عرض مشاركة واحدة
  #237  
قديم 05-11-2012, 10:42 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بيع وشرط *
1 - وردت في الشّريعة الإسلاميّة نصوص شرعيّة تقرّر للعقود آثارها ، ووردت فيها نصوص أخرى ، بعضها عامّ ، وبعضها خاصّ ، فيما يتّصل بمبلغ حقّ المتعاقدين في تعديل آثار العقود ، بالإضافة عليها ، أو النّقص منها ، وذلك بشروط يشترطانها في عقودهما . ففي القرآن الكريم ، ورد قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا أوْفوا بالعقود } ، وقوله تعالى : { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ ، إلاّ أنْ تكونَ تجارةً عن تراضٍ منكم } .
وفي السّنّة النّبويّة ورد حديث : « ... المسلمون على شروطهم ، إلاّ شرطاً حرّم حلالاً » وفي رواية : « عند شروطهم » ، وحديث : « مقاطع الحقوق عند الشّروط » ، وحديث :
« ما كان من شرط ليس في كتاب اللّه ، فهو باطل » أي ليس فيما كتبه اللّه وأوجبه في شريعته الّتي شرعها . وحديث : عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ، « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه : نهى عن بيع وشرط » .
فهذه النّصوص - في مجموعها - تشير إلى أنّ هناك : شروطاً مباحةً للمتعاقدين ، يتخيّرون منها ما يشاءون للالتزام بها في عقودهما ، وشروطاً محظورةً ، لا حقّ لأحد من المتعاقدين في اشتراطها في عقودهما ، لما أنّها تناقض المقصود ، أو تخالف القواعد العامّة الشّرعيّة ، أو تصادم مقصداً من مقاصد الشّريعة . وفيما يلي تفصيل مذاهب الفقهاء في البيع والشّرط ، كلّ مذهب على حدة للاختلاف الشّديد بينها في ذلك .
أوّلاً : مذهب الحنفيّة :
2 - وضع الحنفيّة هذا الضّابط للشّرط المنهيّ عنه ، الّذي يفسد العقد ، وهو : كلّ شرط لا يقتضيه العقد ، ولا يلائمه وفيه نفع لأحدهما ، أو لأجنبيّ ، أو لمبيع هو من أهل الاستحقاق ، ولم يجر العرف به . ولم يرد الشّرع بجوازه .
3 - أمّا إذا كان الشّرط ممّا يقتضيه العقد ، أي يجب بالعقد من غير شرط ، فإنّه يقع صحيحاً ، ولا يوجب فساد البيع . كما إذا اشترى بشرط أن يتملّك المبيع ، أو باع بشرط أن يتملّك الثّمن ، أو باع بشرط أن يحبس المبيع لاستيفاء الثّمن ، أو اشترى على أن يسلّم إليه المبيع ، أو اشترى دابّةً على أن يركبها ، أو ثوباً على أن يلبسه ، أو حنطةً في سنبلها وشرط الحصاد على البائع ، ونحو ذلك ، فالبيع جائز لأنّ البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط ، فكان ذكرها في معرض الشّرط تقريراً لمقتضى العقد ، فلا توجب فساد العقد .
4 - وكذلك إذا كان الشّرط ملائماً للعقد ، بأن يؤكّد موجبه ، فإنّه لا يفسد العقد ، ولو كان لا يقتضيه العقد ، لأنّه يقرّر حكمه من حيث المعنى ويؤكّده ، فيلتحق بالشّرط الّذي هو من مقتضيات العقد ، كشرط رهن معلوم بالإشارة أو التّسمية ، وشرط كفيل حاضر قبل الكفالة ، أو غائب فحضر وقبلها قبل التّفرّق . واشتراط الحوالة كالكفالة ، فلو باع على أن يحيل المشتري البائع على غيره بالثّمن ، قالوا : فسد قياساً ، وجاز استحساناً .
