التّبعيض في الطّلاق :
37 - اتّفق الفقهاء على أنّ الطّلاق لا يتبعّض ، وإليه ذهب الشّعبيّ والحارث العكليّ ، والزّهريّ ، وقتادة ، وأبو عبيد ، وأهل الحجاز ، والثّوريّ ، وأهل العراق ، وذلك لأنّ ذكر بعض ما لا يتبعّض ذكر لجميعه ، فذكر بعض الطّلاق كذكر كلّه ، وجزء الطّلقة ولو من ألف جزء تطليقة . وهذا الحكم ثابت سواء أبهم : بأن قال : أنت طالق بعض طلقة . أو بيّن فقال : أنت طالق نصف طلقة ، أو ربع طلقة ، وهكذا ، لأنّ ذكر ما لا يتبعّض ذكر لجميعه .
التّبعيض في المطلّقة :
38 - إذا أضاف الطّلاق إلى جزء منها : سواء أضافه إلى بعضها شائعاً وأبهم فقال : بعضك وجزؤك طالق . أو نصّ على جزء معلوم كالنّصف والرّبع ، أو أضافه إلى عضو : باطناً كان كالكبد والقلب ، أو ظاهراً كاليد والرّجل ، طلقت كلّها عند الأئمّة الثّلاثة وزفر من الحنفيّة . وأمّا الحنفيّة - ما عدا زفر - ففرّقوا بين إضافة الطّلاق إلى جملتها ، أو إلى ما يعبّر به عنها كالرّقبة ، أو العنق أو الرّوح ، أو البدن أو الجسد ، أو إلى جزء شائع كنصفها أو ثلثها ، وبين إضافته إلى ما يعبّر به عن الجملة كاليد والرّجل حيث تطلق في الحالة الأولى دون الثّانية . والتّبعيض في الطّلاق من فروع قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
التّبعيض في الوصيّة :
39 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الوصيّة ، إذا كانت الوصيّة بجزء شائع . كمن أوصى بجزء أو سهم من ماله ، فالبيان إلى الورثة يقال لهم : أعطوه شيئاً ، لأنّه مجهول يتناول القليل والكثير ، والوصيّة لا تمتنع بالجهالة ومثله الحظّ ، والشّقص ، والنّصيب ، والبعض ( لأنّ الوصيّة حقيقتها تصرّف المالك في جزء من حقوقه ) .
كذلك إن كانت الوصيّة بجزء معيّن : كمن أوصى بقطنه لرجل ، وبحبّه لآخر ، أو أوصى بلحم شاة معيّنة لرجل وبجلدها لآخر ، أو أوصى بحنطة في سنبلها لرجل ، وبالتّبن لآخر . جازت الوصيّة لهما ، وعلى الموصى لهما أن يدوسا الحبّ ، أو يسلخا الشّاة ، أو يحلجا القطن . ولو بانت الشّاة حيّةً فأجرة الذّبح على صاحب اللّحم خاصّةً ، لأنّ التّذكية لأجل اللّحم لا الجلد .
وفي المغني : إذا أوصى لرجل بخاتم ولآخر بفصّه صحّ ، وليس لواحد منهما الانتفاع به إلاّ بإذن صاحبه ، وأيّهما طلب قلع الفصّ من الخاتم أجيب إليه ، وأجبر الآخر عليه .
التّبعيض في العتق :
40 - من أعتق عبداً مملوكاً ، فإمّا أن يكون باقيه له أو لغيره :
ففي الحالة الأولى : ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّ الإعتاق لا يتجزّأ ولا يتبعّض بالتّبعيض ، لأنّ من خصائصه السّراية ، فمن أعتق بعض مملوك له ، فإنّه يسري العتق إلى باقيه .
وكذلك من أعتق جزءاً معيّناً كرأسه أو ظهره أو بطنه ، أو جزءاً مشاعاً كنصفه ، أو جزءاً من ألف جزء ، عتق الرّقيق كلّه . وذهب أبو حنيفة إلى أنّ الإعتاق يتجزّأ ، سواء كان باقيه له ، أو كان مشتركاً بينه وبين غيره ، وسواء كان المعتق معسراً أو موسراً .
41 - وفي الحالة الثّانية : وهي ما إذا كان العبد مشتركاً ، وأعتق أحد الشّريكين حصّته أو بعضها ، فاختلف الفقهاء تبعاً لكون المعتق موسراً أو معسراً :
فروي عن ابن مسعود وعليّ وابن عبّاس رضي الله عنهم : عتق ما عتق ويبقى الباقي رقيقاً . وبه قال البتّيّ : واستدلّ بما روى ابن التّلب عن أبيه « أنّ رجلاً أعتق نصيباً له في مملوك فلم يضمنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم » .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة إلى أنّ المعتق إن كان موسراً عتق كلّه ، وعليه قيمة باقيه لشريكه ، وإن كان معسراً عتق نصيبه فقط ولا يسري إلى باقيه ولو أيسر بعده . لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من أعتق شقصاً له من عبد أو شركاً ، أو قال : نصيباً ، وكان له ما يبلغ ثمنه بقيمة العدل فهو عتيق ، وإلاّ فقد عتق منه ما عتق » .
