ما يتناوله التّجويد من أمور :
5 - التّجويد علم من علوم القرآن ، ولكنّه يتميّز عن غيره من تلك العلوم المتّصلة بالقرآن بأنّه يحتاج إليه الخاصّة والعامّة ، لحاجتهم إلى تلاوة كتاب اللّه تعالى كما أنزل ، حسبما نقل عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . وهو إمّا أن يحصل بالتّعلّم لمسائله ، أو يؤخذ بالتّلقّي من أفواه العلماء ، ولا بدّ في الحالين من التّمرين والتّكرار .
قال أبو عمرو الدّانيّ : ليس بين التّجويد وتركه إلاّ رياضة لمن تدبّره بفكه . وقال أحمد بن الجزريّ : لا أعلم سبباً لبلوغ نهاية الإتقان والتّجويد ووصول غاية التّصحيح والتّسديد مثل رياضة الألسن والتّكرار على اللّفظ المتلقّى من فم المحسن .
ويشتمل علم التّجويد على أبحاث كثيرة أهمّها :
أ - مخارج الحروف ، للتّوصّل إلى إخراج كلّ حرف من مخرجه الصّحيح .
ب - صفات الحروف ، من جهر وهمس مع معرفة الحروف المشتركة في الصّفة .
ج - التّفخيم والتّرقيق وما يتّصل بذلك من أحكام لبعض الحروف كالرّاء واللّام .
د - أحوال النّون السّاكنة والتّنوين والميم السّاكنة .
هـ - المدّ والقصر وأنواع المدّ .
و - الوقف والابتداء والقطع وما يتّصل بذلك من أحكام .
ز - أحكام الابتداء بالقراءة ، من تعوّذ وبسملة وأحكام ختم القرآن وآداب التّلاوة .
وموطن تفصيل ذلك هو كتب علم التّجويد ، وكذلك كتب القراءات في آخر أبحاثها كما في منظومة حرز الأماني للشّاطبيّ ، أو في أوائلها كما في " الطّيّبة " لمحمّد بن الجزريّ ، وفي بعض المطوّلات من كتب علوم القرآن كالبرهان للزّركشيّ ، والإتقان للسّيوطيّ .
ما يخلّ بالتّجويد ، وحكمه :
6 - يقع الإخلال بالتّجويد إمّا في أداء الحروف ، وإمّا فيما يلابس القراءة من التّغييرات الصّوتيّة المخالفة لكيفيّة النّطق المأثورة .
فالنّوع الأوّل يسمّى ( اللّحن ) أي الخطأ والميل عن الصّواب ، وهو نوعان : جليّ وخفيّ . واللّحن الجليّ : خطأ يطرأ على الألفاظ فيخلّ بعرف القراءة ، سواء أخلّ بالمعنى أم لم يخلّ . وسمّي جليّاً لأنّه يخلّ إخلالاً ظاهراً يشترك في معرفته علماء القرآن وغيرهم ، وهو يكون في مبنى الكلمة كتبديل حرف بآخر ، أو في حركتها بتبديلها إلى حركة أخرى أو سكون ، سواء أتغيّر المعنى بالخطأ فيها أم لم يتغيّر . وهذا النّوع يحرم على من هو قادر على تلافيه ، سواء أوهم خلل المعنى أو اقتضى تغيير الإعراب .
وأمّا اللّحن الخفيّ : فهو خطأ يطرأ على اللّفظ ، فيخلّ بعرف القراءة ولا يخلّ بالمعنى . وسمّي خفيّاً لأنّه يختصّ بمعرفته علماء القرآن وأهل التّجويد . وهو يكون في صفات الحروف ، وهذا اللّحن الخفيّ قسمان :
أحدهما : لا يعرفه إلاّ علماء القراءة كترك الإخفاء ، وهو ليس بفرض عين يترتّب عليه عقاب كما سبق ، بل فيه خوف العتاب والتّهديد .
والثّاني : لا يعرفه إلاّ مهرة القرّاء كتكرير الرّاءات وتغليظ اللّامات في غير محلّها ، ومراعاة مثل هذا مستحبّة تحسن في حال الأداء .
وأمّا النّوع الثّاني من الإخلال فهو ما يحصل من الزّيادة والنّقص عن الحدّ المنقول من أوضاع التّلاوة ، سواء في أداء الحرف أو الحركة عند القراءة ، وسبب الإخلال القراءة بالألحان المطربة المرجّعة كترجيع الغناء ، وهو ممنوع لما فيه من إخراج التّلاوة عن أوضاعها الصّحيحة ، وتشبيه القرآن بالأغاني الّتي يقصد بها الطّرب .
