عرض مشاركة واحدة
  #19  
قديم 05-19-2012, 07:12 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

تخبيب *
التّعريف :
1 - التّخبيب : مصدر خبّب ، ومعناه في اللّغة : إفساد الرّجل عبداً أو أمةً لغيره أو صديقاً على صديقه ، يقال : خبّبها فأفسدها . وخبّب فلان غلامي : أي خدعه . وأمّا الخَبّ : فمعناه الفساد والخبث والغشّ ، وهو ضدّ الغِرّ ، إذ الغرّ : هو الّذي لا يفطن للشّرّ بخلاف الخبّ . ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإغراء :
2 - الإغراء في اللّغة : مصدر أغرى ، وأغري بالشّيء : أولع به ، يقال : أغريت الكلب بالصّيد ، وأغريت بينهم العداوة .
ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى وهو أعمّ من التّخبيب .
ب - إفساد :
3 - الإفساد : مصدر أفسد ، وهو في اللّغة يقابل الإصلاح .
وأمّا في الاصطلاح ، فقد ذكر صاحب الكلّيّات أنّه : جعل الشّيء فاسداً خارجاً عمّا ينبغي أن يكون عليه وعن كونه منتفعاً به ، وفي الحقيقة : هو إخراج الشّيء عن حالة محمودة لا لغرض صحيح .
والإفساد أعمّ ، لأنّه يكون في الأمور المادّيّة والمعنويّة ، بخلاف التّخبيب لأنّه إفساد خاصّ .
ج - التّحريض :
4 - التّحريض : مصدر حرّض ، ومعناه : الحثّ على الشّيء والإحماء عليه ، ومنه قوله تعالى { يا أيّها النّبيّ حَرِّض المؤمنينَ على القتالِ } .
وهو أعمّ ، لأنّه يكون في الخير والشّرّ ، بخلاف التّخبيب فإنّه لا يكون إلاّ في الشّرّ .
الحكم التّكليفيّ :
5 - التّخبيب حرام ، لحديث « لن يدخل الجنّة خبّ ولا بخيل ولا منّان » ، وحديث « الفاجر خبّ لئيم » وحديث « من خبّب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منّا » أي خدعه وأفسده ، ولما يترتّب عليه من الإفساد والإضرار . وتخبيب زوجة الغير خداعها وإفسادها ، أو تحسين الطّلاق إليها ليتزوّجها أو يزوّجها غيره ، ولفظ المملوك الوارد في الحديث يتناول الأمة .
حكم زواج المخَبّب بمن خبّبها :
6 - انفرد المالكيّة بذكرهم الحكم في هذه المسألة ، وصورتها : أن يفسد رجل زوجة رجل آخر ، بحيث يؤدّي ذلك الإفساد إلى طلاقها منه ، ثمّ يتزوّجها ذلك المفسد .
فقد ذكروا أنّ النّكاح يفسخ قبل الدّخول وبعده بلا خلاف عندهم ، وإنّما الخلاف عندهم في تأبيد تحريمها على ذلك المفسد أو عدم تأبيده ، فذكروا فيه قولين :
أحدهما وهو المشهور : أنّه لا يتأبّد ، فإذا عادت لزوجها الأوّل وطلّقها ، أو مات عنها جاز لذلك المفسد نكاحها .
الثّاني : أنّ التّحريم يتأبّد ، وقد ذكر هذا القول يوسف بن عمر كما جاء في شرح الزّرقانيّ ، وأفتى به غير واحد من المتأخّرين في فاس .
هذا ومع أنّ غير المالكيّة من الفقهاء لم يصرّحوا بحكم هذه المسألة ، إلاّ أنّ الحكم فيها وهو التّحريم معلوم ممّا سبق في الحديث المتقدّم .
عقوبة المخبِّب :
7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المعصية الّتي لا حدّ فيها ولا كفّارة عقوبتها التّعزير بما يراه الإمام مناسباً ، وفعل المخبّب هذا لا يخرج عن كونه معصيةً لا حدّ فيها ولا كفّارةً .
وقد ذكر الحنفيّة أنّ من خدع امرأة رجل أو ابنته وهي صغيرة ، وزوّجها من رجل ، قال محمّد رحمه الله تعالى : أحبسه بهذا أبداً حتّى يردّها أو يموت . وذكر ابن نجيم أنّ هذا المخادع يحبس إلى أن يحدث توبةً أو يموت ، لأنّه ساع في الأرض بالفساد .
وذكر الحنابلة في ( القوّادة ) الّتي تفسد النّساء والرّجال ، أنّ أقلّ ما يجب عليها الضّرب البليغ ، وينبغي شهرة ذلك بحيث يستفيض في النّساء والرّجال لتُجْتَنَب .
وإذا أركبت القوّادة دابّةً وضمّت عليها ثيابها ، ليؤمن كشف عورتها ، ونودي عليها هذا جزاء من يفعل كذا وكذا ( أي يفسد النّساء والرّجال ) كان من أعظم المصالح ، قاله الشّيخ ( أي ابن قدامة ) ليشتهر ذلك ويظهر . وقال : لوليّ الأمر كصاحب الشّرطة أن يعرّف ضررها ، إمّا بحبسها أو بنقلها عن الجيران أو غير ذلك .

تختّم *
التّعريف :
1 - التّختّم مصدر تختّم ، يقال : تختّم بالخاتم أي لبسه ، وأصله الثّلاثيّ ختم .
