عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 05-19-2012, 07:11 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الجزء الحادي عشر / الموسوعة الفقهية

تخارج *
التّعريف :
1 - التّخارج في اللّغة : مصدر تخارج ، يقال : تخارج القوم : إذا أخرج كلّ واحد منهم نفقةً على قدر نفقة صاحبه . وتخارج الشّركاء : خرج كلّ واحد من شركته عن ملكه إلى صاحبه بالبيع . وفي الاصطلاح هو : أن يصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الصّلح :
2 - الصّلح لغةً : اسم للمصالحة الّتي هي المسالمة خلاف المخاصمة. واصطلاحاً : عقد وضع لرفع المنازعة . وهو أعمّ من التّخارج ، لأنّه يشمل المصالحة في الميراث وغيره .
ب - القسمة أو التّقاسم :
3 - القسمة لغةً ، اسم للاقتسام أو التّقسيم ، وتقاسموا الشّيء : قسموه بينهم ، وهو أن يأخذ كلّ واحد نصيبه . وشرعاً : جمع نصيب شائع في مكان معيّن .
والفرق بينهما أنّه في القسمة يأخذ جزءاً من المال المشترك ، أمّا في التّخارج فإنّ الوارث الّذي يخرج يأخذ شيئاً معلوماً ، سواء أكان من التّركة أم من غيرها .
الحكم التّكليفيّ :
4 - التّخارج جائز عند التّراضي ، والأصل في جوازه ما روي أنّ عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه طلّق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبيّة في مرض موته ، ثمّ مات وهي في العدّة ، فورّثها عثمان رضي الله تعالى عنه مع ثلاث نسوة أخر ، فصالحوها عن ربع ثُمُنها على ثلاثة وثمانين ألفاً . قيل من الدّنانير ، وقيل من الدّراهم .
حقيقة التّخارج :
5 - الأصل في التّخارج أنّه عقد صلح بين الورثة لإخراج أحدهم ، ولكنّه يعتبر عقد بيع إن كان البدل المصالح عليه شيئاً من غير التّركة .
ويعتبر عقد قسمة ومبادلة ، إن كان البدل المصالح عليه من مال التّركة ، وقد يكون هبةً أو إسقاطاً للبعض ، إن كان البدل المصالح عليه أقلّ من النّصيب المستحقّ . وهذا في الجملة . ويشترط في كلّ حالة شروطها الخاصّة .
من يملك التّخارج :
6 - التّخارج عقد صلح ، وهو في أغلب أحواله يعتبر من عقود المعاوضات ، ولذلك يشترط فيمن يملك التّخارج أهليّة التّعاقد ، وذلك بأن يكون عاقلاً غير محجور عليه ، فلا يصحّ التّخارج من الصّبيّ الّذي لا يميّز ، ولا من المجنون وأشباهه .
ويشترط أن يكون ذا إرادة ، لأنّ التّخارج مبناه على الرّضا . ( ر : إكراه ) .
ويشترط فيمن يملك التّخارج كذلك أن يكون مالكاً لما يتصرّف فيه . وفي تصرّف الفضوليّ خلاف بين من يجيزه موقوفاً على إجازة المالك ، وهم الحنفيّة والمالكيّة ، وبين من لا يجيزه ، وهم الشّافعيّة والحنابلة . وفي ذلك تفصيل موضعه مصطلح ( فضوليّ ) .
وقد يكون ملك التّصرّف بالوكالة ، وحينئذ يجب أن يقتصر التّصرّف على المأذون به للوكيل . ( ر : وكالة ) . وقد يكون ملك التّصرّف كذلك بالولاية الشّرعيّة كالوليّ والوصيّ ، وحينئذ يجب أن يقتصر تصرّفهما على ما فيه الحظّ للمولّى عليه . فقد نقل ابن فرحون عن مفيد الحكّام في الأب يصالح عن ابنته البكر ببعض حقّها من ميراث أو غير ذلك ، وحقّها بيّن لا خصام فيه ، أنّ صلحه غير جائز ، إذ لا نظر فيه ، أي لا مصلحة ، وترجع الابنة ببقيّته على من هو عليه . وينظر تفصيل ذلك في : ( وصاية ، ولاية ) .
شروط صحّة التّخارج :
للتّخارج شروط عامّة باعتباره عقد صلح ، وشروط خاصّة بصور التّخارج تختلف باختلاف الصّور ، وستذكر عند بيانها .
