عرض مشاركة واحدة
  #236  
قديم 05-11-2012, 10:40 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

الحكم الوضعيّ فيه :
144 - جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة ، وبعض المالكيّة ، يرون أنّ عقد البيع يقع صحيحاً ، لأنّ المنع منه لمعنًى في غير البيع ، خارج عنه ، وهو ترك السّعي ، فكان البيع في الأصل مشروعاً جائزاً ، لكنّه يكره تحريماً ، لأنّه اتّصل به أمر غير مشروع ، وهو ترك السّعي .
ويتفرّع عن صحّة البيع الأمور التّالية :
أ - عدم وجوب فسخه ، في أحد قولين عند الحنفيّة ، وأحد قولين عند المالكيّة أيضاً ، فقد قال الشّيخ العدويّ : وهناك قول آخر يقول : لا فسخ ، والبيع ماض ، ويستغفر اللّه .
ب - وجوب الثّمن لا القيمة .
ج - ثبوت ملك المبيع قبل القبض . لكنّ مشهور مذهب المالكيّة : أنّ هذا البيع كالبيع الفاسد يفسخ ، ويردّ من يد المشتري ما لم يفت بيده ، فإن فات - بتغيّر سوق - مضى العقد ، ولزم المشتري القيمة حين القبض على المشهور . وقيل بالقيمة حين البيع . والّذين نصّوا من المالكيّة على وجوب فسخ البيع ، ألحقوا به نحو البيع ، من الإجارة والشّركة والإقالة والشّفعة - إذا أخذ بها ، لا لو تركت - لكنّهم استثنوا مثل : النّكاح والهبة والصّدقة والعتق ، فلا يفسخ شيء من ذلك ، وإن حرم .
والفرق بين هذه المذكورات ، وبين البيع ونحوه عندهم هو : أنّ البيع ونحوه ممّا فيه العوض ، يرجع لكلّ عوضه بالفسخ ، فلا كبير ضرر فيها ، بخلاف ما لا عوض فيه ، فإنّه يبطل أصلاً لو فسخ . وذكر العدويّ في النّكاح علّةً أخرى ، وهي حصول الضّرر بفسخه ، فربّما يتعلّق أحد الزّوجين بصاحبه .
وهبة الثّواب عندهم ( وهي الّتي تنعقد بشرط المكافأة كما يعبّرون ، أو بشرط العوض ، كما يعبّر الحنفيّة وآخرون ) كالبيع . والخلع ينبغي أن يمضي ولا يفسخ ، على مقتضى العلّة المتقدّمة ، وهي أنّه يبطل أصلاً لو فسخ . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا : بأنّ البيع لا يصحّ قليله وكثيره ، ولا ينعقد للّذي في النّصّ الكريم ، وهو ظاهر في التّحريم .
ب - بيع المصحف للكافر :
145 - اتّفق الفقهاء على أنّ هذا البيع ممنوع ، وصرّح جمهورهم بالحرمة ، ويبدو من كلام الحنفيّة ثبوت الكراهة ، وهي بمقتضى قواعدهم وتعليلهم للتّحريم .
يقول المالكيّة : يحرم على المالك أن يبيع للكافر مصحفاً أو جزأه ، وهذا ممّا لا خلاف فيه ، لأنّ فيه امتهان حرمة الإسلام بملك المصحف . وقد قال اللّه تعالى : { ولن يَجْعَل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } . وأصل هذا التّعليل يرجع إلى ما روي في الصّحيح عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ » . ومع ذلك اختلف الفقهاء في صحّة هذا البيع :
أ - فالأظهر عند الشّافعيّة ، ومذهب الحنابلة ، وهو قول عند المالكيّة : عدم صحّة بيع المصحف لكافر ، وذلك لقوله تعالى { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن تناله أيديهم » ، فلا يجوز تمكينهم منه . ولأنّه يمنع الكافر من استدامة الملك عليه ، فمنع من ابتدائه كسائر ما لا يجوز بيعه ، ولما في ملك الكافر للمصحف ونحوه من الإهانة .
