ولاية التّأديب :
4 - تثبت ولاية التّأديب :
أ - للإمام ونوّابه كالقاضي بالولاية العامّة ، فلهم الحقّ في تأديب من ارتكب محظوراً ليس فيه حدّ ، مع الاختلاف بين الفقهاء في الوجوب عليهم وعدمه كما مرّت الإشارة إليه . ( ر : تعزير ) .
ب - للوليّ بالولاية الخاصّة ، أباً كان أو جدّاً أو وصيّاً ، أو قيّماً من قبل القاضي لحديث :
« مروا أولادكم بالصّلاة ... » إلخ
ج - للمعلّم على التّلميذ بإذن الوليّ .
د - للزّوج على زوجته فيما يتّصل بالحقوق الزّوجيّة ، لقوله تعالى : { واللّاتي تخافون نُشُوزَهنَّ فَعِظُوهنّ واهْجروهنّ في المضاجِعِ واضربوهنّ } ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء . ولكنّهم اختلفوا في جواز تأديب الزّوج لزوجته في حقّ اللّه تعالى ، كترك الصّلاة ونحوها من الفرائض . فذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز تأديبها على ذلك .
وقيّده المالكيّة بما قبل الرّفع للإمام . وعند الحنفيّة والشّافعيّة ليس له التّأديب لحقّ اللّه ، لأنّه لا يتعلّق به ولا ترجع المنفعة إليه . هذا ولم نقف على قول للفقهاء بوجوب التّأديب على الزّوج ، بل يفهم من عباراتهم أنّ التّرك أولى .
جاء في الأمّ للإمام الشّافعيّ : في نهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضرب النّساء ، ثمّ إذنه في ضربهنّ ، وقوله : « لن يضربَ خيارُكم » يشبه أن يكون عليه الصلاة والسلام نهى عنه على اختيار النّهي ، وأذن فيه بأن أباح لهم الضّرب في الحقّ ، واختار لهم ألاّ يضربوا ، لقوله : « لن يضرب خياركم » . وليس لغير هؤلاء ولاية التّأديب عند جمهور الفقهاء . غير أنّ الحنفيّة قالوا : يقيم التّأديب - إذا كان حقّاً للّه - كلّ مسلم في حال مباشرة المعصية ، لأنّه من باب إزالة المنكر ، والشّارع ولّى كلّ مسلم ذلك ، لقوله صلى الله عليه وسلم « من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده ... » أمّا بعد الفراغ من المعصية فليس بنهي ، لأنّ النّهي عمّا مضى لا يتصوّر ، فيتمحّض تعزيراً وذلك إلى الإمام .
ما يجوز فيه التّأديب لغير الحاكم .
5- أ - نشوز الزّوجة وما يتّصل به من الحقوق ، كتركها الزّينة له مع القدرة عليها ، وترك الغسل عند الجنابة ، والخروج من المنزل بغير إذنه ، وترك الإجابة إلى الفراش ، إلى غير ذلك ممّا له صلة بالعلاقة الزّوجيّة ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء .
واختلفوا في جواز تأديبه إيّاها لحقّ اللّه تعالى كترك الصّلاة ونحوها ، فجوّزه البعض ، ومنعه آخرون . : مصطلح ( نشوز ) .
ب - وتثبت على الصّبيّ لوليّه ، أباً كان ، أو جدّاً ، أو وصيّاً ، أو قيّماً من قبل القاضي لخبر : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ... » ويؤدّب على ترك الطّهارة والصّلاة وكذا الصّوم ، وينهى عن شرب الخمر ليألف الخير ويترك الشّرّ ، ويؤمر بالغسل إذا جامع ، ويؤمر بجميع المأمورات ، وينهى عن جميع المنهيّات . ويكون التّأديب بالضّرب والوعيد ، والتّعنيف بالقول . وهذا التّأديب واجب على الوليّ باتّفاق الفقهاء للحديث المتقدّم . وهو في حقّ الصّبيّ لتمرينه على الصّلاة ونحوها ليألفها ويعتادها ولا يتركها عند البلوغ . ولا تجب عليه الصّلاة عند جمهور الفقهاء لخبر « رُفع القلمُ عن ثلاثة ... » ذكر منهم الصّبيّ حتّى يبلغ .
ج - على التّلميذ : ويؤدّب المعلّم من يتعلّم منه بإذن الوليّ ، وليس له التّأديب بغير إذن الوليّ عند جمهور الفقهاء .
ونقل عن بعض الشّافعيّة قولهم : الإجماع الفعليّ مطّرد بجواز ذلك بدون إذن الوليّ .
نفقة التّأديب :
6 - تجب أجرة التّعليم في مال الطّفل إن كان له مال . فإن لم يكن له مال فعلى من تجب عليه نفقته ، والإنفاق من مال الصّبيّ لتعليمه الفرائض واجب بالاتّفاق ، كما يجوز أن يصرف من ماله أجرة تعليم ما سوى الفرائض من : القرآن ، والصّلاة ، والطّهارة ، كالأدب ، والخطّ ، إن تأهّل لديه لأنّه مستمرّ معه وينتفع به . ونقل الخطيب الشّربينيّ عن النّوويّ قوله في الرّوضة : يجب على الآباء والأمّهات تعليم أولادهم الطّهارة والصّلاة والشّرائع . وأجرة تعليم الفرائض في مال الطّفل ، فإن لم يكن فعلى من تلزمه نفقته .
طرق التّأديب :
7 - تختلف طرق التّأديب باختلاف من له التّأديب ومن عليه التّأديب :
فطرق تأديب الإمام لمن يستحقّ من الرّعيّة غير محصورة ولا مقدّرة شرعاً ، فيترك لاجتهاده في سلوك الأصلح لتحصيل الغرض من التّأديب ، لاختلاف ذلك باختلاف الجاني والجناية ، وعليه أن يراعي التّدرّج اللّائق بالحال والقدر كما يراعي دفع الصّائل ، فلا يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافياً وموثّراً . والتّفصيل في مصطلح ( تعزير ) .