لكنّ الكاسانيّ اعتبر شرط الحوالة مفسداً ، لأنّه لا يقتضيه العقد ، ولا يقرّر موجبه ، لأنّ الحوالة إبراء عن الثّمن وإسقاط له ، فلم يكن ملائماً للعقد ، بخلاف الكفالة والرّهن .
5- ويشمل شرط المنفعة عندهم ما يأتي :
أ - أن يكون شرط المنفعة لأحد المتعاقدين : كما إذا باع داراً على أن يسكنها البائع شهراً ، ثمّ يسلّمها إليه ، أو أرضاً على أن يزرعها سنةً ، أو دابّةً على أن يركبها شهراً ، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً ، أو على أن يقرضه المشتري قرضاً ، أو على أن يهبه هبةً ، أو يزوّجه ابنته ، أو يبيع منه كذا ، ونحو ذلك ، أو اشترى ثوباً على أن يخيطه البائع قميصاً ، أو حنطةً على أن يطحنها ، أو ثمرةً على أن يجذّها ، أو شيئاً له حمل ومؤنة على أن يحمله البائع إلى منزله ، ونحو ذلك . فالبيع في هذا كلّه فاسد ، لأنّ زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون رباً ، لأنّها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع ، وهو تفسير الرّبا ، والبيع الّذي فيه الرّبا فاسد ، أو فيه شبهة الرّبا ، وإنّها مفسدة للبيع ، كحقيقة الرّبا .
ب - ويشمل ما إذا كانت المنفعة لأجنبيّ ، كما إذا باع ساحةً على أن يبني فيها مسجداً ، أو طعاماً على أن يتصدّق به ، فهو فاسد ، وإن يكن في مذهب الحنفيّة قولان في اشتراط القرض ونحوه من المنفعة لأجنبيّ .
ج - ويشمل ما إذا كانت المنفعة للمعقود عليه ، كما لو باع جاريةً على أن يوصي المشتري بعتقها ، فالبيع فاسد ، لأنّه شرط فيه منفعةً للمبيع ، وإنّه مفسد . وكذا لو شرط عليه أن يعتقها في ظاهر الرّواية . وكذا لو شرط عليه أن لا يبيعها أو لا يهبها ، لأنّ المملوك يسرّه أن لا تتداوله الأيدي . وروى الحسن عن الإمام أبي حنيفة جواز اشتراط الإعتاق على المشتري . أمّا ما لا منفعة فيه لأحد فلا يتناوله الشّرط المذكور ، ولا يوجب الفساد ، كما لو باعه ثوباً وشرط عليه أن لا يبيعه ، أو لا يهبه ، أو باعه دابّةً على أن لا يبيعها ، أو طعاماً على أن يأكله ولا يبيعه ، فهذا شرط لا منفعة فيه لأحد ، فلا يوجب في الصّحيح الفساد ، لأنّ الفساد في مثل هذه الشّروط - كما يقول الكاسانيّ - لتضمّنها الرّبا بزيادة منفعة مشروطة لا يقابلها عوض ، ولم يوجد في هذا الشّرط ، لأنّه لا منفعة فيه لأحد ، ولا مطالب له به ، فلا يؤدّي إلى الرّبا ، ولا إلى المنازعة ، فالعقد جائز ، والشّرط باطل .
6- أمّا ما فيه مضرّة لأحدهما ، كما لو باع الثّوب بشرط أن يخرقه المشتري ، أو الدّار على أن يخرّبها ، فالبيع جائز ، والشّرط باطل ، لأنّ شرط المضرّة لا يؤثّر في البيع . ونقل ابن عابدين أنّ هذا مذهب محمّد . ومذهب أبي يوسف هو فساد البيع . وما لا مضرّة ولا منفعة فيه لأحد ، فهو جائز ، كما لو اشترى طعاماً بشرط أكله ، أو ثوباً بشرط لبسه .
