أو في أوّل طعام أو شراب كذلك - يأتي بها في أثنائه تداركاً لما فاته ، فيقول : بسم اللّه أوّله وآخره ، ولا يأتي بها بعد فراغه من الوضوء ، بخلاف الأكل ، فإنّه يأتي بها بعده . وشبيه بهذا ما عند الحنفيّة . حيث قالوا : لو نسيها ، فسمّى في خلال الوضوء لا تحصل السّنّة ، بل المندوب ، فيأتي بها لئلاّ يخلو وضوءه منها . وأمّا في الطّعام فتحصل السّنّة في باقيه . وهل تكون التّسمية أثناءه استدراكاً لما فات ، فتحصل فيه ، أم لا تحصل ؟ .
قال شارح المنية : الأولى أنّها استدراك ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أكل أحدكم فلْيذكر اسم اللّه تعالى ، فإن نسي أن يذكرَ اسمَ اللّه في أوّله فليقل : بسم اللّه أوّله وآخره » .وقال ابن عابدين : إذا قال في الوضوء بسم اللّه أوّله وآخره ، حصل استدراك السّنّة أيضاً، بدلالة النّصّ .
7- أمّا المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند الحنابلة ففعلهما فرض ، لأنّ الفم والأنف من أجزاء الوجه ، وليسا من سنن الوضوء ، ولذا فلا يجب التّرتيب فيما بينهما .
ويجب أن يتدارك المضمضة بعد الاستنشاق ، أو بعد غسل الوجه ، وحتّى بعد غسل سائر الأعضاء ، إلاّ أنّه إن تذكّرهما بعد غسل اليدين تداركهما وغسل ما بعدهما كما تقدّم .
التّدارك في الغسل :
8 - التّرتيب والموالاة في الغسل غير واجبين عند جمهور الفقهاء .
وقال اللّيث : لا بدّ من الموالاة . واختلف فيه عن الإمام مالك ، والمقدّم عند أصحابه : وجوب الموالاة ، وفيه وجه لأصحاب الإمام الشّافعيّ . فعلى قول الجمهور : إذا توضّأ مع الغسل لم يلزم التّرتيب بين أعضاء الوضوء . من أجل ذلك فإنّه لو ترك غسل عضو أو لمعة من عضو ، سواء أكان في أعضاء الوضوء أم في غيرها ، تدارك المتروك وحده بعد ، طال الوقت أو قصر ، ولو غسل بدنه إلاّ أعضاء الوضوء تداركها ، ولم يجب التّرتيب بينها . ومن أجل ذلك قال الشّافعيّة : لو ترك الوضوء في الغسل ، أو المضمضة أو الاستنشاق كره له ، ويستحبّ له أن يأتي به ولو طال الفصل دون إعادة للغسل .
ويجب تداركهما عند الحنفيّة والحنابلة ، إذ هما واجبان في الغسل عندهم ، بخلافهما في الوضوء ، فهما فيه سنّة عند الحنفيّة ، وليسا بواجبين .
تدارك غسل الميّت :
9 - عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة لو دفن الميّت دون غسل ، وقد أمكن غسله ، لزم نبشه وأن يخرج ويغسّل ، تداركاً لواجب غسله . أي ما لم يخش تغيّره ، كما صرّح به المالكيّة والشّافعيّة . وكذلك تكفينه والصّلاة عليه يجب تداركهما بنبشه . قال الدّردير : وتدورك ندباً بالحضرة - وهي ما قبل تسوية التّراب عليه - ومثال المخالفة الّتي تتدارك : تنكيس رجليه موضع رأسه ، أو وضعه غير مستقبل القبلة ، أو على ظهره ، وكترك الغسل ، أو الصّلاة عليه ، ودفن من أسلم بمقبرة الكفّار ، فيتدارك إن لم يخف عليه التّغيّر .
أمّا عند الحنفيّة : فلا ينبش الميّت إذا أهيل عليه التّراب لحقّ اللّه تعالى ، كما لو دفن دون غسل أو صلاة ، ويصلّى على قبره دون غسل .