وهذا قول إسحاق ، وأبي عبيد وابن المنذر وابن جرير .
وذهب أبو يوسف ومحمّد ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّه ليس للشّريك إلاّ الضّمان مع اليسار والسّعاية مع الإعسار ، وهو قول ابن شبرمة ، وابن أبي ليلى ، والأوزاعيّ . لما روى أبو هريرة قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شقيصاً له في عبد مملوك فعليه أن يعتقه كلّه إن كان له مال ، وإلاّ استسعى العبد غير مشقوق عليه » .
وقال أبو حنيفة : إن كان المعتق موسراً فشريكه بالخيار ، إن شاء أعتق وإن شاء ضمّن المعتق قيمة نصيبه ، إذا لم يكن بإذنه ، فإن كان بإذن الشّريك فلا ضمان عليه له ، وإن شاء استسعى العبد .
وقال بعضهم : يعتق كلّه ، وليس للشّريك إلاّ الضّمان، وهو منقول عن زفر وبشر المريسيّ .
تبعيّة *
التّعريف :
1 - التّبعيّة : كون الشّيء مرتبطاً بغيره بحيث لا ينفكّ عنه .
والتّابع : هو التّالي الّذي يتبع غيره ، كالجزء من الكلّ ، والمشروط للشّرط .
ولا يخرج الاستعمال الاصطلاحيّ عن الاستعمال اللّغويّ .
أقسام التّبعيّة :
التّبعيّة قسمان :
2 - القسم الأوّل : ما اتّصل بالمتبوع فيلحق به . لتعذّر انفراده عنه . ومن أمثلة هذا القسم : ذكاة الجنين فإنّها تحصل بذكاة أمّه تبعاً لها ، عند الجمهور والصّاحبين من الحنفيّة ، خلافاً للإمام أبي حنيفة . وذلك مشروط وتفصيل ينظر في مصطلح : ( ذبائح ) .
ومن أمثلة هذا القسم أيضاً : الحمل ، فإنّه لا يفرد في البيع ، بل يتبع الأمّ بلا خلاف .
3 - القسم الثّاني : ما انفصل عن متبوعه والتحق به .
ومن أمثلة هذا القسم : الصّبيّ إذا أسر معه أحد أبويه ، وهذه المسألة على ثلاثة أحوال :
الأولى : أن يسبى الصّبيّ منفرداً عن أبويه ، فيصير مسلماً إجماعاً ، لأنّ الدّين إنّما يثبت له تبعاً ، وقد انقطعت بتبعيّته لأبويه لانقطاعه عنهما .
الثّانية : أن يسبى مع أبويه ، فإنّه يكون على دينهما ( تبعاً ) وبهذا قال أبو حنيفة ، ومالك والشّافعيّ ، وأحمد .
الثّالثة : أن يسبى مع أحد أبويه ، فإنّه يتبعه عند أبي حنيفة والشّافعيّ .
وقال مالك : إن سبي مع أبيه يتبعه ، وإن سبي مع أمّه فهو مسلم ، لأنّه لا يتبعها في النّسب ، فكذلك في الدّين .
وقال الحنابلة : من سبي من أولاد الكفّار مع أحد أبويه فإنّه يحكم بإسلامه .
ومن أمثلته أيضاً : ولد المسلم ، فإنّه يتبعه في الإسلام ، وإن كانت أمّه كافرةً اتّفاقاً .
أحكام التّبعيّة :
4 - التّبعيّة يتعلّق بها جملة من الأحكام ، ترجع كلّها إلى قاعدة فقهيّة واحدة ، وهي ( التّابع تابع ) ومعنى كون التّابع تابعاً : هو أنّ ما كان تبعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم ، بل يدخل في الحكم مع متبوعه ، فإذا بيع حيوان في بطنه جنين دخل الجنين في البيع تبعاً لأمّه ، ولا يجوز إفراده بالبيع ، ومثل هذا الصّوف على الغنم ، واللّبن في الضّرع . ومن ذلك ما لو كان التّابع شيئاً لا يقبل الانفكاك عن متبوعه ، بأن كان في حكم الجزء ، كالمفتاح من القفل ، فإنّه يدخل في البيع تبعاً له ، أو كان شيئاً جرى في عرف البلد أنّه من مشتملاته ، فإنّه يدخل في البيع من غير ذكر .
فمثلاً بيع الدّار يدخل فيه المطبخ ، وفي بيع حديقة زيتون تدخل أشجار الزّيتون .
هذا ، وقد فرّع الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة على قاعدة : ( أنّ التّابع تابع ) عدداً من القواعد ذكرها الزّركشيّ في المنثور ، والسّيوطيّ وابن نجيم في كتابيهما الأشباه والنّظائر ، وقد أشار إليها القرافيّ في الفروق في الفرق التّاسع والتّسعين بعد المائة ، الّذي فرّق فيه بين قاعدة ما يتبع العقد عرفاً وما لا يتبعه . وتلك القواعد الفرعيّة هي :
أ - التّابع لا يفرد بالحكم :
5 - المراد بالتّابع الّذي لا يفرد بالحكم عن متبوعه هو الّذي لا يوجد مستقلّاً بنفسه ، بل يكون وجوده تبعاً لوجود متبوعه ، بأن يكون جزءاً أو كالجزء منه ، فحينئذ لا يصلح أن يكون محلّاً مستقلّاً في العقد ليتعلّق به الحكم ، كالجنين في بطن الحيوان ، فإنّه لا يصحّ بيعه منفرداً عن أمّه ، وكحقّ الشّرب فإنّه لا يصحّ بيعه منفرداً عن الأرض .