7- واستثنى الحنفيّة من شرط المنفعة المفسد ، ما جرى به العرف ، وتعامل به النّاس من غير إنكار ، ومثّلوا له بشراء حذاء بشرط أن يضع له البائع نعلاً ( أو كعباً ) أو القبقاب بشرط أن يسمّر له البائع سيراً ، أو صوفاً منسوجاً ليجعله له البائع قلنسوةً ( أو معطفاً ) أو اشترى قلنسوةً بشرط أن يجعل لها البائع بطانةً من عنده ، أو خفّاً أو ثوباً خلقاً على أن يرقّعه أو يرفوه له البائع . فهذا ونحوه من الشّروط الجائزة عند الحنفيّة ، فيصحّ البيع بها ، ويلزم الشّرط استحساناً ، للتّعامل الّذي جرى به عرف النّاس .
والقياس فساده - كما يقول زفر - لأنّ هذه الشّروط لا يقتضيها العقد ، وفيها نفع لأحد المتعاقدين ، وهو المشتري هنا ، لكنّ النّاس تعاملوها ، وبمثله يترك القياس .
8- ونصّ ابن عابدين - رحمه الله - على اعتبار العرف الحادث . فلو حدث عرف في غير الشّرط المذكور في بيع الثّوب بشرط رفوه ، والنّعل بشرط حذوه ، يكون معتبراً ، إذا لم يؤدّ إلى المنازعة . ونقل ابن عابدين - رحمه الله - عن المنح ، أنّه لا يلزم من اعتبار العرف في هذه الحال أن يكون قاضياً على حديث : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » لأنّ الحديث معلّل بوقوع النّزاع المخرج للعقد عن المقصود به ، وهو قطع المنازعة ، والعرف ينفي النّزاع ، فكان موافقاً لمعنى الحديث ، فلم يبق من الموانع إلاّ القياس ، والعرف قاض عليه .
9- كما يستثنى من شرط مخالفة اقتضاء العقد ، ما ورد به الشّرع ، وهذا كشرط الأجل في دفع الثّمن ، لحاجة النّاس إلى ذلك ، لكنّه يشترط أن يكون معلوماً لئلاّ يفضي إلى النّزاع . وكذا شرط الخيار في البيع ، لأنّه ثبت في حديث حبّان بن منقذ رضي الله عنه المعروف :
« إذا بايعت فقل لا خلابة ثمّ أنت بالخيار في كلّ سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد » . وقد عدّد الحنفيّة اثنين وثلاثين موضعاً لا يفسد فيها البيع بالشّرط . 10 - وهل يشترط اقتران الشّرط الفاسد بالعقد ؟ وما حكم التّنصيص على الشّرط بعد العقد ، وما حكم ابتناء العقد عليه ؟
أ – أمّا التحاقه بالعقد بعد الافتراق عن المجلس ، ففيه روايتان مصحّحتان في المذهب : إحداهما عن أبي حنيفة : أنّه يلتحق بأصل العقد ، والأخرى عن الصّاحبين – وهي الأصحّ – أنّه لا يلتحق .
وأيّدت هذه الرّواية : بما لو باع مطلقاً ، ثمّ أجّل الثّمن ، فإنّه يصحّ التّأجيل ، لأنّه في حكم الشّرط الفاسد ، وبما لو باعا بلا شرط ، ثمّ ذكرا الشّرط على وجه الوعد ، جاز البيع ، ولزم الوفاء بالوعد ، إذ المواعيد قد تكون لازمةً ، فيجعل لازماً لحاجة النّاس . وبما لو تبايعا بلا ذكر شرط ( الوفاء ) ثمّ شرطاه ، يكون من قبيل بيع الوفاء ، إذ الشّرط اللّاحق يلتحق بأصل العقد ، عند أبي حنيفة لا عند صاحبيه ، والصّحيح أنّه لا يشترط لالتحاقه مجلس العقد .
ب - وأمّا ابتناء العقد على الشّرط الفاسد ، كما لو شرطا شرطاً فاسداً قبل العقد ، ثمّ عقدا العقد ، فقد نقل ابن عابدين عن جامع الفصولين عدم فساد العقد ، لكنّه حقّق ابتناء الفساد لو اتّفقا على بناء العقد عليه ، وذلك : بالقياس على ما صرّحوا به في بيع الهزل . وبالقياس على ما أفتى به الرّمليّ - نقلاً عن كتب المذهب - في رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده ، وعقدا البيع خالياً عن الشّرط : بأنّه يكون على ما تواضعا عليه .
