عرض مشاركة واحدة
  #244  
قديم 05-19-2012, 07:04 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أحكام التّبعيض :
التّبعيض في الطّهارة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض يتأتّى في الطّهارة : فإن قطعت يد الشّخص من المرفق غسّل ما بقي من محلّ الفرض ، وكذلك كلّ عضو سقط بعضه يتعلّق الحكم بباقيه غسلاً ومسحاً ، طبقاً لقاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " .
وإذا وجد الجنب ماءً يكفي غسل بعض أعضائه ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وابن المنذر ، وهو أحد قولي الشّافعيّ إلى أنّه يتيمّم ويتركه ، لأنّ هذا الماء لا يطهّره ، فلم يلزمه استعماله كالماء المستعمل ، ولما فيه من الجمع بين البدل والمبدل ، ولأنّ ما جاز على البدل لا يدخله تبعيض . وهو قول الحسن ، والزّهريّ ، وحمّاد .
وذهب الحنابلة ، وهو قول آخر للشّافعيّ إلى أنّه يلزمه استعماله ، ويتيمّم للباقي . وبه قال عبدة بن أبي لبابة ومعمر ، ونحوه قال عطاء . وأمّا إن وجد المحدث حدثاً أصغر بعض ما يكفيه من ماء فالحكم لا يختلف عند من لا يجوّز الجمع بين البدل والمبدل منه . وعند الشّافعيّة يجب استعماله على الأصحّ ، وهو وجه للحنابلة أيضاً ، لأنّه قدر على بعض الطّهارة بالماء فلزمه كالجنب ، وكما لو كان بعض بدنه صحيحاً وبعضه جريحاً .
ومأخذ من لا يراه من الحنابلة : إمّا أنّ الحدث الأصغر لا يتبعّض رفعه فلا يحصل به مقصوده ، أو أنّه يتبعّض لكنّه يبطل بالإخلال بالموالاة ، فلا يبقى له فائدة ، أو أنّ غسل بعض أعضاء المحدث غير مشروع ، بخلاف غسل بعض أعضاء الجنب .
وعلى هذا الخلاف الجريح والمريض إذا أمكن غسل بعض جسده دون بعض ، فقد قال أبو حنيفة ومالك : إن كان أكثر بدنه صحيحاً غسّل ولا تيمّم عليه ، وإن كان العكس تيمّم ولا غسل عليه ، لأنّ الجمع بين البدل والمبدل لا يجب كالصّيام والإطعام . ويلزمه غسل ما أمكنه ، والتّيمّم للباقي عند الحنابلة ، وبه قال الشّافعيّ .
9- وإذا توضّأ ومسح على خفّيه ، ثمّ خلعهما قبل انقضاء المدّة ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة ، وهو قول للشّافعيّ ، ورواية عن أحمد : أنّه يجزئه غسل قدميه .
ومذهب الحنابلة ، وهو قول آخر للشّافعيّ : أنّه إذا خلع خفّيه قبل انقضاء المدّة بطل وضوءه ، وبه قال النّخعيّ والزّهريّ ومكحول والأوزاعيّ وإسحاق . وهذا الاختلاف مبنيّ على الاختلاف في وجوب الموالاة في الوضوء ، فمن أجاز التّفريق جوّز غسل القدمين لأنّ سائر أعضائه مغسولة ، ومن منع التّفريق أبطل وضوءه لفوات الموالاة .
ونزع أحد الخفّين كنزعهما في قول أكثر أهل العلم ، منهم : مالك والثّوريّ والأوزاعيّ وابن المبارك والشّافعيّ ، وأصحاب الرّأي ، والحنابلة . ويلزمه نزع الآخر . وقال الزّهريّ يغسل القدم الّتي نزع الخفّ منها ، ويمسح الآخر ، لأنّهما عضوان فأشبها الرّأس والقدم .
كما أنّه لا يجوز غسل إحدى الرّجلين والمسح على الأخرى ، لأنّ الشّارع خيّر المتوضّئ بين غسل الرّجلين والمسح على الخفّين ، لأنّه لا يجمع بين البدل والمبدل منه .
10 - وأمّا التّبعيض في مسح الرّأس : فقد اتّفق الفقهاء على وجوب مسح الرّأس واختلفوا في قدر الواجب : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّ المتوضّئ يجزئه مسح بعض الرّأس ، وإليه ذهب الحسن والثّوريّ والأوزاعيّ ، وقد نقل عن سلمة بن الأكوع أنّه كان يمسح مقدّم رأسه ، وابن عمر مسح اليافوخ .