طرق تأديب الزّوجة :
8 - أ - الوعظ .
ب - الهجر في المضجع .
ج - الضّرب غير المبرّح .
وهذا التّرتيب واجب عند جمهور الفقهاء ، فلا ينتقل إلى الهجر إلاّ إذا لم يجد الوعظ ، هذا لقوله تعالى : { واللّاتي تخافون نشوزَهنّ فعِظُوهنّ واهجروهنّ في المضاجِع واضربوهنّ } . جاء في المغني لابن قدامة : في الآية إضمار تقديره : واللّاتي تخافون نشوزهنّ فعظوهنّ ، فإن نشزن فاهجروهنّ في المضاجع ، فإن أصررن فاضربوهنّ .
وذهب الشّافعيّة - في الأظهر من قولين عندهم - إلى أنّه يجوز للزّوج أن يؤدّبها بالضّرب بعد ظهور النّشوز منها بقول أو فعل ، ولا ترتيب على هذا القول بين الهجر والضّرب بعد ظهور النّشوز ، والقول الآخر يوافق رأي الجمهور .
ويجب أن يكون الضّرب غير مبرّح ، وغير مدم ، وأن يتوقّى فيه الوجه والأماكن المخوفة ، لأنّ المقصود منه التّأديب لا الإتلاف . لخبر : « إنّ لكم عليهنّ ألاّ يوطئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه ، فإنْ فعلنَ فاضربوهنّ ضرباً غير مبرّح » .
ويشترط الحنابلة ألاّ يجاوز به عشرة أسواط لحديث : « لا يجلد أحدٌ فوق عشرة أسواطٍ إلاّ في حدّ من حدود اللّه » ر : مصطلح ( نشوز ) .
طرق تأديب الصّبيّ :
9 - يؤدّب الصّبيّ بالأمر بأداء الفرائض والنّهي عن المنكرات بالقول ، ثمّ الوعيد ، ثمّ التّعنيف ، ثمّ الضّرب ، إن لم تجد الطّرق المذكورة قبله ، ولا يضرب الصّبيّ لترك الصّلاة إلاّ إذا بلغ عشر سنين . لحديث : « مروا أولادكم بالصّلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرّقوا بينهم في المضاجع » .
ولا يجاوز ثلاثاً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة .
وهي أيضاً على التّرتيب ، فلا يرقى إلى مرتبة إذا كان ما قبلها يفي بالغرض وهو الإصلاح .
تجاوز القدر المعتاد في التّأديب :
10 - اتّفق الفقهاء على منع التّأديب بقصد الإتلاف ، وعلى ترتّب المسئوليّة على ذلك ، واختلفوا في البلوغ بالتّأديب أو التّعزير مبلغ الحدّ . وتفصيله في مصطلح ( تعزير ) .
الهلاك من التّأديب المعتاد :
11 - اختلف الفقهاء أيضاً في حكم الهلاك من التّأديب المعتاد :
فاتّفق الأئمّة الثّلاثة : أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد على أنّ الإمام لا يضمن الهلاك من التّأديب المعتاد ، لأنّ الإمام مأمور بالحدّ والتّعزير ، وفعل المأمور لا يتقيّد بسلامة العاقبة .
واختلفوا في تضمين الزّوج والوليّ ، إذا حصل التّلف من تأديبهما ولم يتجاوزا القدر المشروع . فذهب مالك وأحمد إلى أنّه لا ضمان على الزّوج والوليّ من التّلف الّذي ينشأ من التّأديب المعتاد .
وعند الحنفيّة يضمن الزّوج إذا أفضى تأديبه المعتاد إلى الموت ، لأنّ تأديب الزّوجة إذا تعيّن سبيلاً لمنع نشوزها مشروط بأن يكون غير مبرّح ، فإذا ترتّب عليه الموت تبيّن أنّه قد جاوز الفعل المأذون فيه ، فيجب عليه الضّمان . ولأنّه غير واجب ، فشرط فيه سلامة العاقبة .
واختلف أبو حنيفة وصاحباه في تضمين الأب والجدّ والوصيّ ونحوهم : فذهب أبو حنيفة إلى أنّه يضمن الجميع إذا ترتّب على تأديبهم التّلف ، لأنّ الوليّ مأذون له بالتّأديب لا بالإتلاف ، فإذا أدّى إلى التّلف تبيّن أنّه جاوز الحدّ ، ولأنّ التّأديب قد يحصل بغير الضّرب كالزّجر وفرك الأذن . وخلاصة رأي أبي حنيفة : أنّ الواجب لا يتقيّد بسلامة العاقبة ، والمباح يتقيّد بها ، ومن المباح ضرب الأب أو الأمّ ولدهما تأديباً ومثلهما الوصيّ ، فإذا أفضى إلى الموت وجب الضّمان ، وإن كان الضّرب للتّعليم فلا ضمان ، لأنّه واجب ، والواجب لا يتقيّد بسلامة العاقبة . وذهب الصّاحبان إلى أنّه لا ضمان عليهم لأنّ التّأديب منهم فعل مأذون فيه لإصلاح الصّغير ، كضرب المعلّم ، بل أولى منه ، لأنّ المعلّم يستمدّ ولاية التّأديب من الوليّ ، والموت نتج من فعل مأذون فيه ، والمتولّد من فعل مأذون لا يعدّ اعتداءً فلا ضمان عليهم . ونقل عن بعض الحنفيّة أنّ الإمام رجع إلى قول الصّاحبين .
وذهب الشّافعيّة إلى وجوب الضّمان في التّأديب وإن لم يتجاوز القدر المعتاد في مثله ، فإن كان ممّا يقتل غالباً ففيه القصاص على غير الأصل ( الأب والجدّ ) وإلاّ فدية شبه العمد على العاقلة ، لأنّه فعل مشروط بسلامة العاقبة ، إذ المقصود التّأديب لا الهلاك ، فإذا حصل به هلاك تبيّن أنّه جاوز القدر المشروع فيه ، ولا فرق عندهم بين الإمام وغيره ممّن أوتوا سلطة التّأديب ، كالزّوج والوليّ .
