عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 05-19-2012, 07:05 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

التّتابع في الصّوم في كفّارة الفطر في نهار رمضان :
5 - تجب الكفّارة بالجماع في نهار رمضان باتّفاق . وتجب بالأكل أو الشّرب عمداً عند الحنفيّة والمالكيّة ، والكفّارة تكون بالعتق أو الصّوم أو الإطعام .
وتأتي مرتبة الصّوم بعد العتق عند الحنفيّة والشّافعيّة وجمهور الحنابلة ، وفي رواية عن أحمد أنّها على التّخيير بين العتق والصّيام والإطعام وبأيّها كفّر أجزأه ، وهذا بناءً على أنّ أو للتّخيير لما روى أبو هريرة « أنّ رجلاً أفطر في رمضان ، فأمره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يكفّر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستّين مسكيناً » .
وعند المالكيّة كفّارته على التّخيير أيضاً ، ولكنّهم فضّلوا الإطعام على العتق فجعلوه أوّلاً ، لأنّه أكثر نفعاً لتعدّيه لأفراد كثيرة ، وفضّلوا العتق على الصّوم ، لأنّ نفعه متعدّ للغير دون الصّوم ، فالصّوم عندهم في المرتبة الثّالثة .
وسواء كان هذا أو ذاك ، فإنّ صوم كفّارة الفطر في رمضان شهران متتابعان عند الأئمّة الأربعة . لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : « بينما نحن جلوس عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل ، فقال : يا رسول اللّه : هلكت ، قال : ما لك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم . فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبةً تعتقها ؟ قال : لا . قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا . قال : فهل تجد إطعام ستّين مسكيناً ؟ قال : لا . قال : فمكث النّبيّ صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك ، أُتِيَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر - والعرق : المكتل - قال : أين السّائل ؟ فقال : أنا . قال : خذ هذا فتصدّق به . فقال الرّجل : على أفقر منّي يا رسول اللّه ؟ فواللّه ما بين لابَتَيْها - يريد الحرّتين - أهلُ بيت أفقر من أهل بيتي . فضحك النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى بدت أنيابه ، ثمّ قال : أَطْعِمْه أهلَكَ » .
الصّوم في كفّارة القتل :
6 - يأتي في المرتبة الثّانية بعد العجز عن العتق ، كما في قوله تعالى : { ومنْ قتلَ مُؤْمناً خَطَأً فتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِهِ إلاّ أنْ يَصَّدَّقُوا } إلى قوله تعالى : { فمنْ لمْ يجدْ فصيامُ شَهْرينِ متتابعينِ تَوْبَةً من اللّهِ وكانَ اللّهُ عليماً حكيماً } .
فالتّتابع في صيام هذين الشّهرين واجب اتّفاقاً . ر : ( كفّارة القتل ) .
التّتابع في صوم النّذر :
7 - إن نذر أن يصوم أيّاماً ، أو شهراً ، أو سنةً ، ولم يعيّن ، وشرط التّتابع لزمه اتّفاقاً ، وكذا لو نذر أن يصوم شهراً معيّناً كرجب ، أو سنة معيّنة ، لزمه التّتابع في صيامها كذلك . أمّا لو نذر شهراً ، أو سنةً غير معيّنين ، ولم يشترط التّتابع ، فقد ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنابلة إلى : أنّه لا يلزمه التّتابع ، وفي رواية أخرى عند الحنابلة يلزمه التّتابع ، وروي عن أحمد كذلك فيمن قال : للّه عليّ أن أصوم عشرة أيّام : يصومها متتابعةً . وانظر للتّفصيل مصطلح : ( نذر ) .
التّتابع في الاعتكاف :
8 - مذهب الحنفيّة : أنّ من أوجب على نفسه اعتكاف أيّام ، بأن قال : عشرة أيّام مثلاً ، لزمه اعتكافها بلياليها متتابعةً ، وإن لم يشترط التّتابع ، لأنّ مبنى الاعتكاف على التّتابع . وكذا لو قال : شهراً ، ولم ينوه بعينه ، لزمه متتابعاً ليله ونهاره ، يفتتحه متى شاء بالعدد ، لا هلاليّاً ، وإن عيّن شهراً يعتبر الشّهر بالهلال ، وإن فرّق الاعتكاف استأنفه متتابعاً . وقال زفر في نذر اعتكاف شهر : إن شاء فرّق الاعتكاف وإن شاء تابعه . وإن نوى الأيّام خاصّةً أي دون اللّيل صحّت نيّته ، لأنّ حقيقة اليوم بياض النّهار .