وذهب المالكيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى وجوب مسح جميعه في حقّ كلّ أحد ، إلاّ أنّ الظّاهر عن أحمد في حقّ الرّجل : وجوب الاستيعاب ، وأنّ المرأة يجزئها مسح مقدّم رأسها .وفي موضع المسح وبيان القدر المجزئ تفصيل ذكر في موطنه . ر : مصطلح ( وضوء ) .
التّبعيض في الصّلاة :
11 - ذهب الأئمّة الأربعة إلى جواز التّبعيض في بعض أفعال الصّلاة ، ومنها ما يلي :
إذا قدر المصلّي على بعض الفاتحة : فذهب المالكيّة والشّافعيّة ، والحنابلة إلى أنّه يلزمه ، والأصل في هذا الباب عند الشّافعيّة قاعدة " الميسور لا يسقط بالمعسور " أي عدم القدرة على الكلّ لا يسقط البعض المقدور عليه ، وعند الحنابلة قاعدة " من قدر على بعض العبادة ، فما هو جزء من العبادة - وهو عبادة مشروعة في نفسه - فيجب فعله عند تعذّر فعل الجميع بغير خلاف " .
وأمّا الحنفيّة فلا يتأتّى هذا عندهم ، لأنّ قراءة الفاتحة في الصّلاة لا تتعيّن ، وتجزئ آية من القرآن من أيّ موضع كان .
وإذا وجد المصلّي بعض ما يستر به العورة ، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّه يلزمه قطعاً . وكذلك لو عجز عن الرّكوع والسّجود دون القيام " لزماه عند غير الحنفيّة ، وإذا لم يمكنه رفع اليدين في الصّلاة إلاّ بالزّيادة أو النّقصان أتى بالممكن ، للقواعد المذكورة ، ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » .
التّبعيض في الزّكاة :
12 - من أتلف جزءاً من النّصاب قصداً للتّنقيص لتسقط عنه الزّكاة ، لم تسقط عند الإمام مالك والحنابلة ، وتؤخذ الزّكاة منه في آخر الحول إذا كان إبداله أو إتلافه عند قرب الوجوب ، ولو فعل ذلك في أوّل الحول لم تجب الزّكاة لأنّ ذلك ليس بمظنّة للفرار . وبه قال الأوزاعيّ ، وابن الماجشون ، وإسحاق وأبو عبيد . وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة : تسقط عنه الزّكاة ، لأنّه نقص قبل تمام الحول ، فلم تجب فيه الزّكاة ، كما لو أتلفه لحاجته .
التّبعيض في الصّوم :
13 - لا يصحّ صيام بعض اليوم ، فمن قدر على صوم بعض اليوم لا يلزمه إمساكه ، لأنّه ليس بصوم شرعيّ . وأمّا من قدر على صوم بعض أيّام رمضان دون جميعه فإنّه يلزمه صوم ما قدر عليه ، لقوله تعالى : { فمنْ شَهِدَ منكم الشّهرَ فَلْيصمه ومن كان مريضاً أو على سَفَر فَعِدَّةٌ من أيّام أُخَر } .
التّبعيض في الحجّ :
أ - التّبعيض في الإحرام :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض لا يؤثّر في انعقاد الإحرام ، فإذا قال : أحرمت بنصف نسك ، انعقد بنسك كامل ، طبقاً لقاعدة : " المضاف للجزء كالمضاف للكلّ " وقاعدة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " وكذلك قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
كما أجمع أهل العلم على أنّه لا فرق بين تغطية جميع الرّأس وتغطية بعضه ، وكذلك تغطية جميع الوجه بالنّسبة للمرأة ، وقلم جميع الأظفار أو بعضها ، وحلق جميع الرّأس ، أو بعضه ، فإنّ المحرم يمنع من تغطية بعض رأسه ، كما يمنع من تغطية جميعه ، وهكذا ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا تخمّروا رأسه » والمنهيّ عنه يحرم فعل بعضه . كذلك لما قال تعالى : { ولا تَحْلِقُوا رءوسَكم } حرم حلق بعضه . وإنّما الفرق فيما يترتّب على ذلك من دم وفدية . وانظر مصطلح ( إحرام وحجّ ) .