أمّا الشّروط العامّة فهي :
7 - أ - يشترط لصحّة التّخارج أن تكون التّركة - محلّ التّخارج - معلومةً ، إذ التّخارج في الغالب بيع في صورة صلح ، وبيع المجهول لا يجوز ، وكذا الصّلح عنه ، وذلك إذا أمكن الوصول إلى معرفة التّركة ، فإذا تعذّر الوصول إلى معرفتها جاز الصّلح عن المجهول ، كما إذا صالحت الزّوجة عن صداقها ، ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والإمام أحمد ، وبعض الحنابلة الّذين لا يجيزون الصّلح عن المجهول .
والمشهور عند الحنابلة جواز الصّلح عن المجهول مطلقاً ، سواء تعذّر علمه أو لم يتعذّر . ودليل الصّلح عن المجهول عند تعذّر العلم به : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما في مواريث درست : اقتسما وتوخّيا الحقّ ثمّ استهما ثمّ تحالاّ » .
أمّا عند الحنفيّة فلا يشترط أن تكون أعيان التّركة معلومةً فيما لا يحتاج إلى قبض ، لأنّه لا حاجة فيه إلى التّسليم ، وبيع ما لم يعلم قدره جائز ، كمن أقرّ بغصب شيء ، فباعه المقرّ له من المقرّ جاز وإن لم يعرفا قدره ، ولأنّ الجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة ، ودليل جواز ذلك أثر عثمان في تخارج تماضر امرأة عبد الرّحمن بن عوف .
8- ب - أن يكون البدل مالاً متقوّماً معلوماً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه ، فلا يصحّ أن يكون البدل مجهولاً جنساً أو قدراً أو صفةً ، ولا أن يكون ممّا لا يصلح عوضاً في البيع . وهذا في الجملة ، إذ عند الحنفيّة والحنابلة : إذا كان العوض لا يحتاج إلى تسليم ، وكان لا سبيل إلى معرفته كالمختصمين في مواريث دارسة ، فإنّه يجوز مع الجهالة .
9- ج - التّقابض في المجلس فيما يعتبر صرفاً ، كالتّخارج عن أحد النّقدين بالآخر ، وكذا فيما إذا اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا .
وهذا باتّفاق في الأصل ، مع الاختلاف في التّفاصيل الّتي سترد عند ذكر صور التّخارج .
10 - د - توافر شروط بيع الدّين إذا كان للتّركة دين على الغير ، وهذا عند من يجيز بيع الدّين لغير من هو عليه كالمالكيّة والشّافعيّة ، أو يراعى استعمال الحيلة لجواز التّخارج كالإبراء أو الحوالة به كما يقول الحنفيّة ، وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر الصّور .
صور التّخارج :
لم ترد صور مفصّلة للتّخارج عند الشّافعيّة والحنابلة ، وإنّما ورد ذلك مفصّلاً عند الحنفيّة والمالكيّة مع الاختلاف في الاتّجاهات ،ولا تظهر هذه الاتّجاهات إلاّ بذكر كلّ مذهب على حدة.
صور التّخارج عند الحنفيّة :
11 - إذا تخارج الورثة مع أحدهم عن نصيبه في التّركة على شيء من المال يدفعونه له ، فلذلك صور تختلف بحسب نوع البدل الّذي يدفعونه ،وبحسب نوعيّة التّركة ، وذلك كما يلي :
أ - إذا كانت التّركة عقاراً أو عرضاً ، فأخرج الورثة أحدهم منها بمال أعطوه إيّاه ، جاز التّخارج سواء أكان ما أعطوه أقلّ من حصّته أم أكثر ، لأنّه أمكن تصحيحه بيعاً ، والبيع يصحّ بالقليل والكثير من الثّمن . ولا يصحّ جعله إبراءً ، لأنّ الإبراء من الأعيان غير المضمونة لا يصحّ . ولا يشترط معرفة مقدار حصّته من التّركة ، إذ الجهالة هنا لا تفسد البيع ، لأنّها لا تفضي إلى النّزاع ، لأنّ المبيع هنا لا يحتاج إلى تسليم .
ب - إذا كانت التّركة ذهباً فأعطوه فضّةً ، أو كانت فضّةً فأعطوه ذهباً جاز الصّلح أيضاً ، سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أم أكثر ، لأنّه بيع الجنس بخلاف الجنس ، فلا يعتبر التّساوي . لكن يشترط القبض في المجلس لكونه صَرْفاً .
غير أنّ الوارث الّذي في يده بقيّة التّركة إن كان جاحداً وجودها في يده يكتفي بذلك القبض ، لأنّه قبض ضمان فينوب عن قبض الصّلح .