واستدلّوا لمنع ذلك بحديث عابس رضي الله عنه قال : إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « بادروا بالموت ستّاً : إمرة السّفهاء ، وكثرة الشّرط ، وبيع الحكم ، واستخفافاً بالدّم ، وقطيعة الرّحم ، ونَشْواً يتّخذون القرآن مزامير يقدّمونه يغنّيهم ، وإن كان أقلّ منهم فقهاً » . قال الشّيخ زكريّا الأنصاريّ : والمراد بلحون العرب : القراءة بالطّبع والسّليقة كما جبلوا عليه من غير زيادة ولا نقص ، والمراد بلحون أهل الفسق والكبائر : الأنغام المستفادة من علم الموسيقى ، والأمر في الخبر محمول على النّدب ، والنّهي على الكراهة إن حصلت المحافظة على صحّة ألفاظ الحروف ، وإلاّ فعلى التّحريم .
قال الرّافعيّ : المكروه أن يفرّط في المدّ وفي إشباع الحركات ، حتّى يتولّد من الفتحة ألف ومن الضّمّة واو ... إلخ قال النّوويّ : الصّحيح أنّ الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع ، لأنّه عدل به عن منهجه القويم ، وهذا مراد الشّافعيّ بالكراهة . وقد أورد علماء التّجويد نماذج من ذلك ، فمنها ما يسمّى بالتّرقيص ، والتّحزين ، والتّرعيد ، والتّحريف ، والقراءة باللّين والرّخاوة في الحروف ، والنّقر بالحروف وتقطيعها ... إلخ . وتفصيل المراد بذلك في مراجعه ، ومنها شروح الجزريّة ، ونهاية القول المفيد ، وقد أورد أبياتاً في ذلك من منظومة للإمام علم الدّين السّخاويّ ، ثمّ نقل عن شرحها قوله : فكلّ حرف له ميزان يعرف به مقدار حقيقته ، وذلك الميزان هو مخرجه وصفته ، وإذا خرج عن مخرجه معطًى ما له من الصّفات على وجه العدل في ذلك من غير إفراط ولا تفريط فقد وزن بميزانه ، وهذا هو حقيقة التّجويد . وسبيل ذلك التّلقّي من أفواه القرّاء المتقنين .
تحالف *
انظر : حلف .
تحبيس *
انظر : وقف .
تحجير *
التّعريف :
1 - التّحجير أو الاحتجار لغةً واصطلاحاً : منع الغير من الإحياء بوضع علامة كحجر أو غيره على الجوانب الأربعة ، وهو يفيد الاختصاص لا التّمليك .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ الأرض المحجّرة - من الأراضي الخربة - لا يجوز إحياؤها ، لأنّ من حجّرها أولى بالانتفاع بها من غيره ، فإن أهملها فللفقهاء تفصيلات .
فالحنفيّة والمالكيّة وضعوا مدّةً قصوى للاختصاص الحاصل بالتّحجير ، وهي ثلاث سنوات ، وهذا هو الحكم ديانةً ، أمّا قضاءً فإذا أحياها غيره قبل مضيّ هذه المدّة ملكها ، وهذا هو الحكم عند الحنفيّة ، فإن لم يقم بتعميرها أخذها الإمام ودفعها إلى غيره ، لقول عمر رضي الله عنه :" ليس لمتحجّر بعد ثلاث سنين حقّ ".
وذهب الشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة إلى أنّه إذا أهمل المتحجّر إحياء الأرض مدّةً غير طويلة عرفاً ، وجاء من يحييها فإنّ الحقّ للمتحجّر .
والوجه الآخر للحنابلة : أنّ التّحجير بلا عمل لا يفيد ، وأنّ الحقّ لمن أحيا تلك الأرض . وسبق التّفصيل في مصطلح ( إحياء الموات ج 2 /16 ) .
تحديد *
التّعريف :
1 - التّحديد لغةً : مصدر حدّد ، وأصل الحدّ : المنع والفصل بين الشّيئين ، يقال : حدّدت الدّار تحديداً : إذا ميّزتها من مجاوراتها بذكر نهاياتها .