ومن معاني الختم أيضاً : الأثر الحاصل عن النّقش ، ويتجوّز به في الاستيثاق من الشّيء والمنع منه ، اعتباراً لما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب .
وختم الشّيء : إنهاؤه ، ومنه : ختم القرآن وخاتم الرّسل ، ومنه قوله تعالى : { ما كانَ محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالِكم ولكنْ رسولَ اللّهِ وخاتَمَ النّبيّين } أي : آخرهم ، لأنّه ختمت به النّبوّة والرّسالات . ومن المجاز : لبس الخاتم ، وهو حليّ للأصبع ، كالخاتم - بكسر التّاء - ويطلق على الخاتم أيضاً والخاتم والختم والخاتام والخيتام ، وثمّة ألفاظ أخرى مشتقّة من هذه المادّة بالمعنى نفسه ، وصل بعضهم بها إلى عشرة ألفاظ .
والخاتم من الحليّ كأنّه أوّل وهلة ختم به ، فدخل بذلك في باب الطّابع ، ثمّ كثر استعماله لذلك ، وإن أعدّ الخاتم لغير الطّبع . ولا يخرج استعمال الفقهاء للتّختّم عن معناه اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّزيّن :
2 - التّزيّن : مصدر تزيّن ، يقال : تزيّنت المرأة : أي لبست الزّينة أو اتّخذتها ، وتزيّنت الأرض بالنّبات : أي حسنت وبهجت ، والزّينة اسم جامع لما يتزيّن به ، ومعنى الزّينة عند الرّاغب : ما لا يشين الإنسان في شيء من أحواله لا في الدّنيا ولا في الآخرة ، وهي نفسيّة وبدنيّة وخارجيّة . والتّزيّن أعمّ من التّختّم ، لأنّه يكون بالتّختّم وبغيره .
ب - الفَتْخَة :
3 - الفتخة قريبة في المعنى والاستعمال من الخاتم ، فهي مثله من الحليّ ، وقد تعدّدت الأقوال في معناها . فقيل : هي خاتم كبير يكون في اليد والرّجل ، وقيل : هي كالخاتم أيّاً كان ، وقيل : هي خاتم يكون في اليد والرّجل بفصّ وبغير فصّ ، وقيل . هي حلقة تلبس في الأصبع كالخاتم ، وقيل : هي حلقة من فضّة لا فصّ فيها ، فإذا كان فيها فصّ فهي الخاتم ، وروي عن عائشة رضي الله عنها في تفسير قول اللّه تعالى : { ولا يُبْدِيْنَ زِينَتَهنَّ إلاّ ما ظَهَرَ منها } أنّها قالت : المراد بالزّينة في الآية القلب والفتخة ، وقالت : الفتخ : حلق من فضّة يكون في أصابع الرّجلين ، قال ابن برّيّ : حقيقة الفتخة أن تكون في أصابع الرّجلين . فيتّفق الخاتم والفتخة في أنّه يتزيّن بكلّ منهما ، ويختلفان في موضع لبس كلّ منهما ، وفي المادّة الّتي يصنع منها ، وفي شكله .
ج - التّسوّر :
4 - التّسوّر مصدر تسوّر ، ويأتي في اللّغة بمعنى العلوّ والتّسلّق ، يقال : تسوّرت الحائط إذا علوته وتسلّقته ، وبمعنى التّزيّن بالسّوار والتّحلّي به ، يقال : سوّرته أي ألبسته السّوار من الحليّ فتسوّر ، وفي الحديث : « أَيَسُرُّكَ أنْ يُسَوِّرَكَ اللّهُ بهما يومَ القيامةِ سوارين من نار » . فيتّفق التّختّم مع التّسوّر في أنّهما من الزّينة ، ويختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع اللّبس .
د - التّدملج :
5 - التّدملج مصدر تدملج ، يقال : تدملج أي لبس الدّملج - بفتح اللام وضمّها - أو الدّملوج وهو المعضّد من الحليّ ، وهو ما يلبس في العضد ، ويقال أيضاً : ألقى عليه دماليجه . فالتّدملج كالتّختّم في أنّه يتزيّن بكلّ منهما ، غير أنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة وموضع اللّبس .
هـ - التّطوّق :
6 - التّطوّق مصدر تطوّق ، يقال : تطوّق أي لبس الطّوق ، وهو حليّ للعنق ، وكلّ شيء استدار فهو طوق ، كطوق الرّحى الّذي يدير القطب ونحو ذلك .
فالتّطوّق كالتّختّم في أنّه يتحلّى ويتزيّن بكلّ منهما ، لكنّهما يختلفان في الشّكل والصّنعة والموضع الّذي يلبس فيه كلّ منهما .
و - التّنطّق :
7 - التّنطّق مصدر تنطّق ، يقال : تنطّق الرّجل وانتطق أي لبس المنطق ، والمنطق والنّطاق والمنطقة : كلّ ما شددت به وسطك ، وقيل لأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما ذات النّطاقين : لأنّها كانت تطارق ( أي تطابق ) نطاقاً على نطاق ، أو لأنّها شقّت نطاقها ليلة خروج النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الغار ، فجعلت واحدةً لزاد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم والأخرى حمّالةً له فالنّطاق كالخاتم في الإحاطة ، لكنّهما يختلفان مادّةً وشكلاً وحجماً وموضعاً .