وعند المالكيّة كذلك ، يلزم تتابع الاعتكاف المنذور فيما إذا كان مطلقاً ، أي غير مقيّد بتتابع ولا عدمه . وأنّ من نذر اعتكاف شهر أو ثلاثين يوماً فلا يفرّق ذلك . وهذا بخلاف من نذر أن يصوم شهراً أو أيّاماً ، فإنّه لا يلزمه التّتابع في ذلك .
والفرق : أنّ الصّوم إنّما يؤدّى في النّهار دون اللّيل فكيفما فعل أصاب ، متتابعاً أو مفرّقاً . والاعتكاف يستغرق الزّمانين اللّيل والنّهار ، فكان حكمه يقتضي التّتابع .
والمراد بالمطلق : الّذي لم يشترط في التّتابع لفظاً ، ولم يحصل فيه نيّة التّتابع ، ولا نيّة عدمه . فإن حصل فيه نيّة أحدهما عمل بها . ويلزم المعتكف ما نواه من تتابع أو تفريق وقت الشّروع ، وهو حين دخوله فيه ، ولا يلزمه بنيّته فقط ، لأنّ النّيّة بمجرّدها لا توجب شيئاً .
والشّافعيّة قالوا : إنّ من نذر أن يعتكف شهراً فإن عيّن شهراً لزمه اعتكافه متتابعاً ليلاً ونهاراً ، سواء كان الشّهر تامّاً أو ناقصاً ، لأنّ الشّهر عبارة عمّا بين الهلالين ، تمّ أو نقص . وإن نذر اعتكاف نهار الشّهر لزمه النّهار دون اللّيل ، لأنّه خصّ النّهار فلم يلزمه الاعتكاف باللّيل ، فإن فاته الشّهر ولم يعتكف فيه لزمه قضاؤه ، ويجوز أن يقضيه متتابعاً ومتفرّقاً ، لأنّ التّتابع في أدائه بحكم الوقت ، فإذا فات سقط التّتابع في صوم رمضان . وإن نذر أن يعتكف متتابعاً لزمه قضاؤه متتابعاً ، لأنّ التّتابع هنا بحكم النّذر ، فلم يسقط بفوات الوقت .
وإن نذر اعتكاف شهر غير معيّن ، واعتكف شهراً بالأهلّة أجزأه ، تمّ الشّهر أو نقص ، لأنّ اسم الشّهر يقع عليه ، وإن اعتكف شهراً بالعدد لزمه ثلاثون يوماً ، لأنّ الشّهر بالعدد ثلاثون يوماً . فإنّ شرط التّتابع لزمه متتابعاً ، لقوله صلى الله عليه وسلم « مَنْ نَذَرَ وسمّى فعليه الوفاء بما سمّى » وإن شرط أن يكون متفرّقاً جاز أن يكون متفرّقاً ومتتابعاً ، لأنّ المتتابع أفضل من المتفرّق ، وإن أطلق النّذر جاز متفرّقاً ومتتابعاً ، كما لو نذر صوم شهر .
أمّا الحنابلة فقد ذهبوا إلى أنّ من نذر اعتكاف أيّام متتابعة يصومها فأفطر يوماً أفسد تتابعه ، ووجب عليه الاستئناف ، لإخلاله بالإتيان بما نذره على صفته .
وإن نذر اعتكاف شهر لزمه شهر بالأهلّة أو ثلاثون يوماً ، والتّتابع فيه على وجهين : أحدهما لا يلزمه ، والثّاني يلزمه ، وقال القاضي : يلزمه التّتابع قولاً واحداً ، لأنّه معنًى يحصل في اللّيل والنّهار ، فإذا أطلقه اقتضى التّتابع . ر : ( اعتكاف ) .
ما يقطع التّتابع في صيام الكفّارات :
ينقطع التّتابع في صوم الكفّارة بأمور ذكرها الفقهاء وهي :
أ - الفطر بإكراه أو نسيان ونحوهما :
9 - يرى الحنفيّة أنّ الإفطار بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع ، باستثناء عذر المرأة في الحيض ، ولم يفرّقوا في ذلك بين عذر المرض أو غيره ، وهو يتناول الإكراه .