والأصل في ذلك أنّه متى تجانس القبضان ، بأن يكون قبض أمانة أو قبض ضمان ناب أحدهما مناب الآخر ، أمّا إذا اختلفا فالمضمون ينوب عن غيره .
وإن كان الّذي في يده بقيّة التّركة مقرّاً ، فإنّه لا بدّ من تجديد القبض ، وهو الانتهاء إلى مكان يتمكّن من قبضه ، لأنّه قبض أمانة ، فلا ينوب عن قبض الصّلح .
ج - وإن كانت التّركة دراهم ودنانير ، وبدل الصّلح كذلك دراهم ودنانير ، جاز الصّلح كيفما كان ، صرفاً للجنس إلى خلاف جنسه كما في البيع ، لكن لا بدّ من القبض في المجلس لكونه صَرْفاً .
د - وإن كانت التّركة ذهباً وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار ، فصالحوه على أحد النّقدين فلا يجوز الصّلح ، إلاّ أن يكون ما أعطي له أكثر من حصّته من ذلك الجنس ، ليكون نصيبه بمثله ، والزّيادة تكون في مقابل حقّه من بقيّة التّركة احترازاً عن الرّبا ، ولا بدّ من التّقابض فيما يقابل نصيبه ، لأنّه صرف في هذا القدر .
فإن كان ما أعطوه مساوياً لنصيبه ، أو كان أقلّ من نصيبه بطل الصّلح لوجود الرّبا ، لأنّه إذا كان البدل مساوياً تبقى الزّيادة من غير جنس البدل خاليةً عن العوض ، فيكون رباً .
وإن كان البدل أقلّ من نصيبه تبقى الزّيادة من جنس ذلك ومن غير جنسه خاليةً عن العوض ، فيكون رباً . وتعذّر تجويزه بطريق المعاوضة للزوم الرّبا ، ولا يصحّ تجويزه بطريق الإبراء عن الباقي ، لأنّ الإبراء عن الأعيان باطل .
وكذلك يبطل التّخارج إن كان نصيبه مجهولاً لاحتمال الرّبا ، لأنّ الفساد على تقدير أن يكون البدل مساوياً له أو أقلّ ، فكان أرجح وأولى بالاعتبار .
ونقل عن الحاكم أبي الفضل أنّ الصّلح إنّما يبطل على أقلّ من نصيبه في مال الرّبا في حالة التّصادق ، أمّا في حالة التّناكر بأن أنكروا وراثته فالصّلح جائز ، لأنّه في حالة المناكرة يكون المدفوع لقطع المنازعة ولافتداء اليمين ، أو لحمله على أخذ عين الحقّ في قدر المأخوذ وإسقاط الحقّ في الباقي ، كما قالوا في الصّلح عن الدّين بأقلّ من جنسه .
هـ - ولو كانت التّركة ذهباً وفضّةً وغير ذلك من العروض والعقار فصالحوه على عرض جاز الصّلح مطلقاً ، سواء أكان ما أعطوه أقلّ من نصيبه أو أكثر .
و - إذا كانت أعيان التّركة مجهولةً والصّلح على المكيل أو الموزون ففيه اختلاف . قال المرغينانيّ : لا يجوز الصّلح لما فيه من احتمال الرّبا ، بأن يكون في التّركة مكيل أو موزون من جنسه ، فيكون في حقّه بيع المقدّر بجنسه جزافاً .
وقال الفقيه أبو جعفر : يجوز لاحتمال أن لا يكون في التّركة من ذلك الجنس ، وإن كان فيها فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك الجنس في التّركة أقلّ ممّا وقع عليه الصّلح فلا يلزم الرّبا ، واحتمال أن يكون نصيبه من ذلك أكثر ، أو مثل ما وقع عليه الصّلح هو احتمال الاحتمال ، ففيه شبهة الشّبهة وليست بمعتبرة .
وقول أبي جعفر هو الصّحيح على ما في الزّيلعيّ وفتاوى قاضي خان .
ز - وإن كانت أعيان التّركة مجهولةً ، وهي غير مكيل أو موزون في يد بقيّة الورثة ، وكان الصّلح على المكيل أو الموزون قيل : لا يجوز ، لأنّه بيع المجهول ، لأنّ المصالح باع نصيبه من التّركة وهو مجهول بما أخذ من المكيل والموزون .