وكمن باع داراً بحقوقها ، فإنّ البيع يتناول أرضها وبناءها وما هو متّصل بها ممّا هو من مصلحتها ، كالأبواب المنصوبة ، دون غيره ممّا ليس من مصالحها ، كالكنز والأحجار المدفونة ، لأنّ ذلك مودع فيها للنّقل عنها ، فأشبه الفرش والسّتور .
واستثنى الفقهاء من ذلك صوراً يستقلّ التّابع فيها بالحكم عن متبوعه ، ومن تلك الصّور : إفراد الحمل بالوصيّة دون أمّه بشرط أن يولد حيّاً . لأقلّ من ستّة أشهر ، وهذا القدر مجمع عليه ، وأمّا إن أتت به لأكثر من ستّة أشهر ، ففيه تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( وصيّة ، ثبوت النّسب ، والميراث ) .
ب - من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته :
6 - تتناول هذه القاعدة الأصول الّتي تدخل في البيع والشّراء من غير ذكر ، وتلك الأصول تدخل تحت أصلين :
الأوّل : كلّ ما كان في الدّار من بناء وغيره يتناوله اسم البيع عرفاً ، مثل ملحقات الدّار كالمطبخ والحجارة المثبّتة في الأرض والدّار لا المدفونة .
الثّاني : ما كان متّصلاً اتّصال قرار ، كالشّجر فإنّه يدخل في بيع الأرض عند الحنفيّة والمالكيّة بلا ذكر ، وعلى أحد الوجهين عند الحنابلة ، وهو أيضاً نصّ الشّافعيّ في البيع ، ونصّ في الرّهن على عدم الدّخول فيما لو رهن الأرض وأطلق .
وأمّا الأصحاب فلهم فيما نصّ عليه الإمام الشّافعيّ في البيع والرّهن طرق ، أصحّها عند جمهور أصحاب الشّافعيّ : تقرير النّصّين ( أي دخول الشّجر والبناء في البيع عند الإطلاق ، وعدم دخولها في الرّهن ) . والثّاني : فيهما قولان ، والثّالث : القطع بعدم الدّخول فيهما ، قاله ابن سريج ، واختاره الإمام والغزاليّ .
ج - التّابع يسقط بسقوط المتبوع :
7 - هذه القاعدة ذكرها الزّركشيّ في المنثور والسّيوطيّ وابن نجيم في كتابيهما .
ومرادهم بالتّابع الّذي يسقط بسقوط متبوعه ذلك التّابع الّذي يتبع غيره في الوجود ، ومن الفروع الّتي تذكرها كتب القواعد لهذه القاعدة : أنّ من فاتته صلاة في أيّام الجنون ، وقيل بعدم وجوب القضاء ، فإنّه لا يستحبّ له قضاء سننها الرّاتبة ، لأنّ الفرض سقط فكذا تابعه . ومن فاته الحجّ بعدم الوقوف فتحلّل بأفعال العمرة ، فلا يأتي بالرّمي والمبيت ، لأنّهما تابعان للوقوف وقد سقط .
وممّا خرج عن هذه القاعدة : الأخرس العاجز عن التّلفّظ بالتّكبير ، فإنّه يلزمه تحريك لسانه ، عند الحنفيّة والشّافعيّة ، وعند القاضي من الحنابلة ، ولا يلزمه ذلك عند المالكيّة وعند الحنابلة على الصّحيح ، بل تكفيه النّيّة ، ويكبّر بقلبه ، لأنّ تحريك اللّسان للعاجز عن النّطق عبث كما قال الحنابلة ، بل قال ابن تيميّة : ولو قيل ببطلان الصّلاة بذلك لكان أقوى .
وممّا خرج عنها أيضاً : إمرار الموسى على رأس الأقرع للتّحلّل بالحلق ، فإنّه واجب على المختار عند الحنفيّة ، وواجب أيضاً عند المالكيّة ، لأنّ الحلق عبادة تتعلّق بالشّعر فتنتقل إلى البشرة عند عدمه ، وقال الشّافعيّة بالنّدب ، والحنابلة بالاستحباب .