الحكم التّكليفيّ :
يختلف الحكم التّكليفيّ للتّختّم باختلاف موضعه :
أوّلاً : التّختّم بالذّهب :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز للنّساء التّختّم بالذّهب ، ويحرم على الرّجال ذلك ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال « أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ لإِناثِ أُمّتي ، وحُرِّمَ على ذكورِها » . واختلفوا في تختّم الصّبيّ بالذّهب :
فذهب المالكيّة - في الرّاجح عندهم - إلى أنّ تختّم الصّبيّ بالذّهب مكروه ، والكراهة على من ألبسه أو على وليّه ، ومقابل الرّاجح عند المالكيّة الحرمة .
ونصّ الحنابلة - وهو قول مرجوح للمالكيّة - على حرمة إلباس الصّبيّ الذّهب ، ومنه الخاتم . وأطلق الحنفيّة هنا الكراهة في التّحريم ، واستدلّوا بحديث جابر رضي الله عنه قال : « كنّا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري » وذهب الشّافعيّة في المعتمد عندهم - وعبّر بعضهم بالأصحّ - إلى أنّ الصّبيّ غير البالغ مثل المرأة في جواز التّختّم بالذّهب ، وأنّ للوليّ تزيينه بالحليّ من الذّهب أو الفضّة ، ولو في غير يوم عيد .
ثانياً : التّختّم بالفضّة :
9 - اتّفق الفقهاء على جواز تختّم المرأة بالفضّة . وأمّا تختّم الرّجل بالفضّة فعلى التّفصيل الآتي : ذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز للرّجل التّختّم بالفضّة ، لما روي أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم اتّخذ خاتماً من ورق ، وكان في يده ، ثمّ كان في يد أبي بكر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عمر رضي الله عنه ، ثمّ كان في يد عثمان رضي الله عنه ، حتّى وقع في بئر أريس . نقشه : محمّد رسول اللّه » . وقالوا : إنّ التّختّم سنّة لمن يحتاج إليه ، كالسّلطان والقاضي ومن في معناهما ، وتركه لغير السّلطان والقاضي وذي حاجة إليه أفضل .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا بأس بالخاتم من الفضّة ، فيجوز اتّخاذه ، بل يندب بشرط قصد الاقتداء برسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا يجوز لبسه عجباً .
وقال الشّافعيّة : يحلّ للرّجل الخاتم من الفضّة ، سواء من له ولاية وغيره ، فيجوز لكلّ لبسه ، بل يسنّ . وقال الحنابلة : يباح للذّكر الخاتم من الفضّة ، لأنّه صلى الله عليه وسلم « اتّخذ خاتماً من ورق » ، قال أحمد في خاتم الفضّة للرّجل : ليس به بأس ، واحتجّ بأنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان له خاتم ، وظاهر ما نقل عن أحمد أنّه لا فضل فيه . وجزم به في التّلخيص وغيره ، وقيل : يستحبّ ، قدّمه في الرّعاية . وقيل : يكره لقصد الزّينة . جزم به ابن تميم . وأمّا تختّم الصّبيّ بالفضّة فجائز عند الفقهاء .
ثالثاً : التّختّم بغير الذّهب والفضّة :
10 - ذهب المالكيّة - في المعتمد عندهم - والحنابلة إلى أنّ التّختّم بالحديد والنّحاس والرّصاص مكروه للرّجال والنّساء ، لما روي « أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عليه خاتم شبه - نحاس أصفر - فقال له : إنّي أجد منك ريح الأصنام فطرحه . ثمّ جاء وعليه خاتم حديد فقال : ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه . فقال : يا رسول اللّه : من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال : اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالاً » .
وقال المالكيّة : إنّ التّختّم بالجلد والعقيق والقصدير والخشب جائز للرّجال والنّساء .
وقال الحنابلة : إنّه يباح للرّجل والمرأة التّحلّي بالجوهر والزّمرّد والزّبرجد والياقوت والفيروز واللّؤلؤ ، أمّا العقيق فقيل : يستحبّ تختّمهما به ، وقيل : يباح التّختّم بالعقيق لما في رواية مهنّا ، وقد سئل الإمام أحمد : ما السّنّة ؟ يعني في التّختّم ، فأجاب بقوله : لم تكن خواتيم القوم إلاّ من الفضّة . قال صاحب كشّاف القناع : الدّملج في معنى الخاتم .
واختلف الحنفيّة في التّختّم بغير الذّهب والفضّة .
والحاصل كما قال ابن عابدين : أنّ التّختّم بالفضّة حلال للرّجال بالحديث ، وبالذّهب والحديد والصّفر حرام عليهم بالحديث ، وبالحجر حلال على اختيار شمس الأئمّة وقاضي خان أخذاً من قول الرّسول وفعله صلى الله عليه وسلم ، لأنّ حلّ العقيق لمّا ثبت بهما ثبت حلّ سائر الأحجار لعدم الفرق بين حجر وحجر ، وحرام على اختيار صاحب الهداية والكافي أخذاً من عبارة الجامع الصّغير : ولا يتختّم إلاّ بالفضّة . فإنّها يحتمل أن يكون القصر فيها بالإضافة إلى الذّهب ، ولا يخفى ما بين المأخذين من التّفاوت .