ب - التّبعيض في الطّواف :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّ الطّواف إنّما شرع بجميع البيت ، وأنّ ترك بعض البيت في الطّواف مبطل له . وقال الحنفيّة : إن طاف داخل الحجر فعليه قضاء ما ترك ، فإن لم يفعل فعليه دم . أمّا التّبعيض في عدد أشواط الطّواف فلا يجوز نقصه عن سبعة كاملة خلافاً للحنفيّة القائلين : بأنّ الأشواط الأربعة ركن ، وما زاد عليها واجب .
وصرّح الشّافعيّة بأنّه لا بدّ في الطّواف أن يمرّ في الابتداء بجميع البدن على جميع الحجر الأسود ، فلو حاذاه ببعض بدنه ، وكان بعضه الآخر مجاوزاً إلى جانب الباب ففيه قولان عندهم : الجديد : أنّه لا يعتدّ بذلك الشّوط . والقديم : يعتدّ به .
وعند الحنابلة احتمالان ، وأمّا لو حاذى بجميع البدن بعض الحجر دون بعضه أجزأه ، كما يجزئه أن يستقبل في الصّلاة بجميع بدنه بعض الكعبة .
التّبعيض في النّذور :
16 - من نذر صلاة نصف ركعة أو صيام بعض يوم : فذهب الحنفيّة ما عدا محمّداً وزفر ، والمالكيّة ما عدا ابن الماجشون ، وهو وجه عند الشّافعيّة : إلى أنّه يجب تكميله ، والتّكميل في الصّوم يكون بصيام يوم كامل .
وفيه وجه ضعيف عند الشّافعيّة : أنّه يكفيه إمساك بعض يوم ، بناءً على أنّ النّذر ينزّل على أقلّ ما يصحّ من جنسه ، وأنّ إمساك بعض اليوم صوم . واختلفوا في الصّلاة أيضاً .
فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ، وهو رواية عن الحنابلة ، وقول عند الشّافعيّة : إلى أنّه لا يجزئه إلاّ ركعتان . ونقل الجرهديّ في شرح الفرائد البهيّة : أنّ هذا هو المعتمد والموافق للقاعدة ، وهي : ما لا يقبل التّبعيض فاختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . ولأنّ أقلّ الصّلاة الواجبة بالشّرع ركعتان ، فوجب حمل النّذر عليه .
وذهب المالكيّة ، وهو قول عند الحنابلة إلى أنّه يجزئه ركعة واحدة ، لأنّ أقلّ الصّلاة ركعة . وذهب الشّافعيّة في الأصحّ ، وابن الماجشون من المالكيّة ، ومحمّد وزفر من الحنفيّة إلى أنّه في هذه الحالة : أي إذا نذر صلاة نصف ركعة ، أو صيام بعض يوم لا ينعقد نذره ، فلا يلزمه شيء ولا يجب الوفاء به . ولتفصيل ذلك كلّه يرجع إلى مصطلح ( نذر ، أيمان ) .
التّبعيض في الكفّارة :
17 - اختلف الفقهاء في جواز التّبعيض في الكفّارة : فذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة : إلى أنّه لا يجوز تبعيض الكفّارة ، فلا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويصوم شهراً ، ويصوم شهراً أو يطعم ثلاثين مسكيناً ، أو يكفّر عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة ، لأنّ ما جاز فيه التّخيير لا يجوز فيه التّبعيض ، إلاّ أن يكون الحقّ لمعيّن ورضي تبعيضه ، والحقّ هنا للّه تعالى .
وذهب الحنفيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة إلى جواز التّبعيض في الكفّارة .
قال الحنابلة : إن أطعم خمسة مساكين وكسا خمسةً مطلقاً جاز ، لأنّه أخرج من المنصوص عليه بعدّة الواجب ، فأجزأه كما لو أخرجه من جنس واحد .
وأمّا عند الحنفيّة فيجزئه ذلك عن الإطعام إن كان الإطعام أرخص من الكسوة ، وإن كان على العكس فلا يجوز . هذا في إطعام الإباحة ( التّمكين من التّناول دون التّزوّد ) أمّا إذا ملّكه الطّعام فيجوز ويقام مقام الكسوة .
التّبعيض في البيع :
18 - يجوز التّبعيض في البيع إذا لم يكن فيه ضرر يرجع على أحد المتبايعين في القبض والتّسليم ، أو لا يفضي إلى الجهالة والمنازعة ، ولا خلاف في هذا .