تأديب الدّابّة :
12 - للمستأجر ورائض الدّابّة تأديبها بالضّرب والكبح بقدر ما جرت به العادة ، ولا يضمن إن تلفت بذلك عند الأئمّة الثّلاثة ( مالك والشّافعيّ وأحمد بن حنبل ) وصاحبي أبي حنيفة ، لأنّه صحّ « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه نخس بعير جابر وضربه » .
وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يضمن لأنّه تلف حصل بجنايته فضمنه كغيره ، ولأنّ المعتاد مقيّد بشرط السّلامة ، ولأنّ السّوق يتحقّق بدون الضّرب ، وإنّما يضرب للمبالغة فيضمن .
مواطن البحث :
13 - يذكر الفقهاء التّأديب أساساً في أبواب كثيرة مثل : الصّلاة ، النّشوز ، التّعزير ، دفع الصّائل ، ضمان الولاة ، والحسبة .
تأريخ *
التّعريف :
1 - التّأريخ : مصدر أرّخ ، ومعناه في اللّغة : تعريف الوقت ، يقال : أرّخت الكتاب ليوم كذا : إذا وقّتّه وجعلت له تاريخاً .
وأمّا معناه في الاصطلاح : فيؤخذ من كلام السّخاويّ : أنّه تحديد وقائع الزّمن من حيث التّعيين والتّوقيت .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأجل :
2 - أجل الشّيء في اللّغة - كما جاء في المصباح - مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه ، وهو مصدر ، ويجمع على آجال ، كسبب وأسباب ، والآجل على فاعل خلاف العاجل .
وأمّا الأجل في اصطلاح الفقهاء : فهو المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور ، سواء أكانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام ، أم أجلاً لإنهاء التزام .
وسواء أكانت هذه المدّة مقرّرةً بالشّرع ، أم بالقضاء ، أم بإرادة الملتزم : فرداً أو أكثر .
والنّسبة بينهما هي أنّ التّاريخ أعمّ من الأجل : لأنّه يتناول المدّة الماضية والحاضرة ، والمستقبلة ، والأجل لا يتناول إلاّ المستقبلة .
ب - الميقات :
3 - الميقات في اللّغة ، كما جاء في الصّحاح : الوقت المضروب للفعل والموضع ، وجاء في المصباح أنّه الوقت ، والجمع مواقيت ، وقد استعير الوقت للمكان ، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام . واصطلاحاً : ما قدّر فيه عمل من الأعمال . سواء أكان زمناً أم مكاناً ، وهو أعمّ من التّاريخ .
حكمه التّكليفيّ :
4 - قد يكون التّأريخ واجباً ، إذا تعيّن طريقاً للوصول إلى معرفة حكم شرعيّ ، كتوريث ، وقصاص ، وقبول رواية ، وتنفيذ عهد ، وقضاء دين ، وما إلى ذلك .
التّأريخ قبل الإسلام :
5 - لم يكن للعرب قبل الإسلام تأريخ يجمعهم ، وإنّما كانت كلّ طائفة منهم تؤرّخ بالحادثة المشهورة فيها .
وبيان ذلك أنّ بني إبراهيم عليه السلام ، كانوا يؤرّخون من نار إبراهيم إلى بنيان البيت ، حين بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، ثمّ أرّخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتّى تفرّقوا ، فكان كلّما خرج قوم من تهامة أرّخوا بمخرجهم ، ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرّخون من خروج سعد ونهد وجهينة بني زيد ، من تهامة حتّى مات كعب بن لؤيّ ، وأرّخوا من موته إلى الفيل ، ثمّ كان التّاريخ من الفيل حتّى أرّخ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من الهجرة . وأمّا غيرهم من العرب فإنّهم كانوا يؤرّخون بالأيّام والحوادث المشهورة ، كحرب البسوس وداحس والغبراء ، وبيوم ذي قار ، والفجّار ونحوه .
أمّا قبل ذلك ، وفي البداية عندما كثر بنو آدم في الأرض ، فإنّهم أرّخوا من هبوط آدم إلى الطّوفان ، ثمّ إلى نار الخليل عليه الصلاة والسلام ، ثمّ إلى زمان يوسف عليه السلام ، ثمّ إلى خروج موسى عليه السلام من مصر ببني إسرائيل ، ثمّ إلى زمان داود عليه السلام ، ثمّ إلى زمان سليمان عليه السلام ، ثمّ إلى زمان عيسى عليه السلام .
وأرّخت حِمير بالتّبابعة ، وغسّانُ بالسّدّ ، وأهل صنعاء بظهور الحبشة على اليمن ، ثمّ بغلبة الفرس . وأرّخت الفرس بأربع طبقات من ملوكها ، والرّوم بقتل دارا بن دارا إلى ظهور الفرس عليهم . وأرّخ القبط ببخت نصّر إلى قلابطرة ( كليوبترا ) صاحبة مصر .
واليهود أرّخوا بخراب بيت المقدس . والنّصارى برفع عيسى عليه السلام .
سبب وضع التّاريخ الهجريّ :
6 - يروى أنّ أبا موسى الأشعريّ كتب إلى عمر : أن يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ ، فجمع عمر النّاس ، فقال بعضهم : أرّخ بالمبعث ، وبعضهم : أرّخ بالهجرة ، فقال عمر : الهجرة فرّقت بين الحقّ والباطل فأرّخوا بها ، وذلك سنة سبع عشرة ، فلمّا اتّفقوا قالوا : ابدءوا برمضان ، فقال عمر : بل بالمحرّم ، فإنّه منصرف النّاس من حجّهم ، فاتّفقوا عليه . هذا ولا يخفى أنّ المسلمين احتاجوا إلى التّأريخ لضبط أمورهم الدّينيّة كالصّوم والحجّ وعدّة المتوفّى عنها زوجها ، والنّذور الّتي تتعلّق بالأوقات .