والأصحّ أنّه يجوز ، لأنّ الجهالة هنا لا تفضي إلى المنازعة لعدم الحاجة إلى التّسليم ، لقيام التّركة في يدهم ، حتّى لو كانت في يد المصالح أو بعضها لم يجز الصّلح ، ما لم يعلم جميع ما في يده للحاجة إلى التّسليم .
صور التّخارج عند المالكيّة :
يفرّق المالكيّة بين أن يكون بدل التّخارج من نفس التّركة ، وبين أن يكون من غيرها .
أوّلاً : إذا كان بدل التّخارج من نفس التّركة :
12 - إذا كانت التّركة قد اشتملت على عرض وفضّة وذهب ، وصالح الورثة أحدهم عن إرثه . كزوجة مثلاً مات زوجها فصالحها الابن على ما يخصّها من التّركة ، فإنّ الصّلح يجوز في الحالات الآتية :
أ - إذا أخذت ذهباً من التّركة قدر حصّتها من ذهب التّركة أو أقلّ ، أو أخذت دراهم من التّركة قدر حصّتها من دراهم التّركة أو أقلّ ، وذلك كصلحها بعشرة دنانير أو أقلّ والذّهب ثمانون عند الفرع الوارث ، لأنّها أخذت حظّها ( أي : الثُّمُن ) من الدّنانير أو بعضه فيكون الباقي كأنّه هبة للورثة . ولكن يشترط أن يكون الذّهب الّذي أخذت منه حاضراً كلّه ، أو تكون الدّراهم حاضرةً كلّها إن أخذت منها ، وسواء حضر ما عدا ذلك من التّركة أم غاب ، لأنّ النّوع الّذي أخذت منه لو كان بعضه غائباً ترتّب على ذلك صورة ممنوعة ، وهي : اشتراط تعجيل الثّمن في بيع الشّيء الغائب بيعاً لازماً .
ب - إذا أخذت ذهباً من التّركة زائداً على حظّها ديناراً واحداً فقط . كصلحها بأحد عشر من الثّمانين الحاضرة ، لأنّها أخذت نصيبها من الدّنانير ، وباعت لباقي الورثة حظّها من الدّراهم والعرض بالدّينار الزّائد ، فجميع ما فيه من البيع والصّرف دينار ، لأنّه لا يجوز أن يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
ولكن يشترط في هذه الحالة أن تكون التّركة كلّها من عرض ونقد حاضرةً .
ج - إذا صولحت بذهب من ذهب التّركة ، وكان ما أخذته يزيد عمّا يخصّها من الذّهب أكثر من دينار ، جاز هذا الصّلح إن قلّت الدّراهم الّتي تستحقّها عن صرف دينار ، أو قلّت قيمة العروض الّتي تستحقّها عن صرف دينار ، أو قلّت الدّراهم والعروض عن صرف دينار . وإنّما جاز في هذه الحالات لاجتماع البيع والصّرف في دينار واحد فقط ، لأنّه لا يجوز أن يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
ويشترط أن تكون التّركة كلّها معلومةً وحاضرةً . فإن كانت الدّراهم وقيمة العروض أكثر من صرف دينار منع الصّلح حينئذ ، لأنّه يؤدّي إلى اجتماع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
د - إذا صولحت بعرض من عروض التّركة جاز الصّلح مطلقاً ، سواء أكان ما أخذته قدر نصيبها أم أقلّ أم أكثر .
ثانياً : إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة :
13 - إذا كان بدل التّخارج من غير التّركة فإنّ حكم الصّلح يختلف تبعاً لاختلاف الحالات وهي :
أ - إذا كانت التّركة عروضاً وفضّةً وذهباً ، وصالحها الورثة بذهب من غير ذهب التّركة ، أو بفضّة من غير فضّة التّركة ، فلا يجوز هذا الصّلح ، قلّ ما أخذته عن نصيبها أو كثر ، لأنّه بيع ذهب وفضّة وعرض بذهب أو فضّة ، وهذا ربا فضل ، وفيه ربا النّساء إن غابت التّركة كلّها أو بعضها ، لأنّ حكمه حكم النّقد إذا صاحبه النّقد .
ب - إذا كانت التّركة كما ذكر في الصّورة السّابقة ، وصالح الورثة الزّوجة بعرض من غير عرض التّركة جاز هذا الصّلح بشروط هي :
أن تكون التّركة كلّها معلومةً للمتصالحين ليكون الصّلح على معلوم ، وأن تكون التّركة جميعها حاضرةً حقيقةً في العين أو حكماً في العرض ، بأن كانت قريبة الغيبة بحيث يجوز النّقد فيه فهو في حكم الحاضر ، وأن يكون الصّلح عن إقرار ، وأن يقرّ المدين بما عليه إن كان في التّركة دين ، وأن يحضر وقت الصّلح إذ لو غاب لاحتمل إنكاره ، وأن يكون مكلّفاً .