واختلف الفقهاء في الآثار الّتي تترتّب على وقوع التّبعيض ، وفيما يلي بيان ذلك :
يختلف حكم التّبعيض باختلاف كون العقد وقع على مثليّ كالمكيل ، أو الموزون ، أو المذروع ، أو قيميّ .
19 - فإن كان العقد قد وقع على مثليّ ( مكيل أو موزون ) ولم يكن في تبعيضه ضرر ، كمن باع صبرةً على أنّها مائة قفيز بمائة درهم ، وهي أقلّ أو أكثر .
فذهب الحنفيّة إلى أنّ للمشتري أن يأخذ الأقلّ بحصّته أو يفسخ ، وهو مذهب المالكيّة والشّافعيّة ، وأحد الوجهين عند الحنابلة ، لتفريق الصّفقة ، ولأنّه وجد المبيع ناقصاً فكان له الفسخ كغير الصّبرة ، وكنقصان الصّفة .
والوجه الثّاني للحنابلة : أنّه لا خيار له ، لأنّ نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره . ثمّ التّخيير عند النّقصان في المثليّ عند الحنفيّة مقيّد بما إذا لم يقبض كلّ المبيع أو بعضه ، فإن قبض أي بعد العلم بالنّقص لا يخيّر ، بل يرجع بالنّقصان . وأيضاً هو مقيّد بعدم كونه مشاهداً للمبيع حيث ينتفي التّغرير .
وأمّا الموزون الّذي في تبعيضه ضرر ، كما لو باع لؤلؤةً على أنّها تزن مثقالاً فوجدها أكثر سلّمت للمشتري ، لأنّ الوزن فيما يضرّه التّبعيض وصف بمنزلة الذّرعان في الثّوب . وللتّفصيل ر : ( خيار ) .
20 - وإن كان العقد قد وقع على مذروع : كمن باع ثوباً على أنّه مائة ذراع مثلاً فبان أنّه أقلّ ، فعند الحنفيّة ، وفي قول للمالكيّة ، وهو قول أصحاب الشّافعيّ أيضاً : أخذ المشتري الأقلّ بكلّ الثّمن أو ترك ، وإن بان أكثر أخذ الأكثر قضاءً بلا خيار للبائع ، لأنّ الذّرع في القيميّات وصف لتعيّبه بالتّبعيض . بخلاف القدر في المثليّات من مكيل أو موزون ، والوصف لا يقابله شيء من الثّمن إلاّ إذا كان مقصوداً بتناول المبيع له ، كأن يقول في بيع المذروع : كلّ ذراع بدرهم .
والقول الثّاني عند المالكيّة : إن كان النّاقص يسيراً لزمه الباقي بما ينوبه من الثّمن ، وإن كان كثيراً كان مخيّراً في الباقي بين أخذه بما ينوبه أو ردّه .
وعند الحنابلة في صورة الزّيادة روايتان : إحداهما : البيع باطل ، والثّانية : البيع صحيح ، والزّيادة للبائع ، ويخيّر بين تسليم المبيع زائداً وبين تسليم المائة ، فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، وإن أبى تسليمه زائداً ، فللمشتري الخيار بين الفسخ ، والأخذ بجميع الثّمن المسمّى وقسّط الزّائد .
وكذلك في صورة النّقصان أيضاً روايتان عند الحنابلة . إحداهما : البيع باطل ، والثّانية : البيع صحيح ، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بقسطه من الثّمن .
وقال أصحاب الشّافعيّ : ليس له إمساكه إلاّ بكلّ الثّمن أو الفسخ ، بناءً على قولهم : إنّ المعيب ليس لمشتريه إلاّ الفسخ ، أو إمساكه بكلّ الثّمن .
التّبعيض في القيميّات :
21 - أمّا التّبعيض في الأعيان الأخرى فذكر صاحب روضة الطّالبين : أنّه لو باع جزءاً شائعاً من سيف أو إناء ونحوهما صحّ وصار مشتركاً ، ولو عيّن بعضه وباعه لم يصحّ ، لأنّ تسليمه لا يحصل إلاّ بقطعه ، وفيه نقص وتضييع للمال .
وكذلك لو باع جزءاً معيّناً من جدار أو أسطوانة ، فإن كان فوقه شيء لم يصحّ ، لأنّه لا يمكن تسليمه إلاّ بهدم ما فوقه ، وإن لم يكن فوقه شيء ، فإن كان قطعةً واحدةً تتلف كلّيّةً بالتّبعيض لم يجز ، وإن كانت لا تتلف جاز .
