عرض مشاركة واحدة
  #262  
قديم 05-19-2012, 07:14 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ثامناً : تخيير ملتقط اللّقطة بعد التّعريف بها :
30 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الملتقط مخيّر بين أن يتملّك ما التقطه وينتفع به ، أو يتصدّق به ، أو يحفظه أمانةً إلى أن يظهر صاحب اللّقطة فيدفعها إليه ، وهذا بعد التّعريف بها . وذهب الحنابلة والشّافعيّة في قول إلى أنّ الملتقط يملك ما التقطه حتماً - كالميراث - بمجرّد تمام التّعريف بها ، على التّفصيل المذكور في مصطلح : ( لقطة ) .
وفي الأصحّ عند الشّافعيّة ، وهو قول أبي الخطّاب من الحنابلة : أنّه لا يملك اللّقطة حتّى يختار التّملّك بلفظ صريح أو كناية مع النّيّة ، وفي وجه آخر عند الشّافعيّة : أنّه يملك بمجرّد النّيّة بعد التّعريف . ودليل التّملّك والانتفاع بمجرّد التّعريف ما جاء في روايات الحديث عن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله عنه قال : « جاء أعرابيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسأله عمّا يلتقطه فقال : عرّفها سنةً ، ثمّ اعرف عفاصها ووكاءها ، فإن جاء أحد يخبرك بها ، وإلاّ فاستنفقها » وفي أخرى : « وإلاّ فهي كسبيل مالك » وفي لفظ : « ثمّ كلها » وفي لفظ :
« فانتفع بها » وفي لفظ : « فشأنك بها »
31 - أمّا دليل أنّه لا يتملّك حتّى يختار فما ورد في حديث زيد بن خالد الجهنيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « فإن جاء صاحبها وإلاّ فشأنك بها » فجعله إلى اختياره ، ولأنّه تملّك ببدل فاعتبر فيه اختيار التّملّك كالملك بالبيع . وإنّما جاز للملتقط اختيار التّصدّق ، لأنّ فيه إيصالاً للحقّ إلى المستحقّ ، وهو واجب بقدر الإمكان ، فإمّا أن يكون بإيصال العين لصاحبها ، وإمّا أن يكون بإيصال العوض عند تعذّره ، وهو الثّواب على اعتبار إجازة صاحب اللّقطة التّصدّق بها . ولهذا كان له الخيار عند ظهوره بين إمضاء الصّدقة أو الرّجوع بالضّمان على الملتقط . وفي المسألة تفصيلات أخرى تنظر في ( لقطة ) .
تاسعاً : التّخيير في كفّارة اليمين :
32 - اتّفق الفقهاء على التّخيير في كفّارة اليمين بين أربع خصال : إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، أو عتق رقبة ، فإن لم يجد ما يكفّر به من هذه الثّلاثة - بأن عجز عن الإطعام والكسوة والعتق - صام ثلاثة أيّام .
فهي كفّارة على التّخيير في الثّلاثة الأولى ، وعلى التّرتيب بينها وبين الخصلة الرّابعة . والأصل في التّخيير في كفّارة اليمين قوله تعالى : { لا يُؤَاخِذُكُم اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُم ولكنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُم الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُه إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِين مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم أو كِسْوَتُهم أو تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ . فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أيَّامٍ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُم إذا حَلَفْتُم واحْفَظُوا أَيْمَانِكُم كذلك يُبَيِّنُ اللّهُ لكم آياتِه لعلَّكُم تَشْكُرُون } .
والمقصود بالتّخيير في كفّارة اليمين أنّ للمكفّر أن يأتي بأيّ خصلة شاء ، وأن ينتقل عنها إلى غيرها بحسب ما يراه ويميل إليه وما يراه الأسهل في حقّه ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى ما خيّره إلاّ لطفاً به . وهذا ما يفترق به التّخيير في كفّارة اليمين عن التّخيير في حدّ المحارب والتّصرّف بالأسرى حيث قيّدا بالمصلحة .
عاشراً : التّخيير بين القصاص والدّية والعفو :
33 - أجمع الفقهاء على أنّ وليّ الدّم مخيّر في الجناية على النّفس بين ثلاث خصال : فإمّا أن يقتصّ من القاتل ، أو يعفو عنه إلى الدّية أو بعضها ، أو أن يصالحه على مال مقابل العفو ، أو يعفو عنه مطلقاً .