ثانياً : مذهب المالكيّة :
11 - فصّل المالكيّة في الشّرط الّذي يتصوّر حصوله عند البيع ، فقالوا : إنّه إمّا أن لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه . وإمّا أن يخلّ بالثّمن . وإمّا أن يقتضيه العقد ، وإمّا أن لا يقتضيه ولا ينافيه . فالّذي يضرّ بالعقد ويبطله هو الشّرط الّذي فيه مناقضة المقصود من البيع ، أو إخلال بالثّمن ، وهذا عندهم محمل حديث « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » ، دون الأخيرين .
فمثال الأوّل ، وهو الّذي لا يقتضيه العقد وينافي المقصود منه - ووصفه ابن جزيّ : بالّذي يقتضي التّحجير على المشتري - أن يشترط البائع على المشتري أن لا يبيع السّلعة لأحد أصلاً ، أو إلاّ من نفر قليل ، أو لا يهبها ، أو لا يركبها ، أو لا يلبسها ، أو لا يسكنها ، أو لا يؤاجرها ، أو على أنّه إن باعها من أحد فهو أحقّ بالثّمن . أو يشترط الخيار إلى أمد بعيد . ففي هذه الأحول كلّها يبطل الشّرط والبيع .
12 - واستثنى المالكيّة من منافاة الشّرط مقتضى العقد بعض الصّور :
الأولى : أنّه لو طلب البائع من المشتري الإقالة ، فقال له المشتري : على شرط إن بعتها غيري فأنا أحقّ بها بالثّمن . فهذه الصّورة مستثناة من عدم البيع من أحد ، وهي مع ذلك جائزة عندهم ، لأنّه يغتفر في الإقالة ما لا يغتفر في غيرها .
الثّانية : أن يشترط البائع على المشتري أن يقف المبيع ، أو أن يهبه ، أو أن يتصدّق به على الفقراء ، فهذه من الجائزات ، لأنّها من ألوان البرّ الّذي يدعو إليه الشّرع .
الثّالثة : أن يبيع أمةً بشرط تنجيز عتقها ، فإنّه جائز ، وإن كان منافياً لمقتضى العقد ، وهذا لتشوّف الشّارع إلى الحرّيّة ، بخلاف اشتراط التّدبير والكتابة ، واتّخاذ الأمة أمّ ولد ، فإنّه لا يجوز ، لما فيه من التّضييق على المشتري .
13 - أمّا الشّرط الثّاني ، وهو الإخلال بالثّمن ، فهو مصوّر بأمرين :
الأوّل : الجهل بالثّمن ، وهذا يتمثّل بالبيع بشرط السّلف ، أي القرض من أحدهما للآخر . فإن كان شرط السّلف صادراً من المشتري ، أخلّ ذلك بالثّمن ، لأنّه يؤدّي إلى جهل في الثّمن ، بسبب الزّيادة ، لأنّ انتفاعه بالسّلف من جملة الثّمن ، وهو مجهول . وإن كان شرط السّلف صادراً من البائع ، أخلّ ذلك بالثّمن ، لأنّه يؤدّي إلى جهل في الثّمن ، بسبب النّقص ، لأنّ انتفاعه بالسّلف من جملة المثمّن ، وهو مجهول .
الآخر : شبهة الرّبا ، لأنّ البيع بشرط السّلف ، يعتبر قرضاً جرّ نفعاً : فإن كان المشتري هو المقترض ، صار المقرض له هو البائع ، فينتفع البائع بزيادة الثّمن - وإن كان البائع هو المقترض ، صار المقرض له هو المشتري ، فينتفع المشتري بنقص الثّمن .
وقد صرّح ابن جزيّ في هذا الصّدد بأنّ اشتراط السّلف من أحد المتبايعين لا يجوز بإجماع .