وأمّا لو أكل ناسياً في كفّارة الظّهار فقد ذكر صاحب الفتاوى الهنديّة : أنّه لا يضرّ .
ولا يجزئ عن الكفّارة صيام تسعة وخمسين يوماً بغير اعتبار الأهلّة ، أمّا إذا صام شهرين باعتبار الأهلّة ، فإنّ صومه يصحّ حتّى ولو كان ثمانيةً وخمسين يوماً .
ويرى المالكيّة أنّ الفطر بالإكراه بمؤلم من قتل أو ضرب لا يقطع التّتابع ، ولا يقطعه أيضاً فطر من ظنّ بقاء اللّيل ، أو غروب الشّمس بخلاف الشّكّ في غروب الشّمس فإنّه يقطعه ، وكذا لا يقطع التّتابع عندهم فطر من صام تسعةً وخمسين يوماً ، ثمّ أصبح مفطراً ظانّاً الكمال . ولا يقطع التّتابع عندهم الأكل والشّرب ناسياً على المشهور ، ولا يقطعه جماع غير المظاهر منها نهاراً نسياناً ، أو ليلاً ولو عمداً .
وذكر الشّافعيّة : أنّ الإكراه على الأكل يبطل التّتابع ، بناءً على أنّ الإكراه عليه يبطل الصّوم على القول به ، لأنّه سبب نادر . هذا هو المذهب في الصّورتين ، كما جاء في الرّوضة ، وبه قطع الجمهور ، وجعلهما ابن كجّ كالمرض ، وكذا إذا استنشق فوصل الماء إلى دماغه ، ففي انقطاع التّتابع الخلاف ، بناءً على القول بأنّه يفطر ، وقال النّوويّ : لو أوجر الطّعام مكرهاً لم يفطر ولم ينقطع تتابعه ، قطع به الأصحاب في كلّ الطّرق .
وذكر الحنابلة أنّ التّتابع لا يقطع بالفطر بسبب الإكراه أو الخطأ أو النّسيان على الصّحيح من المذهب ، لحديث : « إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » لا إن أفطر لجهل فإنّه لا يعذر به ، وأمّا الّذي أفطر خطأً كمن ظنّ بقاء اللّيل أو الغروب فبان خلافه فلا ينقطع تتابع صيامه ، وأمّا الّذي أفطر على ظنّ تمام الشّهرين فبان خلافه فإنّه ينقطع تتابع صيامه ، أو ظنّ أنّ الواجب شهر واحد فأفطر ، أو أفطر ناسياً لوجوب التّتابع ، أو أفطر لغير عذر انقطع تتابع صيامه لقطعه إيّاه ، ولا يعذر بالجهل .
ب - الحيض والنّفاس :
10 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحيض لا يقطع التّتابع في الكفّارة الّتي توجب صيام شهرين على المرأة ، ككفّارة القتل ، لأنّه لا بدّ منه فيهما ، ولأنّها لا يد لها فيه ، ولأنّه ينافي الصّوم ، وفي تأخير التّكفير إلى سنّ اليأس خطر ، إلاّ أنّ المتولّي من الشّافعيّة قال : إنّ المرأة إذا كانت لها عادة في الطّهر تسع صوم الكفّارة فصامت في غيرها ، أي في وقت يحدث فيه الحيض ، فإنّه يقطع التّتابع .
وأمّا تتابع صوم أيّام كفّارة اليمين ، فإنّ الحيض يقطعه ، بناءً على وجوب التّتابع فيها كما ذكر الحنفيّة ، والشّافعيّة على أحد القولين في وجوب تتابعها ، لقلّة أيّامها ، بخلاف الشّهرين . هذا ، وذكر النّوويّ في الرّوضة : أنّنا إذا أوجبنا التّتابع في كفّارة اليمين فحاضت في أثنائها ، ففي انقطاع تتابعها القولان في الفطر بالمرض في الشّهرين ، ويشبه أن يكون فيه طريق جازم بانقطاع التّتابع .
11 - أمّا النّفاس فإنّه يقطع التّتابع في صوم الكفّارة عند الحنفيّة ، وعلى مقابل الصّحيح الّذي حكاه أبو الفرج السّرخسيّ من الشّافعيّة لندرته ، ولإمكانها اختيار شهرين خاليين منه . وذهب المالكيّة والشّافعيّة على الصّحيح ، والحنابلة إلى : أنّ النّفاس لا يقطع التّتابع ، قياساً على الحيض ، ولأنّها لا يد لها فيه .