ودليل ذلك قوله تعالى : { يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القَتْلَى الحُرُّ بالحُرِّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ له منْ أَخِيه شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ ذلك تَخْفِيْفٌ منْ رَبِّكُم وَرَحْمَة } الآية ، وقوله تعالى : { وكَتَبْنَا عليهم فيها أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ } إلى قوله { والجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ به فهو كَفَّارَةٌ له } الآية : أي كفّارة للعافي بصدقته على الجاني . وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النَّظَرَين : إمّا أن يودي ، وإمّا أن يقاد »
وعن أنس - رضي الله عنه - قال : « ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلاّ أمر فيه بالعفو » . وفي الحديث أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :
« إنّكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرّجل من هذيل ، وإنّي عاقله ، فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين : إمّا أن يقتلوا ، أو يأخذوا العقل » .
واختلف الفقهاء في توقّف تخيير وليّ الدّم في أخذ الدّية على رضا الجاني .
فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه لا يجوز أن يعفو وليّ الدّم إلى الدّية إلاّ برضا الجاني ، وأنّه ليس لوليّ الدّم جبر الجاني على دفع الدّية إذا سلّم نفسه للقصاص . وذهب الشّافعيّة في الأظهر ، والحنابلة في المعتمد إلى أنّ موجب القتل العمد هو القود ، وأنّ الدّية بدل عنه عند سقوطه . فإذا عفا عن القصاص واختار الدّية وجبت دون توقّف على رضا الجاني . وهو قول أشهب من المالكيّة . وفي قول آخر للشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة أنّ موجب القتل العمد هو القصاص أو الدّية أحدهما لا بعينه ، ويتخيّر وليّ الدّم في تعيين أحدهما .
34 - أمّا دليل الحنفيّة والمالكيّة فيما ذهبوا إليه فهو ما ورد من نصوص توجب القصاص ، كقوله تعالى : { يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القَتْلى } ممّا يعيّن القصاص. فهو إخبار عن كون القصاص هو الواجب ، وهذا يبطل القول بأنّ الدّية واجبة كذلك . ولمّا كان القتل لا يقابل بالجمع بين القصاص والدّية ، كان القصاص هو عين حقّ الوليّ ، والدّية بدل حقّه ، وليس لصاحب الحقّ أن يعدل من عين الحقّ إلى بدله من غير رضا من عليه الحقّ ، ولهذا لا يجوز اختيار الدّية من غير رضا القاتل .
وأمّا دليل الشّافعيّة والحنابلة فهو ما تقدّم من أدلّة جواز العفو إلى الدّية ، وقوله تعالى :
{ فَمَنْ عُفِيَ له منْ أخِيه شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ } فأوجب سبحانه على القاتل أداء الدّية إلى الوليّ مطلقاً عن شرط الرّضا ، دفعاً للهلاك عن نفسه .
ولمّا كان المقصود من تشريع القصاص والدّية هو الزّجر ، فكان ينبغي الجمع بينهما ، كما في شرب خمر الذّمّيّ ، إلاّ أنّه تعذّر الجمع ، لأنّ الدّية بدل النّفس ، وفي القصاص معنى البدليّة كما في قوله تعالى : { أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ } والباء تفيد البدليّة ، فيؤدّي إلى الجمع بين البدلين ، وهو غير جائز ، فخيّر وليّ الدّم بينهما .

تداخل *
التّعريف :
1 - التّداخل في اللّغة : تشابه الأمور والتباسها ودخول بعضها في بعض .
وفي الاصطلاح : دخول شيء في شيء آخر بلا زيادة حجم ومقدار . وتداخل العددين أن يعدّ أقلّهما الأكثر ، أي يفنيه ، مثل ثلاثة وتسعة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاندراج :
2 - الاندراج مصدر اندرج ، ومن معانيه في اللّغة : الانقراض . ويستعمله الفقهاء بمعنى دخول أمر في أمر آخر أعمّ منه ، كالحدث الأصغر مع الجنابة في الطّهارة .
ب - التّباين :
3 - معنى التّباين في اللّغة : التّهاجر والتّباعد . وفي الاصطلاح : عبارة عمّا إذا نسب أحد الشّيئين إلى الآخر لم يصدق أحدهما على شيء ممّا صدق عليه الآخر ، فإن لم يتصادقا على شيء أصلاً فبينهما التّباين الكلّيّ ، وإن صدقا في الجملة فبينهما التّباين الجزئيّ . كالحيوان والأبيض وبينهما العموم من وجه . والفرق بينه وبين التّداخل واضح ، إذ التّداخل إنّما يكون في الأمور المتشابهة والمتقاربة ، أمّا التّباين فيكون في الأمور المتفاوتة كلّيّاً أو جزئيّاً .