التّدارك في الصّلاة :
10 - إذا ترك المصلّي شيئاً من صلاته ، أو فعله على وجه غير مجزئ ، فإنّ في مشروعيّة تداركه تفصيلاً :
أ - تدارك الأركان :
11 - إن كان المتروك ركناً ، وكان تركه عمداً ، بطلت صلاته حالاً لتلاعبه . وإن تركه سهواً أو شكّ في تركه وجب تداركه بفعله ، وإلاّ لم تصحّ الرّكعة الّتي ترك ركناً منها ، فإنّ الرّكن لا يسقط عمداً ولا سهواً ولا جهلاً ولا غلطاً ، ويعيد ما بعد المتروك لوجوب التّرتيب . وفي كيفيّة تداركه اختلاف وتفصيل بين أصحاب المذاهب يرجع إليه في ( أركان الصّلاة وسجود السّهو ) . وقد يشرع سجود السّهو مع تداركه ، على ما في سجود السّهو من الخلاف ، في كونه واجباً أو مستحبّاً على ما هو مفصّل في سجود السّهو .
ب - تدارك الواجبات :
12 - ليس عند المالكيّة والشّافعيّة واجبات للصّلاة غير الأركان .
وعند الحنفيّة واجبات الصّلاة لا تفسد الصّلاة بتركها ، بل يجب سجود السّهو إن كان تركه سهواً ، وتجب إعادتها إن كان عمداً مع الحكم بإجزاء الأولى .
أمّا عند الحنابلة : فواجبات الصّلاة - كالتّشهّد الأوّل ، والتّكبير للانتقال ، وتسبيح الرّكوع والسّجود - فإن ترك شيئاً من ذلك عمداً بطلت صلاته . وإن تركه سهواً ثمّ تذكّره ، فإنّه يجب تداركه ما لم يفت محلّه ، بانتقاله بعده إلى ركن مقصود ، إذ لا يعود بعده لواجب . فيرجع إلى تسبيح ركوع قبل اعتدال لا بعده ، ويرجع إلى التّشهّد الأوّل ما لم يشرع في قراءة الرّكعة الثّالثة . ثمّ إن فات محلّ الواجب - كما لو شرع في القراءة من ترك التّشهّد الأوّل - لم يجز الرّجوع إليه . وفي كلا الحالين يجب سجود السّهو .
ت - تدارك سنن الصّلاة :
13 - السّنن لا تبطل الصّلاة بتركها ولو عمداً ، ولا تجب الإعادة ، وإنّما حكم تركها : كراهة التّنزيه ، كما صرّح به الحنفيّة .
وعند المالكيّة : إن نسي سنّةً من سنن الصّلاة يستدركها ما لم يفت محلّها ، فلو ترك التّشهّد الأوسط ، وتذكّر قبل مفارقته الأرض بيديه وركبتيه ، يرجع للإتيان به ، وإلاّ فقد فات .
وأمّا السّجود للسّهو بترك سنّة ، فعندهم في ذلك تفصيلات يرجع إليها في( سجود السّهو ). والسّنن عند الشّافعيّة نوعان : نوع هو أبعاض يشرع سجود السّهو لتركها عمداً أو سهواً ، كالقنوت ، وقيامه ، والتّشهّد الأوّل ، وقعوده ،والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه. ونوع لا يشرع السّجود لتركه ، كأذكار الرّكوع والسّجود ، فإن سجد لشيء منها عامداً بطلت صلاته ، لأنّه زاد على الصّلاة من جنس أفعالها ما ليس منها ، إلاّ أن يعذر بجهله .
وعلى كلّ حال فلا يتدارك شيء من ذلك عندهم إذا فات محلّه ، كالاستفتاح إذا شرع في القراءة . وكذا عند الحنابلة لا تتدارك السّنن إذا فات محلّها ، كما إذا ترك الاستفتاح حتّى تعوّذ ، أو ترك التّعوّذ حتّى بسمل ، أو ترك البسملة حتّى شرع في القراءة ، أو ترك التّأمين حتّى شرع في السّورة . لكن إن لم يكن استعاذ في الأولى عمداً أو نسياناً يستعيذ في الرّكعة الثّانية . وليس ذلك من باب تدارك التّعوّذ الفائت ، ولكن إنّما يستعيذ للقراءة الثّانية .
وكما لا تتدارك السّنن إذا فات محلّها ، فكذلك لا يشرع السّجود لترك شيء منها سهواً أو عمداً ، قوليّةً كانت أو فعليّةً ، وإن سجد لذلك فلا بأس .
ث - تدارك المسبوق ما فاته من الصّلاة مع الجماعة :
14 - من جاء متأخّراً عن تكبيرة الإحرام ، فدخل مع الإمام ، لا يتدارك ما فاته من الرّكعة معه إن أدركه قبل الرّفع من الرّكوع ، فإن أدركه في الرّفع من الرّكوع أو بعد ذلك فاتته الرّكعة ووجب عليه تداركها .