ت - دخول رمضان والعيدين وأيّام التّشريق :
12 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ دخول شهر رمضان وعيد الفطر أو عيد الأضحى وأيّام التّشريق يقطع صوم الكفّارة لوجوب صوم رمضان وحرمة صوم الباقي ، ولأنّ في استطاعته أن يجد شهرين ليس فيهما ما ذكر ، وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الشّافعيّة في صوم غير الأسير . وأمّا الأسير إذا صام باجتهاده ، فدخل عليه رمضان أو العيد قبل تمام الشّهرين ، ففي انقطاع تتابعه الخلاف في انقطاعه بإفطار المريض .
وأمّا المالكيّة فذكروا : أنّ تعمّد فطر يوم العيد يقطع تتابع صوم الكفّارة ، كما إذا تعمّد صوم ذي القعدة وذي الحجّة عن كفّارة ظهاره مع علمه بدخول العيد في أثنائه . بخلاف ما إذا جهله فإنّه لا يقطع ، كما إذا ظنّ أنّ شهر ذي الحجّة هو المحرّم ، فصامه مع ما بعده ظانّاً أنّه صفر ، فبان خلافه .
وجهل دخول رمضان عندهم كجهل العيد على الأرجح عند ابن يونس ، والمراد بجهل العيد كما في الخرشيّ : جهله في كونه يأتي في الكفّارة ، لا جهل حكمه ، خلافاً لأبي الحسن ، حيث ذكر أنّ المراد بالجهل جهل الحكم وهو أظهر . ومثل العيد عندهم اليومان بعده . وأمّا ثالث أيّام التّشريق فإنّ صومه يجزئ ، وفطره يقطع التّتابع اتّفاقاً ، كما جاء في الخرشيّ . وأمّا الحنابلة فذهبوا إلى أنّ صوم الكفّارة لا يقطع بذلك مطلقاً ، لوجوب صوم رمضان بإيجاب الشّرع ، ولأنّ فطر العيدين وأيّام التّشريق واجب أيضاً بإيجاب الشّرع ، أي إنّ ذلك الزّمن منعه الشّرع من صومه كاللّيل .
ث - السّفر :
13 - السّفر عند الحنفيّة والمالكيّة ، وقول عند الشّافعيّة : يقطع التّتابع إن أفطر فيه ، لأنّ الإفطار عندهم بعذر أو بغير عذر يقطعه . والقول الآخر للشّافعيّة : أنّه كالمرض .
والسّفر الّذي يباح فيه الفطر لا يقطع التّتابع عند الحنابلة .
ج – فطر الحامل والمرضع :
14 - فطر الحامل والمرضع عند الشّافعيّة ، كما جاء في الرّوضة خوفاً على الولد . قيل : هو كالمرض ، وقيل : يقطع قطعاً ، لأنّه فعل اختياريّ .
وأمّا الحنابلة فيرون أنّ فطر الحامل والمرضع خوفاً على أنفسهما أو ولديهما لا يقطع التّتابع ، لأنّه فطر أبيح لعذر عن غير جهتهما ، فأشبه المرض . وما ذهب إليه الحنفيّة - من أنّ الفطر بعذر أو بغير عذر يقطع التّتابع - والمالكيّة - من القول بقطعه بكلّ فعل اختياريّ ، كالسّفر مثلاً - مقتضاه قطع التّتابع بفطرهما خوفاً على أنفسهما أو ولديهما .
ح - المرض :
15 - المرض يقطع تتابع صوم الكفّارة عند الحنفيّة ، وعند الشّافعيّة في الأظهر ، وهو الجديد ، لأنّ الحنفيّة لم يفرّقوا بين الفطر بعذر مرض أو غيره في قطع التّتابع ، باستثناء المرأة في الحيض ، ولأنّ المرض كما ذكر الشّافعيّة لا ينافي الصّوم ، وإنّما قطعه باختياره . وذهب الشّافعيّة في القديم إلى أنّ المرض لا يقطع تتابع صوم الكفّارة ، لأنّه لا يزيد على أصل وجوب صوم رمضان ، وهو يسقط بالمرض . وهذا أيضاً هو ما ذهب إليه الحنابلة ، وإن كان المرض غير مخوف ، لأنّه لا يد له فيه كالحيض ، ومثله الجنون والإغماء .