وقواعد المذاهب الأخرى تقضي بما ذهب إليه الشّافعيّة .
التّبعيض في خيار العيب :
22 - إذا اشترى شيئين صفقةً واحدةً فوجد بأحدهما عيباً ، وكانا ممّا ينقصهما التّفريق ، ففيه روايتان عند الحنابلة :
إحداهما : ليس له إلاّ ردّهما ، أو أخذ الأرش مع إمساكهما ، وهو ظاهر قول الشّافعيّ ، وقول أبي حنيفة فيما قبل القبض ، لما فيه من التّشقيص على البائع فلم يكن له ذلك . والثّانية : له ردّ المعيب وإمساك الصّحيح ، وهو قول أبي حنيفة فيما بعد القبض .
وذهب المالكيّة إلى جواز ردّ المعيب ، والرّجوع بحصّته من الثّمن ، إذا كان الثّمن عيناً أو مثليّاً ، فإن كان سلعةً فإنّه يرجع بما ينوب السّلعة المعيبة من قيمة السّلعة الّتي هي الثّمن ، لضرر الشّركة ، وهذا إذا لم تكن السّلعة المعيبة وجه الصّفقة . فإن كانت فليس للمشتري إلاّ ردّ الجميع أو الرّضى بالجميع .
التّبعيض في الشّفعة :
23 - قال ابن المنذر : أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم على أنّ أحد الشّفيعين لو ترك شفعته ، لم يكن للآخر إلاّ أخذ الجميع أو ترك الجميع ، وليس له أخذ البعض ، وهذا قول مالك والشّافعيّ وأصحاب الرّأي ، لأنّ في أخذ البعض إضراراً بالمشتري بتبعيض الصّفقة عليه ، والضّرر لا يزال بالضّرر .
وكذا لو كان الشّفيع واحداً لم يجز له أخذ بعض المبيع لذلك . فإن فعل سقطت شفعته ، لأنّها لا تتبعّض ، فإذا سقط بعضها سقط جميعها كالقصاص . والأصل في هذا الباب عند الشّافعيّة قاعدة " ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه " .
وقاعدة " ما جاز فيه التّخيير لا يجوز فيه التّبعيض " قال القاضي حسين في فتاويه : والشّفيع مخيّر بين الأخذ بالشّفعة ، والتّرك ، فلو أراد أخذ بعض الشّفعة فليس له ذلك . وكذلك إذا وجد الشّفيع بعض ثمن الشّقص لا يأخذ قسطه من المثمّن ( المبيع ) طبقاً لقاعدة " إنّ بعض المقدور عليه لا يجب قطعاً " .
ثمّ هذا كلّه إن كان المبيع بعضه غير متميّز عن البعض ، أمّا إن كان متميّزاً عن البعض ، بأن اشترى دارين صفقةً واحدةً ، فأراد الشّفيع أن يأخذ إحداهما دون الأخرى ، وكان شفيعاً لهما أو لإحداهما دون الأخرى . فاختلف الأئمّة على آراء وأقوال .موطنها كتاب ( الشّفعة ).
التّبعيض في السّلم :
24 - أجمع الفقهاء على وجوب تسليم رأس مال السّلم في مجلس العقد ، فلو تفرّقا قبل قبضه بطل العقد عندهم . وأمّا لو تفرّقا قبل قبض بعضه ، فعند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : يبطل فيما لم يقبض . وحكي ذلك عن ابن شبرمة ، والثّوريّ .
وأمّا الحكم في المقبوض ، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يصحّ بقسطه ، وعند الشّافعيّة طريقان ، وكلام الخرقيّ من الحنابلة يقتضي ألاّ يصحّ ، لقوله : ويقبض الثّمن كاملاً وقت السّلم قبل التّفرّق .
واشترط المالكيّة تسليم رأس المال في مجلس العقد ، فإن تأخّر بعضه انفسخ كلّه .
وأمّا التّبعيض في المسلم فيه بالإقالة في بعضه : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عن أحمد إلى أنّه لا بأس بها ، لأنّ الإقالة مندوب إليها ، وكلّ معروف جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء . وروي ذلك عن ابن عبّاس وعطاء وطاوس وحميد بن عبد الرّحمن وعمرو بن دينار والحكم والثّوريّ . وذهب أحمد في رواية أخرى إلى أنّها لا تجوز .