وفي ذلك تفصيل وأحكام مختلفة تنظر في صلاة الجماعة ( صلاة المسبوق ) .
ج - تدارك سجود السّهو :
15 - لو نسي من سها في صلاته ، ثمّ انصرف من غير أن يسجد للسّهو حتّى سلّم ، ثمّ تذكّره عن قرب ، يتداركه . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في باب ( سجود السّهو ) .
ح - تدارك النّاسي للتّكبير في صلاة العيد :
16 - إذا نسي تكبيرات صلاة العيد حتّى شرع في القراءة ، فاتت فلا يتداركها في الرّكعة نفسها ، لأنّها سنّة فات محلّها ، كما لو نسي الاستفتاح أو التّعوّذ ، وهذا قول الشّافعيّة والحنابلة . ولأنّه إن أتى بالتّكبيرات ثمّ عاد إلى القراءة ، فقد ألغى القراءة الأولى ، وهي فرض يصحّ أن يعتدّ به ، وإن لم يعد إلى القراءة فقد حصلت التّكبيرات في غير محلّها .
لكن عند الشّافعيّة - كما قال الشبراملسي - يسنّ إذا نسي تكبيرات الرّكعة الأولى أن يتداركها في الرّكعة الثّانية مع تكبيراتها ، كما في قراءة سورة ( الجمعة ) في الرّكعة الأولى من صلاة الجمعة ، فإنّه إذا تركها فيها سنّ له أن يقرأها مع سورة ( المنافقون ) في الرّكعة الثّانية . وعند الحنفيّة : يتدارك التّكبيرات إذا نسيها ، سواء أذكرها أثناء القراءة أم بعد القراءة أثناء الرّكوع . فإن نسيها حتّى رفع رأسه من الرّكوع فاتت فلا يكبّر .
غير أنّه إن ذكر أثناء قراءة الفاتحة وبعدها ، قبل أن يضمّ إليها السّورة ، يعيد بعد التّكبير قراءة الفاتحة وجوباً ، وإن ذكر بعد ضمّ السّورة كبّر ولم يعد القراءة ، لأنّ القراءة تمّت فلا يحتمل النّقض . وقول المالكيّة في هذه المسألة قريب من قول الحنفيّة ، فإنّهم يقولون : إنّ ناسي التّكبير كلّاً أو بعضاً يكبّر حيث تذكّر في أثناء القراءة أو بعدها ما لم يركع . ويعيد القراءة استحباباً ، ويسجد للسّهو ، لأنّ القراءة الأولى وقعت في غير محلّها . فإن ركع قبل أن يتذكّر التّكبير تمادى لفوات محلّ التّدارك ، ولا يرجع للتّكبير ، فإن رجع فالظّاهر البطلان.
خ - تدارك المسبوق تكبيرات صلاة العيد :
17 - عند الحنفيّة يتدارك المسبوق ما فاته من تكبيرات صلاة العيد ، فيكبّر للافتتاح قائماً ، فإن أمكنه أن يأتي بالتّكبيرات ويدرك الرّكوع فعل ، وإن لم يمكنه ركع ، واشتغل بالتّكبيرات وهو راكع عند أبي حنيفة ومحمّد ، خلافاً لأبي يوسف ، وإن رفع الإمام رأسه سقط عنه ما بقي من التّكبير ، وإن أدركه بعد رفع رأسه قائماً لا يأتي بالتّكبير ، لأنّه يقضي الرّكعة مع تكبيراتها . وعند المالكيّة : يتداركها إن أدرك القراءة مع الإمام ، لا إذا أدركه راكعاً . ثمّ إن أدركه في أثناء التّكبيرات يتابع الإمام فيما أدركه معه ، ثمّ يأتي بما فاته .
ولا يكبّر ما فاته خلال تكبير الإمام . وإن أدركه في القراءة كبّر أثناء قراءة الإمام .
وعند الشّافعيّة في الجديد ، والحنابلة : إن حضر المأموم ، وقد سبقه الإمام بالتّكبيرات أو ببعضها ، لم يتدارك شيئاً ممّا فاته ، لأنّه ذكر مسنون فات محلّه .
وفي القديم عند الشّافعيّة يقضي ،لأنّ محلّه القيام وقد أدركه . قال الشّيرازيّ : وليس بشيء.