واختلف الشّافعيّة أيضاً في التّختّم بغير الذّهب والفضّة ، وقد ورد في المجموع طرف من هذا الخلاف ، وهو : قال صاحب الإبانة : يكره الخاتم من حديد أو شبه - نوع من النّحاس - وتابعه صاحب البيان ، وأضاف إليهما الخاتم من رصاص ، وقال صاحب التّتمّة : لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص لحديث الواهبة نفسها ، ففيه قوله للّذي أراد تزوّجها : « انظر ولو خاتماً من حديد » .
وفي حاشية القليوبيّ : ولا بأس بلبس غير الفضّة من نحاس أو غيره .
رابعاً : موضع التّختّم :
11 - لم يختلف الفقهاء في موضع التّختّم بالنّسبة للمرأة ، لأنّه تزيّن في حقّها ، ولها أن تضع خاتمها في أصابع يديها أو رجليها أو حيث شاءت .
ولكنّ الفقهاء اختلفوا في موضع التّختّم للرّجل ، بل إنّ فقهاء بعض المذاهب اختلفوا فيما بينهم في ذلك : فذهب بعض الحنفيّة إلى أنّه ينبغي أن يكون تختّم الرّجل في خنصر يده اليسرى ، دون سائر أصابعه ، ودون اليمنى .
وذهب بعضهم إلى أنّه يجوز أن يجعل خاتمه في يده اليمنى ، وسوّى الفقيه أبو اللّيث في شرح الجامع الصّغير بين اليمين واليسار ، لأنّه قد اختلفت الرّوايات عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ذلك ، وقول بعضهم : إنّه في اليمين من علامات أهل البغي ليس بشيء ، لأنّ النّقل الصّحيح عن « رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينفي ذلك » .
والمختار عند مالك رحمه الله التّختّم في اليسار على جهة النّدب ، وجعل الخاتم في الخنصر ، وكان مالك يلبسه في يساره ، قال أبو بكر بن العربيّ في القبس شرح الموطّأ : صحّ عن
« رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه تختّم في يمينه وفي يساره ، واستقرّ الأكثر على أنّه كان يتختّم في يساره » ، فالتّختّم في اليمين مكروه ، ويتختّم في الخنصر ، لأنّه بذلك أتت السّنّة عنه صلى الله عليه وسلم والاقتداء به حسن . ولأنّ كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب . وقال الشّافعيّة : يجوز للرّجل لبس خاتم الفضّة في خنصر يمينه ، وإن شاء في خنصر يساره ، كلاهما صحّ فعله عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لكنّ الصّحيح المشهور أنّه في اليمين أفضل لأنّه زينة ، واليمين أشرف .
وقال بعضهم : في اليسار أفضل . وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أنّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يتختّم في يساره ، وبإسناد حسن أنّ ابن عبّاس رضي الله عنهما تختّم في يمينه. وعند الشّافعيّة أنّ التّختّم في الوسطى والسّبّابة منهيّ عنه لما ورد عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال : « نهاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أتختّم في أصبعي هذه أو هذه قال : فأومأ إلى الوسطى والّتي تليها » .
وقال الحنابلة : لبس الخاتم في خنصر اليسار أفضل من لبسه في خنصر اليمين ، نصّ عليه في رواية صالح ، وضعّف في رواية الأثرم وغيره التّختّم في اليمنى ، قال الدّارقطنيّ وغيره : المحفوظ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتختّم في يساره ، وأنّه إنّما كان في الخنصر لكونه طرفاً ، فهو أبعد عن الامتهان فيما تتناوله اليد ، ولأنّه لا يشغل اليد عمّا تتناوله . وعند الحنابلة أنّه يكره لبس الخاتم في سبّابة ووسطى للنّهي الصّحيح عن ذلك .
وظاهره لا يكره لبسه في الإبهام والبنصر ، وإن كان الخنصر أفضل اقتصاراً على النّصّ .
خامساً : وزن خاتم الرّجل :
12 - اختلف الفقهاء في الوزن المباح لخاتم الرّجل : فعند الحنفيّة ، قال الحصكفيّ : لا يزيد الرّجل خاتمه على مثقال . ورجّح ابن عابدين قول صاحب الذّخيرة أنّه لا يبلغ به المثقال ، واستدلّ بما روي أنّ « رجلاً سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم قائلاً : من أيّ شيء أتّخذه ؟ - يعني الخاتم - فقال صلى الله عليه وسلم : اتّخذه من ورق ، ولا تتمّه مثقالاً » .
وقال المالكيّة : يجوز للذّكر لبس خاتم الفضّة إن كان وزن درهمين شرعيّين أو أقلّ ، فإن زاد عن درهمين حرم .
ولم يحدّد الشّافعيّة وزناً للخاتم المباح ، قال الخطيب الشّربينيّ : لم يتعرّض الأصحاب لمقدار الخاتم المباح ، ولعلّهم اكتفوا فيه بالعرف ، أي عرف البلد وعادة أمثاله فيها ، فما خرج عن ذلك كان إسرافاً ... هذا هو المعتمد ، وإن قال الأذرعيّ : الصّواب ضبطه بدون مثقال ، لما في صحيح ابن حبّان وسنن أبي داود عن أبي هريرة « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال للابس الخاتم الحديد : ما لي أرى عليك حلية أهل النّار فطرحه وقال : يا رسول اللّه من أيّ شيء أتّخذه ؟ قال : اتّخذه من ورق ولا تتمّه مثقالاً » قال : وليس في كلامهم ما يخالفه . وهذا لا ينافي ما ذكر لاحتمال أنّ ذلك كان عرف بلده وعادة أمثاله .