وفي اصطلاح الفقهاء : تحديد الشّيء عبارة عن ذكر حدوده ، ويستعمل غالباً في العقار ، كما يقولون : إن ادّعى عقاراً حدّده ، أي ذكر المدّعي حدوده .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّعيين :
2 - تعيين الشّيء : تخصيصه من الجملة ، يقال : عيّنت النّيّة إذا نويت صوماً معيّناً ، ومنه خيار التّعيين ، وهو أن يشتري أحد الشّيئين أو الثّلاثة على أن يعيّنه في خلال ثلاثة أيّام . ب - التّقدير :
3 - التّقدير من القدر ، وقدر الشّيء ومقداره : مقياسه ، فالتّقدير : وضع قدر للشّيء أو قياسه ، أو التّروّي والتّفكير في تسوية أمر وتهيئته ، ومنه : تقدير القاضي العقوبة الرّادعة في التّعزير بحيث تتناسب مع الجريمة والمجرم .
الحكم الإجماليّ :
4 - تحديد المعقود عليه في العقود الواردة على العقار بحيث تنتفي الجهالة شرط لصحّة العقد . وتحديد المدّعي شرط لصحّة الدّعوى إذا كان عقاراً ، لأنّ العقار لا يمكن إحضاره فتعذّر تعريفه بالإشارة ، فيعرف بالحدود ، فيذكر المدّعي الحدود الأربعة ، ويذكر أسماء أصحاب الحدود وأنسابهم ، ويذكر المحلّة والبلد ، وإلاّ لا تصحّ الدّعوى .
وتفصيله في مصطلح : ( دعوى ) .
مواطن البحث :
يذكر الفقهاء تحديد المدّعي في كتاب الدّعوى ، وتحديد المعقود عليه في البيع والإجارة ونحوها .
تحرّف *
التّعريف :
1 - من معاني التّحرّف في اللّغة : الميل ، والعدول عن الشّيء . يقال : حرّف عن الشّيء يحرّف حرفاً وتحرّف : عدل ، وإذا مال الإنسان عن شيء يقال : تحرّف .
واصطلاحاً : يطلق على التّحرّف في القتال بمعنى ترك الموقف إلى موقف أصلح للقتال منه ، حسب ما يقتضيه الحال ، أو للتّوجّه إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء ، أو مستطرداً لقتال عدوّه بطلب عورة له يمكنه إصابتها ، فيكرّ عليه .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
2 - إذا التقى جيش المسلمين والكفّار وكان عدد الكفّار مثلي المسلمين أو أقلّ يحرم الفرار والانصراف إلاّ متحرّفاً لقتال ، فيجوز له الانصراف بقصد التّحرّف ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا لَقِيتُم الّذين كفروا زَحْفاً فلا تُوَلُّوهم الأَدْبارَ ، ومن يُوَلِّهم يَوْمَئِذٍ دُبُرَه إلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ من اللّه ومَأْواه جهنّمُ وبئسَ المصيرُ } . والمتحرّف هو من ينصرف من جهة إلى أخرى حسبما يقتضيه الحال ، فله أن ينتقل من مكان ضيّق إلى مكان أرحب منه ، ليتبعه العدوّ إلى متّسع سهل للقتال ، أو من موضع مكشوف إلى موضع آخر غير مكشوف ليكمن فيه ويهجم ، أو عن محلّه لأصون منه عن نحو ريح أو شمس أو عطش ، أو يفرّ بين أيديهم لتنتقض صفوفهم ويجد فيهم فرصةً ، أو ليستند إلى جبل ونحو ذلك ممّا جرت به عادة أهل الحرب ، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنّه كان يوماً في خطبته إذ قال : " يا سارية بن زنيم الجبل " ، وكان قد بعث سارية إلى ناحية العراق لغزوهم ، فلمّا قدم ذلك الجيش أخبروا أنّهم لاقوا عدوّهم يوم جمعة ، فظهر عليهم ، فسمعوا صوت عمر فتحيّزوا إلى الجبل ، فنجوا من عدوّهم فانتصروا عليهم . والتّحرّف جائز بلا خلاف بين جمهور الفقهاء ، ولكنّ المالكيّة أجازوه لغير أمير الجيش والإمام . أمّا هما فليس لهما التّحرّف ، لما يحصل بسبب ذلك من الخلل والمفسدة . والتّفصيل موطنه مصطلح : ( جهاد ) .