خ - نسيان النّيّة في بعض اللّيالي :
16 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ نسيان النّيّة في بعض اللّيالي يقطع التّتابع كتركها عمداً ، ولا يجعل النّسيان عذراً في ترك المأمور به ، وهذا بناءً على وجوب اشتراطها في كلّ ليلة ، على مقابل الأصحّ عندهم . أمّا لو صام أيّاماً من الشّهرين ، ثمّ شكّ بعد فراغه من صوم يوم ، هل نوى فيه أم لا ؟ لم يلزمه الاستئناف على الصّحيح كما قال النّوويّ ، ولا أثر للشّكّ بعد الفراغ من اليوم ، ذكره الرّويانيّ في كتاب الحيض في مسائل المتحيّرة .
د - الوطء :
17 - اتّفق الفقهاء على أنّ المظاهر إذا وطئ من ظاهر منها في النّهار عامداً ، فإنّ فعله هذا يقطع التّتابع ، وأمّا إذا وطئها في اللّيل عامداً أو ناسياً ، أو وطئها في النّهار ناسياً ، ففيه الخلاف . فذهب أبو حنيفة ومحمّد إلى أنّ المظاهر إذا جامع الّتي ظاهر منها باللّيل عامداً أو بالنّهار ناسياً ، فإنّ ذلك يقطع التّتابع ، لأنّ الشّرط في الصّوم أن يكون خالياً من المسيس ، وقال أبو يوسف : إنّ التّتابع لا يقطع بذلك إذ لا يفسد به الصّوم ، وهو وإن كان تقديمه على المسيس شرطاً ، فإنّ فيما ذهبنا إليه تقديم البعض ، وفيما قلتم تأخير الكلّ عنه . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ وطء المظاهر منها يقطع التّتابع مطلقاً ، سواء أكان باللّيل أم بالنّهار ، وسواء أكان عالماً أو ناسياً أم جاهلاً أم غالطاً ، أو بعذر يبيح الفطر كسفر ، لقوله تعالى : { مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَماسَّا } .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّ وطأه باللّيل لا يقطع التّتابع ، ويعتبر عاصياً . هذا ، ووطء غير المظاهر منها في النّهار عامداً يقطع التّتابع ، كما صرّح به صاحب العناية من الحنفيّة ، بخلاف ما لو وطئها باللّيل عامداً ، أو ناسياً ، أو بالنّهار ناسياً فإنّ ذلك لا يقطع التّتابع ، كما صرّح به الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، لأنّ ذلك غير محرّم عليه .
ومثل ذلك ما لو وطئها بسبب عذر يبيح الفطر كما صرّح به الحنابلة .
ذ - قضاء ما لم ينقطع به التّتابع :
18 - قال المالكيّة : إنّ تتابع صوم الكفّارة يقطعه تأخير قضاء الأيّام الّتي أفطرها في صيامه ، والّتي يجب عليه أن يقضيها متّصلةً بصيامه ، فإن أخّر قضاءها انقطع تتابع الصّوم . وشبّهوا ذلك بمن نسي شيئاً من فرائض الوضوء أو الغسل ، ثمّ تذكّره أثناءه فلم يغسله ، أي لم يأت به حين تذكّره فإنّه يبتدئ الطّهارة ، نسي ذلك أم تعمّده . بخلاف نسيان النّجاسة بعد تذكّرها قبل الصّلاة فإنّه لا يؤثّر لخفّتها .
ولم نجد لغير المالكيّة تصريحاً في هذه المسألة .

تترّس *
التّعريف :
1 - التّترّس في اللّغة : التّستّر بالتّرس ، والاحتماء به والتّوقّي به . وكذلك التّتريس ، يقال : تترّس بالتّرس ، أي توقّى وتستّر به . كما في حديث أنس بن مالك قال : « كان أبو طلحة يتترّس مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بترس واحد » ويقال أيضاً : تترّس بالشّيء جعله كالتّرس وتستّر به ، ومنه : تترّس الكفّار بأسارى المسلمين وصبيانهم أثناء الحرب .