وفرّع المالكيّة على هذا فسخ البيع إذا كان المبيع قائماً ، ونسب هذا الرّأي سحنون إلى أكثر أصحاب مالك . ولم يشترط المالكيّة الإسلام - كما يقول ابن جزيّ - في البيع إلاّ في شراء العبد المسلم ، وفي شراء المصحف .
ب - ومذهب الحنفيّة ، ومشهور مذهب المالكيّة ، وهو قول عند الشّافعيّة : أنّ بيع المصحف للكافر صحيح ، لكنّه يجبر على إخراجه من ملكه ، وذلك لحفظ كتاب اللّه عن الإهانة - كما نقل ابن عابدين عن الطّحاويّ - ولأنّ فيه امتهان حرمة الإسلام بملك المصحف - كما يقول الخرشيّ - ولا خلاف في التّحريم . كما قال عميرة .
ملحقات بالبيع :
146 - وكما يمنع بيع المصحف لهم - يمنع التّصدّق به عليهم ، وهبته منهم - كما نصّ عليه المالكيّة - وكذا ارتهانه منهم - كما نصّ عليه الحنابلة . والأوّلون يجبرونهم على إخراجه من ملكهم كما في البيع ، نصّ عليه الدّسوقيّ ، ولا ينبغي أن يخالف فيه الآخرون .
مستثنيات من البيع :
147 - واستثنى الشّافعيّة من حكم بيع المصحف ، أشياء :
- الدّراهم والدّنانير ، الّتي نقش عليها شيء من القرآن للحاجة .
- شراء أهل الذّمّة الدّور ، وقد كتب في جدرانها أو سقوفها شيء من القرآن لعموم البلوى ، فيكون مغتفراً للمسامحة به غالباً ، إذ لا يكون مقصوداً به القرآنيّة .
- واستثنى بعضهم - كابن عبد الحقّ - التّميمة لمن يرجى إسلامه ، وكذا الرّسالة اقتداءً بفعله صلى الله عليه وسلم .
- وكذا استثنوا الثّوب المكتوب عليه شيء من القرآن ، لعدم قصد القرآنيّة بما يكتب عليه ، إلاّ أن يقال : الغالب فيما يكتب على الثّياب التّبرّك بلا لبس ، فأشبه التّمائم ، على أنّ في ملابسته لبدن الكافر امتهاناً له ، بخلاف ما يكتب على السّقوف .
والّذي يأمر بإزالة ملك الكافر للمصحف ، هو الحاكم لا آحاد النّاس ، وذلك لما فيه من الفتنة ، كما نصّ عليه الشّافعيّة فيما يشبه هذه المسألة .
حكم بيع المسلم المصحف وشرائه له :
148 - أ - نصّ الشّافعيّة على أنّ بيع المسلم المصحف وشراءه له مكروه ، والمراد بالمصحف هنا خالص القرآن . ووجه الكراهة - كما يذكر الشّيخ عميرة - هو صون القرآن الكريم عن أن يكون في معنى السّلع المبتذلة ، بالبيع والشّراء . وهذا أيضاً رواية عن الإمام أحمد . ولأنّ المقصود منه كلام اللّه تعالى ، فتجب صيانته عن الابتذال ، وفي جواز شرائه التّسبّب إلى ذلك والمعونة عليه .
- ب - وفي قول آخر للشّافعيّة : أنّه يكره البيع بلا حاجة دون الشّراء . وصرّح القليوبيّ والجمل بأنّ هذا هو المعتمد عندهم . وعلّله الجمل بأنّ في الشّراء تحصيلاً بخلاف البيع فإنّه تفويت وابتذال وانقطاع رغبة .