ج - التّماثل :
4 - التّماثل : مصدر تماثل ، ومادّة مثل في اللّغة تأتي بمعنى الشّبه ، وبمعنى نفس الشّيء وذاته. والفقهاء يستعملون التّماثل بمعنى التّساوي ، كما في تماثل العددين في مسائل الإرث.
د - التّوافق :
5 - معنى التّوافق في اللّغة : الاتّفاق والتّظاهر .
وتوافق العددين : ألاّ يعدّ أقلّهما الأكثر ، ولكن يعدّهما عدد ثالث ، كالثّمانية مع العشرين ، يعدّهما أربعة ، فهما متوافقان بالرّبع ، لأنّ العدد العادّ مخرج لجزء الوفق .
محلّ التّداخل :
6 - ذكر الحنفيّة أنّ التّداخل : إمّا أن يكون في الأسباب : وإمّا أن يكون في الأحكام . والأليق بالعبادات الأوّل ، وبالعقوبات الثّاني ، وذلك ما جاء في العناية : أنّ التّداخل في العبادات إذا كان في الحكم دون السّبب كانت الأسباب باقيةً على تعدّدها ، فيلزم وجود السّبب الموجب للعبادة بدون العبادة ، وفي ذلك ترك الاحتياط فيما يجب فيه الاحتياط ، فقلنا بتداخل الأسباب فيها ليكون جميعها بمنزلة سبب واحد ترتّب عليه حكمه إذا وجد دليل الجمع وهو اتّحاد المجلس ، وأمّا العقوبات فليس ممّا يحتاط فيها ، بل في درئها احتياط فيجعل التّداخل في الحكم ، ليكون عدم الحكم مع وجود الموجب مضافاً إلى عفو اللّه وكرمه ، فإنّه هو الموصوف بسبوغ العفو وكمال الكرم .
وفائدة ذلك تظهر فيما لو تلا آية سجدة في مكان فسجدها ، ثمّ تلاها فيه مرّات فإنّه يكفيه تلك الواقعة أوّلاً ، إذ لو لم يكن التّداخل في السّبب لكانت التّلاوة الّتي بعد السّجدة سبباً ، وحكمه قد تقدّم ، وذلك لا يجوز . وأمّا في العقوبات : فإنّه لو زنى ، ثمّ زنى ثانيةً قبل أن يحدّ الأولى ، فإنّ عليه حدّاً واحداً ، بخلاف ما لو زنى فحدّ ، ثمّ زنى فإنّه يحدّ ثانياً .
وذكر صاحب الفروق من المالكيّة أنّ التّداخل محلّه الأسباب لا الأحكام ، ولم يفرّق في ذلك بين الطّهارات والعبادات ، كالصّلاة والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
بل ذكر أنّ الحدود المتماثلة إن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر ، أو تماثلت كالزّنى مراراً والسّرقة مراراً والشّرب مراراً قبل إقامة الحدّ عليه ، فإنّها من أولى الأسباب بالتّداخل ، لأنّ تكرّرها مهلك . ويظهر ممّا ذكره الحنابلة في الطّهارات وكفّارة الصّيام ، فيما لو تكرّر منه الجماع في يوم واحد قبل التّكفير ، وفي الحدود إن كانت من جنس واحد أو أجناس أنّ التّداخل عندهم أيضاً إنّما يكون في الأسباب دون الأحكام .
هذا ويظهر ممّا ذكره الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل إنّما يكون في الأحكام دون الأسباب ، ولا فرق في ذلك بين العبادات والعقوبات والإتلافات .
آثار التّداخل الفقهيّة ومواطنه :
7 - ذكر القرافيّ في الفروق أنّ التّداخل وقع في الشّريعة في ستّة أبواب ، وهي الطّهارات والصّلوات والصّيام والكفّارات والحدود والأموال .
وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّه يدخل في ضروب ، وهي : العبادات والعقوبات والإتلافات . وذكر السّيوطيّ وابن نجيم أنّه إذا اجتمع أمران من جنس واحد ، ولم يختلف مقصودهما ، دخل أحدهما في الآخر غالباً ، كالحدث مع الجنابة . هذا والتّداخل يذكره الفقهاء في الطّهارة والصّلاة والصّوم والحجّ ، والفدية والكفّارة والعدد ، والجناية على النّفس والأطراف والدّيات ، والحدود والجزية ، وفي حساب المواريث . وبيان ذلك فيما يلي :
أوّلاً - الطّهارات :
8 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من سنن الغسل : الوضوء قبله ، لأنّه صفة غسل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما ونصّ حديث عائشة رضي الله عنها « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ، ثمّ يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ، ثمّ يتوضّأ وضوءه للصّلاة ، ثمّ يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشّعر ، حتّى إذا رأى أن قد استبرأ ، حفن على رأسه ثلاث حثيات ، ثمّ أفاض على سائر جسده ، ثمّ غسل رجليه » .