14 - أمّا الشّرط الثّالث ، وهو الّذي يقتضيه العقد ، فهو كشرط تسليم المبيع إلى المشتري ، والقيام بالعيب ، وردّ العوض عند انتقاض البيع ، فهذه الأمور لازمة دون شرط ، لاقتضاء العقد إيّاها ، فشرطها تأكيد - كما يقول الدّسوقيّ .
15 - وأمّا الرّابع من الشّروط ، فهو كشرط الأجل المعلوم ، والرّهن ، والخيار ، والحميل ( أي الكفيل ) فهذه الشّروط لا تنافي العقد ، ولا يقتضيها ، بل هي ممّا تعود عليه بمصلحة ، فإن شرطت عمل بها ، وإلاّ فلا . وصحّحوا اشتراط الرّهن ، ولو كان غائباً ، وتوقّف السّلعة حتّى يقبض الرّهن الغائب . أمّا اشتراط الكفيل الغائب فجائز إن قربت غيبته ، لا إن بعدت ، لأنّه قد يرضى وقد يأبى ، فاشترط فيه القرب .
16 - وقد عرض ابن جزيّ لصور من الشّرط ، تعتبر استثناء ، أو ذات حكم خاصّ ، منها هذه الصّورة ، وهي : ما إذا شرط البائع منفعةً لنفسه ، كركوب الدّابّة أو سكنى الدّار مدّةً معلومةً ، فإنّ البيع جائز ، والشّرط صحيح .
فيبدو أنّ هذا كالاستثناء من التّفصيل الرّباعيّ المتقدّم . ودليله حديث جابر المعروف وهو : « أنّه كان يسير على جمل له ، قد أعيا ، فأراد أن يسيّبه . قال : ولحقني النّبيّ صلى الله عليه وسلم فدعا لي ، وضربه ، فسار سيراً لم يسر مثله ، فقال : بعنيه ، فقلت : لا . ثمّ قال : بعنيه ، فبعته ، واستثنيت حملانه إلى أهلي » وفي رواية : « وشرطت ظهره إلى المدينة » . ويبدو أنّ هذا شرط جائز عند كثيرين ، فقد علّق الشّوكانيّ على هذا الحديث بقوله : وهو يدلّ على جواز البيع مع استثناء الرّكوب ، وبه قال الجمهور ، وجوّزه مالك إذا كانت مسافة السّفر قريبةً ، وحدّها بثلاثة أيّام . وقال الشّافعيّ وأبو حنيفة وآخرون : لا يجوز ذلك ، سواء أقلّت المسافة أم كثرت . والحديث - وإن كان في الانتفاع اليسير بالمبيع إذا كان ممّا يركب من الحيوان - لكنّ المالكيّة قاسوا عليه الانتفاع اليسير بكلّ مبيع بعد بيعه ، على سبيل الاستمرار ، تيسيراً ، نظراً لحاجة البائعين .
17 - والجدير بالذّكر عند المالكيّة ، هو أنّه : إن أسقط الشّرط المخلّ بالعقد ، سواء أكان شرطاً يناقض المقصود من البيع كاشتراط عدم بيع المبيع ، أم كان شرطاً يخلّ بالثّمن كاشتراط السّلف من أحد المتبايعين ، فإنّه يصحّ البيع . ولا يشترط في هذه الحال سوى أن يكون الإسقاط مع قيام السّلعة .
فقد علّل الخرشيّ صحّة البيع هنا ، بحذف شرط السّلف ، بقوله : لزوال المانع .
18 - وهل يستوي الحكم في الإسقاط ، في مثل شرط القرض ، بين أن يكون قبل التّمكّن من الانتفاع به ، وبين أن يكون بعد التّمكّن ؟ قولان لهم في المسألة :
أ - فمشهور المذهب ، وهو قول ابن القاسم ، أنّه : إذا ردّ القرض على المقرض ، والسّلعة قائمة ، صحّ البيع ، ولو بعد غيبة المقترض على القرض غيبةً يمكنه الانتفاع به .