وقال الحنابلة : لا بأس بجعله مثقالاً فأكثر ، لأنّه لم يرد فيه تحديد ، ما لم يخرج عن العادة ، وإلاّ حرم ( قالوا ) لأنّ الأصل التّحريم ، وإنّما خرج المعتاد لفعله صلى الله عليه وسلم وفعل الصّحابة .
سادساً : عدد خواتم الرّجل :
13 - اختلف الفقهاء في حكم تعدّد خواتم الرّجل :
فنصّ المالكيّة على أنّه لا يباح للرّجل أكثر من خاتم واحد ، فإن تعدّد الخاتم حرم ولو كان في حدود الوزن المباح شرعاً .
واختلف فقهاء الشّافعيّة في تعدّد الخاتم ، ونقل صاحب مغني المحتاج جانباً من هذا الخلاف في قوله : وفي الرّوضة وأصلها : ولو اتّخذ الرّجل خواتيم كثيرةً ليلبس الواحد منها بعد الواحد جاز ، فظاهره الجواز في الاتّخاذ دون اللّبس ، وفيه خلاف مشهور ، والّذي ينبغي اعتماده فيه أنّه جائز ما لم يؤدّ إلى سرف .
وقال الحنابلة : لو اتّخذ الرّجل لنفسه عدّة خواتيم ، فالأظهر جوازه إن لم يخرج عن العادة ، والأظهر جواز لبس الرّجل خاتمين فأكثر جميعاً إن لم يخرج عن العادة .
ولم نجد كلاماً للحنفيّة في هذه المسألة .
سابعاً : النّقش على الخاتم :
14 - اتّفق الفقهاء على جواز النّقش على الخاتم ، وعلى أنّه يجوز نقش اسم صاحب الخاتم عليه ، واختلفوا في نقش لفظ الجلالة أو الذِّكْر :
فقال الحنفيّة والشّافعيّة : يجوز أن ينقش لفظ الجلالة أو ألفاظ الذّكر على الخاتم ، ولكنّه يجعله في كمّه إن دخل الخلاء ، وفي يمينه إذا استنجى .
وقال الحنابلة : يكره أن يكتب على الخاتم ذكر اللّه تعالى من القرآن أو غيره نصّاً ، قال إسحاق بن راهويه : لا يدخل الخلاء به ، وقال في الفروع : ولعلّ أحمد كرهه لذلك ، قال : ولم أجد للكراهة دليلاً سوى هذا ، وهي تفتقر إلى دليل والأصل عدمه . وقال الحنابلة أيضاً : يحرم أن ينقش عليه صورة حيوان ، ويحرم لبسه والصّورة عليه كالثّوب المصوّر ، ولم ير بعض الحنفيّة بأساً في نقش ذلك إذا كان صغيراً بحيث لا يبصر عن بعد .
ثامناً : فصّ الخاتم :
15 - ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنّه يجوز أن يكون لخاتم الرّجل المباح فصّ من مادّته الفضّيّة أو من مادّة أخرى على التّفصيل الآتي :
قال الحنفيّة : يجوز للرّجل أن يجعل فصّ خاتمه عقيقاً أو فيروزجاً أو ياقوتاً أو نحوه ، ولا بأس بسدّ ثقب الفصّ بمسمار الذّهب ليحفظ به الفصّ ، لأنّه قليل ، فأشبه العلم في الثّوب فلا يعدّ لابساً له ، ويجعل الرّجل فصّ خاتمه إلى بطن كفّه بخلاف النّساء ، لأنّه للزّينة في حقّهنّ دون الرّجال . وقال المالكيّة : لا بأس بالفضّة في حلية الخاتم ... ثمّ اختلفوا في الشّرح ، فقال بعضهم : تكون الحلية من الفضّة في خاتم من شيء جائز غير الحديد والنّحاس والرّصاص ، كالجلد والعود أو غير ذلك ممّا يجوز ، فيجعل الفصّ فيه .
وقال بعضهم : يكون الخاتم كلّه من الفضّة لما في صحيح مسلم : « كان خاتم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من ورق ، وكان فصّه حبشيّاً » أي كان صانعه حبشيّاً ، أو كان مصنوعاً كما يصنعه أهل الحبشة فلا ينافي رواية : أنّ فصّه منه .
وقال المالكيّة : لا يجوز للذّكر خاتم بعضه ذهب ولو قلّ .
وقالوا : يجعل فصّ الخاتم ممّا يلي الكفّ ، لأنّه بذلك أتت السّنّة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم والاقتداء به حسن ، فإذا أراد الاستنجاء خلعه كما يخلعه عند إرادة الخلاء .
وقال الشّافعيّة : يجوز الخاتم بفصّ وبغير فصّ ، وأضاف النّوويّ : ويجعل الفصّ من باطن كفّه أو ظاهرها ، وباطنها أفضل للأحاديث الصّحيحة فيه . وقال القليوبيّ : ويسنّ جعل فصّ الخاتم داخل الكفّ . وقال الحنابلة : للرّجل جعل فصّ خاتمه منه أو من غيره ، لأنّ في البخاريّ من حديث أنس رضي الله عنه « كان فصّه منه » ولمسلم « كان فصّه حبشيّاً » . وقالوا : يباح للذّكر من الذّهب فصّ خاتم إذا كان يسيراً ... اختاره أبو بكر عبد العزيز ومجد الدّين ابن تيميّة وتقيّ الدّين ابن تيميّة ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وإليه ميل ابن رجب ، قال في الإنصاف : وهو الصّواب وهو المذهب ، وفي الفتاوى المصريّة : يسير الذّهب التّابع لغيره كالطّراز ونحوه جائز في الأصحّ من مذهب الإمام أحمد .