تحرّي *
التّعريف :
1 - التّحرّي في اللّغة : القصد والابتغاء ، كقول القائل : أتحرّى مسرّتك ، أي أطلب مرضاتك ، ومنه قوله تعالى : { فأولئك تَحَرَّوا رَشَداً } أي قصدوا طريق الحقّ وتوخّوه . ومنه حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ... » الحديث . أي اعتنوا بطلبها . وفي الاصطلاح : بذل المجهود في طلب المقصود ، أو طلب الشّيء بغالب الظّنّ عند عدم الوقوف على حقيقته .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الاجتهاد :
2 - الاجتهاد والتّحرّي لفظان متقاربا المعنى ، ومعناهما : بذل المجهود في طلب المقصود ، إلاّ أنّ لفظ الاجتهاد صار في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة ، وبذل المجهود في تعرّف حكم الحادثة من الدّليل .
أمّا التّحرّي فقد يكون بدليل ، وقد يكون بمجرّد شهادة القلب من غير أمارة . فكلّ اجتهاد تحرّ ، وليس كلّ تحرّ اجتهاد .
ب - التّوخّي :
3 - التّوخّي مأخوذ من الوخى ، بمعنى القصد ، فالتّحرّي والتّوخّي سواء ، إلاّ أنّ لفظ التّوخّي يستعمل في المعاملات . كما قال صلى الله عليه وسلم للرّجلين اللّذين اختصما في المواريث : « اذهبا وتوخّيا ، واستهما ، وليحلل كلّ واحد منكما صاحبه » .
وأمّا التّحرّي فيستعمل غالباً في العبادات . كما قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا شكّ أحدكم في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .
ج - الظّنّ :
4 - الظّنّ : هو إدراك الطّرف الرّاجح مع احتمال النّقيض ، ففي الظّنّ يكون ترجيح أحد الأمرين على الآخر ، فإن كان بغير دليل فهو مذموم ، ويكون التّرجيح في التّحرّي بغالب الرّأي ، وهو دليل يتوصّل به إلى طرف العلم وإن كان لا يتوصّل به إلى ما يوجب حقيقة العلم ، وقد يستعمل الظّنّ بمعنى اليقين كقوله تعالى : { الّذين يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم } .
د - الشّكّ :
5 - الشّكّ : تردّد بين احتمالين مستويين ، أي من غير رجحان لأحدهما على الآخر عند الشّاكّ . فالتّحرّي وسيلة لإزالة الشّكّ .
الحكم التّكليفيّ :
6 - التّحرّي مشروع والعمل به جائز ، والدّليل على ذلك الكتاب والسّنّة والمعقول : أمّا الكتاب : فقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا جاءكم المؤمناتُ مهاجراتٍ فامتحنوهنّ اللّه أعلمُ بإِيمانهنّ فإِن عَلِمْتُموهنَّ مُؤْمنات فلا تَرْجعوهنّ إلى الكفّار } .
وذلك يكون بالتّحرّي وغالب الرّأي ، وأطلق عليه العلم .
وأمّا السّنّة : فالحديثان السّابقان عند الكلام عن التّوخّي .
وأمّا ما يدلّ عليه من المعقول : فهو أنّ الاجتهاد في الأحكام الشّرعيّة جائز للعمل به ، وذلك عمل بغالب الرّأي ، ثمّ جعل مدركاً من مدارك أحكام الشّرع ، وإن كانت الأحكام لا تثبت به ابتداءً ، فكذلك التّحرّي مدرك من مدارك التّوصّل إلى أداء العبادات وإن كانت العبادة لا تثبت به ابتداءً .
هذا ، والتّحرّي في أحكام الشّرع ورد في مواضع كثيرة ، ويختلف حكمه باختلاف مواطنه : أوّلاً : التّحرّي لمعرفة الطّاهر من غيره حالة الاختلاط :
أ - اختلاط الأواني :
7 - إذا اختلطت الأواني الّتي فيها ماء طاهر بالأواني الّتي فيها ماء نجس ، واشتبه الأمر ، ولم يكن معه ماء طاهر سوى ذلك ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس :
فإن كانت الغلبة للأواني الطّاهرة ، يتحرّى عند الحنفيّة وبعض الحنابلة ، لأنّ الحكم للغالب ، وباعتبار الغالب لزمه استعمال الماء الطّاهر ، وإصابته بتحرّيه مأمولة ، ولأنّ جهة الإباحة قد ترجّحت . وإن كانت الغلبة للأواني النّجسة أو كانا متساويين ، فليس له أن يتحرّى إلاّ للشّرب حالة الضّرورة ، إذ لا بديل له ، بخلاف الوضوء فإنّ له بديلاً .
وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابه عدم جواز التّحرّي ، وإن كثر عدد الأواني الطّاهرة .
وعند الشّافعيّة يجوز التّحرّي في الحالين ، فيتوضّأ بالأغلب ، لأنّه شرط للصّلاة ، فجاز التّحرّي من أجله كالقبلة .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كان عنده ثلاثة أوان نجسة أو متنجّسة واثنان طهوران ، واشتبهت هذه بهذه ، فإنّه يتوضّأ ثلاثة وضوآت من ثلاثة أوان عدد الأواني النّجسة ، ويتوضّأ وضوءاً رابعاً من إناء رابع ، ويصلّي بكلّ وضوء صلاةً .
وحكى ابن الماجشون من المالكيّة قولاً آخر ، وهو أنّه يتوضّأ من كلّ واحد من الأواني وضوءاً ويصلّي به . والتّفصيل في مصطلح ( اشتباه ) .
ب - اختلاط الثّياب :
8 - إذا اشتبهت على الشّخص ثياب طاهرة بنجسة ، وتعذّر التّمييز بينها ، وليس معه ثوب طاهر بيقين غيرها ، ولا ما يغسلها به ، ولا يعرف الطّاهر من النّجس ، واحتاج إلى الصّلاة ، فإنّه يتحرّى عند الحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة والشّافعيّة ما عدا المزنيّ ، ويصلّي في الّذي يقع تحرّيه على أنّه طاهر ، سواء أكانت الغلبة للثّياب النّجسة أم الطّاهرة ، أو كانا متساويين . وقال الحنابلة ، وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ، ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوب آخر .
وقال ابن عقيل من الحنابلة : يتحرّى في أصحّ الوجهين دفعاً للمشقّة .
وقال أبو ثور والمزنيّ : لا يصلّي في شيء منها ، كقولهما في الأواني .
ج - اختلاط المذكّاة بالميتة :
9 - إذا اختلطت المذكّاة بالميتة ، فذهب الحنفيّة إلى أنّه يجوز التّحرّي في حالة الاضطرار مطلقاً ، أي سواء أكانت الغلبة للمذكّاة أم للميتة أو تساويا .
وفي حالة الاختيار لا يجوز التّحرّي إلاّ إذا كانت الغلبة للحلال .
وأمّا الأئمّة الثّلاثة فلا يجوز عندهم التّحرّي مطلقاً في هذا المجال .
د - التّحرّي في الحيض :
10 - إذا نسيت امرأة عدد أيّام حيضها وموضعها ، واشتبه عليها حالها في الحيض والطّهر فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّ عليها أن تتحرّى ، فإن وقع أكبر رأيها على أنّها حائض أعطيت حكمه ، وإن وقع أكبر رأيها على أنّها طاهرة أعطيت حكم الطّاهرات ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة .
وأمّا إذا تحيّرت ولم يغلب على ظنّها شيء ، فهي المتحيّرة أو المضلّة ، فعليها الأخذ بالأحوط في الأحكام . ولتفصيل أحكامها يرجع إلى مصطلح ( حيض ، استحاضة ) .
ثانياً : معرفة القبلة بالاستدلال والتّحرّي :
11 - إنّ المصلّي إذا كان قادراً على استقبال القبلة ، وكان بمكّة وفي حال مشاهدة الكعبة ومعاينته لها ، فلا خلاف بين الفقهاء في أنّ عليه التّوجّه إلى عين الكعبة ، ومقابلة ذاتها . وإن كان نائياً عن الكعبة غائباً عنها : فذهب الحنفيّة إلى أنّه يكفيه استقبال جهة الكعبة باجتهاد ، وليس عليه إصابة العين ، وهو الأظهر عند المالكيّة والحنابلة ، وهو قول للشّافعيّ .
والأظهر عند الشّافعيّة ، وهو قول للمالكيّة ، ورواية عن الحنابلة : أنّه تلزمه إصابة العين . ولا يجوز الاجتهاد عند جمهور الفقهاء مع وجود محاريب الصّحابة ، وكذلك محاريب المسلمين الّتي تكرّرت الصّلوات إليها .
كما أنّه لا يجوز الاجتهاد إذا كان بحضرته من يسأله من أهل المكان العالم بها ، بشرط كونه مقبول الشّهادة ، فالذّمّيّ والجاهل والفاسق والصّبيّ لا يعتدّ بإخباره في هذا المجال .