هذا عن تحصيل السّنّة . أمّا الأجزاء فيرى الحنفيّة والمالكيّة أنّ الطّهارات كالوضوء والغسل إذا تكرّرت أسبابهما المختلفة كالحيض والجنابة ، أو المتماثلة كالجنابتين ، والملامستين ، فإنّ تلك الأسباب تتداخل ، فيكفي في الجنابتين ، أو في الحيض والجنابة ، أو في الجنابة والملامسة غسل واحد ، لا يحتاج بعده إلى وضوء ،لاندراج سببه في السّبب الموجب للغسل. وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ الفعلين في العبادات ، إن كانا في واجب ولم يختلفا في القصد ، تداخلا ، كغسل الحيض مع الجنابة ، فإذا أجنبت ثمّ حاضت ، كفى لهما غسل واحد .
هذا وقد ذكر الشّافعيّة والحنابلة في تداخل الوضوء والغسل إذا وجبا عليه - كما لو أحدث ثمّ أجنب أو عكسه - أربعة أوجه ، انفرد الشّافعيّة بأوّلها ، واتّفقوا مع الحنابلة في الباقي . أحدهما ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، وقد انفردوا فيه عن الحنابلة ، لكنّ ابن تيميّة اختاره : أنّه يكفيه الغسل ، نوى الوضوء معه أو لم ينوه ، غسل الأعضاء مرتّبةً أم لا ، لأنّهما طهارتان ، فتداخلتا .
والثّاني ، وذهب إليه أيضاً الحنابلة في إحدى الرّوايات عن أحمد ، وهو من مفردات المذهب عندهم : أنّه يجب عليه الوضوء والغسل ، لأنّهما حقّان مختلفان يجبان بسببين مختلفين ، فلم يدخل أحدهما في الآخر كحدّ الزّنى والسّرقة ، فإن نوى الوضوء دون الغسل أو عكسه ، فليس له غير ما نوى .
الثّالث ، واختاره أيضاً أبو بكر من الحنابلة ، وقطع به في المبهج : أنّه يأتي بخصائص الوضوء ، بأن يتوضّأ مرتّباً ، ثمّ يغسل سائر البدن ، لأنّهما متّفقان في الغسل ومختلفان في التّرتيب ، فما اتّفقا فيه تداخلا ، وما اختلفا فيه لم يتداخلا .
الرّابع ، وهو ما حكاه أبو حاتم القزوينيّ من الشّافعيّة ، وهو المذهب مطلقاً عند الحنابلة ، وعليه جماهير أصحابهم ، وقطع به كثير منهم : أنّهما يتداخلان في الأفعال دون النّيّة ، لأنّهما عبادتان متجانستان صغرى وكبرى ، فدخلت الصّغرى في الكبرى في الأفعال دون النّيّة ، كالحجّ والعمرة . هذا ، وجاء في الإنصاف عن الدّينوريّ في وجه حكاه : أنّه إن أحدث ثمّ أجنب فلا تداخل ، وجاء فيه أيضاً أنّ من أحدث ثمّ أجنب ، أو أجنب ثمّ أحدث يكفيه الغسل على الأصحّ ، وهو مماثل لما حكاه الشّافعيّة في الوجه الأوّل .
ثانياً : التّداخل في الصّلاة وله أمثلة :
أ - تداخل تحيّة المسجد وصلاة الفرض :
9 - ذكر ابن نجيم في الأشباه ، والقرافيّ في الفروق : أنّ تحيّة المسجد تدخل في صلاة الفرض مع تعدّد سببهما ، فإنّ سبب التّحيّة هو دخول المسجد ، وسبب الظّهر مثلاً هو الزّوال ، فيقوم سبب الزّوال مقام سبب الدّخول ، فيكتفي به .
وذكر الزّركشيّ في المنثور أنّ التّداخل في العبادات إن كان في مسنون ، وكان ذلك المسنون من جنس المفعول ، دخل تحته ، كتحيّة المسجد مع صلاة الفرض .
وذهب الحنابلة إلى أنّ تحيّة المسجد تدخل في الفرض والسّنّة الرّاتبة .