التّدارك في الحجّ :
أ - التّدارك في الإحرام :
18 - إن تجاوز الّذي يريد الحجّ الميقات دون أن يحرم ، فعليه دم إن أحرم من مكانه .
لكن إن تدارك ما فاته بالرّجوع إلى الميقات والإحرام منه فلا دم عليه .
وهذا باتّفاق إن رجع قبل أن يحرم ، أمّا إن أحرم من مكانه دون الميقات ، ثمّ رجع إليه ، فقد قيل : يستقرّ الدّم عليه ولا ينفعه التّدارك . وقيل : ينفعه .
وفي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( إحرام ) .
ب - التّدارك في الطّواف :
19 - إن ترك جزءاً من الطّواف المشروع ، كما لو طاف داخل الحِجْر بعض طوافه ، لم يصحّ حتّى يأتي بما تركه ، قال الحنابلة وبعض الشّافعيّة : في وقت قريب ، لاشتراط الموالاة بين الطّوافات .
ولم يشترط البعض الموالاة ، وممّن قال ذلك : سائر الشّافعيّة ، بل هو عندهم مستحبّ . ونصّ الشّافعيّة على أنّه إن شكّ في شيء من شروط حجّه يجب التّدارك ما لم يتحلّل ، ولا يؤثّر الشّكّ بعد الفراغ .
وعند الحنفيّة غير ابن الهمام : الفرض في الطّواف أكثره - وهو أربع طوفات - وما زاد واجب ، أمّا عند ابن الهمام فالسّبع كلّها فرض ، كقول جمهور الفقهاء . وعلى قول جمهور الحنفيّة إن ترك ثلاث طوفات من طواف الزّيارة أو أقلّ صحّ طوافه لفرضه ، وعليه دم لما نقص من الواجب . لكن إن تدارك فطاف الأشواط الباقية صحّ وسقط عنه الدّم ، ولو كان طوافه بعد فترة ، بشرط أن يكون إيقاع الطّوفات المتمّمة قبل آخر أيّام التّشريق .
وإن ترك الحاجّ طواف القدوم ، أو تبيّن أنّه طاف للقدوم على غير طهارة ، فلا يلزمه التّدارك عند الجمهور ، لأنّه مستحبّ غير واجب بالنّسبة للمفرد ، قال الشّافعيّة : وفي فواته بالتّأخير - أي عن قدوم مكّة - وجهان ، أصحّهما : لا يفوت إلاّ بالوقوف بعرفة ، وإذا فات فلا يقضى . على أنّه ينبغي ملاحظة أنّ من ترك طواف القدوم ، أو طافه ولم يصحّ له ، كأن طافه محدثاً ولم يتداركه ، فعليه إعادة السّعي عند كلّ من شرط لصحّة السّعي أن يتقدّمه الطّواف ، وقد صرّح بذلك المالكيّة ( ر : سعي ) .
وقال الحنفيّة : إن طاف للقدوم ، أو تطوّعاً على غير طهارة ، فعليه دم إن كان جنباً ، لوجوب الطّواف بالشّروع فيه ، وإن كان محدثاً فعليه صدقة لا غير . ويمكنه التّدارك بإعادة الطّواف ، فيسقط عنه الدّم أو الصّدقة . والحكم عند الحنفيّة كذلك في طواف الوداع . أمّا الرّمل والاضطباع في الطّواف فهما سنّتان في حقّ الرّجال ، في الأشواط الثّلاثة الأولى من طواف القدوم خاصّةً ، فلو تركهما فلا شيء عليه ، ولا يشرع له تداركهما ، ومثلهما ترك الرّمل بين الميلين ( الأخضرين ) في السّعي بين الصّفا والمروة . وهذا مذهب الحنابلة ، وهو الأصحّ أو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو ظاهر كلام الحنفيّة ، قال ابن الهمام : إن ترك الرّمل في أشواط الطّواف الأولى لا يرمل بعد ذلك . وقال المالكيّة ، وهو قول خلاف الأظهر عند الشّافعيّة ، وقول القاضي من الحنابلة : أنّه يقضي الاضطباع في طواف الإفاضة .
ت - التّدارك في السّعي :
20 - الحاجّ المفرد إن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه تدارك السّعي ، فيسعى بعد طواف الإفاضة ولا بدّ ، وإلاّ لم يصحّ حجّه عند الجمهور ، لأنّ السّعي عندهم ركن .