ب - وقول سحنون وابن حبيب ، هو : أنّ البيع ينقض مع الغيبة على القرض ، ولو أسقط شرط القرض ، لوجود موجب الرّبا بينهما ، أو لتمام الرّبا بينهما - كما عبّر الشّيخ الدّردير - فلا ينفع الإسقاط . والمعتمد الأوّل عند الدّردير ، كما صرّح به ، ومال الدّسوقيّ إلى الآخر ، كما يبدو من كلامه ونقله الآخر ، فقد حكى تشهيره ، وكذا الّذي يبدو من كلام العدويّ . وهنا سؤالان يطرحان :
19 - السّؤال الأوّل : ما الّذي يلزم لو وقع البيع بشرط القرض ، وهو الشّرط المخلّ بالثّمن ، وفاتت السّلعة عند المشتري ، بمفوّت البيع الفاسد ( كما لو هلكت ) سواء أسقط مشترط الشّرط شرطه ، أم لم يسقطه ؟ وفي الجواب أقوال :
الأوّل : وهذا في المدوّنة - إمّا أن يكون المقرض هو المشتري أو البائع :
أ - فإن كان المشتري هو الّذي أقرض البائع ، فإنّ المشتري يلزمه الأكثر من الثّمن الّذي وقع به البيع ، ومن القيمة يوم القبض .
فإذا اشتراها بعشرين والقيمة ثلاثون ، لزمه ثلاثون .
ب - وإن كان البائع هو الّذي أقرض المشتري ، فعلى المشتري للبائع الأقلّ من الثّمن ومن القيمة ، فيلزمه في المثال المذكور عشرون ، لأنّه أقرض ليزداد ، فعومل بنقيض قصده . الثّاني : يقابل الّذي في المدوّنة ، وهو لزوم القيمة مطلقاً ، سواء أكان المسلّف هو البائع أم المشتري .
الثّالث : أنّ تغريم المشتري الأقلّ ، إذا اقترض من البائع محلّه إذا لم يغب على ما اقترضه ، وإلاّ لزمه القيمة بالغةً ما بلغت . وهذا كلّه إذا كان المبيع قيميّاً ، فإن كان مثليّاً ، فإنّما يجب فيه المثل ، لأنّه كعينه ، فلا كلام لواحد ، فهو بمثابة ما لو كان قائماً ، وردّ بعينه .
السّؤال الثّاني :
20 - ما الّذي يلزم ، لو وقع البيع بشرط مناقض للمقصود ، وفاتت السّلعة عند المشتري ، سواء أأسقط ذلك الشّرط ، أم لم يسقط ؟ قالوا : الحكم هو : أنّ للبائع الأكثر من قيمتها يوم القبض ومن الثّمن ، لوقوع البيع بأنقص من الثّمن المعتاد ، لأجل الشّرط .
ثالثاً : مذهب الشّافعيّة :
21 - التزم الشّافعيّة نهي الشّارع عن بيع وشرط في الحديث المتقدّم . والتزموا حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » ولم يستثنوا إلاّ ما ثبت استثناؤه بالشّرع ، وقليلاً ممّا رأوا أنّه من مقتضيات العقد أو مصالحه ، فكان مذهبهم بذلك أضيق المذاهب الثّلاثة . ومع ذلك ، فقد قسّم بعضهم الشّرط ، فقال :
الشّرط إمّا أن يقتضيه مطلق العقد ، كالقبض والانتفاع والرّدّ بالعيب ، أوْ لا .
فالأوّل : لا يضرّ بالعقد .
والثّاني - وهو الّذي لا يقتضيه العقد - إمّا أن يتعلّق بمصلحة العقد ، كشرط الرّهن ، والإشهاد والأوصاف المقصودة - من الكتابة والخياطة والخيار ونحو ذلك - أوْ لا .
فالأوّل : لا يفسده ، ويصحّ الشّرط نفسه .