ورويت كراهتها عن ابن عمر وسعيد بن المسيّب والحسن وابن سيرين والنّخعيّ ، وسعيد بن جبير ، وربيعة ، وابن أبي ليلى وإسحاق . وأمّا لو انقطع بعض المسلم فيه عند المحلّ ، والباقي مقبوض أو غير مقبوض ، ففيه خلاف وتفصيل ينظر في باب ( السّلم ) .
التّبعيض في القرض :
25 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الإقراض .
نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين قوله : يحتمل أن يكون الإقراض بعد إفرازه أو قبله ، فإنّ قرض المشاع جائز بالإجماع .
وأمّا التّبعيض في إيفاء القرض كأن يشترط أن يوفيه أنقص ممّا أقرضه .
فذهب الحنابلة إلى أنّه لا يجوز ، سواء أكان ممّا يجري فيه الرّبا أم لا ، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشّافعيّ ، لأنّ القرض يقتضي المثل ، فشرط النّقصان يخالف مقتضاه ، فلم يجز كشرط الزّيادة . وفي الوجه الثّاني للشّافعيّة يجوز ، لأنّ القرض جعل للرّفق بالمستقرض ، وشرط النّقصان لا يخرجه عن موضوعه .
26 - وأمّا تعجيل بعض الدّين المؤجّل من قبل المدين في مقابل تنازل الغريم عن بعض الدّين ، فلا يجوز عند جمهور الفقهاء ، لكن إن تنازل المقروض بلا شرط ملفوظ أو ملحوظ عن بعض الحقّ فهو جائز . ر : مصطلح ( أجل ) ( ف :89 ) .
التّبعيض في الرّهن :
27 - ذهب المالكيّة ، والشّافعيّة ، والحنابلة إلى جواز التّبعيض في الرّهن ، فيجوز رهن بعض المشاع عندهم ، رهنه عند شريكه أو غيره ، قبل القسمة أم لم يقبلها ، وسواء أكان الباقي من المشاع للرّاهن أم لغيره .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يصحّ رهن المشاع مطلقاً ، سواء أكان مقارناً كنصف دار ، أم طارئاً : كأن يرهن الجميع ثمّ يتفاسخا في البعض ، وفي رواية عن أبي يوسف أنّ الطّارئ لا يضرّ ، والصّحيح الأوّل ، وسواء أكان من شريكه أم غيره ، وسواء أكان ممّا يقسم أم لا . فالأصل عند الحنفيّة : أنّه لا يجوز رهن المشاع ، فلا يجوز التّبعيض فيه ، ويستثنى من هذا الأصل الصّور التّالية :
أ - إذا كانت عيناً بينهما ، رهناها عند رجل بدين له على كلّ واحد منهما رهناً واحداً .
ب - إذا ثبت الشّيوع فيه ضرورةً ، كما لو جاء بثوبين ، وقال : خذ أحدهما رهناً والآخر بضاعةً عندك ، فإنّ نصف كلّ منهما يصير رهناً بالدّين ، لأنّ أحدهما ليس بأولى من الآخر ، فيشيع الرّهن فيهما بالضّرورة ، فلا يضرّ .
28 - أمّا حقّ الوثيقة في الرّهن وهو الحبس للتّوثّق ، فلا يتبعّض بأداء بعض الدّين ، لأنّ الدّين يتعلّق بالرّهن جميعه ، فيصير محبوساً بكلّ الحقّ ، وبكلّ جزء منه ، لا ينفكّ منه شيء حتّى يقضي جميع الدّين ، سواء أكان ممّا يمكن قسمته أم لا يمكن .
قال ابن المنذر : أجمع كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم على أنّ من رهن شيئاً بمال فأدّى بعض المال ، وأراد إخراج بعض الرّهن أنّ ذلك ليس له ، ولا يخرج شيء حتّى يوفيه آخر حقّه أو يبرئه من ذلك ، كذلك قال مالك ، والثّوريّ ، والشّافعيّ ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرّأي . لأنّ الرّهن وثيقة بحقّ فلا يزول إلاّ بزوال جميعه كالضّمان والشّهادة . وكذلك إن تلف بعض الرّهن وبقي بعضه فباقيه رهن بجميع الحقّ .
وفي الموضوع تفصيل ينظر في باب ( الرّهن ) .