وهذا الّذي اعتمده الشّافعيّة ، هو أيضاً رواية عن الإمام أحمد ، وقرّر المرداويّ في مسألة الشّراء وجوازه : أنّها المذهب ، وعلّلوها بأنّ الشّراء استنقاذ للمصحف فجاز ، كما جاز شراء رباع مكّة واستئجار دورها ، ولم يجز بيعها ولا أخذ أجرتها ، وكذلك دفع أجرة الحجّام لا يكره ، مع كراهة كسبه . بل جعله البهوتيّ كشراء الأسير .
ج - وفي رواية عن الإمام أحمد : أنّ بيع المصحف لا يجوز ولا يصحّ . قال المرداويّ : وهو المذهب كما روي عنه أنّه يحرم الشّراء ، وإن لم يذكرها بعضهم . وعلّل عدم الجواز : - بأنّ أحمد قال : لا أعلم في بيع المصاحف رخصةً .
- وبأنّه هو المرويّ عن الصّحابة ، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم .
- ولأنّه يشتمل على كتاب اللّه ، فتجب صيانته عن البيع والابتذال .
د - وهناك رواية عن الإمام أحمد ، أنّ بيع المصحف جائز من غير كراهة . قال المرداويّ : ذكرها أبو الخطّاب . وأسند الحنابلة جواز بيع المصحف ، والتّرخيص فيه أيضاً إلى الحسن وعكرمة والشّافعيّ وأصحاب الرّأي ، وعلّلوه لهم ، بأنّ البيع يقع على الورق والجلد ، وبيعه مباح . وهناك روايتان عن الإمام أحمد في كراهة مبادلته . واختيار أحمد جواز إبدال المصحف بمثله ، لأنّه لا يدلّ على الرّغبة عنه ، ولا على الاستبدال به بعوض دنيويّ ، بخلاف أخذ ثمنه .
ومن هذا العرض يتّضح أنّ للإمام أحمد - بالإجمال - ثلاثة أقوال في بيع المصحف : الحرمة والكراهة والجواز . ومثلها في الشّراء . وفي المبادلة قولان . وأنّ المذهب - كما يؤخذ من كلام ابن قدامة والبهوتيّ - هو تحريم البيع ، وعدم الصّحّة ، وهذا معلّل أيضاً بقول ابن عمر : وددت أنّ الأيدي تقطع في بيعها ، ولأنّ تعظيمه واجب ، وفي البيع ترك التّعظيم وابتذال له . ولا يكره الشّراء لأنّه استنقاذ ، ولا الاستبدال بمصحف آخر ، لأنّه لا دلالة فيه على الرّغبة عنه .
آثار البيع المنهيّ عنه :
149 - إنّ الأصل في النّهي عند الجمهور هو البطلان ، فيجري على هذا الأصل إلاّ عند الضّرورة ، والضّرورة مقتصرة على ما إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى . مجاور للمنهيّ عنه فقط ، أمّا إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في الوصف اللّازم ، فلا ضرورة للخروج على الأصل ، ولا في أن لا يجري النّهي على أصله ، وهو البطلان ، لأنّ بطلان الوصف اللّازم يوجب بطلان الأصل ، بخلاف المجاور لما أنّه ليس بلازم .
ب - وعند الحنفيّة الأصل في التّصرّف المنهيّ عنه أن يكون موجوداً صحيحاً شرعاً ، فيجري النّهي على هذا الأصل ، إلاّ عند الضّرورة ، والضّرورة عندهم منحصرة فيما إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في ذات المنهيّ عنه ، أو في جزئه فقط ، أمّا إذا دلّ الدّليل على أنّ النّهي لمعنًى في وصف لازم ، فلا ضرورة في الخروج على الأصل ، ولا في أن لا يجري النّهي على أصله ، وهو الصّحّة ، لأنّ صحّة الأجزاء والشّروط فيه كافية لصحّة الشّيء ، وترجيح الصّحّة بصحّة الأجزاء أولى من ترجيح البطلان بالوصف الخارجيّ ، وإذا لم تكن الضّرورة قائمةً ، يجري النّهي على أصله ، وهو أن يكون المنهيّ عنه موجوداً شرعاً ، أي صحيحاً .