فإذا عجز المصلّي عن إصابة عين الكعبة والتّوجّه إلى جهتها استدلالاً بالمحاريب المنصوبة القديمة ، أو سؤال من هو عالم بالقبلة ، ممّن تقبل شهادته من أهل المكان : فإن كان من أهل الاجتهاد في أمر القبلة ، فعليه الاجتهاد . والمجتهد في القبلة هو : العالم بأدلّتها وهي : النّجوم ، والشّمس ، والقمر ، والرّياح ، والجبال ، والأنهار وغير ذلك من الوسائل والمعالم ، وإن كان جاهلاً بأحكام الشّرع . فإنّ كلّ من علم بأدلّة شيء كان من المجتهدين فيه ، وإن جهل غيره . وإن كان غير عالم بأدلّتها ، أو كان أعمى فهو مقلّد وإن علم غيرها . فالمصلّي القادر على الاجتهاد إن صلّى بغير اجتهاد ، فالمتبادر من أقوال جمهور الفقهاء أنّه لا تجوز صلاته ، وإن وقعت إلى القبلة ، وكذلك إذا أدّاه الاجتهاد إلى جهة فصلّى إلى غيرها ، ثمّ تبيّن أنّه صلّى إلى الكعبة ، فصلاته باطلة عند الأئمّة الأربعة ، لتركه الواجب ، كما لو صلّى ظانّاً أنّه محدث ثمّ تبيّن أنّه متطهّر . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح : ( استقبال ) .
12 - من عجز عن معرفة القبلة بالاستدلال ، بأن خفيت عليه الأدلّة لحبس أو غيم ، أو التبست عليه أو تعارضت ، ولم يكن هناك من يخبره اختلف الفقهاء في ذلك ، فذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة : إلى أنّ عليه التّحرّي وتصحّ صلاته ، لأنّ التّكليف بحسب الوسع والإمكان ، وليس في وسعه إلاّ التّحرّي . والمشهور عند الشّافعيّة أنّه يصلّي كيف كان لحرمة الوقت ، سواء أكان في الوقت سعة أم لا ، ويقضي لندرة حصول ذلك . والأصل في هذا الباب ما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجل منّا على خياله ، فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه تعالى : { فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجهُ اللّه } » وقال عليّ رضي الله تعالى عنه :" قبلة المتحرّي جهة قصده ".
ثالثاً : التّحرّي في الصّلاة :
13 - من شكّ في الصّلاة فلا يدري كم صلّى ، فعند الحنفيّة إن كان يعرض له الشّكّ كثيراً في الصّلاة ، وكان له رأي تحرّى ، وبنى على أكبر رأيه ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
« من شكّ في الصّلاة فليتحرّ الصّواب » .
وعند المالكيّة يبني على الأقلّ ، ويأتي بما شكّ فيه مطلقاً .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا شكّ في أثناء الصّلاة فعليه الأخذ بالأقلّ ، ويسجد للسّهو . ولو شكّ بعد السّلام فقولان عندهم :
أحدهما : أن يقوم إلى التّدارك ، كأنّه لم يسلّم .
والثّاني : أنّه لا يعتبر بعد الفراغ لما فيه من العسر .
وأمّا الحنابلة فيفرّقون بين الإمام والمنفرد في المشهور من مذهبهم . فمن كان إماماً وشكّ فلم يدر كم صلّى تحرّى وبنى على غالب ظنّه ، وأمّا المنفرد فيبني على اليقين ( الأقلّ ) ، وفي رواية يبني على غالب ظنّه كالإمام ، هذا إذا كان له رأي ، أمّا إذا استوى عنده الأمران بنى على اليقين إماماً كان أو منفرداً .
رابعاً : التّحرّي في الصّوم :
14 - من كان محبوساً أو كان في بعض النّواحي النّائية عن الأمصار ، أو بدار حرب بحيث لا يمكنه التّعرّف على الأشهر بالخبر واشتبه عليه شهر رمضان : فقد اتّفق الفقهاء على أنّه يجب عليه التّحرّي والاجتهاد في معرفة شهر رمضان ، لأنّه أمكنه تأدية فرض بالتّحرّي والاجتهاد ، فلزمه كاستقبال القبلة .