وهو عند الحنفيّة ، وفي قول القاضي من الحنابلة : واجب فقط ، فإن لم يتداركه يجبر بدم وحجّه تامّ . وهذا إن كان المتروك السّعي كلّه أو أكثره ، فإن كان المتروك ثلاثة أشواط أو أقلّ فليس عليه عند الحنفيّة إلاّ التّصدّق بنصف صاع عن كلّ شوط ، وكلّ هذا عندهم إن كان التّرك بلا عذر ، فإن كان بعذر فلا شيء عليه ، وهذا في جميع واجبات الحجّ .
ولو سعى بين الصّفا والمروة فترك بعض الأشواط عمداً أو نسياناً ، أو ترك في بعضها أن يصل إلى الصّفا أو إلى المروة لم يصحّ سعيه ، ولو كان ما تركه ذراعاً واحداً ، وعليه أن يتدارك ما فاته ، ويمكن التّدارك بالإتيان بالبعض الّذي تركه ولو بعد أيّام .
ولا يلزمه إعادة السّعي كلّه ، لأنّ الموالاة غير مشترطة فيه بخلاف الطّواف بالبيت .
وقيل : هي مشترطة في السّعي أيضاً ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .
ومثل ذلك : ما لو سعى مبتدئاً بالمروة ، فإنّ الشّوط الأوّل لا يعتبر ، لأنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ قول اللّه تعالى : { إنَّ الصَّفَا والمروةَ منْ شعائرِ اللّهِ } الآية ثمّ قال : نبدأ بما بدأ اللّه به » وفي رواية « ابدءوا بما بدأ اللّه به » .
ث - الخطأ في الوقوف :
21 - إذا وقف الحجيج يوم العاشر من شهر ذي الحجّة ، وتبيّن خطؤهم ، فالحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة أنّه أجزأهم الوقوف ولا يعيدون ، دفعاً للحرج الشّديد ، وقال الشّافعيّة : إنّه يجزئهم الوقوف إلاّ أن يقلّوا على خلاف العادة في الحجيج ، فيقضون هذا الحجّ في الأصحّ ، لأنّه ليس في قضائهم مشقّة عامّة .
أمّا إذا وقفوا في اليوم الثّامن ، ثمّ علموا بخطئهم ، وأمكنهم التّدارك قبل الفوات ، أعادوا عند الجمهور ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية أيضاً عند الحنابلة ) والرّواية الأخرى عند الحنابلة أنّه يجزئهم الوقوف دون تدارك ، لأنّهم لو أعادوا الوقوف لتعدّد ، وهو بدعة ، كما قال الشّيخ ابن تيميّة .
أمّا لو علموا بخطئهم ، بحيث لا يمكنهم التّدارك ، للفوات ، فالحكم في المعتمد عند المالكيّة ، والأصحّ عند الشّافعيّة : أنّه لا يجزئهم هذا الوقوف ، ويجب عليهم القضاء لهذا الحجّ . وفرّقوا بين تأخير العبادة عن وقتها وتقديمها عليه بأنّ التّأخير أقرب إلى الاحتساب من التّقديم ، وبأنّ اللّفظ في التّقديم يمكن الاحتراز عنه ، لأنّه يقع الغلط في الحساب ، أو الخلل في الشّهود الّذين شهدوا بتقديم الهلال ، والغلط بالتّأخير قد يكون بالغيم المانع من رؤية الهلال ، ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه . وهذا أحد التّخريجين عن الحنفيّة .
وعند الحنابلة ، وهو التّخريج الآخر عند الحنفيّة : أنّه يجزئهم ، ولا قضاء عليهم ، لأنّ الوقوف مرّتين في عام واحد بدعة - كما يقول الحنابلة - ولأنّ القول بعدم الإجزاء فيه حرج بيّن - كما يقول الحنفيّة - .
ج - التّدارك في وقوف عرفة :
22 - لو ترك الحاجّ الوقوف بعرفة عمداً أو نسياناً أو جهلاً حتّى طلع فجر يوم النّحر لم يصحّ حجّه ، فلا يمكن التّدارك بعد ذلك ، وعليه أن يحلّ بعمرة .
ولو وقف نهاراً ، ثمّ دفع قبل الغروب ، فقد أتى بالرّكن ، وترك واجب الوقوف في جزء من اللّيل ، فيكون عليه دم وجوباً عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة .
لكنّ الرّاجح عند الشّافعيّة استحباب إراقة الدّم ، لأنّ أخذ جزء من اللّيل على هذا القول سنّة لا غير ، وإنّما يستحبّ الدّم خروجاً من خلاف من أوجبه .
ولو تدارك ما فاته بالرّجوع إلى عرفة قبل غروب الشّمس ، وبقي إلى ما بعد الغروب سقط عنه الدّم اتّفاقاً . ولو رجع بعد الغروب وقبل طلوع الفجر سقط عنه الدّم عند الجمهور ، خلافاً للحنفيّة ، لأنّ الدّم عندهم لزمه بالدّفع من عرفة ، فلا يسقط بالرّجوع إليها .
أمّا عند المالكيّة فلا يدفع الحاجّ من عرفة إلاّ بعد غروب الشّمس ، فإن دفع قبل الغروب فعليه العود ليلاً ( تداركاً ) وإلاّ بطل حجّه .
ح - تدارك الوقوف بالمزدلفة :
23 - عند الشّافعيّة والحنابلة الوجود بمزدلفة واجب ولو لحظةً ، بشرط أن يكون ذلك في النّصف الثّاني من اللّيل بعد الوقوف بعرفة ، ولا يشترط المكث ، بل يكفي مجرّد المرور بها. ومن دفع من مزدلفة قبل منتصف اللّيل ، وعاد إليها قبل الفجر فلا شيء عليه ، لأنّه أتى بالواجب ، فإن لم يعد بعد نصف اللّيل حتّى طلع الفجر فعليه دم على الأرجح .
أمّا عند الحنفيّة : فيجب الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس ، وعليه أن يقف في ذلك الوقت ولو لحظةً ، فإن ترك الوقوف لعذر فلا شيء عليه ، والعذر كأن يكون به ضعف أو علّة أو كانت امرأة تخاف الزّحام ، وإن أفاض من مزدلفة قبل ذلك لا لعذر فعليه دم . وظاهر أنّه إن تدارك الوقوف بالرّجوع إلى مزدلفة قبل طلوع الشّمس سقط عنه الدّم . وعند المالكيّة : النّزول بمزدلفة بقدر حطّ الرّحال - وإن لم تحطّ بالفعل - واجب ، فإن لم ينزل بها بقدر حطّ الرّحال حتّى طلع الفجر فالدّم واجب عليه إلاّ لعذر ، فإن ترك النّزول لعذر فلا شيء عليه .
خ - تدارك رمي الجمار :
24 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من ترك رمي يوم أو يومين - عمداً أو سهواً - تداركه في باقي أيّام التّشريق على الأظهر ، ويكون ذلك أداءً ، وفي قول قضاءً ، ولا دم مع التّدارك . ومذهب الحنفيّة : أنّ من أخّر الرّمي في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق إلى اللّيل ، فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه ، لأنّ اللّيل وقت للرّمي في أيّام الرّمي . وأمّا رمي جمرة العقبة ، فمذهب أبي حنيفة أنّه يمتدّ إلى غروب الشّمس ، فإن لم يرم حتّى غربت الشّمس ، فرمى قبل طلوع الفجر من اليوم الثّاني أجزأه ، ولا شيء عليه .
ومذهب المالكيّة : أنّ تأخير الرّمي إلى اللّيل يكون تداركه قضاءً ، وعليه دم واحد .
د - تدارك طواف الإفاضة :
25 - مذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة : أنّ من طاف بعد عرفة طوافاً صحيحاً - سواء أكان واجباً أم نفلاً - وقع عن طواف الإفاضة وإن لم ينوه .
أمّا من ترك الطّواف بعد عرفة ، وخرج إلى بلده ، فعليه أن يرجع محرماً ليطوف طواف الإفاضة ، ويبقى محرماً بالنّسبة إلى النّساء حتّى يطوف طوافاً صحيحاً .
وهناك تفصيلات في بعض المذاهب يرجع إليها في الحجّ . ومذهب الحنابلة : أنّه من ترك طواف الإفاضة ، لكنّه طاف طواف الصّدر ( الوداع ) أو طواف نفل ، وقع الطّواف عمّا نواه ، ولا يقع عن طواف الإفاضة ، حتّى لو رجع إلى بلده بعد هذا الطّواف عليه أن يرجع محرماً ، ليطوف طواف الإفاضة لأنّه ركن ، ويبقى محرماً أيضاً بالنّسبة إلى النّساء .