ب - تداخل سجود السّهو :
10 - جاء صريحاً في حاشية ابن عابدين - من كتب الحنفيّة - فيمن تكرّر سهوه بحيث أدّى ذلك إلى ترك جميع واجبات الصّلاة ، فإنّه لا يلزمه إلاّ سجدتان .
وقريب من ذلك ما جاء في المدوّنة من كتب المالكيّة فيمن نسي تكبيرةً أو تكبيرتين ، أو نسي " سمع اللّه لمن حمده " مرّةً أو مرّتين ، أو نسي التّشهّد أو التّشهّدين .
وجاء في المنثور والأشباه من كتب الشّافعيّة أنّ جبرانات الصّلاة تتداخل لاتّحاد الجنس ، فسجود السّهو وإن تعدّد سجدتان ، لأنّ القصد بسجود السّهو إرغام أنف الشّيطان ، وقد حصل بالسّجدتين آخر الصّلاة ، بخلاف جبرانات الإحرام فلا تتداخل ، لأنّ القصد جبر النّسك وهو لا يحصل إلاّ بالتّعدّد . وقال صاحب المغني : إذا سها سهوين أو أكثر من جنس كفاه سجدتان للجميع ، لا نعلم أحداً خالف فيه . وإن كان السّهو من جنسين ، فكذلك ، حكاه ابن المنذر قولاً لأحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم : النّخعيّ والثّوريّ ومالك واللّيث والشّافعيّ وأصحاب الرّأي . وذكر أبو بكر من الحنابلة فيه وجهين : أحدهما : ما ذكرنا . والثّاني : يسجد سجودين ، قال الأوزاعيّ وابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة : إذا كان عليه سجودان ، أحدهما قبل السّلام ، والآخر بعده سجدهما في محلّيهما ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لكلّ سهو سجدتان » . وهذان سهوان ، فلكلّ واحد منهما سجدتان ،ولأنّ كلّ سهو يقتضي سجوداً ، وإنّما تداخلا في الجنس الواحد لاتّفاقهما ، وهذان مختلفان.
ج - التّداخل في سجود التّلاوة :
11 - ذكر الحنفيّة أنّ سجدة التّلاوة مبناها على التّداخل دفعاً للحرج .
والتّداخل فيها تداخل في السّبب دون الحكم ، لأنّها عبادة ، فتنوب الواحدة عمّا قبلها وعمّا بعدها ، ولا يتكرّر وجوبها إلاّ باختلاف المجلس أو اختلاف التّلاوة ( أي الآية ) أو السّماع ، فمن تلا آيةً واحدةً في مجلس واحد مراراً تكفيه سجدة واحدة وأداء السّجدة بعد القراءة الأولى أولى . والأصل في ذلك ما روي « أنّ جبريل عليه السلام كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السّجدة على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يسمع ويتلقّن ، ثمّ يقرأ على أصحابه ، وكان لا يسجد إلاّ مرّةً واحدةً » .
وإن تلاها في غير الصّلاة فسجد ، ثمّ دخل في الصّلاة فتلاها فيها ، سجد أخرى . ولو لم يسجد أوّلاً كفته واحدة ، لأنّ الصّلاتيّة أقوى من غيرها ، فتستتبع غيرها وإن اختلف المجلس . ولو لم يسجد في الصّلاة سقطتا في الأصحّ .
وأمّا المالكيّة فقاعدة المذهب عندهم تكرير سجدة التّلاوة ، إن كرّر حزباً فيه سجدةً ، ولا تكفيه السّجدة الأولى ، لوجود المقتضي للسّجود ، باستثناء المعلّم والمتعلّم فقط عند الإمام مالك وابن القاسم ، واختاره المازريّ ، خلافاً لأصبغ وابن عبد الحكم القائلين بعدم السّجود عليهما ولا في أوّل مرّة .
ومحلّ الخلاف كما في حاشية الدّسوقيّ إذا حصل التّكرير لحزب فيه سجدة ، وأمّا قارئ القرآن بتمامه فإنّه يسجد جميع سجداته في غير الصّلاة وفي الصّلاة ، حتّى لو قرأه كلّه في ركعة واحدة ، سواء أكان معلّماً أم متعلّماً اتّفاقاً . وجاء في الرّوضة وغيرها من كتب الشّافعيّة : أنّه إذا قرأ آيات السّجدات في مكان واحد ، سجد لكلّ واحدة ، ومثل ذلك قراءته الآية الواحدة في مجلسين . فلو كرّر الآية الواحدة في المجلس الواحد نظر ، إن لم يسجد للمرّة الأولى كفاه سجود واحد ، وإن سجد للأولى فثلاثة أوجه : أصحّها يسجد مرّةً أخرى لتجدّد السّبب ، والثّاني تكفيه الأولى ، والثّالث إن طال الفصل سجد أخرى ، وإلاّ فتكفيه الأولى . ولو كرّر الآية الواحدة في الصّلاة ، فإن كان في ركعة فكالمجلس الواحد ، وإن كان في ركعتين فكالمجلسين . ولو قرأ مرّةً في الصّلاة ، ومرّةً خارجها في المجلس الواحد وسجد للأولى ، فلم ير النّوويّ فيه نصّاً للأصحاب ، وإطلاقهم يقتضي طرد الخلاف فيه .