والثّاني : - وهو الّذي لا يتعلّق بمصلحة العقد - إمّا أن لا يكون فيه غرض يورث تنازعاً ، كشرط أن لا تأكل الدّابّة المبيعة إلاّ كذا ، فهو لاغ ، والعقد صحيح . وإمّا أن يكون فيه غرض يورث تنازعاً ، فهذا هو الفاسد المفسد ، كالأمور الّتي تنافي مقتضاه ، نحو عدم القبض ، وعدم التّصرّف وما أشبه ذلك . وخلاصة هذا التّقسيم :
- 1 - أنّ اشتراط ما يقتضيه العقد ، أو يتعلّق بمصلحته أو بصحّته ، صحيح .
- 2 - وأنّ اشتراط ما لا غرض فيه لاغ ، ولا يفسد العقد .
- 3 - وأمّا اشتراط ما فيه غرض يورث تنازعاً ، فهو الشّرط المفسد ، وذلك كاشتراط ما يخالف مقتضاه .
22 - ومن أهمّ ما نصّوا عليه تطبيقاً للحديثين ولهذا التّقسيم :
- 1 - البيع بشرط بيع ، كأن يقول : بعتك هذه الأرض بألف ، على أن تبيعني دارك بكذا ، أو تشتري منّي داري بكذا ، فهذا شرط فاسد مفسد ، لا يقتضيه العقد .
- 2 - البيع بشرط القرض ، كأن يبيعه أرضه بألف ، بشرط أن يقرضه مائةً ، ومثل القرض الإجارة ، والتّزويج ، والإعارة .
- 3 - شراء زرع بشرط أن يحصده البائع ، أو ثوب بشرط أن يخيطه ، ومنه كما يقول عميرة البرلّسيّ : شراء حطب بشرط أن يحمله إلى بيته ، فالمذهب في هذا وأمثاله بطلان الشّراء ، لاشتماله على شرط عمل فيما لم يملكه بعد ، وذلك فاسد ، ولأنّه - كما قال الإسنويّ - شرط يخالف مقتضى العقد ، فيبطل البيع والشّرط في الأصحّ . وإن يكن عندهم قولان آخران في هذه الجزئيّة :
أحدهما : أنّه يصحّ البيع ، ويلزم الشّرط ، وهو في المعنى بيع وإجارة ، ويوزّع المسمّى عليهما باعتبار القيمة .
وثانيهما : يبطل الشّرط ، ويصحّ البيع بما يقابل المبيع من المسمّى .
23 - واستثنى الشّافعيّة مسائل معدودةً من النّهي صحّحوها مع الشّرط وهي :
أ - البيع بشرط الأجل المعيّن ، لقوله تعالى : { إذا تداينتم بِدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فاكْتبوه }
ب - البيع بشرط الرّهن ، وقيّدوه بالمعلوميّة .
ج - البيع بشرط الكفيل المعلوم أيضاً ، لعوض ما ، من مبيع أو ثمن ثابت في الذّمّة ، وذلك للحاجة إليهما في معاملة من لا يرضى إلاّ بهما .
د - الإشهاد على جريان البيع ، للأمر به في الآية قال تعالى : { وأَشْهدوا إذا تَبَايَعْتُم } .
هـ - البيع بشرط الخيار ، لثبوته بحديث حبّان بن منقذ ، المعروف .
24 - البيع بشرط عتق المبيع ، وفيه أقوال عندهم :
القول الأوّل : وهو أصحّها ، أنّ الشّرط صحيح ، والبيع صحيح ، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها ، « أنّها أرادت أن تشتري بريرة للعتق ، فاشترطوا ولاءها ، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : اشتريها وأعتقيها ، فإنّما الولاء لمن أعتق ولم ينكر النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ شرط الولاء لهم ، إذ قال : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب اللّه ؟ من اشترط شرطاً ليس في كتاب اللّه فهو باطل » ولأنّ استعقاب البيع العتق عهد في شراء القريب ، فاحتمل شرطه . ولتشوّف الشّارع للعتق . على أنّ فيه منفعةً للمشتري ، دنيا بالولاء ، وأخرى بالثّواب ، وللبائع بالتّسبّب فيه .
القول الثّاني : أنّ الشّرط باطل والبيع باطل ، كما لو شرط بيعه أو هبته .