ولضبط أمورهم الدّنيويّة كالمداينات والإجارات والمواعيد ومدّة الحمل والرّضاع .
التّأريخ بالسّنة الشّمسيّة ، وهو التّأريخ غير الهجريّ :
7 - السّنة الشّمسيّة تتّفق مع السّنة القمريّة في عدد الشّهور ، وتختلف معها في عدد الأيّام ، إذ تزيد أيّامها على أيّام السّنة القمريّة بأحد عشر يوماً تقريباً .
وقد اعتمد عليها الرّوم والسّريان والفرس والقبط في تأريخهم . فهناك السّنة الرّوميّة ، والسّنة السّريانيّة ، والسّنة الفارسيّة ، والسّنة القبطيّة .
وهذه السّنون ، وإن كانت متّفقةً في عدد شهور كلّ سنة منها ، إلاّ أنّها تختلف في أسماء تلك الشّهور وعدد أيّامها وأسماء الأيّام ، وفي موعد بدء كلّ سنة منها .
حكم استعمال التّأريخ غير الهجريّ في المعاملات :
8 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ، وهو الصّحيح عند الحنابلة إلى أنّ المتعاقدين إذا استعملا التّأريخ غير الهجريّ في المعاملات تنتفي الجهالة ويصحّ العقد ، إذا كان ذلك التّأريخ معلوماً عند المسلمين ، كأن يؤرّخ بشهر من أشهر الرّوم ، ككانون ، وشباط ، لأنّ تلك الشّهور معلومة مضبوطة ، أو يؤرّخ بفطر النّصارى بعدما شرعوا في صومهم ، لأنّ ذلك يكون معلوماً . أمّا إذا أرّخ بتأريخ قد لا يعرفه المسلمون ، مثل أن يؤرّخ بعيد من أعياد الكفّار ، كالنّيروز والمهرجان ، وفصح النّصارى ، وصومهم الميلاد ، وفطر اليهود ، والشّعانين ، فقد ذكر الحنفيّة في البيع إلى تلك الأوقات : أنّه يصحّ إذا علم المتعاقدان ذلك ، ولا يصحّ مع جهلهما ومعرفة غيرهما به ، لأنّه يفضي إلى المنازعة . وصحّح المالكيّة ذلك ، لأنّ تلك الأيّام إن كانت معلومةً فإنّها تكون كالمنصوصة .
وذكر الشّافعيّة كما جاء في الرّوضة أنّ التّأقيت بالنّيروز والمهرجان مجزئ على الصّحيح ، وفي وجه : لا يصحّ لعدم انضباط وقتهما .
أمّا التّأريخ بفصح النّصارى فقد نصّ الشّافعيّ على أنّه لا يصحّ ، وتمسّك بظاهره بعض الأصحاب من الشّافعيّة اجتناباً لمواقيت الكفّار ، وقال جمهور الأصحاب من الشّافعيّة : إن اختصّ بمعرفته الكفّار لم يصحّ ، لأنّه لا اعتماد على قولهم ، وإن عرفه المسلمون جاز كالنّيروز . ثمّ اعتبر جماعة فيهما معرفة المتعاقدين ، وقال أكثر الأصحاب : يكفي معرفة النّاس ، وسواء اعتبرنا معرفتهما أم لا ، فلو عرفا كفى على الصّحيح ، وفي وجه يشترط معرفة عدلين من المسلمين سواهما ، لأنّهما قد يختلفان فلا بدّ من مرجّح ، وفي معنى الفصح سائر أعياد أهل الملل كفطر اليهود ونحوه .
وأمّا الحنابلة فإنّهم لم يفرّقوا بين التّأريخ بغير الشّهور الهلاليّة ، كالشّهور الرّوميّة ، وأعياد الكفّار ، فإنّ ذلك عندهم يصحّ على الصّحيح من المذهب إذا عرف المسلمون ذلك ، وقد اختار هذا القول جماعة منهم القاضي ، وقدّمه صاحب الكافي والرّعايتين والحاويين والفروع وغيرهم . وقيل : لا يصحّ كالشّعانين وعيد الفطير ونحوهما ممّا يجهله المسلمون غالباً ، وهو ظاهر كلام الخرقيّ وابن أبي موسى وابن عبدوس في تذكرته ، حيث قالوا بالأهلّة .
مواطن البحث :
9 - يبحث عن الأحكام الخاصّة بمصطلح التّأريخ في مصطلح ( آجل ) ومصطلح ( تأقيت ) لأنّ الفقهاء في الغالب لا يذكرون في كتبهم لفظ التّأريخ ، وإنّما يذكرون لفظ الأجل ، ولفظ التّأقيت ، فكلّ ما يتعلّق بالتّصرّفات من التّأقيت أو التّأجيل يرجع فيه إلى هذين المصطلحين ( الأجل والتّأقيت ) .
تأقيت *
التّعريف :
1 - التّأقيت أو التّوقيت : مصدر أقّت أو وقّت بتشديد القاف ، فالهمزة في المصدر والفعل مبدلة من الواو ، ومعناه في اللّغة : تحديد الأوقات . وهو يتناول الشّيء الّذي قدّر له حيناً أو غايةً . وتقول : وقّتّه ليوم كذا مثل أجّلته . وقال في القاموس في بيان معنى الوقت : وأنّه يستعمل بمعنى تحديد الأوقات كالتّوقيت ، والوقت المقدار من الدّهر .
وقال في الصّحاح : وقّتّه فهو موقوت ، إذا بيّن للفعل وقتاً يفعل فيه ، ومنه قوله تعالى : { إنَّ الصّلاةَ كانت على المؤمنين كتاباً مَوْقوتاً } . أي مفروضاً في الأوقات . وقد استعير الوقت للمكان ، ومنه مواقيت الحجّ لمواضع الإحرام .