وتذكر كتب الحنابلة أيضاً أنّ سجود التّلاوة يتكرّر بتكرّر التّلاوة ، حتّى في طواف مع قصر فصل . وذكر صاحب الإنصاف وجهين في إعادة سجود من قرأ بعد سجوده ، وكذا يتوجّه في تحيّة المسجد إن تكرّر دخوله .
وقال ابن تميم : وإن قرأ سجدةً فسجد ، ثمّ قرأها في الحال مرّةً أخرى ، لا لأجل السّجود ، فهل يعيد السّجود ؟ على وجهين . وقال القاضي في تخريجه : إن سجد في غير الصّلاة ثمّ صلّى فقرأها فيها أعاد السّجود ، وإن سجد في صلاة ثمّ قرأها في غير صلاة لم يسجد . وقال : إذا قرأ سجدةً في ركعة فسجد ، ثمّ قرأها في الثّانية ، فقيل يعيد السّجود ، وقيل لا .
ثالثاً : تداخل صوم رمضان وصوم الاعتكاف :
12 - من المقرّر عند المالكيّة والحنفيّة ، وفي رواية عن أحمد اشتراط الصّوم لصحّة الاعتكاف مطلقاً ، وبناءً على ذلك ذكر القرافيّ أنّ صوم الاعتكاف يدخل في صوم رمضان ، وذلك لأنّ الاعتكاف سبب لتوجّه الأمر بالصّوم ، ورؤية هلال رمضان هي سبب توجّه الأمر بصوم رمضان ، فيدخل السّبب الّذي هو الاعتكاف في السّبب الآخر وهو رؤية الهلال فيكتفي به ويتداخل الاعتكاف ورؤية الهلال .
رابعاً : تداخل الطّواف والسّعي للقارن :
13 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والإمام أحمد فيما اشتهر عنه إلى أنّ من قرن بين الحجّ والعمرة في إحرام واحد ، فإنّه يطوف لهما طوافاً واحداً ، ويسعى لهما سعياً واحداً ، وهو قول ابن عمر وجابر بن عبد اللّه رضي الله عنهم ، وبه قال عطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد وطاوس وإسحاق وأبو ثور ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت : « خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حجّة الوداع فأهللنا بعمرة ... » . الحديث . وفيه :
« وأمّا الّذين جمعوا بين الحجّ والعمرة فإنّما طافوا طوافاً واحداً » . ولأنّ الحجّ والعمرة عبادتان من جنس واحد ، فإذا اجتمعتا دخلت أفعال الصّغرى في الكبرى كالطّهارتين .
وأيضاً فإنّ الجامع بينهما ناسك يكفيه حلق واحد ورمي واحد ، فكفاه طواف واحد وسعي واحد كالفرد . وذهب الحنفيّة والإمام أحمد في رواية أخرى لم تشتهر إلى أنّ عليه طوافين وسعيين ، وقد روي هذا القول عن عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما ، وبه قال الشّعبيّ وابن أبي ليلى مستدلّين بقوله تعالى : { وأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ للّه } وتمامهما أن يأتي بأفعالهما على الكمال بلا فرق بين القارن وغيره .
وبما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « من جمع بين الحجّ والعمرة فعليه طوافان » ولأنّهما نسكان ، فكان لهما طوافان ، كما لو كانا منفردين . وأثر هذا الخلاف يظهر في القارن إذا قتل صيداً فإنّه يلزمه جزاء واحد عند القائلين بالتّداخل .
خامساً : تداخل الفدية :
14 - ذكر الحنفيّة والشّافعيّة أنّ الفدية تتداخل . وقد صرّح الحنفيّة بأنّ من قلّم أظافر يديه ورجليه في مجلس واحد ، وهو محرم ، فإنّ عليه دماً واحداً ، لأنّها من المحظورات ، لما فيه من قضاء التّفث ، وهي من نوع واحد ، فلا يزاد على دم واحد .