ج - إذا كانت التّركة دراهم وعرضاً ، أو ذهباً وعرضاً ، جاز الصّلح بذهب من غير ذهب التّركة ، أو بفضّة من غير التّركة بشرط أن لا يجتمع البيع والصّرف في أكثر من دينار .
مذهب الشّافعيّة :
14 - يفرّق الشّافعيّة في تخارج الورثة بين ما إذا كان الصّلح بينهم عن إقرار أو عن إنكار ، فإن كان عن إقرار ، وكان البدل من غير المتصالح عليه كان بيعاً تثبت فيه أحكام البيع ، كاشتراط القبض إن اتّفق المصالح عنه والمصالح عليه في علّة الرّبا ، وكاشتراط التّساوي إذا كان جنساً ربويّاً وغير ذلك .
وإن جرى الصّلح على بعض المتصالح عنه فهو هبة للبعض ، وتثبت فيه أحكام الهبة .
هذا بالنّسبة للصّلح عن إقرار ، أمّا الصّلح عن إنكار فهو باطل عندهم ، لكنّهم يستثنون من بطلان الصّلح على الإنكار صلح الورثة فيما بينهم للضّرورة ، لكن يشترط أن يكون ما يعطى للمتصالح من نفس التّركة لا من غيرها ، ويستوي أن يكون التّصالح على تساو أو تفاوت .
مذهب الحنابلة :
15 - لم يذكر الحنابلة صوراً للتّخارج ، وهو يجري على قواعد الصّلح العامّة الّتي قد تكون بيعاً أو هبةً أو إبراءً .
ويجوز أن يكون البدل من جنس المتصالح عليه ومن غير جنسه ، فإن كان من جنس حقّه بقدره فهو استيفاء له ، وإن كان دونه فهو استيفاء لبعضه وترك للبعض الآخر : إمّا على سبيل الإبراء أو على سبيل الهبة .
وإن كان البدل من غير جنس المتصالح عليه كان بيعاً تجري فيه أحكام البيع ، وتراعى شروط الصّرف إن كان عن نقد بنقد وهكذا . ويشترط - إن كان الصّلح عن إنكار - أن لا يأخذ المتصالح من جنس حقّه أكثر ممّا يستحقّ ، لأنّ الزّائد لا مقابل له ، فيكون ظالماً بأخذه ، بخلاف ما إذا أخذ من غير جنسه ، لأنّه يكون بيعاً في حقّ المدّعي ، لاعتقاده أخذه عوضاً ، ويكون في حقّ المنكر بمنزلة الإبراء ، لأنّه دفع المال افتداءً ليمينه ورفعاً للضّرر عنه .
كون بعض التّركة ديناً قبل التّخارج :
لو كان بعض التّركة ديناً على النّاس وصالح الورثة أحدهم على أن يخرجوه من الدّين ويكون لهم ، فقد اختلف الفقهاء في جواز الصّلح حسب الاتّجاهات الآتية :
16 - فعند الحنفيّة الصّلح باطل في العين والدّين ، أمّا في الدّين فلأنّ فيه تمليك الدّين - وهو حصّة المصالح - من غير من عليه الدّين وهم الورثة ، وأمّا في العين فلأنّ الصّفقة واحدة ، سواء بيّن حصّة الدّين أو لم يبيّن عند أبي حنيفة ، وهو قول صاحبيه على الأصحّ . وقد ذكر الحنفيّة بعض الصّور لتصحيح هذا الصّلح وهي :
أ - أن يشترط الورثة أن يبرئ المصالح الغرماء من حصّته من الدّين ، لأنّه حينئذ يكون إسقاطاً ، أو هو تمليك الدّين ممّن عليه الدّين وهو جائز .
ب - أن يعجّل الورثة قضاء نصيب المصالح من الدّين متبرّعين ويحيلهم بحصّته .
وفي هذين الوجهين ضرر بقيّة الورثة ، لأنّ في الأولى لا يمكنهم الرّجوع على الغرماء بقدر المصالح به . وكذا في الثّانية ، لأنّ النّقد خير من النّسيئة .
17 - والحنابلة كالحنفيّة لا يجوز عندهم بيع الدّين لغير من عليه الدّين ، ولكن يصحّ إبراء الغريم منه أو الحوالة به عليه .