واختار القاضي وأبو الخطّاب التّحريم ، وقطع به في شرح المنتهى في باب الآنية .
وقال الحنابلة : الأفضل أن يجعل الرّجل فصّ الخاتم ممّا يلي ظهر كفّه لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كان يفعل ذلك » وكان ابن عبّاس رضي الله عنهما وغيره يجعله ممّا يلي ظهر كفّه .
تاسعاً : تحريك الخاتم في الوضوء :
16 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يجب في الوضوء تحريك الخاتم أثناء غسل اليد ، إن كان ضيّقاً ولا يعلم وصول ماء الوضوء إلى ما تحته ، فإن كان الخاتم واسعاً ، أو كان ضيّقاً وعلم وصول الماء إلى ما تحته فإنّ تحريكه لا يجب ، بل يكون مستحبّاً .
وذهب المالكيّة إلى أنّه لا يجب تحويل خاتم المتوضّئ من موضعه ولو كان ضيّقاً إن كان مأذوناً فيه ، وعلى المتوضّئ إزالة غير المأذون فيه إن كان يمنع وصول الماء للبشرة وإلاّ فلا ، وليس الحكم بإزالة ما يمنع وصول الماء للبشرة خاصّاً بالخاتم غير المأذون فيه ، بل هو عامّ في كلّ حائل كشمع وزفت ووسخ .
عاشراً : تحريك الخاتم في الغسل :
17 - قال جمهور الفقهاء : ممّا يتحقّق به الغسل المجزئ أن يعمّم بدنه بالغسل ، حتّى ما تحت خاتم ونحوه ، فيحرّكه ليتحقّق وصول الماء إلى ما تحته ، ولو كان الخاتم ضيّقاً لا يصل الماء إلى ما تحته نزعه وجوباً .
وقال المالكيّة : يجب غسل ظاهر الجسد في الغسل ، وأمّا الخاتم فلا يلزم تحريكه ، كالوضوء . كما نصّ عليه ابن الموّاز خلافاً لابن رشد .
حادي عشر : نزع الخاتم في التّيمّم :
18 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب على من يريد التّيمّم نزع خاتمه ليصل التّراب إلى ما تحته عند المسح ، ولا يكفي تحريك الخاتم ، لأنّ التّراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء في الوضوء . وقال الحنفيّة : يجب على المتيمّم أن يستوعب بالمسح وجهه ويديه فينزع الخاتم أو يحرّكه .
ثاني عشر : العبث بالخاتم في الصّلاة :
19 - ذهب الفقهاء إلى أنّ العبث في الصّلاة مكروه ، والعبث : هو كلّ فعل ليس بمفيد للمصلّي ، ومنه كفّه لثوبه وعبثه به وبجسده وبالحصى وبالخاتم ، وتفصيله والخلاف فيه ينظر في الصّلاة عند الكلام عن المكروهات والمبطلات .
ثالث عشر : التّختّم في الإحرام :
20 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ للمحرم التّختّم بخاتمه حال إحرامه ، لأنّ التّختّم ليس لبساً ولا تغطيةً ، وقد روي عن عبد اللّه بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال : أوثقوا عليكم نفقاتكم - أي بشدّ الهميان في الوسط وفيه كيس النّفقة - ورخّص في الخاتم والهميان للمحرم . وقال المالكيّة : يحرم على الرّجل المحرم لبس الخاتم في الإحرام ولو فضّةً زنته درهمان ، وفيه الفدية إن طال .
رابع عشر : زكاة الخاتم :
21 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة - في الأظهر عندهم - والحنابلة على أنّ الحلية المباحة - ومنها خاتم الذّهب أو الفضّة للمرأة ، وخاتم الفضّة المباح للرّجل - لا زكاة فيه ، لأنّه مصروف عن جهة النّماء إلى استعمال مباح ، فأشبه ثياب البذلة وعوامل الماشية .
وقال الحنفيّة ، وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة : في خاتم الفضّة المباح للرّجل الزّكاة - بشرط النّصاب - لأنّ الفضّة خلقت ثمناً ، فيزكّيها كيف كانت . وتفصيله في الزّكاة .
خامس عشر : دفن الخاتم مع الشّهيد وغيره :
22 - ينزع عن الميّت قبل دفنه ما عليه من الحلية من خاتم وغيره لأنّ دفنه مع الميّت إضاعة للمال ، وهو منهيّ عنه . أمّا الشّهيد فقد اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّه ينزع عنه عند دفنه الجلد والسّلاح والفرو والحشو والخفّ والمنطقة والقلنسوة وكلّ ما لا يعتاد لبسه غالباً ، والخاتم مثل هذه بل أولى ، لحديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما :
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم » ولأنّ ما يترك على الشّهيد يترك ليكون كفناً ، والكفن ما يلبس للسّتر ، والخاتم لا يلبس للسّتر فينزع . وقال المالكيّة : ندب دفن الشّهيد بخفّ وقلنسوة ومنطقة قلّ ثمنها ، وبخاتم قلّ فصّه أي قيمته ، فلا ينزع إلاّ أن يكون نفيس الفصّ .