والتّأقيت في الاصطلاح : تحديد وقت الفعل ابتداءً وانتهاءً . والتّأقيت قد يكون من الشّارع في العبادات مثلاً ، وقد يكون من غيره .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الأجل :
2 - أجل الشّيء في اللّغة ، كما جاء في المصباح : مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه .
وفي اصطلاح الفقهاء هو : المدّة المستقبلة الّتي يضاف إليها أمر من الأمور ، سواء أكانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء بالتزام ، أو أجلاً لإنهاء التزام ، وسواء أكانت هذه المدّة مقرّرةً بالشّرع ، أو بالقضاء ، أو بإرادة الملتزم فرداً أو أكثر . والفرق بينه وبين التّأقيت واضح ، فإنّ التّصرّفات في التّأقيت تثبت في الحال غالباً وتنتهي في وقت معيّن .
ب - الإضافة :
3 - الإضافة في اللّغة تأتي لمعان منها : الإسناد ، والتّخصيص .
ويستعملها الفقهاء بهذين المعنيين ، كما يستعملونها أيضاً بمعنى إضافة الحكم إلى الزّمن المستقبل ، أي إرجاء نفاذ حكم التّصرّف إلى الزّمن المستقبل الّذي حدّده المتصرّف بغير كلمة شرط . والفرق بينهما وبين التّأقيت : أنّ التّصرّفات في التّأقيت تثبت في الحال ، وتنتهي في وقت معيّن . بخلاف الإضافة ، فإنّها تؤخّر ترتّب الحكم على السّبب إلى الوقت الّذي أضيف إليه السّبب .
ج - التّأبيد :
4 - التّأبيد في اللّغة معناه : التّخليد أو التّوحّش كما جاء في الصّحاح .
وقال في المصباح : فإذا قلت : لا أكلّمه أبداً ، فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك .
وأمّا عند الفقهاء فيعرف من استعمالاتهم : أنّه تقييد صيغة التّصرّفات بالأبد وما في معناه . والفرق بين التّأبيد والتّأقيت واضح ، فإنّه وإن كان التّصرّف في كلّ منهما ثابتاً في الحال ، إلاّ أنّ التّصرّفات في التّأقيت مقيّدة بوقت معيّن ينتهي أثرها عنده ، بخلاف التّأبيد . وللتّوسّع ر : ( تأبيد ) .
د - التّأجيل :
5 - التّأجيل في اللّغة : مصدر أجّل - بتشديد الجيم - ومعناه : أن تجعل للشّيء أجلاً ، وأجل الشّيء : مدّته ووقته الّذي يحلّ فيه .
وفي الاصطلاح معناه : تأخير الثّابت في الحال إلى زمن مستقبل ، كتأجيل المطالبة بالثّمن إلى مضيّ شهر مثلاً . والفرق بين التّأجيل والتّأقيت : أنّ التّأقيت يترتّب عليه ثبوت التّصرّف في الحال ، بخلاف التّأجيل فإنّه على العكس من ذلك .
هـ - التّعليق :
6 - التّعليق في اصطلاح الفقهاء - كما قال ابن نجيم - : ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى .
وفسّره الحمويّ بأنّه ترتيب أمر لم يوجد على أمر سيوجد ، بإن أو إحدى أدوات الشّرط الأخرى . والفرق بين التّعليق والتّأقيت : أنّ التّأقيت تثبت فيه التّصرّفات في الحال ، فلا يمنع ترتّب الحكم على السّبب ، بخلاف التّعليق فإنّه يمنع المعلّق عن أن يكون سبباً للحكم في الحال . ر : ( تعليق ) .
أثر التّأقيت في التّصرّفات :
7 - التّصرّفات من حيث قبولها التّأقيت أو عدم قبولها له على ثلاثة أقسام هي : تصرّفات لا تقع إلاّ مؤقّتةً كالإجارة والمزارعة والمساقاة والمكاتبة ، وتصرّفات لا تصحّ مؤقّتةً كالبيع والرّهن والهبة والنّكاح ، وتصرّفات تكون مؤقّتةً وغير مؤقّتة كالعاريّة والكفالة والمضاربة والوقف وغيرها ، وبيان ذلك فيما يلي :
أوّلاً : التّصرّفات الّتي لا تقع إلاّ مؤقّتةً :
أ - الإجارة :
8 - اتّفق الفقهاء على أنّ الإجارة لا تصحّ إلاّ مؤقّتةً بمدّة معيّنة ، أو بوقوعها على عمل معلوم . فمن الأوّل : إجارة الأرض أو الدّور أو الدّوابّ والأجير الخاصّ .
ومن الثّاني : الاستئجار على عمل كخياطة ثوب مثلاً ، وهو الأجير المشترك .
ب - المزارعة والمساقاة :
9 - ذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز المزارعة ، خلافاً لأبي يوسف ومحمّد ، فقد قالا بجوازها . وأنّ من شروط صحّتها بيان المدّة ، فهي من العقود المؤقّتة عندهما .
وأمّا المساقاة فلا يشترط توقيتها عندهما ، فإن ترك تأقيتها جازت استحساناً ، لأنّ وقت إدراك الثّمر معلوم .
وأمّا المالكيّة فلم يتعرّضوا لذكر التّأقيت في المزارعة فتصحّ عندهم بلا تقدير مدّة .
وأمّا المساقاة عندهم فإنّها تؤقّت بالجذاذ ، أي : جني الثّمر ، حتّى أنّ بعضهم يرى فسادها إن أطلقت ولم تؤقّت ، أو أقّتت بوقت يزيد على الجذاذ . ويرى ابن الحاجب من المالكيّة أنّها إن أطلقت صحّت وحملت على الجذاذ ، وذكر صاحب الشّرح الكبير : أنّ التّأقيت ليس شرطاً في صحّتها ، وغاية ما في الأمر أنّها إن أقّتت فإنّها تؤقّت بالجذاذ .
وأمّا الشّافعيّة فإنّهم يرون أنّ المزارعة إذا أفردت بالعقد فلا بدّ فيها من تقرير المدّة ، وأمّا إذا كانت تابعةً للمساقاة فإنّ ما يجري على المساقاة يجري عليها .