18 - أمّا عند المالكيّة : فإنّه يجوز بيع الدّين لغير من عليه الدّين بشروطه ، وعلى ذلك فإنّه يجوز الصّلح عن الدّين الّذي على الغير ، حيث يجوز بيع الدّين ، ويمتنع الصّلح عنه حيث يمتنع بيعه . فيجوز الصّلح عن الدّين إذا كان الدّين حيواناً أو عرضاً أو طعاماً من قرض ، وبشرط أن يكون المدين حاضراً ، وأن يكون مقرّاً بالدّين ، وأن يكون مكلّفاً ، ويمتنع في غير ما تقدّم .
19 - والأظهر عند الشّافعيّة - على ما جاء في مغني المحتاج - بطلان بيع الدّين لغير من عليه ، والمعتمد جواز بيعه لغير من عليه بشروطه ، بأن يكون المدين مليّاً مقرّاً والدّين حالّاً مستقرّاً . وقال النّوويّ : لو قال أحد الوارثين لصاحبه : صالحتك من نصيبي على هذا الثّوب ، فإن كانت التّركة ديوناً على غيره فهو بيع دين لغير من عليه ، وإن كان فيها عين ودين على الغير - ولم نجوّز بيع الدّين لغير من هو عليه - بطل الصّلح في الدّين ، وفي العين القولان في تفريق الصّفقة .
ولو مات شخص عن ابنين ، والتّركة ألفا درهم ومائة دينار ، وهي دين في ذمّة الغير ، فصالح أحدهما أخاه من الدّين على ألفي درهم جاز ، لأنّه إذا كان في الذّمّة فلا ضرورة إلى تقدير المعاوضة فيه ، فيجعل مستوفياً لأحد الألفين ومعتاضاً عن الدّنانير الألف الآخر .
ظهور دين على التّركة بعد التّخارج :
20 - الأصل أنّ الدّين يتعلّق بالتّركة ، ويقدّم سداده على تقسيم التّركة ، لقوله تعالى :
{ مِنْ بعدِ وَصيّةٍ يُوصَى بها أو دَيْنٍ } .
لكن الفقهاء يختلفون في وقت ابتداء ملكيّة الوارث للتّركة إذا كانت مدينةً . فعند الحنفيّة والمالكيّة لا تنتقل ملكيّة التّركة إلى الورثة إلاّ بعد سداد الدّين .
والصّحيح عند الشّافعيّة ، وإحدى الرّوايات عند الحنابلة . تنتقل ملكيّة التّركة للوارث قبل سداد الدّين مع تعلّق الدّين بها ، وهذا في الجملة .
وفائدة هذا الخلاف أنّ الغلّة الّتي تحدث من وقت الوفاة إلى وقت السّداد يتعلّق بها الدّين عند من يقول : إنّ التّركة لا تدخل في ملك الوارث مع تعلّق الدّين بها .
وتكون للوارث عند من يقول : إنّ التّركة تدخل في ملك الوارث ولو كانت مدينةً .
ومع هذا الاختلاف فإنّه إذا تصالح الورثة فيما بينهم ، وأخرجوا أحدهم ، واقتسموا التّركة ، ثمّ ظهر دين بعد الصّلح محيط بالتّركة ، فإنّه إذا قضى الورثة الدّين ، أو أبرأ الغرماء ، أو ضمن رجل بشرط أن لا يرجع على الورثة مضى الصّلح ولا يبطل .
وإن امتنع الورثة من الأداء ، ولم يضمن أحد ، ولم يبرئ الغرماء بطل الصّلح .
وهذا باتّفاق في الجملة . إذ في قول عند المالكيّة يقيّد البطلان بما إذا كان المقسوم مقوّماً . بخلاف ما لو كان عيناً أو مثليّاً . وينظر تفصيل ذلك في ( صلح - قسمة - دين - تركة ) .
ظهور دين للميّت بعد التّخارج :
21 - لو صالح الورثة أحدهم وخرج من بينهم ، ثمّ ظهر للميّت شيء ، فإمّا أن يكون عيناً وإمّا أن يكون ديناً : فإن كان عيناً فالأشهر أنّها لا تندرج تحت الصّلح الّذي تمّ بين الورثة . وإنّما تقسم بين الكلّ ، أي يكون هذا الّذي ظهر بين الكلّ . وتسمع الدّعوى بها على هذا . وقيل : تدخل في الصّلح فلا تسمع الدّعوى بها .