ولا يخرج الاستعمال الفقهيّ عن هذا المعنى .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحصّن :
2 - من معاني التّحصّن : الاحتماء بالحصن ، يقال : تحصّن العدوّ : إذا دخل الحصن واحتمى به ، فالتّحصّن نوع من التّستّر والتّوقّي أثناء الحرب .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث :
3 - اتّفق الفقهاء على أنّه يجوز رمي الكفّار إذا تترّسوا بالمسلمين وأساراهم أثناء القتال أو حصارهم من قبل المسلمين ، إذا دعت الضّرورة إلى ذلك ، بأن كان في الكفّ عن قتالهم انهزام للمسلمين ، والخوف على استئصال قاعدة الإسلام . ويقصد بالرّمي الكفّار .
ولكن إذا لم تدع ضرورة إلى رميهم لكون الحرب غير قائمة ، أو لإمكان القدرة عليهم بدونه ، فلا يجوز رميهم عند الشّافعيّة والحنابلة ، وهو قول الحسن بن زياد من الحنفيّة .
ويجوز عند الحنفيّة - ما عدا الحسن بن زياد - لأنّ في الرّمي دفع الضّرر العامّ بالدّفع عن مجتمع الإسلام ، إلاّ أنّه على الرّامي ألاّ يقصد بالرّمي إلاّ الكفّار .
وذهب المالكيّة إلى أنّهم يقاتلون ، ولا يقصدون المتترّس بهم ، إلاّ إذا كان في عدم رمي المتترّس بهم خوف على أكثر الجيش المقاتلين للكفّار ، فتسقط حرمة التّرس ، سواء أكان عدد المسلمين المتترّس بهم أكثر من المجاهدين أم أقلّ ، وكذلك لو تترّسوا بالصّفّ ، وكان في ترك قتالهم انهزام للمسلمين .
وعلى هذا فإن أصيب أحد من المسلمين نتيجة الرّمي وقتل ، وعلم القاتل ، فلا دية ولا كفّارة عند الحنفيّة ، لأنّ الجهاد فرض ، والغرامات لا تقرن بالفرائض ، خلافاً للحسن بن زياد ، فإنّه يقول بوجوب الدّية والكفّارة .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ فيه الكفّارة قولاً واحداً . أمّا الدّية ففيها عنهم قولان .
فعند الشّافعيّة : إن علمه الرّامي مسلماً ، وكان يمكن توقّيه والرّمي إلى غيره لزمته الدّية ، وإن لم يتأتّ رمي الكفّار إلاّ برمي المسلم فلا .
وكذلك عند الحنابلة : تجب الدّية في رواية لأنّه قتل مؤمناً خطأً ، وفي رواية أخرى : لا دية لأنّه قتل في دار الحرب برمي مباح .
4 - وإن تترّس الكفّار بذراريّهم ونسائهم فيجوز رميهم مطلقاً عند الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ويقصد بالرّمي المقاتلين ، « لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رماهم بالمنجنيق ومعهم النّساء والصّبيان » . ولا فرق في جواز الرّمي بين ما إذا كانت الحرب ملتحمةً وما إذا كانت غير ملتحمة ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحيّن بالرّمي حال التحام الحرب . وذهب المالكيّة والشّافعيّة : إلى أنّه لا يجوز رميهم ، إلاّ إذا دعت الضّرورة ويتركون عند عدم الضّرورة ، ويكون ترك القتال عند عدم الضّرورة واجباً في الأظهر عند الشّافعيّة ، لكنّ المعتمد ما جاء في الرّوضة وهو : جوازه مع الكراهة .
وقد فصّل الفقهاء أحكام التّترّس في باب الجهاد : عند الحديث عن كيفيّة القتال ، وبيان المكروهات والمحرّمات والمندوبات في الغزو .

تتريب *
التّعريف :
1 - التّتريب : مصدر ترّب ، يقال : ترّبت الشّيء تتريباً فتترّب ، أي لطّخته فتلطّخ بالتّراب . وأتربت الشّيء : جعلت عليه التّراب ، وترّبت الكتاب تتريباً ، وترّبت القرطاس فأنا أترّبه ، أي أضع عليه التّراب ليمتصّ ما زاد من الحبر .
وعلى هذا ، فتتريب الشّيء لغةً واصطلاحاً : جعل التّراب عليه .