وممّا خرج عنها في غير العبادات : ما لو أقرّ أحد الورثة بوارث ثالث مشارك لهما في الميراث لم يثبت النّسب بالإجماع ، لأنّ النّسب لا يتبعّض فلا يمكن إثباته في حقّ المقرّ دون المنكر ، ولا يمكن إثباته في حقّهما ، لأنّ أحدهما منكر ، ولم توجد شهادة يثبت بها النّسب ، ولكنّه يشارك المقرّ في الميراث في قول أكثر أهل العلم ، لأنّه أقرّ بسبب مال لم يحكم ببطلانه ، فلزمه المال . هذا ، وذكر السّيوطيّ وابن نجيم قاعدةً أخرى قريبةً من هذه القاعدة ، وهي قولهم ( الفرع يسقط إذا سقط الأصل ) وجاء في شرح المجلّة : أنّ هذه القاعدة مطّردة في المحسوسات والمعقولات . فالشّيء الّذي يكون وجوده أصلاً لوجود شيء آخر يتبعه في الوجود ، يكون ذلك فرعاً مبتنياً عليه ، كالشّجرة إذا ذوت ذوى ثمرها ، وكالإيمان باللّه تعالى أصل وجميع الأعمال فروعه ، فإذا سقط الإيمان - والعياذ باللّه تعالى - حبطت الأعمال ، لأنّ اعتبارها مبنيّ عليه .
ومن فروعها قولهم : إذا برئ الأصيل برئ الضّامن ، أي الكفيل لأنّه فرعه بخلاف العكس . وقد يثبت الفرع وإن لم يثبت الأصل ، كما لو ادّعى الزّوج الخلع ، وأنكرت الزّوجة ، ثبتت البينونة بلا خلاف ، لأنّه مقرّ بما يوجبها ، وإن لم يثبت المال الّذي هو الأصل .
د - يغتفر في التّوابع ما لا يغتفر في غيرها :
8 - هذه القاعدة ذكرها السّيوطيّ وابن نجيم ، وقريب منها قولهم : يغتفر في الشّيء ضمناً ما لا يغتفر فيه قصداً ، وقولهم : يغتفر في الثّواني ما لا يغتفر في الأوائل ، وقولهم : أوائل العقود تؤكّد بما لا يؤكّد بها أواخرها ، وإنّما اغتفر في ذلك لأنّه قد يكون للشّيء قصداً شروط مانعة ، وإذا ثبت ضمناً أو تبعاً لشيء آخر يكون ثبوته ضرورة ثبوته لمتبوعه أو ما هو في ضمنه .
ومن فروع هذه القاعدة : أنّ النّسب لا يثبت ابتداءً بشهادة النّساء ، أمّا لو شهدن بالولادة على الفراش يثبت النّسب تبعاً ، حتّى لو كانت الشّاهدة في الولادة القابلة وحدها .
وممّا خرج عن هذه القاعدة ممّا هو عكسها : أنّ الفاسق يجوز تقليده القضاء إذا ظنّ صدقه ، لكن إذا قلّد عدل ففسق في أثناء قضائه استحقّ العزل ، وهو ظاهر مذهب الحنفيّة ، وقيل : إنّه ينعزل بفسقه ، لأنّ عدالته في معنى المشروطة ، فقد جاز تقليده ابتداءً ولم يجز انتهاءً في ولايته ، فلمّا زالت عدالته زالت ولايته .
وذكر المالكيّة في هذه المسألة : أنّ غير العدل لا يصحّ قضاؤه ولا ينفذ حكمه ، لكن قال مالك : لا أرى خصال القضاة تجتمع اليوم في أحد ، فإن اجتمع منها خصلتان في واحد وهي العلم والورع ولّي . وقال القرافيّ : إن لم يوجد عدل ولّي أمثل الموجودين .
وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فلا يصحّ عندهم تولية الفاسق القضاء .
وعند الشّافعيّة : إن تعذّر جمع الشّروط في رجل فولّى سلطان له شوكة فاسقاً نفذ قضاؤه للضّرورة ، لئلاّ تتعطّل مصالح النّاس .
وقال العزّ بن عبد السّلام : لمّا كان تصرّف القضاة أعمّ من تصرّف الأوصياء ( الّذين يشترط فيهم العدالة ) وأخصّ من تصرّف الأئمّة ( وفي اشتراط العدالة فيهم اختلاف ) اختلف في إلحاقهم بالأئمّة ، فمنهم من ألحقهم بالأئمّة ، لأنّ تصرّفهم أعمّ من تصرّف الأوصياء ، ومنهم من ألحقهم بالأوصياء ، لأنّ تصرّفهم أخصّ من تصرّف الأئمّة .
هـ – التّابع لا يتقدّم على المتبوع :
9 - من فروع هذه القاعدة : أنّه لا يصحّ تقدّم المأموم على إمامه في تكبيرة الافتتاح ، ولا في غيرها من الأركان ، لحديث : « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا كبّر فكبّروا ... » إلخ الحديث .
و - التّابع لا يكون له تابع :
10 - من فروع هذه القاعدة : لو قطع شخص الأصابع وحدها في جناية وجبت الدّية ، فإن قطع اليد من الكوع لم يلزمه أكثر من الدّية ، ويجعل الكفّ تبعاً للأصابع ، وإن قطع زيادةً على ذلك لم يجعل تبعاً ، بل يلزمه للزّيادة حكومة عدل على قدرها ، لأنّ التّابع لا يكون له تابع . وممّا خرج عنها توكيل الوكيل غيره دون الرّجوع إلى موكّله ، فقد ذكر الحنفيّة أنّ للوكيل أن يوكّل في حقوق العقد فيما ترجع الحقوق فيه إليه ، لأنّه أصيل فيها ، فله أن يوكّل فيها بلا إذن موكّله .