التّبعيض في الصّلح :
29 - اتّفق الفقهاء على جواز التّبعيض في الصّلح ، فالصّلح مبناه على التّبعيض إذا وقع على جنس المدّعي وكان أقلّ منه ، وفي ذلك خلاف وتفصيل تبعاً لكون المدّعى عيناً أو ديناً ينظر في مصطلح : ( صلح ) .
التّبعيض في الهبة :
30 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على جواز التّبعيض في الهبة مطلقاً ، وهو المذهب عند الحنفيّة فيما لا يقبل القسمة ، فتصحّ هبة المشاع عند الأئمّة الثّلاثة مطلقاً ، وعند الحنفيّة تصحّ هبة المشاع الّذي لا يمكن قسمته إلاّ بضرر ، بألاّ يبقى منتفعاً به بعد أن يقسم ، كبيت وحمّام صغيرين . وأمّا هبة المشاع الّذي يمكن قسمته بلا ضرر فلا تصحّ هبته مشاعاً ، ولو كان لشريكه ، وذلك لعدم تصوّر القبض الكامل . وقيل : يجوز لشريكه ، وهو المختار عندهم . وإن وهب واحد لاثنين شيئاً ممّا ينقسم يجوز عند الحنابلة ، وأبي يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو وجه للشّافعيّة أيضاً .
وذهب الإمام أبو حنيفة ، وهو وجه آخر للشّافعيّة إلى عدم جوازه .
وفي الموضوع فروعات كثيرة تفصيلها في باب الهبة من كتب الفقه .
التّبعيض في الوديعة :
31 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّبعيض في الوديعة بإنفاق بعضها أو استهلاكه موجب للضّمان . واختلفوا في أخذ بعض الوديعة ، ثمّ ردّها أو ردّ مثلها .
فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ من استودع شيئاً فأخذ بعضه لزمه ضمان ما أخذه ، فإن ردّه أو مثله لم يزل الضّمان عنه . وقال مالك : لا ضمان عليه إذا ردّه أو مثله .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن لم ينفق ما أخذه وردّه لم يضمن ،وإن أنفقه ثمّ ردّه أو مثله ضمن.
التّبعيض في الوقف :
32 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة والمالكيّة في ظاهر المذهب ، وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى جواز التّبعيض في الوقف ، سواء فيما يقبل القسمة أو لا يقبلها ، فيجوز وقف المشاع كنصف دار . وذهب محمّد بن الحسن من الحنفيّة إلى عدم جواز وقف المشاع إذا كان ممّا يقبل القسمة ، وبناه على أصله في أنّ القبض شرط ، وهو لا يصحّ في المشاع .
وأمّا ما لا يقبلها كالحمّام والرّحى ، فيجوز وقفه مشاعاً عنده أيضاً ، إلاّ في المسجد والمقبرة ، لأنّ بقاء الشّركة يمنع الخلوص للّه تعالى . وينظر تفصيل ذلك في باب ( الوقف ) .
التّبعيض في الغصب :
33 - يرتّب الفقهاء على تبعيض المال المغصوب بتلف بعضه أو تعييبه أحكاماً مختلفةً : فذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجزء الغائب مضمون بقسطه من أقصى القيم من يوم الغصب إلى يوم التّلف ، والنّقص الحاصل بتفاوت السّعر في الباقي المردود غير مضمون عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة فيما لا ينقصه التّبعيض ، وأمّا فيما ينقصه - كأن يكون ثوباً ينقصه القطع - فإنّه يلزمه أرش النّقص .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه إن تعيّب المال المغصوب باستهلاك بعضه كقطع يد الشّاة خيّر المالك بين ترك المغصوب للغاصب وأخذ قيمته ، وبين أن يأخذ المغصوب ويضمّنه النّقصان . بخلاف قطع طرف دابّة غير مأكولة إذا اختار ربّها أخذها ، لا يضمّنه شيئاً ، وإلاّ غرّمه كمال القيمة ، لأنّه فوّت جميع منافعها فصار كما لو قتلها .
وأمّا المالكيّة فقد فصّلوا الكلام في وجوب الضّمان في الجناية على بعض السّلعة المغصوبة : فالتّعدّي على بعض السّلعة المغصوبة إن فوّت المغصوب يضمن جميعه ، كقطع ذنب دابّة ذي هيبة ، أو أذنها ، وكذا مركوب كلّ من يعلم أنّ مثله لا يركب مثل ذلك ، ولا فرق بين المركوب والملبوس ، كقلنسوة القاضي وطيلسانه ، وإن لم يفوّته فإن كان التّعدّي يسيراً ، ولم يبطل الغرض منه لم يضمن بذلك ، وكذلك إذا كان التّعدّي كثيراً ، ولم يبطل الغرض المقصود منه ، فإنّ حكمه حكم اليسير .