الحكم الإجماليّ :
2 - استعمال التّراب في التّطهير من نجاسة الكلب :
التّراب الطّاهر قد يستعمل في التّطهير ، كما إذا ولغ الكلب في إناء ، فإنّه كي يطهر هذا الإناء يجب غسله سبعاً إحداهنّ بالتّراب ، هذا عند الحنابلة والشّافعيّة ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فَلْيغسله سبعاً » متّفق عليه ، زاد مسلم « أولاهنّ بالتّراب » . ولما روى عبد اللّه بن مغفّل أنّه عليه الصلاة والسلام قال : « إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرّات ، وعَفِّروه الثّامنةَ بالتّراب » .
والمستحبّ أن يجعل التّراب في الغسلة الأولى ، لموافقته لفظ الخبر ، أو ليأتي الماء عليه بعده فينظّفه . ومتى غسل به أجزأه ، لأنّه روي في حديث : « إحداهنّ بالتّراب » وفي حديث : « أولاهنّ » وفي حديث : « في الثّامنة » فيدلّ على أنّ محلّ التّراب من الغسلات غير مقصود . فإن جعل مكان التّراب غيره من الأشنان والصّابون ونحوهما ، أو غسله غسلةً ثامنةً ، فالأصحّ أنّه لا يجزئ ، لأنّه طهارة أمر فيها بالتّراب تعبّداً ، ولذا لم يقم غيره مقامه . ولبعض الحنابلة : يجوز العدول عن التّراب إلى غيره عند عدم التّراب ، أو إفساد المحلّ المغسول به . فأمّا مع وجوده وعدم الضّرر فلا . وهذا قول ابن حامد .
وعند المالكيّة : يندب غسل الإناء سبعاً بولوغ الكلب فيه ، بأن يدخل فمه في الماء ويحرّك لسانه فيه ، ولا تتريب مع الغسل بأن يجعل في الأولى ، أو الأخيرة ، أو إحداهنّ . لأنّ التّتريب لم يثبت في كلّ الرّوايات ، وإنّما ثبت في بعضها ، وذلك البعض الّذي ثبت فيه ، وقع فيه اضطراب . وللحنفيّة قول بغسله ثلاثاً ، لحديث « يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً » . وقولٌ بغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً . لما روى الدّارقطنيّ عن الأعرج عن أبي هريرة « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الكلب ، يلغ في الإناء أنّه يغسله ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً » وورد في حاشية الطّحطاويّ على مراقي الفلاح : يندب التّسبيع وكون إحداهنّ بالتّراب .

تتن *
انظر : تبغ .

تثاؤب *
التّعريف :
1 - التّثاؤب : ( بالمدّ ) : فترة تعتري الشّخص فيفتح عندها فمه .
والمعنى الاصطلاحيّ في هذا لا يخرج عن المعنى اللّغويّ .
حكمه التّكليفيّ :
2 - صرّح العلماء بكراهة التّثاؤب . فمن اعتراه ذلك ، فليكظمه ، وليردّه قدر الطّاقة . لقوله صلى الله عليه وسلم : « فليردّه ما استطاع » كأن يطبق شفتيه أو نحو ذلك . فإذا لم يستطع وضع يده على فمه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا تثاءب أحدكم فلْيُمْسك بيده على فمه ، فإنّ الشّيطانَ يَدْخُلُ » ويقوم مقام اليد كلّ ما يستر الفم كخرقة أو ثوب ممّا يحصل به المقصود . ثمّ يخفض صوته ولا يعوي ، لما رواه ابن ماجه من طريق عبد اللّه بن سعيد المقبريّ عن أبيه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه ، ولا يعوي ، فإنّ الشّيطان يضحك منه » ثمّ يمسك عن التّمطّي والتّلوّي الّذي يصاحب بعض النّاس ، لأنّه من الشّيطان . وقد روي : « أنّه صلى الله عليه وسلم كان لا يتمطّى ، لأنّه من الشّيطان » .
التّثاؤب في الصّلاة :
3 - التّثاؤب في الصّلاة مكروه ، لخبر مسلم : « إذا تثاءب أحدكم في الصّلاة فليكظمه ما استطاع ، فإنّ الشّيطان يدخل منه » ، وهذا إذا أمكن دفعه ، فإذا لم يمكن دفعه فلا كراهة ، ويغطّي فمه بيده اليسرى ، وقيل : بإحدى يديه . وهو رأي الحنفيّة والشّافعيّة . ولا شيء فيه عند المالكيّة والحنابلة ، ويندب كظم التّثاؤب في الصّلاة ما استطاع ، فإذا لم يستطع وضع يده على فمه للحديث .