وكذا الحكم لو صدر بعد الصّلح إبراء عامّ ، ثمّ ظهر للمصالح عين ، فالأصحّ سماع الدّعوى بناءً على القول بعدم دخولها تحت الصّلح ، ولا تسمع بناءً على القول بدخولها .
وهذا إذا اعترف بقيّة الورثة بأنّ العين من التّركة ، وإلاّ فلا تسمع دعواه بعد الإبراء .
وإن كان ما ظهر في التّركة ديناً فعلى القول بعدم دخوله في الصّلح يصحّ الصّلح ويقسم الدّين بين الكلّ ، وعلى القول بالدّخول فالصّلح فاسد كما لو كان الدّين ظاهراً وقت الصّلح ، إلاّ أن يكون مخرجاً من الصّلح ، بأن وقع التّصريح بالصّلح عن غير الدّين من أعيان التّركة فلا يفسد الصّلح . وإن وقع الصّلح على جميع التّركة فسد كما لو كان الدّين ظاهراً وقت الصّلح ، هذا مذهب الحنفيّة وقواعد المذاهب الأخرى تساير ما قاله الحنفيّة في الجملة . وينظر تفصيل ذلك في ( صلح - إبراء - دعوى - قسمة ) .
كيفيّة تقسيم التّركة بعد التّخارج :
22 - إذا تصالح الورثة مع أحدهم على أن يترك حصّته لهم ، ويأخذ بدلها جزءاً معيّناً من التّركة ، فإنّ طريقة التّقسيم أن تصحّح المسألة باعتبار المصالح موجوداً بين الورثة ، ثمّ تطرح سهامه من التّصحيح ، ثمّ يقسم باقي التّركة على سهام الباقين من الورثة .
مثال ذلك : توفّيت امرأة عن زوج وأمّ وعمّ ، فمع وجود الزّوج تكون المسألة من ستّة ، للزّوج منها ثلاثة أسهم ، وللأمّ سهمان ، وللعمّ الباقي وهو سهم واحد . فإن صالح الزّوج عن نصيبه - الّذي هو النّصف - على ما في ذمّته للزّوجة من المهر على أن يخرج من التّركة ، فإنّ سهامه تسقط في نظير ما أخذ ، والباقي من التّركة - وهو ما عدا المهر - يقسم بين الأمّ والعمّ بقدر سهامهما من أصل المسألة فيكون للأمّ سهمان وللعمّ سهم .
ولا يجوز أن يجعل الزّوج كأنّه غير موجود ما دام قد خرج عن نصيبه ، لأنّه لو جعل كذلك وجعلت التّركة ما وراء المهر ، وتمّ التّقسيم على هذا الأساس ، لانقلب فرض الأمّ من ثلث أصل المال إلى ثلث ما بقي ، إذ يقسم الباقي بينهما أثلاثاً ، فيكون للأمّ سهم وللعمّ سهمان ، وهو خلاف الإجماع إذ حقّها ثلث الأصل ، أمّا إذا أدخلنا الزّوج كان للأمّ سهمان من السّتّة وللعمّ سهم واحد ، فيقسم الباقي بينهما على هذه الطّريقة فتكون مستوفيةً حقّها من الميراث . هذا إذا كان التّخارج على شيء من التّركة .
23 - أمّا إذا كان التّخارج على شيء من المال من غير التّركة ، فإنّ المتخارج يكون قد باع نصيبه من التّركة نظير الثّمن الّذي دفعه سائر الورثة من أموالهم الخاصّة ، لتخلص التّركة كلّها لهم .
24 - فإذا كان ما دفعه الورثة هو بنسبة سهام كلّ منهم ، فإنّ التّركة تقسم كما قسمت في الصّورة السّابقة ، وذلك بأن يعرف أصل المسألة والسّهام الّتي تخصّ كلّ وارث قبل التّخارج ، ثمّ تسقط حصّة المتخارج في نظير ما تخارج عليه وتقسم التّركة على باقي الورثة بقدر سهامهم من أصل المسألة ، ثمّ تقسم حصّة المتخارج بينهم بنسبة سهام كلّ منهم ، لأنّهم دفعوا البدل على هذه النّسبة .
وإذا كان ما دفعه الورثة بالتّساوي فإنّ حصّة الخارج تقسم بينهم بالتّساوي ، وذلك بعد أن يأخذ كلّ منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه فيها على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج من أحد . وإن كان ما دفعه الورثة متفاوتاً في القدر فإنّ حصّة الخارج تقسم بينهم على قدر هذا التّفاوت ، بعد أخذ كلّ منهم نصيبه من التّركة بنسبة سهامه .