وإن كان قلّمها في مجالس ، فكذلك عند محمّد ، لأنّ مبناها على التّداخل ككفّارة الفطر . وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يجب لكلّ يد دم ، ولكلّ رجل دم إذا تعدّد المجلس ، لأنّ الغالب في الفدية معنى العبادة فيتقيّد التّداخل باتّحاد المجلس كما في آية السّجدة ، ولأنّ هذه الأعضاء متباينة حقيقةً ، وإنّما جعلت الجناية - وهي تقليم الأظافر في مجلس واحد - جنايةً واحدةً في المعنى لاتّحاد المقصود وهو الرّفق .
وصرّح الشّافعيّة بمثل ذلك فيمن فعل شيئاً من مقدّمات الجماع ، وجامع بعده ، فقد ذكروا أنّ فدية المقدّمة تدخل في البدنة الواجبة جزاءً عن الجماع .
وقريب من ذلك ما ذكره الحنابلة فيمن حلق شعر رأسه وبدنه ، بأنّ عليه فديةً واحدةً في أصحّ الرّوايتين عن أحمد ، وهو الصّحيح من المذهب أيضاً ، لأنّ شعر الرّأس والبدن واحد ، وفي رواية أخرى عنه : إنّ لكلّ منهما حكماً منفرداً . وكذا لو لبس أو تطيّب في ثوبه وبدنه ففيه الرّوايتان والمنصوص عن أحمد أنّ عليه فديةً واحدةً .
وأمّا المالكيّة فإنّهم وإن لم يصرّحوا بتداخل الفدية ، إلاّ أنّهم أوردوا أربع صور تتّحد فيها الفدية وهي أن يظنّ الفاعل الإباحة :
أ - بأن يعتقد أنّه خرج من إحرامه فيفعل أموراً كلّ منها يوجب الفدية .
ب - أو يتعدّد موجبها من لبس وتطيّب وقلم أظفار وقتل دوابّ بفور .
ج - أو يتراخى ما بين الفعلين ، لكنّه عند الفعل الأوّل أو إرادته نوى تكرار الفعل الموجب لها .
د - أو يتراخى ما بين الفعلين ، إلاّ أنّه لم ينو التّكرار عند الفعل الأوّل منهما ، لكنّه قدّم ما نفعه أعمّ ، كتقديمه لبس الثّوب على لبس السّراويل .
وتفصيله في محظورات الحجّ من كتب الفقه .
سادساً : تداخل الكفّارات :
أ - تداخلها في إفساد صوم رمضان بالجماع :
15 - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب كفّارة واحدة على من تكرّر منه الجماع في يوم واحد من أيّام رمضان ، لأنّ الفعل الثّاني لم يصادف صوماً ، وإنّما الخلاف بينهم فيمن تكرّر منه ذلك الفعل في يومين ، أو في رمضانين ، ولم يكفّر للأوّل ، فذهب محمّد من الحنفيّة ، والحنابلة في وجه ، والزّهريّ والأوزاعيّ إلى أنّه تكفيه كفّارة واحدة ، لأنّها جزاء عن جناية تكرّر سببها قبل استيفائها ، فتتداخل كالحدّ . وذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية الّذي اختاره بعضهم للفتوى وهو الصّحيح ، والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو أيضاً المذهب عند الحنابلة : إلى أنّ الكفّارة الواحدة لا تجزئه ، بل عليه كفّارتان ، لأنّ كلّ يوم عبادة منفردة ، فإذا وجبت الكفّارة بإفساده لم تتداخل كالعمرتين والحجّتين ، والتّفصيل في مصطلح : ( كفّارة ) .
ب - تداخل الكفّارات في الأيمان :
16 - لا خلاف في أنّ من حلف يميناً فحنث فيها وأدّى ما وجب عليه من الكفّارة ، أنّه لو حلف يميناً أخرى وحنث فيها تجب عليه كفّارة أخرى ، ولا تغني الكفّارة الأولى عن كفّارة الحنث في هذه اليمين الثّانية ، وإنّما الخلاف فيمن حلف أيماناً وحنث فيها . ثمّ أراد التّكفير ، هل تتداخل الكفّارات فتجزئه كفّارة واحدة ؟ أو لا تتداخل فيجب عليه لكلّ يمين كفّارة ؟ تتداخل الكفّارات على أحد القولين عند الحنفيّة ، وأحد الأقوال عند الحنابلة ، ولا تتداخل عند المالكيّة ولا الشّافعيّة ، وتفصيل ذلك في الكفّارات .