والقول الثّالث : أنّه يصحّ البيع ، ويبطل الشّرط .
25 - وممّا استثناه الشّافعيّة أيضاً من النّهي : شرط الولاء لغير المشتري مع العتق ، في أضعف القولين عندهم ، فيصحّ البيع ويبطل الشّرط ، لظاهر حديث بريرة في بعض رواياته ، « وقوله - عليه الصلاة والسلام - لعائشة رضي الله عنها : واشترطي لهم الولاء » .
لكنّ الأصحّ بطلان الشّرط والبيع في هذه الحال ، لما تقرّر في الشّرع ، من أنّ الولاء لمن أعتق . فأجاب هؤلاء عن حديث عائشة « واشترطي لهم الولاء » بأنّ الشّرط لم يقع في عقد البيع ، وبأنّه خاصّ بقضيّة عائشة ، وبأنّ قوله : « لهم » بمعنى : عليهم
26 - وممّا استثنوه أيضاً : شرط البراءة من العيوب في المبيع ، لأنّه يحتاج البائع فيه إلى شرط البراءة ، ليثق بلزوم البيع فيما لا يعلمه من الخفيّ ، دون ما يعلمه ، مطلقاً في حيوان أو غيره ، فالبيع مع الشّرط المذكور صحيح مطلقاً ، سواء أصحّ الشّرط أم لم يصحّ ، لأنّه شرط يؤكّد العقد ، ويوافق ظاهر الحال ، وهو السّلامة من العيوب .
وتأيّد هذا بما روي أنّ ابن عمر رضي الله عنهما :" باع عبداً له بثمانمائة درهم ، بالبراءة فقال له المشتري : به داء لم تسمّه لي . فاختصما إلى عثمان رضي الله عنه فقضى على ابن عمر أن يحلف : لقد باعه العبد وما به داء يعلمه ، فأبى أن يحلف ، وارتجع العبد ، فباعه بألف وخمسمائة ". قالوا : فدلّ قضاء عثمان المشهور بين الصّحابة على جواز اشتراط البراءة من العيب ، وهو مشهور بين الصّحابة ، فصار من الإجماع السّكوتيّ .
27 - وممّا استثنوه أيضاً :
أ - شرط نقل المبيع من مكان البائع ، قالوا : لأنّه تصريح بمقتضى العقد .
ب - شرط قطع الثّمار أو تبقيتها بعد صلاحها ونضجها ، فهو جائز في عقد البيع ، كما أنّه جائز بيعها بعد النّضج مطلقاً من الشّرط . لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمار حتّى يبدو صلاحها » . وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لا تتبايعوا الثّمار حتّى يبدو صلاحها » فالحديث يدلّ على جواز بيع الثّمر بعد بدو صلاحه ، وهو صادق بكلّ الأحوال الثّلاثة : بيعه من غير شرط ، وبشرط قطعه ، وبشرط إبقائه .
ج - شرط أن يعمل البائع عملاً معلوماً في المبيع ، كما لو اشترى ثوباً بشرط أن يخيطه البائع ، في أضعف أقوال ثلاثة ، وقد تقدّمت .
د - اشتراط وصف مقصود في المبيع عرفاً ، ككون الدّابّة حاملاً أو ذات لبن ، فالشّرط صحيح ، وللمشتري الخيار إن تخلّف الشّرط . قالوا : ووجه الصّحّة : أنّ هذا الشّرط يتعلّق بمصلحة العقد . ولأنّه التزام موجود عند العقد ولا يتوقّف التزامه على إنشاء أمر مستقبل ، ذاك الّذي هو حقيقة الشّرط ، فلم يشمله النّهي عن بيع وشرط .
هـ - اشتراط أن لا يسلّم المبيع حتّى يستوفي الثّمن .
و - شرط الرّدّ بالعيب ، لأنّه مقتضى العقد .
ز - خيار الرّؤية فيما إذا باع ما لم يره ، على القول بصحّته ، للحاجة إلى ذلك .
رد مع اقتباس