فإذا غلب على ظنّه عن أمارة تقوم في نفسه دخول شهر رمضان صامه ، ثمّ إن تبيّن أنّه أصاب شهر رمضان ، أو لم ينكشف له الحال أجزأه في قول عامّة الفقهاء ، لأنّه أدّى فرضه بالاجتهاد ، وأدرك ما هو المقصود بالتّحرّي .
وإن تبيّن أنّه صام شهراً قبله ، فذهب الأئمّة الثّلاثة ، والشّافعيّة في الصّحيح من المذهب أنّه لا يجزئه ، لأنّه أدّى العبادة قبل وجود سبب وجوبها فلم تجزئه كمن صلّى قبل الوقت . وعند الشّافعيّة قول في القديم في حالة تبيّن الأمر بعد رمضان أنّه يجزئ ، لأنّه عبادة تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ .
أمّا إن تبيّن أنّه صام شهراً بعده ، جاز عند جمهور الفقهاء ، وهو الصّحيح عند الشّافعيّة ، وذلك بشرطين : إكمال العدّة ، وتبييت النّيّة لشهر رمضان ، لأنّه قضاء ، وفي القضاء يعتبر هذان الشّرطان ، وفي قول للشّافعيّة أنّه أداء للعذر ، لأنّ العذر قد يجعل غير الوقت وقتاً كما في الجمع بين الصّلاتين .
وعلى هذا فإن كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً ، صام يوماً ، لأنّ صوم شهر آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت .
وعلى القول الثّاني للشّافعيّة - بأنّه يقع أداءً - يجزئه ولو صامه ناقصاً وصام النّاس رمضان تامّاً ، لأنّ الشّهر يقع ما بين الهلالين . وكذلك إن وافق بعض رمضان دون بعض ، فما وافق رمضان أو بعده أجزأه ، وما وافق قبله لم يجزئه .
وأمّا إن ظنّ أنّ الشّهر لم يدخل فصام لم يجزئه ، ولو أصاب ، وكذا لو شكّ في دخوله ولم يغلب على ظنّه دخوله . وإن صام من اشتبهت عليه الأشهر بلا اجتهاد وهو قادر عليه ، وبلا تحرّ ، لا يجزئه كمن خفيت عليه القبلة .
ومن شكّ في الغروب في يوم غيم ولم يتحرّ لا يحلّ له الفطر ، لأنّ الأصل بقاء النّهار .
خامساً : التّحرّي في معرفة مستحقّي الزّكاة :
15 - من شكّ في حال من يدفع له الزّكاة لزمه التّحرّي : فإن وقع في أكبر رأيه أنّه فقير دفع إليه ، فإذا ظهر أنّه فقير أو لم يظهر من حاله شيء جاز بالاتّفاق ، وإن ظهر أنّه كان غنيّاً فكذلك في قول أبي حنيفة ومحمّد ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وفي قوله الآخر تلزمه الإعادة ، وهو قول للشّافعيّ .
وعند المالكيّة : إن دفع الزّكاة باجتهاد لغير مستحقّ في الواقع كغنيّ ، أو كافر مع ظنّه أنّه مستحقّ ، لم تجزه . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فروايتان : إحداهما يجزئه ، والأخرى لا يجزئه . ولمعرفة تفصيل أحكام ذلك يرجع إلى مصطلح : ( زكاة ) .
سادساً : التّحرّي بين الأقيسة المتعارضة :
16 - إذا وقع التّعارض بين القياسين ، ولم يكن هناك دليل لترجيح أحدهما على الآخر ، ولم يقع اختياره على أحدهما بالعمل به ، فيجب التّحرّي ، خلافاً للإمام الشّافعيّ ، فإنّه يقول : لا يجب التّحرّي ، بل للمجتهد أن يعمل بأيّهما شاء ، وعلى هذا الخلاف ، التّحرّي في قول صحابيّين عند من يقول بحجّيّة قول الصّحابيّ ، والتّفصيل في الملحق الأصوليّ .
مواطن البحث :
17 - ورد ذكر التّحرّي في فصول كثيرة من كتب الفقه منها : كتاب الصّلاة عند الكلام عن استقبال القبلة ، وسجدة السّهو ، وأبواب الحيض والطّهارة ، والصّوم ، وخصّص صاحب المبسوط للتّحرّي كتاباً مستقلّاً بعنوان ( كتاب التّحرّي ) ، كما أنّه يرجع لتفصيل أحكامه إلى مصطلحات ( استقبال ، واستحاضة ، واشتباه ) .