سابعاً : تداخل العدّتين :
17 - معنى التّداخل في العدد : أن تبتدئ المرأة عدّةً جديدةً وتندرج بقيّة العدّة الأولى في العدّة الثّانية ، والعدّتان إمّا أن تكونا من جنس واحد لرجل واحد أو رجلين ، وإمّا أن تكونا من جنسين كذلك أي لرجل واحد أو رجلين ، وعلى هذا فإنّ المرأة إذا لزمها عدّتان من جنس واحد ، وكانتا لرجل واحد ، فإنّهما تتداخلان عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لاتّحادهما في الجنس والقصد . مثال ذلك : ما لو طلّق زوجته ثلاثاً ، ثمّ تزوّجها في العدّة ووطئها ، وقال : ظننت أنّها تحلّ لي . أو طلّقها بألفاظ الكناية ، فوطئها في العدّة ، فإنّ العدّتين تتداخلان ، فتعتدّ ثلاثة أقراء ابتداءً من الوطء الواقع في العدّة ، ويندرج ما بقي من العدّة الأولى في العدّة الثّانية . أمّا إذا كانتا لرجلين فإنّهما تتداخلان عند الحنفيّة ، لأنّ المقصود التّعرّف على فراغ الرّحم ، وقد حصل بالواحدة فتتداخلان .
ومثاله : المتوفّى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة ، فهاتان عدّتان من رجلين ومن جنسين . ومثال العدّتين من جنس واحد ومن رجلين : المطلّقة إذا تزوّجت في عدّتها فوطئها الثّاني ، وفرّق بينهما ، تتداخلان وتعتدّ من بدء التّفريق ، ويندرج ما بقي من العدّة الأولى في العدّة الثّانية . وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فلا تتداخلان ، لأنّهما حقّان مقصودان لآدميّين ، فلم يتداخلا كالدّينين ، ولأنّ العدّة احتباس يستحقّه الرّجال على النّساء ، فلم يجز أن تكون المرأة المعتدّة في احتباس رجلين كاحتباس الزّوجة .
وأمّا إذا اختلفت العدّتان في الجنس ، وكانتا لرجلين ، فإنّهما تتداخلان أيضاً عند الحنفيّة ، لأنّ كلاً منهما أجل ، والآجال تتداخل .
ولا تداخل بينهما عند الشّافعيّة والحنابلة ، لأنّ كلاً منهما حقّ مقصود للآدميّ ، فعليها أن تعتدّ للأوّل لسبقه ، ثمّ تعتدّ للثّاني ، ولا تتقدّم عدّة الثّاني على عدّة الأوّل إلاّ بالحمل .
وإن كانتا من جنسين لشخص واحد تداخلتا أيضاً عند الحنفيّة ، وفي أصحّ الوجهين عند الشّافعيّة ، وفي أحد الوجهين عند الحنابلة ، لأنّهما لرجل واحد . ولا تداخل بينهما على مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة ، وعلى الوجه الثّاني عند الحنابلة لاختلافهما في الجنس .
وأمّا المالكيّة فقد لخصّ ابن جزيّ مذهبهم في تداخل العدد بقوله : فروع في تداخل العدّتين : الفرع الأوّل : من طلقت طلاقاً رجعيّاً ، ثمّ مات زوجها في العدّة انتقلت إلى عدّة الوفاة ، لأنّ الموت يهدم عدّة الرّجعيّ بخلاف البائن .
الفرع الثّاني : إن طلّقها رجعيّاً ثمّ ارتجعها في العدّة ، ثمّ طلّقها ، استأنفت العدّة من الطّلاق الثّاني ، سواء كان قد وطئها أم لا ، لأنّ الرّجعة تهدم العدّة ، ولو طلّقها ثانيةً في العدّة من غير رجعة بَنَتْ اتّفاقاً ، ولو طلّقها طلقةً ثانيةً ثمّ راجعها في العدّة أو بعدها ، ثمّ طلّقها قبل المسيس بَنَتْ على عدّتها الأولى ، ولو طلّقها بعد الدّخول استأنفت من الطّلاق الثّاني .
الفرع الثّالث : إذا تزوّجت في عدّتها من الطّلاق ، فدخل بها الثّاني ، ثمّ فرّق بينهما ، اعتدّت بقيّة عدّتها من الأوّل ، ثمّ اعتدّت من الثّاني ، وقيل : تعتدّ من الثّاني وتجزيها عنهما ، وإن كانت حاملاً فالوضع يجزي عن العدّتين اتّفاقاً . والتّفصيل في مصطلح : ( عدّة ) .
رد مع اقتباس