تخدير *
التّعريف :
1 - الخدر - بالتّحريك - استرخاء يغشى بعض الأعضاء أو الجسد كلّه . والخدر : الكسل والفتور . وخدّر العضو تخديراً : جعله خدراً ، وحقنه بمخدّر لإزالة إحساسه .
ويقال : خدّره الشّراب وخدّره المرض .
والمخدّر : مادّة تسبّب في الإنسان والحيوان فقدان الوعي بدرجات متفاوتة ، كالبنج والحشيش والأفيون ، والجمع مخدّرات ، وهي محدثة .
ولا يخرج استعمال الفقهاء للتّخدير عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّفتير :
2 - فتر عن العمل فتوراً : انكسرت حدّته ولان بعد شدّته ، ومنه : فتر الحرّ إذا انكسر ، فيكون التّفتير تكسيراً للحدة ، وتلييناً بعد الشّدّة .
وعلى هذا فالتّفتير أعمّ من التّخدير ، إذ التّخدير نوع من التّفتير .
ب - الإغماء :
3 - أغمي عليه : عرض له ما أفقده الحسّ والحركة . والإغماء : فتور غير أصليّ يزيل عمل القوى لا بمخدّر . فالتّخدير مباين للإغماء .
ج - الإسكار :
4 - أسكره الشّراب أزال عقله ، فالإسكار : إزالة الشّراب للعقل دون الحسّ والحركة ، فيكون التّخدير أعمّ من الإسكار . وهناك ألفاظ أخرى لها صلة بالتّخدير كالمفسد والمرقِّد . قال الحطّاب : فائدة تنفع الفقيه ، يعرف بها الفرق بين المسكر والمفسد والمرقد ، فالمسكر : ما غيّب العقل دون الحواسّ مع نشوة وفرح ، والمفسد : ما غيّب العقل دون الحواسّ لا مع نشوة وفرح كعسل البلادر ، والمرقد : ما غيّب العقل والحواسّ كالسيكران .
الحكم التّكليفيّ :
5 - المخدّرات أنواع متعدّدة تختلف لاختلاف أصولها المستخرجة منها .
وتناول المخدّرات كالحشيشة والأفيون والقاتّ والكوكايين والبنج والكفتة وجوزة الطّيب والبرش وغيرها بالمضغ أو التّدخين أو غيرهما ينتج عنه تغييب العقل ، وقد يؤدّي إلى الإدمان ، ممّا يسبّب تدهوراً في عقليّة المدمنين وصحّتهم ، وتغيّر الحال المعتدلة في الخلق والخلق . قال ابن تيميّة : كلّ ما يغيّب العقل فإنّه حرام ، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب ، فإنّ تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين ، أي إلاّ لغرض معتبر شرعاً .
6- وذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة تناول المخدّرات الّتي تغشى العقل ، ولو كانت لا تحدث الشّدّة المطربة الّتي لا ينفكّ عنها المسكر المائع .
وكما أنّ ما أسكر كثيره حرم قليله من المائعات ، كذلك يحرم مطلقاً ما يخدّر من الأشياء الجامدة المضرّة بالعقل أو غيره من أعضاء الجسد . وذلك إذا تناول قدراً مضرّاً منها . دون ما يؤخذ منها من أجل المداواة ، لأنّ حرمتها ليست لعينها ، بل لضررها .
7- وعلى هذا يحرم تناول البنج والحشيشة والأفيون في غير حالة التّداوي ، لأنّ ذلك كلّه مفسد للعقل ، فيحدث لمتناوله فساداً ، ويصدّ عن ذكر اللّه وعن الصّلاة . لكن تحريم ذلك ليس لعينه بل لنتائجه .
8- ويحرم القدر المسكر المؤذي من جوزة الطّيب ، فإنّها مخدّرة ، لكن حرمتها دون حرمة الحشيشة .
9- وذهب الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المقري الحرازيّ الشّافعيّ إلى تحريم القاتّ في مؤلّفه في تحريم القاتّ . حيث يقول : إنّي رأيت من أكلها الضّرر في بدني وديني فتركت لها ، فقد ذكر العلماء : أنّ المضرّات من أشهر المحرّمات ، فمن ضررها أنّ آكلها يرتاح ويطرب وتطيب نفسه ويذهب حزنه ، ثمّ يعتريه بعد ساعتين من أكله هموم متراكمة وغموم متزاحمة وسوء أخلاق . وكذلك ذهب الفقيه حمزة النّاشريّ إلى تحريمه واحتجّ بحديث أمّ سلمة رضي الله عنها « أنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن كلّ مسكر ومفتر » .
أدلّة تحريم المخدّرات :
10 - الأصل في تحريمها ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسند صحيح عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت :« نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتر» . قال العلماء : المفتر : كلّ ما يورث الفتور والخدر في الأطراف . قال ابن حجر : وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيش بخصوصه ، فإنّها تسكر وتخدّر وتفتر .
وحكى القرافيّ وابن تيميّة الإجماع على تحريم الحشيشة ، قال ابن تيميّة : ومن استحلّها فقد كفر ، وإنّما لم تتكلّم فيها الأئمّة الأربعة رضي الله عنهم ، لأنّها لم تكن في زمنهم ، وإنّما ظهرت في آخر المائة السّادسة وأوّل المائة السّابعة حين ظهرت دولة التّتار .