وأمّا المساقاة فإنّ من شروط صحّتها عندهم أن تكون مؤقّتةً إذ يشترط فيها معرفة العمل بتقدير المدّة كسنة . وأمّا الحنابلة فلا يشترطون لصحّة المزارعة والمساقاة التّأقيت ، بل تصحّ مؤقّتةً وغير مؤقّتة ، فلو زارعه أو ساقاه دون أن يذكر مدّةً جاز ، « لأنّه صلى الله عليه وسلم لم يضرب لأهل خيبر مدّةً » . وكذا خلفاؤه من بعده صلى الله عليه وسلم . ولكلّ من العاقدين فسخها متى شاء ، فإن كان الفسخ من ربّ المال قبل ظهور الثّمر وبعد شروع العامل بالعمل فعليه للعامل أجرة مثل عمله . وإن فسخ العامل قبل ظهور الثّمر فلا شيء له .
ثانياً : التّصرّفات غير المؤقّتة :
وهي تلك التّصرّفات الّتي لا تقبل التّأقيت ، أي : أنّ التّأقيت يفسدها ، وهي البيع والرّهن والهبة والنّكاح ، وبيان ذلك في ما يلي :
أ - البيع :
10 - البيع عند الفقهاء مقابلة مال بمال على وجه مخصوص ، وهو لا يقبل التّأقيت عند الفقهاء ، فقد ذكروا أنّ من شرائط صحّة البيع العامّة ألاّ يكون مؤقّتاً . ر : ( بيع ) .
وذكر السّيوطيّ في أشباهه أنّ البيع لا يقبل التّأقيت بحال ، ومتى أقّت بطل .
ب - الرّهن :
11 - اتّفق الفقهاء على أنّ الرّهن لا يقبل التّأقيت ، ومتى أقّت فسد ، لأنّ حكم الرّهن كما قال الحنفيّة : الحبس الدّائم إلى انتهاء الرّهن بالأداء أو الإبراء . وقد ذكر المالكيّة أنّ من رهن رهناً على أنّه إن مضت سنة خرج من الرّهن ، فإنّ هذا لا يعرف من رهون النّاس ، ولا يكون رهناً . والرّهن عند الشّافعيّة إنّما شرع للاستيثاق ، فتأقيته بمدّة ينافي ذلك . والرّهن عند الحنابلة لا يقبل التّأقيت أيضاً ، فقد جاء في كشّاف القناع : أنّه لو شرط المتعاقدان تأقيت الرّهن ، بأن قالا : هو رهن عشرة أيّام ، فالشّرط فاسد ، لمنافاته مقتضى العقد ، والرّهن صحيح . ر : ( رهن ) .
ج - الهبة :
12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الهبة لا تقبل التّأقيت ، لأنّها كما قال الحنفيّة : تمليك للعين في الحال بلا عوض ، فلا تحتمل التّأقيت قياساً على البيع .
ولأنّ تأقيتها أو تأجيلها يؤدّي إلى الغرر كما قال المالكيّة .
وذكر النّوويّ أنّ الهبة لا تقبل التّعليق على الشّرط ، ولا تقبل التّأقيت على المذهب .
وذكر الحنابلة كما جاء في المغني أنّه لو وقّت لهبة بأن قال : وهبتك هذا سنةً ثمّ يعود إليّ لم يصحّ ، لأنّه عقد تمليك لعين فلم يصحّ مؤقّتاً كالبيع .
العمرى والرّقبى :
13 - اتّفق الفقهاء على مشروعيّة العمرى ، إلاّ أنّهم اختلفوا في قبولها التّأقيت ، فذهب الحنفيّة ، والشّافعيّة في الجديد ، وأحمد إلى جواز العمرى للمعمر له حال حياته ، ولورثته من بعده . وصورة العمرى : أن يجعل داره للغير مدّة عمره ، وإذا مات تردّ عليه ، فيصحّ التّمليك له ولورثته ، ويبطل شرط العمر الّذي يفيد التّأقيت عند جمهور الفقهاء .
أمّا عند مالك ، والشّافعيّ في القديم : فالعمرى تمليك المنافع لا تمليك العين ، ويكون للمعمر له السّكنى ، فإذا مات عادت الدّار إلى المعمر ، فالعمرى من التّصرّفات المؤقّتة عندهم . أمّا الرّقبى فصورتها أن يقول الرّجل لغيره : داري لك رقبى . وهي باطلة عند أبي حنيفة ومحمّد ، فلا تفيد ملك الرّقبة ، وإنّما تكون عاريّةً ، يجوز للمعمر أن يرجع فيه ويبيعه في أيّ وقت شاء ، لأنّه تضمّن إطلاق الانتفاع .
فالرّقبى عندهما من التّصرّفات المؤقّتة لأنّها عاريّة . ويرى الشّافعيّ وأحمد وأبو يوسف جواز الرّقبى ، لأنّ قوله : " داري لك " تمليك ، وقوله " رقبى " شرط فاسد فيلغو . فكأنّه قال : رقبة داري لك . فصارت الرّقبى عندهم كالعمرى في الجواز . فهي من التّصرّفات الّتي لا تقبل التّأقيت . والرّقبى لم يجزها الإمام مالك . وللتّفصيل ر : ( عمرى ، رقبى ) .
د - النّكاح :
14 - النّكاح لا يقبل التّأقيت اتّفاقاً . فالنّكاح المؤقّت غير جائز ، سواء أكان بلفظ المتعة أم بلفظ التّزويج . كما صرّح المالكيّة بمنع ذكر الأجل مهما طال .
والنّكاح المؤقّت عند الشّافعيّة والحنابلة باطل ، سواء قيّد بمدّة مجهولة أو معلومة .
لأنّه نكاح المتعة ، وهو حرام كحرمة الميتة والدّم ولحم الخنزير . ر : ( نكاح ) .