الفرق بين الاصطلاحات الثّلاثة : الفساد والبطلان والصّحّة :
150 - اتّضح ممّا سبق أنّ الجمهور لا يفرّقون بين الفساد وبين البطلان ، خلافاً للحنفيّة . فالصّحّة هنا - في العقود ، ومنها البيع - تقتضي بأن يكون العقد سبباً لترتّب آثاره المطلوبة منه شرعاً ، كالبيع بالنّسبة إلى الملك .
أمّا البطلان ، فمعناه تخلّف الأحكام عن العقود ، وخروج العقود عن أن تكون أسباباً مفيدةً للأحكام . والفساد يرادف البطلان عند الجمهور .
وعند الحنفيّة : هو قسم ثالث مغاير للصّحيح فهو : ما كان مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه . بخلاف الباطل ، فهو ما كان غير مشروع بأصله ولا بوصفه .
فيستوي عند الجمهور بيع الملاقيح والمضامين ، وبيع الأجنّة والميتات في البطلان : كبيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ، وكبيع الطّعام قبل قبضه ، وبيع العينة ، والبيع المشتمل على الرّبا ، والبيع بالشّرط ، فلا يترتّب على هذه البيوع كلّها أيّ أثر لها .
لكنّ الحنفيّة يقولون مفصّلين : ببطلان بيع الملاقيح والمضامين والأجنّة والميتات ، لانعدام المحلّيّة والرّكنيّة كالجمهور ، وهذا هو عدم مشروعيّة الأصل بتعبيرهم ، فلا يترتّب عليها أيّ أثر . وبفساد الباقيات ، لا ببطلانها :
أ - ففي البيع بشرط مثلاً النّهي راجع للشّرط ، فيبقى أصل العقد صحيحاً ، مفيداً للملك ، لكن بصفة الفساد والحرمة ، فالشّرط أمر زائد على البيع ، لازم له لكونه مشروطاً في نفس العقد ، وهو المراد بالوصف في هذا المقام .
ب - وفي البيع المشتمل على الرّبا يقولون : إنّ ركن البيع ، وهو المبادلة الماليّة من أهلها في محلّها موجودة ، فيكون مشروعاً ، لكن لم توجد المبادلة التّامّة ، فأصل المبادلة حاصل ، لا وصفها ، وهو كونها تامّةً . وهذا بخلاف بيع الميتة والأجنّة ، لأنّها ليست بمال ، ولا متقوّمةً ، فهو غير مشروع أصلاً . وفيما يلي أحكام البيع الباطل - من وجهة نظر الحنفيّة الّذين قرّروه - ثمّ أحكام البيع الفاسد ، ثمّ أحكام البيع المكروه .
أوّلاً : أحكام البيع الباطل عند الحنفيّة :
151 - لا ينعقد البيع الباطل أصلاً ، وليس له وجود معتبر شرعاً ، وإذا قبض المشتري المبيع فلا يكون ملكاً له . قال الكاسانيّ : ولا حكم لهذا البيع أصلاً ، لأنّ الحكم للموجود ، ولا وجود لهذا البيع إلاّ من حيث الصّورة ، لأنّ التّصرّف الشّرعيّ لا وجود له بدون الأهليّة والمحلّيّة شرعاً ، إذ لا وجود للتّصرّف الحقيقيّ إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، وذلك نحو بيع الميتة والدّم والعذرة والبول وبيع الملاقيح والمضامين وكلّ ما ليس بمال .
وإذا هلك المبيع عند المشتري ، ففي ضمانه خلاف عند الحنفيّة :
أ - قيل : لا يضمن ، لأنّه أمانة في يده ، وذلك لأنّ العقد إذا بطل بقي مجرّد القبض بإذن المالك ، وهو لا يضمن إلاّ بالتّعدّي ، كما نقله ابن عابدين عن الدّرر . وقيل : إنّ هذا قول أبي حنيفة .