وينظر تفصيل الكلام في هذا الموضوع في باب ( الغصب ) .
التّبعيض في القصاص :
34 - اتّفق الفقهاء على أنّ القصاص ممّا لا يتبعّض بالتّبعيض ، ثمّ اختلفوا في التّفاصيل : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ مستحقّ القصاص إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء ، صحّ العفو ، وسقط القصاص كلّه ، ولم يبق لأحد إليه سبيل . وإليه ذهب عطاء والنّخعيّ ، والحكم ، وحمّاد ، والثّوريّ ، وروي معنى ذلك عن عمر وطاوس والشّعبيّ .
لما روى زيد بن وهب أنّ عمر أتي برجل قتل قتيلاً ، فجاء ورثة المقتول ليقتلوه ، فقالت امرأة المقتول ، وهي أخت القاتل : قد عفوت عن حقّي ، فقال عمر : " اللّه أكبر ، عتق القتيل . وفي رواية عن زيد قال : دخل رجل على امرأته ، فوجد عندها رجلاً فقتلها ، فاستعدى إخوتها عمر ، فقال بعض إخوتها : قد تصدّقت . فقضى لسائرهم بالدّية ".
وذهب المالكيّة إلى أنّ عفو بعض الورثة لا يسقط القود ، إلاّ أن يكون العافي مساوياً لمن بقي في الدّرجة أو أعلى منه ، فإن كان أنزل درجةً لم يسقط القود بعفوه . فإن انضاف إلى الدّرجة العليا الأنوثة كالبنات مع الأب أو الجدّ ، فلا عفو إلاّ باجتماع الجميع ، فإن انفرد الأبوان فلا حقّ للأمّ في عفو ولا قتل .
وذهب بعض أهل المدينة ، وقيل : هو رواية عن مالك إلى أنّ القصاص لا يسقط بعفو بعض الشّركاء ، لأنّ النّفس قد تؤخذ ببعض النّفس بدليل قتل الجماعة بالواحد .
التّبعيض في العفو عن القذف :
35 - اختلف الفقهاء في جوازه : فذهب الشّافعيّة في الأصحّ ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والمتبادر من أقوال المالكيّة ( ما لم يبلغ الإمام ) إلى عدم جواز التّبعيض في حدّ القذف ، فإذا عفا بعض الورثة ، أو بعض مستحقّي حدّ القذف يكون لمن بقي استيفاء جميعه لأنّ المعرّة عنه لم تزل بعفو صاحبه ، وليس للعافي الطّلب به ، لأنّه قد أسقط حقّه . وكذلك بالعفو عن بعضه لا يسقط شيء منه .
ومقابل الأصحّ عند الشّافعيّة جواز التّبعيض ، ووجهه أنّ حدّ القذف جلدات معروفة العدد ، ولا ريب أنّ الشّخص لو عفا بعد جلد بعضها ، سقط ما بقي منها ، فكذلك إذا أسقط منها في الابتداء قدراً معلوماً ، وعلى هذا لو عفا بعض مستحقّي حدّ القذف عن حقّه يسقط نصيب العافي ، ويستوفى الباقي ، لأنّه متوزّع . وهناك وجه ثالث للشّافعيّة : أن يسقط جميع الحدّ كالقصاص . وأمّا الحنفيّة فلا يتأتّى عندهم هذا ، لأنّ الغالب في حدّ القذف عندهم حقّ اللّه ، فلا يسقط كلّه ولا بعضه بالعفو بعد ثبوته ، وكذا إذا عفا قبل الرّفع إلى القاضي .
تبعيض الصّداق :
36 - اتّفق الفقهاء على جواز أن يكون بعض الصّداق معجّلاً وبعضه مؤجّلاً ، لأنّه عوض في عقد معاوضة ، فجاز ذلك فيه كالثّمن . وانظر مصطلح ( أجل ، مهر ) .
وأمّا تنصيف الصّداق بالطّلاق قبل الدّخول والخلوة ، وكيفيّة ذلك ففيه أوجه وتفصيل يذكر في مواطنه ، وانظر مصطلح ( مهر ) .
رد مع اقتباس