التّثاؤب في قراءة القرآن :
4 - ذكر الفقهاء من آداب قراءة القرآن ألاّ يقرأ القرآن في حال شغل قلبه وعطشه ونعاسه ، وأن يغتنم أوقات نشاطه ، وإذا تثاءب ينبغي أن يمسك عن القراءة حتّى ينقضي التّثاؤب ، ثمّ يقرأ ، لئلاّ يتغيّر نظم قراءته ، قال مجاهد : وهو حسن ويدلّ عليه ما ثبت عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه ، فإنّ الشّيطان يدخل » .

تثبّت *
التّعريف :
1 - التّثبّت لغةً : هو التّأنّي في الأمر والرّأي .
واصطلاحاً : تفريغ الوسع والجهد لمعرفة حقيقة الحال المراد .
الألفاظ ذات الصّلة :
التّحرّي :
2 - التّحرّي لغةً : القصد والطّلب .
واصطلاحاً : طلب الشّيء بغالب الرّأي عند تعذّر الوقوف على الحقيقة .
الحكم الإجماليّ :
للتّثبّت أحكام كثيرة منها :
أ - التّثبّت من استقبال القبلة في الصّلاة :
3 - لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة ، لقوله تعالى : { فولِّ وجهَك شطرَ المسجد الحرام وحيثما كنتم فوَلُّوا وجوهَكم شطرَه } ( أي جهته ) ويستثنى من ذلك أحوال لا يشترط فيها الاستقبال ، كصلاة الخوف ، والمصلوب ، والغريق ، ونفل السّفر المباح وغيرها . ( ر : استقبال القبلة ) .
ب - التّثبّت في شهادة الشّهود :
4 - ينبغي للقاضي أن يتثبّت في شهادة الشّهود ، وذلك بالسّؤال عنهم سرّاً أو علانيةً ، وهذا إذا لم يعلم بعدالتهم ، لأنّ القاضي مأمور بالتّفحّص عن العدالة . ( ر : تزكية ) .
ج - التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان :
5 - يستحبّ التّثبّت من رؤية هلال شهر رمضان ليلة الثّلاثين من شعبان لتحديد بدئه ، ويكون ذلك بأحد أمرين :
الأوّل : رؤية هلاله ، إذا كانت السّماء خاليةً ممّا يمنع الرّؤية من غيم أو غبار ونحوهما . الثّاني : إكمال شعبان ثلاثين يوماً ، إذا كانت السّماء غير خالية ممّا ذكر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غبّي عليكم فأكملوا عدّةَ شعبان ثلاثين » وبهذا أخذ الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهي رواية عن أحمد .
وخالف الحنابلة في حال الغيم ، فأوجبوا اعتبار شعبان تسعةً وعشرين ، وأوجبوا صيام يوم الثّلاثين على أنّه من أوّل رمضان ، عملاً بلفظ آخر ورد في حديث آخر وهو : « لا تصوموا حتّى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتّى تروه ، فإن غمّ عليكم فاقدروا له »
أي : احتاطوا له بالصّوم . ( ر : أهلّة ) .
د - التّثبّت من كلام الفسّاق :
6 - يجب التّثبّت ممّا يأتي به الفسّاق من أنباء ، لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أنْ تصيبوا قوماً بِجَهالة فَتُصبحوا على ما فعلتم نادمين } وقد قرئ { فتثبّتوا } بدلاً من{ تبيّنوا } والمراد بالتّبيّن : التّثبّت ، قيل : إنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ، وسبب ذلك ما رواه سعيد عن قتادة : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة مصدّقاً إلى بني المصطلق ، فلمّا أبصروه أقبلوا نحوه ، فهابهم ، فرجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبره أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام ، فبعث نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبّت ولا يعجل . فانطلق خالد حتّى أتاهم ليلاً ، فبعث عيونه فلمّا جاءوا أخبروا خالداً أنّهم متمسّكون بالإسلام ، وسمعوا أذانهم وصلاتهم ، فلمّا أصبحوا أتاهم خالد ورأى صحّة ما ذكر عيونه ، فعاد إلى نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فنزلت الآية » ، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « التّأنّي من اللّه ، والعجلة من الشّيطان » .
رد مع اقتباس