طهارة المخدّرات ونجاستها :
11 - المخدّرات الجامدة كلّها عند جمهور الفقهاء طاهرة غير نجسة وإن حرم تعاطيها ، ولا تصير نجسةً بمجرّد إذابتها في الماء ولو قصد شربها ، لأنّ الحكم الفقهيّ أنّ نجاسة المسكرات مخصوصة بالمائعات منها ، وهي الخمر الّتي سمّيت رجساً في القرآن الكريم ، وما يلحق بها من سائر المسكرات المائعة .
بل قد حكى ابن دقيق العيد الإجماع على طهارة المخدّرات . على أنّ بعض الحنابلة رجّح الحكم بنجاسة هذه المخدّرات الجامدة . وتفصيل ذلك في موضوع النّجاسات .
علاج مدمني المخدّرات :
12 - سئل ابن حجر المكّيّ الشّافعيّ عمّن ابتلي بأكل الأفيون والحشيش ونحوهما ، وصار إن لم يأكل منه هلك . فأجاب : إن علم أنّه يهلك قطعاً حلّ له ، بل وجب ، لاضطراره إلى إبقاء روحه ، كالميتة للمضطرّ ، ويجب عليه التّدرّج في تقليل الكميّة الّتي يتناولها شيئاً فشيئاً ، حتّى يزول تولّع المعدة به من غير أن تشعر ، قال الرّمليّ من الحنفيّة : وقواعدنا لا تخالفه في ذلك .
بيع المخدّرات وضمان إتلافها :
13 - لمّا كانت المخدّرات طاهرةً - كما سبق تفصيل ذلك - وأنّها قد تنفع في التّداوي بها جاز بيعها للتّداوي عند جمهور الفقهاء ، وضمن متلفها ، واستثنى بعض الفقهاء الحشيشة ، فقالوا بحرمة بيعها كابن نجيم الحنفيّ ، وذلك لقيام المعصية بذاتها ، وذكر ابن الشّحنة أنّه يعاقب بائعها ، وصحّح ابن تيميّة نجاستها وأنّها كالخمر ، وبيع الخمر لا يصحّ فكذا الحشيشة عند الحنابلة ، وذهب بعض المالكيّة إلى ما ذهب إليه ابن تيميّة .
أمّا إذا كان بيعها لا لغرض شرعيّ كالتّداوي ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى تحريم بيع المخدّرات لمن يعلم أو يظنّ تناوله لها على الوجه المحرّم ، ولا يضمن متلفها ، خلافاً للشّيخ أبي حامد - أي الإسفرايينيّ - ويفهم من كلام ابن عابدين في حاشيته أنّ البيع مكروه ويضمن متلفها .
تصرّفات متناول المخدّرات :
14 - إنّ متناول القدر المزيل للعقل من المخدّرات ، إمّا أن يكون للتّداوي أو لا ، فإن كان للتّداوي فإنّ تصرّفاته لا تصحّ عند جماهير الفقهاء .
أمّا إذا كان زوال العقل بتناول المخدّرات لا للتّداوي ، فإنّ الفقهاء مختلفون فيما يصحّ من تصرّفاته وما لا يصحّ . فذهب الحنفيّة إلى أنّ تصرّفاته صحيحة إذا استعمل الأفيون للّهو ، لكونه معصيةً ، واستثنى الحنفيّة الرّدّة والإقرار بالحدود والإشهاد على شهادة نفسه فإنّها لا تصحّ ، ومحلّ ذلك إذا كان لا يعرف الأرض من السّماء ، أمّا إذا كان يعرف ذلك فهو كالصّاحي ، فكفره صحيح ، وكذلك طلاقه وعتاقه وخلعه .
قال ابن عابدين في الحشيشة والسّكر بها : فلمّا ظهر من أمرها - أي الحشيشة - من الفساد كثير وفشا ، عاد مشايخ المذهبين - الحنفيّة والشّافعيّة - إلى تحريمها وأفتوا بوقوع الطّلاق بها . وزاد بعض الحنفيّة على ما تقدّم أنّ زوال العقل إذا كان بالبنج والأفيون ، وكان للتّداوي - أي على سبيل الجواز - أنّ الطّلاق يقع زجراً وعليه الفتوى .
وذهب المالكيّة إلى صحّة طلاقه وعتقه وتلزمه الحدود والجنايات على نفس ومال ، بخلاف عقوده من بيع وشراء وإجارة ونكاح وإقرارات فلا تصحّ ولا تلزم على المشهور . وذهب الشّافعيّة إلى صحّة جميع تصرّفاته ، لعصيانه بسبب زوال عقله ، فجعل كأنّه لم يزل . والصّحيح من مذهب الحنابلة أنّ تناول البنج ونحوه لغير حاجة - إذا زال العقل به كالمجنون - لا يقع طلاق من تناوله ، لأنّه لا لذّة فيه ، وفرّق الإمام أحمد بينه وبين السّكران فألحقه بالمجنون ، وقدّمه في " النّظم " " والفروع " وهو الظّاهر من كلام الخرقيّ فإنّه قال : وطلاق الزّائل العقل بلا سكر لا يقع . قال الزّركشيّ - من الحنابلة - وممّا يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة ، وأبو العبّاس ابن تيميّة يرى أنّ حكمها حكم الشّراب المسكر حتّى في إيجاب الحدّ ، وهو الصّحيح إن أسكرت ، أو أسكر كثيرها وإلاّ حرمت ، وعزّر فقط فيها .
رد مع اقتباس