الفرق بين النّكاح المؤقّت ونكاح المتعة :
15 - يفرّق بينهما من جهة اللّفظ ، فنكاح المتعة هو الّذي يكون بلفظ التّمتّع ، كأن يقول لها : أعطيك كذا على أن أتمتّع بك يوماً أو شهراً أو سنةً ونحو ذلك ، وهو غير صحيح عند عامّة العلماء . وأمّا النّكاح المؤقّت فهو الّذي يكون بلفظ التّزويج والنّكاح ، وما يقوم مقامهما ويقيّد بمدّة ، كأن يقول لها : أتزوّجك عشرة أيّام ونحو ذلك ، وهو غير صحيح عند عامّة العلماء ، وقال زفر : يصحّ العقد ويبطل التّأقيت .
هذا ، ولتأقيت النّكاح صور ، كأن يتزوّجها إلى مدّة معلومة ، أو مجهولة ، أو إلى مدّة لا يبلغها عمرهما ، أو عمر أحدهما . وسيأتي تفصيل ذلك كلّه في مصطلح ( نكاح ) .
إضمار التّأقيت في النّكاح :
16 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ إضمار التّأقيت في النّكاح لا يؤثّر في صحّته ولا يجعله مؤقّتاً ، فله تزوّجها وفي نيّته أن يمكث معها مدّةً نواها ، فالنّكاح صحيح ، لأنّ التّأقيت إنّما يكون باللّفظ . وذهب المالكيّة إلى أنّ التّأقيت إذا لم يقع في العقد ، ولم يعلمها الزّوج بذلك ، وإنّما قصده في نفسه ، وفهمت المرأة أو وليّها المفارقة بعد مدّة فإنّه لا يضرّ . وهذا هو الرّاجح ، وإن كان بهرام صدّر في شرحه وفي " شامله " بالفساد ، إذا فهمت منه ذلك الأمر الّذي قصده في نفسه ، فإن لم يصرّح للمرأة ولا لوليّها بذلك ، ولم تفهم المرأة ما قصده في نفسه ، فليس نكاح متعة .
وصرّح الشّافعيّة بكراهة هذا النّكاح الّذي أضمر فيه التّأقيت ، لأنّ كلّ ما لو صرّح به أبطل يكون إضماره مكروهاً عندهم .
والصّحيح المنصوص عليه في مذهب الحنابلة ، وهو الّذي عليه الأصحاب : أنّ إضمار التّأقيت في النّكاح كاشتراطه ، فيكون شبيهاً بنكاح المتعة في عدم الصّحّة .
وحكى صاحب الفروع عن الشّيخ ابن قدامة القطع بصحّته مع النّيّة .
وجاء في المغني أيضاً أنّه إن تزوّجها بغير شرط ، إلاّ أنّ في نيّته طلاقها بعد شهر ، أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد ، فالنّكاح صحيح في قول عامّة أهل العلم إلاّ الأوزاعيّ ، قال : هو نكاح متعة . والصّحيح أنّه لا بأس به ، ولا تضرّ نيّته ، وليس على الرّجل أن ينوي حبس امرأته ، وحسبه إن وافقته وإلاّ طلّقها .
ثالثاً : التّصرّفات الّتي تكون مؤقّتةً وغير مؤقّتة :
المراد بها تلك التّصرّفات الّتي لا يفسدها التّأقيت ، كالإيلاء والظّهار والعاريّة وغيرها ، وبيان ذلك فيما يلي :
أ - الإيلاء :
17 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الإيلاء قد يقع مؤقّتاً أو مطلقاً . وتفصيل أحكامه ينظر في مصطلح : ( إيلاء ) .
ب - الظّهار :
18 - الأصل في الظّهار إن أطلقه أن يقع مؤبّداً ، فإن أقّته كأن يظاهر من زوجته يوماً أو شهراً أو سنةً ، فقد اختلف الفقهاء في حكمه ، فذهب الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة في القول الأظهر إلى أنّه يقع مؤقّتاً ، ولا يكون المظاهر عائداً إلاّ بالوطء في المدّة ، فإن لم يقربها حتّى مضت المدّة سقطت عنه الكفّارة ، وبطل الظّهار عملاً بالتّأقيت ، لأنّ التّحريم صادف ذلك الزّمن دون غيره ، فوجب أن ينقضي بانقضائه ، ولأنّ الظّهار منكر من القول وزور ، فترتّب عليه حكمه كالظّهار المعلّق .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة في غير الأظهر إلى أنّ الظّهار لا يقبل التّأقيت ، فإن قيّده بوقت تأبّد كالطّلاق ، فيلغى تقييده ، ويصير مظاهراً أبداً لوجود سبب الكفّارة .
وذكر الشّافعيّة في قول ثالث عندهم أنّ الظّهار المؤقّت لغو ، لأنّه لم يؤبّد التّحريم فأشبه ما إذا شبّهها بامرأة لا تحرم على التّأبيد .
ج - العاريّة :
19 - العاريّة الّتي هي تمليك للمنافع بغير عوض ، إمّا أن تكون مؤقّتةً بمدّة معلومة ، وتسمّى حينئذ العاريّة المقيّدة ، وإمّا أن تكون غير مؤقّتة ، وتسمّى العاريّة المطلقة ، وهي عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة من العقود غير اللّازمة ، فلكلّ من المعير والمستعير الرّجوع فيها متى شاء ، مطلقةً كانت أو مقيّدةً ، إلاّ في بعض الصّور كالإعارة للدّفن أو البناء أو الغراس . وللتّفصيل ر : ( إعارة ) .
ويرى المالكيّة أنّ العاريّة إذا كانت مقيّدةً بعمل كزراعة أرض بطناً ( زرعةً واحدةً ) أو بوقت كسكنى دار شهراً مثلاً ، فإنّها تكون لازمةً إلى انقضاء ذلك العمل أو الوقت ، وإن لم تكن مقيّدةً بعمل ولا بوقت فإنّها تلزم إلى انقضاء مدّة ينتفع فيها بمثلها عادةً ، لأنّ العادة كالشّرط . فإن انتفى المعتاد مع عدم التّقييد بالعمل أو الوقت فقد ذكر اللّخميّ أنّ للمعير الخيار في تسليم ذلك أو إمساكه ، وإن سلّم فله استرداده .