وفرّق المالكيّة بين الوكيل المفوّض وغير المفوّض ، وذكروا أنّ الوكيل المفوّض له أن يوكّل على الأظهر ، وأمّا غير المفوّض فليس له أن يوكّل فيما وكّل فيه بلا إذن ، إلاّ في حالتين : إحداهما : ألاّ يليق الفعل به .
والثّانية : أن يكثر بحيث يتعذّر عليه القيام به وحده .
وذكر الشّافعيّة : أنّ الوكيل لو وكّل فيما وكّل فيه ، وسكت عنه موكّله ، نظر : إن كان أمراً يتأتّى له الإتيان به ، لم يجز أن يوكّل فيه ، وإن لم يتأتّ منه ، لكونه لا يحسنه ، أو لا يليق بمنصبه ، فله التّوكيل على الصّحيح ، لأنّ المقصود من مثله الاستنابة .
والمذهب الّذي عليه الأصحاب عند الحنابلة أنّ الوكيل لا يجوز له أن يوكّل فيما يتولّى مثله بنفسه ، ونقل عن الإمام أحمد الجواز . وفي المسألة تفصيل ينظر في مصطلح : ( وكالة ) .
ز - العبرة بنيّة المتبوع لا التّابع :
11 - فمن كان تابعاً لغيره ، كالزّوجة التّابعة لزوجها ، والجنديّ التّابع لقائده ، فإنّ المعتبر في السّفر الّذي يبيح لهما القصر والفطر نيّة المتبوع دون التّابع ، لأنّ نيّة المتبوع تنسحب على التّابع ، فيعطى حكمه ، فتتبع المرأة زوجها ، والجنديّ قائده ، هذا عند الحنفيّة ، والحنابلة وأمّا الشّافعيّة : فهم كالحنفيّة والحنابلة في جعلهم نيّة الزّوجة تابعةً لنيّة الزّوج ، وخالفوهم في نيّة الجنديّ فلم يجعلوها تابعةً لنيّة الأمير ، لأنّه ليس تحت يده وقهره .
وأمّا المالكيّة فلم يعرضوا لهذه المسألة فيما . اطّلع عليه من مراجع .
ح - ما دخل في البيع تبعاً لا حصّة له من الثّمن :
12 - وذلك كالأوصاف الّتي تدخل في البيع بلا ذكر ، كبناء وشجر في الأرض ، وأطراف في الحيوان ، وجودة في الكيليّ والوزنيّ ، فإنّ هذه الأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن قبل القبض ، كما في جامع الفصولين ، أو إلاّ إذا ورد عليها القبض كما في شرح الإسبيجابيّ . وقد وضع محمّد رحمه الله أصلاً لهذا ، وهو : كلّ شيء إذا بعته وحده لا يجوز بيعه ، وإذا بعته مع غيره جاز ، فإذا استحقّ ذلك الشّيء قبل القبض ، كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بجميع الثّمن ، وإن شاء ترك .
وكلّ شيء إذا بعته وحده جاز بيعه ، فإذا بعته مع غيره فاستحقّ ، كان له حصّة من الثّمن . والحاصل أنّ ما يدخل في البيع تبعاً إذا استحقّ بعد القبض كان له حصّة من الثّمن ، فيرجع على البائع بحصّته ، وإن استحقّ قبل القبض ، فإن كان لا يجوز بيعه وحده كالشّرب . فلا حصّة له من الثّمن ، فلا يرجع بشيء ، بل يخيّر بين الأخذ بكلّ الثّمن أو التّرك ، وإن جاز بيعه وحده كالشّجر كان له حصّة من الثّمن ، فيرجع بها على البائع .
ثمّ إنّ محلّ دخول التّابع في البيع ما لم يذكر ، فإن ذكر كان مبيعاً قصداً ، حتّى لو فات قبل القبض بآفة سماويّة تسقط حصّته من الثّمن . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( بيع ) .
ط - التّابع مضمون بالاعتداء :
13 - من فروع هذه القاعدة أنّ من جنى على امرأة حامل فأسقطت ففيه الغرّة .
ومن ذلك منافع المغصوب وغلّته ، فإنّها مضمونة على الغاصب تبعاً للمغصوب عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة خلافاً للحنفيّة .
تَبْغ *
التّعريف :
1 - التّبغ ( بتاء مفتوحة ) لفظ أجنبيّ دخل العربيّة دون تغيير ، وقد أقرّه مجمع اللّغة العربيّة . وهو نبات من الفصيلة الباذنجانيّة يستعمل تدخيناً وسعوطاً ومضغاً ، ومنه نوع يزرع للزّينة ، وهو من أصل أمريكيّ ، ولم يعرفه العرب القدماء .
ومن أسمائه : الدّخان ، والتُتُن ، والتّنباك .
لكنّ الغالب إطلاق هذا الأخير على نوع خاصّ من التّبغ كثيف يدخّن بالنّارجيلة لا باللّفائف .
2 - وممّا يشبه التّبغ في التّدخين والإحراق : الطّبّاق ، وهو نبات عشبيّ معمّر من فصيلة المركّبات الأنبوبيّة الزّهر ، وهو معروف عند العرب ، خلافاً للتّبغ ، والطّبّاق : لفظ معرّب . وفي المعجم الوسيط : الطّبّاق : الدّخان ، يدخّن ورقه مفروماً أو ملفوفاً .