ذ - تدارك طواف الوداع :
26 - طواف الوداع واجب على غير الحائض يجبر تركه بدم ، ولو كان تركه لنسيان أو جهل ، وهذا قول الحنابلة ، وهو أحد قولي الشّافعيّة .
والثّاني عندهم : هو سنّة لا يجب جبره ، فعلى قول الوجوب قال الشّافعيّة والحنابلة : إن خرج بلا وداع وجب عليه الرّجوع لتداركه إن كان قريباً ، أي دون مسافة القصر ، فإن عاد قبل مسافة القصر فطاف للوداع سقط عنه الإثم والدّم ، وإن تجاوز مسافة القصر استقرّ عليه الدّم ، فلو تداركه بعدها لم يسقط الدّم ، وقيل : يسقط .
وعند الحنفيّة : طواف الوداع واجب ، ويجزئ عنه ما لو طاف نفلاً بعد إرادة السّفر ، فإن سافر ولم يكن فعل ذلك وجب عليه الرّجوع لتداركه ما لم يجاوز الميقات ، فيخيّر بين إراقة الدّم وبين الرّجوع بإحرام جديد بعمرة ، فيبتدئ بطوافها ثمّ بطواف الوداع ، فإن فعل ذلك فلا شيء عليه لتأخيره .
وعند المالكيّة : طواف الوداع مندوب ، فلو تركه وخرج ، أو طافه طوافاً باطلاً يرجع لتداركه ما لم يخف فوت رفقته الّذين يسير بسيرهم ، أو خاف منعاً من الكراء أو نحو ذلك .
تدارك المجنون والمغمى عليه للعبادات :
أوّلاً - بالنّسبة للصّلاة :
27 - لا تدارك لما فات من صلاة حال الجنون أو الإغماء عند المالكيّة والشّافعيّة لعدم الأهليّة وقت الوجوب ، لقول النّبيّ . صلى الله عليه وسلم : « رفع القلم عن ثلاثة : عن النّائمِ حتّى يستيقظَ ، وعن الصّبيّ حتّى يشبّ ، وعن المعتوه حتّى يَعْقِل » .
وعند الحنفيّة إن جنّ أو أغمي عليه خمس صلوات - أو ستّاً على قول محمّد - قضاها ، وإن جنّ أو أغمي عليه أكثر من ذلك فلا قضاء عليه نفياً للحرج ، وقال بشر : الإغماء ليس بمسقط ، ويلزمه القضاء وإن طالت مدّة الإغماء .
وفرّق الحنابلة بين الجنون والإغماء ، فلم يوجبوا القضاء على ما فات حال الجنون ، وأوجبوه فيما فات حال الإغماء ، لأنّ الإغماء لا تطول مدّته غالباً ، ولما روي أنّ عمّاراً رضي الله عنه أغمي عليه ثلاثاً ، ثمّ أفاق فقال : هل صلّيتُ ؟ قالوا : ما صلّيتَ منذ ثلاث ، ثمّ توضّأ وصلّى تلك الثّلاث . وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهما نحوه ، ولم يعرف لهم مخالف ، فكان كالإجماع .
28 - ومن أدرك جزءاً من الوقت وهو أهل ثمّ جنّ أو أغمي عليه ، فإن كان ما أدركه لا يسع الفرض فلا يجب عليه القضاء عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة . وعند الحنابلة يجب عليه القضاء . وإن كان ما أدركه يسع الفرض فعند الحنفيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله ، فيستدعي الأهليّة فيه لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ، ولم يوجد ، فلم يكن عليه القضاء ، وهو أيضاً رأي المالكيّة خلافاً لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ ، حيث القضاء عندهم أحوط .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يجب عليه القضاء ،لأنّ الوجوب يثبت في أوّل الوقت فلزم القضاء. 29 - وإن أفاق المجنون أو المغمى عليه في آخر الوقت فللحنفيّة قولان :
أحدهما ، وهو قول زفر : لا يصبح مدركاً للفرض إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض .
والثّاني ، للكرخيّ وأكثر المحقّقين ، وهو المختار : أنّه يجب الفرض ويصير مدركاً إذا أدرك من الوقت ما يسع التّحريمة فقط ، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة .
وعند المالكيّة : يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة من زمن يسع الطّهر ، وهو قول بعض الشّافعيّة . وفي قول آخر للشّافعيّة : إذا بقي مقدار ركعة فقط .