د - الكفالة :
20 - اختلف الفقهاء في جواز تأقيت الكفالة ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة - في غير الأصحّ عندهم - إلى جواز تأقيتها إلى أجل معلوم كشهر وسنة . ومنع ذلك الشّافعيّة في الأصحّ عندهم . ثمّ اختلف المجيزون لذلك في التّوقيت إلى أجل مجهول .
فذهب الحنفيّة إلى جواز التّوقيت بوقت مجهول جهالةً غير فاحشة ، جرى العرف بين النّاس على التّوقيت به ، كوقت الحصاد والدّياس ، فإن كان الوقت المجهول غير متعارف عليه بين النّاس ، كمجيء المطر وهبوب الرّيح ، فلا يصحّ تأقيت الكفالة به .
وأجاز المالكيّة توقيت الكفالة إلى أجل مجهول ، كما نقل عن ابن يونس في كتاب الحمالة ( الكفالة ) أنّ الحمالة بالمال المجهول جائزة ، فكذا الحمالة به إلى أجل مجهول .
والحنابلة يجيزون تأقيت الكفالة ولو إلى أجل مجهول لا يمنع حصول المقصود منها كوقت الحصاد والجذاذ ، لأنّها تبرّع من غير عوض فتصحّ كالنّذر . ر : ( كفالة ) .
هـ - المضاربة :
21 - يجوز تأقيت المضاربة عند الحنفيّة والحنابلة ، فقد ذكر الحنفيّة أنّه ليس للعامل فيها تجاوز بلد أو سلعة أو وقت أو شخص عيّنه المالك .
والحنابلة صحّحوا تأقيت المضاربة بأن يقول ربّ المال : ضاربتك على هذه الدّراهم أو الدّنانير سنةً ، فإذا مضت السّنة فلا تبع ولا تشتر ، لأنّه تصرّف يتعلّق بنوع من المتاع فجاز توقيته بالزّمان كالوكالة .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ المضاربة لا تقبل التّأقيت ، لأنّها كما قال المالكيّة : ليست بعقد لازم ، فحكمها أن تكون إلى غير أجل ، فلكلّ واحد منهما تركها متى شاء .
ولأنّ تأقيتها - كما قال الشّافعيّة - يؤدّي إلى التّضييق على العامل في عمله ، فقد ذكر النّوويّ في الرّوضة : أنّه لا يعتبر في القراض ( المضاربة ) بيان المدّة ، فلو وقّت فقال : قارضتك سنةً ، فإن منعه من التّصرّف بعدها مطلقاً ، أو من البيع فسد ، لأنّه يخلّ بالمقصود ، وذكر النّوويّ أيضاً أنّه إن قال : على ألاّ تشتري بعد السّنة ، ولك البيع ، صحّ على الأصحّ ، لأنّ المالك يتمكّن من منعه من الشّراء متى شاء ، بخلاف البيع ، ولو اقتصر على قوله : قارضتك سنةً فسد على الأصحّ ، وعلى الثّاني يجوز ، ويحمل على المنع من الشّراء استدامةً للعقد . ولو قال : قارضتك سنةً على ألاّ أملك الفسخ قبل انقضائها فسد .
و - النّذر :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّ النّذر يقبل التّأقيت ، كما لو نذر صوم يوم من شهر المحرّم لزمه ذلك . أمّا إن لم يؤقّت ، بل قال : للّه عليّ أن أصوم يوماً لزمه ، وتعيين وقت الأداء إليه في هذه الحال .
ز - الوقف .
23 - اختلف الفقهاء في تأقيت الوقف ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة - في الصّحيح عندهم - والحنابلة - في أحد الوجهين - إلى أنّ الوقف لا يقبل التّأقيت ، ولا يكون إلاّ مؤبّداً .
وذهب المالكيّة والشّافعيّة - في مقابل الصّحيح عندهم والحنابلة على الوجه الآخر - إلى جواز تأقيت الوقف ، ولا يشترط في صحّة الوقف التّأبيد ، أي كونه مؤبّداً دائماً بدوام الشّيء الموقوف ، فيصحّ وقفه مدّةً معيّنةً ثمّ ترفع وقفيّته ، ويجوز التّصرّف فيه بكلّ ما يجوز التّصرّف به في غير الموقوف . وينظر تفصيل ذلك والخلاف فيه في مصطلح : ( وقف ) .
ح - الوكالة :
24 - يصحّ تأقيت الوكالة عند الفقهاء . ففي جامع الفصولين : أنّه لو وكّله بالبيع أو الشّراء اليوم ففعل ذلك في الغد ، ففي صحّته روايتان ، ورجّح عدم الصّحّة بناءً على أنّ ذكر اليوم للتّوقيت .
وذكر صاحب البدائع أنّه لو وكّله بأن يبيع هذه الدّار غداً ، فإنّه لا يكون وكيلاً قبل الغد . وذكر المالكيّة أنّ الوكيل إذا خالف ما أمره به الموكّل ، بأن باع أو اشترى قبل أو بعد الوقت الّذي عيّنه له الموكّل ، فللموكّل الخيار في قبول ذلك أو عدم قبوله .
وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه يمتنع على الوكيل التّصرّف بعد انتهاء وقت الوكالة ر : ( وكالة ) .
ط - اليمين :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين يقبل التّأقيت ، وتأقيتها تارةً يكون بألفاظ التّأقيت مثل ( ما دام ) ( وما لم ) ( وحتّى ) ( وأنّى ) ونحوها ، وتارةً يكون بالتّقييد بوقت كشهر ويوم . فمن حلف ألاّ يفعل شيئاً ، وحدّد وقتاً معيّناً لذلك ، اختصّت يمينه بما حدّده .
ويرجع للتّفصيل إلى بحث ( الأيمان ) .