3 - وقال الفقهاء عن الدّخّان : إنّه حدث في أواخر القرن العاشر الهجريّ وأوائل القرن الحادي عشر ، وأوّل من جلبه لأرض الرّوم ( أي الأتراك العثمانيّين ) الإنكليز ، ولأرض المغرب يهوديّ زعم أنّه حكيم ، ثمّ جلب إلى مصر ، والحجاز، والهند، وغالب بلاد الإسلام . الأحكام المتعلّقة بالتّبغ :
حكم استعماله :
4 - منذ ظهور الدّخّان - وهو الاسم المشهور للتّبغ - والفقهاء يختلفون في حكم استعماله ، بسبب الاختلاف في تحقّق الضّرر من استعماله ، وفي الأدلّة الّتي تنطبق عليه ، قياساً على غيره ، إذ لا نصّ في شأنه . فقال بعضهم : إنّه حرام ، وقال آخرون : إنّه مباح ، وقال غيرهم : إنّه مكروه .
وبكلّ حكم من هذه الأحكام أفتى فريق من كلّ مذهب ، وبيان ذلك فيما يلي :
القائلون بتحريمه وأدلّتهم :
5 - ذهب إلى القول بتحريم شرب الدّخّان من الحنفيّة : الشّيخ الشرنبلالي ، والمسيريّ ، وصاحب الدّرّ المنتقى ، واستظهر ابن عابدين أنّه مكروه تحريماً عند الشّيخ عبد الرّحمن العماديّ . وقال بتحريمه من المالكيّة : سالم السّنهوريّ ، وإبراهيم اللّقانيّ ، ومحمّد بن عبد الكريم الفكّون ، وخالد بن أحمد ، وابن حمدون وغيرهم .
ومن الشّافعيّة : نجم الدّين الغزّيّ ، والقليوبيّ ، وابن علّان ، وغيرهم .
ومن الحنابلة الشّيخ أحمد البهوتيّ ، وبعض العلماء النّجديّين .
ومن هؤلاء جميعاً من ألّف في تحريمه كاللّقانيّ والقليوبيّ ومحمّد بن عبد الكريم الفكّون ، وابن علّان . واستدلّ القائلون بالحرمة بما يأتي :
6 - أ - أنّ الدّخّان يسكر في ابتداء تعاطيه إسكاراً سريعاً بغيبة تامّة ، ثمّ لا يزال في كلّ مرّة ينقص شيئاً فشيئاً حتّى يطول الأمد جدّاً ، فيصير لا يحسّ به ، لكنّه يجد نشوةً وطرباً أحسن عنده من السّكر . أو أنّ المراد بالإسكار : مطلق المغطّي للعقل وإن لم يكن معه الشّدّة المطربة ، ولا ريب أنّها حاصلة لمن يتعاطاه أوّل مرّة . وهو على هذا يكون نجساً ، ويحدّ شاربه ، ويحرم منه القليل والكثير .
7- ب - إن قيل : إنّه لا يسكر ، فهو يحدث تفتيراً وخدراً لشاربه ، فيشارك أوّليّة الخمر في نشوته ، وقد قالت أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن كلّ مسكر ومفتّر » قال العلماء : المفتّر : ما يحدث الفتور والخدر في الأطراف وصيرورتها إلى وهن وانكسار ، ويكفي حديث أمّ سلمة حجّةً ، ودليلاً على تحريمه .
ولكنّه على هذا لا يكون نجساً ولا يحدّ شاربه ، ويحرم القليل منه كالكثير خشية الوقوع في التّأثير ، إذ الغالب وقوعه بأدنى شيء منها ، وحفظ العقول من الكلّيّات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل .
8- ج - أنّه يترتّب على شربه الضّرر في البدن والعقل والمال ، فهو يفسد القلب ، ويضعف القوى ، ويغيّر اللّون بالصّفرة ، ويتولّد من تكاثف دخّانه في الجوف الأمراض والعلل ، كالسّعال المؤدّي لمرض السّلّ ، وتكراره يسوّد ما يتعلّق به ، وتتولّد منه الحرارة ، فتكون داءً مزمناً مهلكاً ، فيشمله قوله تعالى : { ولا تَقْتُلُوا أنفسَكم } وهو يسدّ مجاري العروق ، فيتعطّل وصول الغذاء منها إلى أعماق البدن ، فيموت مستعمله فجأةً .
ثمّ قالوا : والأطبّاء مجمعون على أنّه مضرّ ، قال الشّيخ عليش : أخبر بعض مخالطي الإنكليز أنّهم ما جلبوا الدّخّان لبلاد الإسلام إلاّ بعد إجماع أطبّائهم على منعهم من ملازمته ، وأمرهم بالاقتصار على اليسير الّذي لا يضرّ ، لتشريحهم رجلاً مات باحتراق كبده وهو ملازمه ، فوجدوه سارياً في عروقه وعصبه ، ومسوّداً مخّ عظامه ، وقلبه مثل إسفنجة يابسة ، فمنعوهم من مداومته ، وأمروهم ببيعه للمسلمين لإضرارهم ... قال الشّيخ عليش : فلو لم يكن فيه إلاّ هذا لكان باعثاً للعقل على اجتنابه ، وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من النّاس ، فمن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشّبهات وقع في الحرام ، كالرّاعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه » . هذا وفي المراجع الحديثة ما يثبت ضرر التّدخين .