تحريش *
التّعريف :
1 - التّحريش في اللّغة : إغراء الإنسان أو الحيوان ليقع بقرنه ، أي نظيره . يقال : حرّش بين القوم إذا أفسد بينهم ، وأغرى بعضهم ببعض .
قال الجوهريّ : التّحريش : الإغراء بين القوم ، أو البهائم ، كالكلاب والثّيران وغيرهما ، بتهييج بعضها على بعض ، ففي التّحريش تسليط للمحرّش على غيره . ويقال في تسليط الكلب المعلّم نحوه على الصّيد : إشلاء .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ للتّحريش عن المعنى اللّغويّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحريض :
2 - التّحريض : الحثّ على القتال وغيره ، وهو يكون في الخير والشّرّ ، ويغلب استعماله فيما يكون الحثّ فيه لطرف ، أمّا التّحريش فيكون فيه الحثّ لطرفين .
الحكم التّكليفيّ :
3 - التّحريش بين النّاس بقصد الإفساد حرام ، لأنّه وسيلة لإفساد ذات البين ، واللّه لا يحبّ الفساد . ومن صور التّحريش : النّميمة . قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بأفضلَ من درجةِ الصّيام والصّلاة والصّدقة ؟ قالوا : بلى . قال : صلاح ذات البَيْن ، فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة » أمّا تحريش الحيوان - بمعنى الإغراء والتّسليط والإرسال بقصد الصّيد - فمباح كإرسال الكلب المعلّم ، وما في معناه من الحيوانات .
ولا خلاف بين الفقهاء في حرمة التّحريش بين البهائم ، بتحريض بعضها على بعض وتهييجه عليه ، لأنّه سفه ويؤدّي إلى حصول الأذى للحيوان ، وربّما أدّى إلى إتلافه بدون غرض مشروع .
وجاء في الأثر : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن التّحريش بين البهائم » . ويحرم التّحريش بين المسلمين بقصد الإفساد وإثارة الفتنة بينهم . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إنّ الشّيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ، ولكن في التّحريش بينهم » . أمّا الإغراء على فعل مشروع فيسمّى تحريضاً ، ومنه التّحريض على ركوب الخيل ، والتّدرّب على الرّمي ، وفنون القتال وهو جائز .
وقال بعض الفقهاء : إنّه مستحبّ . وتفصيله في ( تحريض ) .
تحريض *
التّعريف :
1 - التّحريض في اللّغة : التّحضيض والحثّ على القتال وغيره والإحماء عليه . وجاء في التّنزيل : { فقاتلْ في سبيلِ اللّه لا تُكَلَّفُ إلاّ نفسَك وحرِّض المؤمنين } .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ .
وقريب من التّحريض الحثّ والتّحريش والإغراء والتّهييج .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - التّثبيط :
2 - التّثبّط مصدر ثبّطه عن الأمر تثبيطاً : شغله عنه وعوَّقه . ونحوه التّخذيل ، وهو : حمل أنصار الشّخص على ترك عونه وتثبيطه عن نصرته . فالتّثبيط ضدّ التّحريض .
ب - الإرجاف :
3 - الإرجاف مصدر : أرجف في الشّيء : خاض فيه ، وأرجف القوم : إذا خاضوا في الأخبار السّيّئة وذكر الفتن . قال اللّه تعالى : { والمرْجِفون في المدينة } وهم الّذي يولّدون الأخبار الكاذبة الّتي يكون معها اضطراب في النّاس .
فالإرجاف وسيلة من وسائل التّثبيط الّذي هو ضدّ التّحريض .
ج - التّحريش :
4 - التّحريش : إغراء الإنسان أو الحيوان ليقع بقرنه أي نظيره . ولا يكون استعماله إلاّ في الشّرّ ، وهو فيما يكون الحثّ فيه لطرفين . أمّا التّحريض فيكون الحثّ فيه لطرف .
الحكم التّكليفيّ :
5 - يختلف حكم التّحريض باختلاف موضوعه :
فالتّحريض على القتال في الجهاد مأمور به ، وكذلك التّحريض على البرّ والإحسان ، كإطعام المساكين والأيتام . والتّحريض في الفساد ، وأنواع المنكر حرام .
وتحريض السّبع الضّاري ، والكلب العقور على إنسان معصوم الدّم أو مال محترم حرام وموجب للضّمان ، بتفصيل يأتي .