25 - وإذا تخارج وارث مع وارث آخر على أن يترك له نصيبه ، فإنّ التّركة تقسم بين الورثة جميعاً على اعتبار أنّه لم يحصل تخارج ، ويئول نصيب المتخارج بعد ذلك لمن دفع له البدل .
تخارج الموصى له بشيء من التّركة :
26 - الموصى له بشيء من التّركة . يجوز أن يتخارج معه الورثة عن نصيبه الموصى له به . والحكم في ذلك كالحكم في تخارج الورثة مع أحدهم ، فيراعى فيه الشّروط الّتي سبق ذكرها في صور التّخارج ، من اعتبار كون البدل نقداً أو غيره ، وكونه أقلّ ممّا يستحقّ أو مساوياً أو أكثر ، واعتبار شروط الصّرف والتّحرّز عن الرّبا وغير ذلك من الشّروط .
وفي كيفيّة تخارج الورثة مع الموصى له يقول ابن عابدين : الموصى له بمبلغ من التّركة كوارث . وصورة ذلك : رجل أوصى لرجل بدار وترك ابناً وابنةً فصالح الابن والابنة الموصى له بالدّار على مائة درهم ، قال أبو يوسف : إن كانت المائة من مالهما غير الميراث كانت الدّار بينهما نصفين ، وإن صالحاه من المال الّذي ورثاه عن أبيهما كان المال بينهما أثلاثاً ، لأنّ المائة كانت بينهما أثلاثاً .
وذكر الخصّاف في الحيل : إن كان الصّلح عن إقرار كانت الدّار الموصى بها بينهما نصفين ، وإن كان الصّلح عن إنكار فعلى قدر الميراث . وعلى هذا بعض المشايخ . وكذلك الصّلح عن الميراث . كذا في قاضي خان وللتّفصيل ينظر ( صلح - قسمة - تركة ) .

تخاير *
التّعريف :
1 - التّخاير هو : اختيار المتعاقدين لزوم العقد في المجلس ، سواء أكان صريحاً أم ضمناً . أمّا الصّريح : فكقولهما بهذا اللّفظ : تخايرنا ، أو اخترنا إمضاء العقد ، أو ألزمناه ، أو أجزناه ، وما أشبهها ، لأنّ الخيار حقّهما ، فسقط بإسقاطهما . ومن صيغ ذلك أيضاً قولهما : أبطلنا الخيار . أو أفسدناه ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة . وأمّا الضّمنيّ : فكأن يتبايع العاقدان العوضين بعد قبضهما في المجلس ، لأنّ ذلك يتضمّن الرّضا بلزوم العقد الأوّل .
الحكم الإجماليّ ، ومواطن البحث :
2 - اتّفق الشّافعيّة ، والحنابلة في الأصحّ ، وابن حبيب من المالكيّة على أنّ كلّ عقد ثبت فيه خيار المجلس فإنّ الخيار ينقطع بالتّخاير ، وهذا لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم :
« المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا ، أو يقول أحدهما للآخر : اختر » .
وينقطع الخيار بالتّخاير ، بأن يختارا لزوم العقد بهذا اللّفظ أو نحوه : كأمضيناه ، أو ألزمناه ، أو أجزناه . فلو اختار أحدهما لزومه سقط حقّه في الخيار وبقي الحقّ فيه للآخر .
ولو قال أحدهما للآخر : اختر سقط خياره لتضمّنه الرّضا باللّزوم ، ويدلّ عليه الحديث السّابق ، وبقي خيار الآخر ، ولو اختار أحدهما لزوم العقد والآخر فسخه قدّم الفسخ .
3 - ثمّ التّخاير في ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد عند الحنابلة ، والتّخاير في ابتداء العقد أن يقول البائع : بعتك ولا خيار بيننا ، ويقبل الآخر على ذلك ، فلا يكون لهما خيار المجلس في هذه الحالة ، وأمّا عند الشّافعيّة فلو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس فثلاثة أوجه : أصحّها : البيع باطل ، والثّاني : البيع صحيح ولا خيار ، والثّالث : البيع صحيح ، والخيار ثابت . وطالما أنّ التّخاير يرد على خيار المجلس ، فلا مجال للكلام عنه عند الحنفيّة ، والمالكيّة ما عدا ابن حبيب ، لأنّهم لا يرون جواز خيار المجلس ولا يقولون به .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( خيار المجلس ) وقد تحدّث الفقهاء عنه في كتاب البيوع عند الكلام عن الخيار .
رد مع اقتباس