9- د - في التّدخين إسراف وتبذير وضياع للمال ، قال الشّيخ عليش : لو سئل الفقهاء - الّذين قالوا : السّفه الموجب للحجر تبذير المال في اللّذّات والشّهوات - عن ملازم استعمال الدّخّان ، لمّا توقّفوا في وجوب الحجر عليه وسفهه ، وانظر إلى ما يترتّب على إضاعة الأموال فيه من التّضييق على الفقراء والمساكين ، وحرمانهم من الصّدقة عليهم بشيء ممّا أفسده الدّخّان على المترفّهين به ، وسماحة أنفسهم بدفعها للكفّار المحاربين أعداء الدّين ، ومنعها من الإعانة بها على مصالح المسلمين وسدّ خلّة المحتاجين .
10 - هـ - صدر أمر سلطانيّ من الخليفة العثمانيّ في وقته - بناءً على فتاوى علماء عصره - بمنع استعمال الدّخّان ومعاقبة شاربيه ، وحرق ما وجد منه . فيعتبر من وجوه تحريمه : الخروج عن طاعة السّلطان ، فإنّ امتثال أمره واجب في غير ما أجمع على تحريمه ، ومخالفته محرّمة .
11 - و- رائحة الدّخّان منتنة مؤذية ، وكلّ رائحة مؤذية فهي ممنوعة ، والدّخّان أشدّ من البصل والثّوم في الرّائحة ، وقد ورد منع من تناولهما من دخول المسجد ، وفرّق بين الرّائحة المنتنة والرّائحة الكريهة ، والبصل والثّوم ريحهما مكروه وليس منتناً ، والدّخّان ريحه منتن .
12 - ز - من زعم استعماله تداوياً لم يستعمله استعمال الأدوية ، وخرج به إلى حدّ التّفكّه والتّلذّذ ، وادّعى التّداوي تلبيساً وتستّراً حتّى وصل به إلى أغراض باطنة من العبث واللّهو والإسطال ، ومذهب الحنفيّة حرمته ، وعرّفوا العبث : بأنّه فعل لغير غرض صحيح ، والسّفه : بأنّه فعل لا غرض فيه أصلاً واللّعب : فعل فيه لذّة . وممّن صرّح بحرمة العبث في غير الصّلاة صاحب كتاب الاحتساب متمسّكاً بقول اللّه سبحانه وتعالى : { أفَحَسِبْتُم أنّما خلقناكم عَبَثَاً } وصاحب الكافي متمسّكاً بقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « كلّ شيء يلهو به الرّجل باطل إلاّ رمية الرّجل بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ، فإنّهنّ من الحقّ » . القائلون بإباحته وأدلّتهم :
13 - ذهب إلى القول بإباحة شرب الدّخّان من الحنفيّة : الشّيخ عبد الغنيّ النّابلسيّ ، وقد ألّف في إباحته رسالةً سمّاها ( الصّلح بين الإخوان في إباحة شرب الدّخّان ) ومنهم صاحب الدّرّ المختار ، وابن عابدين ، والشّيخ محمّد العبّاسيّ المهديّ صاحب الفتاوى المهديّة ، والحمويّ شارح الأشباه والنّظائر .
ومن المالكيّة : عليّ الأجهوريّ ، وله رسالة في إباحته سمّاها ( غاية البيان لحلّ شرب ما لا يغيّب العقل من الدّخّان ) ونقل فيها الإفتاء بحلّه عمّن يعتمد عليه من أئمّة المذاهب الأربعة ، وتابعه على الحلّ أكثر المتأخّرين من المالكيّة ، ومنهم : الدّسوقيّ ، والصّاويّ ، والأمير ، وصاحب تهذيب الفروق . ومن الشّافعيّة : الحفنيّ ، والحلبيّ ، والرّشيديّ ، والشبراملسي ، والبابليّ ، وعبد القادر بن محمّد بن يحيى الحسينيّ الطّبريّ المكّيّ ، وله رسالة سمّاها ( رفع الاشتباك عن تناول التّنباك ) . ومن الحنابلة : الكرميّ صاحب دليل الطّالب ، وله رسالة في ذلك سمّاها ( البرهان في شأن شرب الدّخّان ) . كذلك قال الشّوكانيّ بإباحته .
وقد استدلّ القائلون بإباحته بما يأتي :
14 - أ - أنّه لم يثبت إسكاره ولا تخديره ، ولا إضراره ( عند أصحاب هذا الرّأي ) وقد عرف ذلك بعد اشتهاره ، ومعرفة النّاس به ، فدعوى أنّه يسكر أو يخدّر غير صحيحة ، فإنّ الإسكار غيبوبة العقل مع حركة الأعضاء ، والتّخدير غيبوبة العقل مع فتور الأعضاء ، وكلاهما لا يحصل لشاربه . نعم من لم يعتده يحصل له إذا شربه نوع غشيان . وهذا لا يوجب التّحريم . كذا قال الشّيخ حسن الشّطّيّ وغيره .
وقال الشّيخ عليّ الأجهوريّ : الفتور الّذي يحصل لمبتدئ شربه ليس من تغييب العقل في شيء ، وإن سلم أنّه ممّا يغيّب العقل فليس من المسكر قطعاً ، لأنّ المسكر يكون معه نشوة وفرح ، والدّخّان ليس كذلك ، وحينئذ فيجوز استعماله لمن لا يغيّب عقله ، وهذا يختلف باختلاف الأمزجة ، والقلّة والكثرة ، فقد يغيّب عقل شخص ولا يغيّب عقل آخر ، وقد يغيّب من استعمال الكثير دون القليل .
15 - ب - الأصل في الأشياء الإباحة حتّى يرد نصّ بالتّحريم ، فيكون في حدّ ذاته مباحاً ، جرياً على قواعد الشّرع وعموماته ، الّتي يندرج تحتها حيث كان حادثاً غير موجود زمن الشّارع ، ولم يوجد فيه نصّ بخصوصه ، ولم يرد فيه نصّ في القرآن أو السّنّة ، فهو ممّا عفا اللّه عنه ، وليس الاحتياط في الافتراء على اللّه تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللّذين لا بدّ لهما من دليل ، بل في القول بالإباحة الّتي هي الأصل ، وقد توقّف النّبيّ صلى الله عليه وسلم - مع أنّه هو المشرّع في تحريم الخمر أمّ الخبائث - حتّى نزل عليه النّصّ القطعيّ ، فالّذي ينبغي للإنسان إذا سئل عنه أن يقول هو مباح ، لكنّ رائحته تستكرهها الطّباع ، فهو مكروه طبعاً لا شرعاً .
16 - ج - إنّ فرض إضراره لبعض النّاس فهو أمر عارض لا لذاته ، ويحرم على من يضرّه دون غيره ، ولا يلزم تحريمه على كلّ أحد ، فإنّ العسل يضرّ بعض النّاس ، وربّما أمرضهم ، مع أنّه شفاء بالنّصّ القطعيّ .
17 - د - صرف المال في المباحات على هذا الوجه ليس بسرف ، لأنّ الإسراف هو التّبذير ، وفسّر ابن مسعود التّبذير بأنّه إنفاق المال في غير حقّه ، فإذا كان الإنفاق في حقّه ولو مباحاً فليس بسرف ، ودعوى أنّه إسراف فهذا غير خاصّ بالدّخّان .
18 - هـ - اتّفق المحقّقون على أنّ تحكيم العقل والرّأي بلا مستند شرعيّ باطل ، إذ ليس الصّلاح بتحريمه ، وإنّما الصّلاح والدّين المحافظة بالاتّباع للأحكام الواردة بلا تغيير ولا تبديل ، وهل الطّعن في أكثر النّاس من أهل الإيمان والدّين ، والحكم عليهم بالفسق والطّغيان بسبب شربهم الدّخّان ، وفي العامّة من هذه الأمّة فضلاً عن الخاصّة ، صلاح أم فساد ؟
19 - و - حرّر ابن عابدين أنّه لا يجب تقليد من أفتى بحرمة شرب الدّخّان ، لأنّ فتواهم إن كانت عن اجتهاد فاجتهادهم ليس بثابت ، لعدم توافر شروط الاجتهاد ، وإن كانت عن تقليد لمجتهد آخر ، فليس بثابت كذلك لأنّه لم ينقل ما يدلّ على ذلك ، فكيف ساغ لهم الفتوى وكيف يجب تقليدهم ؟ . ثمّ قال : والحقّ في إفتاء التّحليل والتّحريم في هذا الزّمان التّمسّك بالأصلين اللّذين ذكرهما البيضاويّ في الأصول ، ووصفهما بأنّهما نافعان في الشّرع .
الأوّل : أنّ الأصل في المنافع : الإباحة ، والآيات الدّالّة على ذلك كثيرة .
الثّاني : أنّ الأصل في المضارّ : التّحريم والمنع لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا ضرر ولا ضرار » . ثمّ قال : وبالجملة إن ثبت في هذا الدّخّان إضرار صرف عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه ، وإن لم يثبت إضراره فالأصل الحلّ . مع أنّ الإفتاء بحلّه فيه دفع الحرج عن المسلمين ، فإنّ أكثرهم يبتلون بتناوله ، فتحليله أيسر من تحريمه ، فإثبات حرمته أمر عسير لا يكاد يوجد له نصير . نعم لو أضرّ ببعض الطّبائع فهو عليه حرام ، ولو نفع ببعض وقصد التّداوي فهو مرغوب .
قال ابن عابدين : كذا أجاب الشّيخ محيي الدّين أحمد بن محيي الدّين بن حيدر الكرديّ الجزريّ رحمه الله تعالى . وفي تهذيب الفروق : من عافاه اللّه من شربه واستعماله بوجه من الوجوه ، لا ينبغي أن يحمل النّاس على مختاره ، فيدخل عليهم شغباً في أنفسهم وحيرةً في دينهم ، إذ من شرط التّغيير لأمر ما أن يكون متّفقاً على إنكاره .