ب - وقيل : يكون مضموناً ، لأنّه يصير كالمقبوض على سوم الشّراء . واختار السّرخسيّ وغيره أن يكون مضموناً بالمثل أو بالقيمة ، لأنّه لا يكون أدنى حالاً من المقبوض على سوم الشّراء . وقيل : إنّ هذا قول الصّاحبين . وفي القنية : أنّه الصّحيح ، لكونه قبضه لنفسه فشابه الغصب ، وفي الدّرّ : قيل : وعليه الفتوى . وللتّفصيل ينظر : ( البيع الباطل ) .
ثانياً : أحكام البيع الفاسد :
152 - ينبني على البيع الفاسد عدّة آثار هي : انتقال الملك بالقبض ، واستحقاق الفسخ لحقّ الشّرع ، وعدم طيب الرّبح النّاشئ من المبيع ، وقبوله للتّصحيح ، وضمان المبيع بالهلاك ، وثبوت الخيار فيه . وينظر تفصيل هذه الآثار وما يتعلّق بها في مصطلح : ( البيع الفاسد ) . هذا عند الحنفيّة . أمّا أحكامه عند الجمهور فهي أحكام البيع الباطل لعدم تفرقتهم بينهما ، وانظر في مصطلح : ( البيع الباطل ) .
ثالثاً : أحكام البيع المكروه :
153 - حكم البيع المكروه : المنع شرعاً وترتّب الإثم ، ولكنّه مع هذا صحيح . لأنّ النّهي باعتبار معنًى مجاور للبيع ، لا في صلبه ، ولا في شرائط صحّته ، ومثل هذا النّهي لا يوجب الفساد ، بل الكراهية . فالبيع عند الأذان للجمعة ، وبيع النّجش ، وبيع الإنسان على بيع أخيه ، وسومه على سومه ، ونحوها بيوع منهيّ عنها ، وهي - كما يقول الحصكفيّ مكروهة كراهة تحريم ، لكنّها صحيحة وليست باطلةً ، مع النّهي عنها عند الجمهور ، إلاّ في روايات عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - وذلك لأنّ النّهي لا يرجع إلى ذات المنهيّ عنه ، ولا إلى شرائط الصّحّة ، بل إلى معنًى يقترن به .
154 - ومن أهمّ أحكام البيع المكروه : - أنّه بيع صحيح ، كما هو مذهب الجمهور .
- وأنّه يملك فيه المبيع قبل قبضه .
- وأنّه يجب فيه الثّمن ، لا القيمة .
- وأنّه لا يجب فسخه . وقيل : إنّ فسخه واجب على كلّ منهما ، صوناً لهما عن المحظور ، ولأنّ رفع المعصية واجب بقدر الإمكان .
ووفّق ابن عابدين - رحمه الله تعالى - بين القولين بأنّ الوجوب عليها ديانةً . بخلاف البيع الفاسد ، فإنّهما إذا أصرّا عليه يفسخه القاضي جبراً عليها ، ووجّهه أنّ البيع هنا صحيح ، فلا يلي القاضي فسخه لحصول الملك الصّحيح . لكن قرّر ابن جزيّ من المالكيّة ، أنّه إذا كان النّهي عن البيع يتعلّق بمحظور خارج عن باب البيوع ، كالبيع والشّراء في موضع مغصوب ، فهذا لا يفسخ ، فات أو لم يفت . وإذا كان النّهي عن البيع ، ولم يخلّ فيه بشرط مشترط في صحّة البيوع ، كالبيع وقت الجمعة ، وبيع الحاضر للبادي ، وتلقّي الجلب ، فاختلف فيه : فقيل فسخ . وقيل : لا يفسخ ، وقيل : يفسخ إن كانت السّلعة قائمةً .

البيع الموقوف *
التّعريف :
1- البيع : مبادلة المال بالمال .
وأمّا الموقوف فهو مشتقّ من " وقف " يقال : وقفت الدّابّة وقوفاً سكنت ، ووقفتها أنا وقفاً : جعلتها تقف . ووقفت الدّار وقفاً حبستها في سبيل اللّه ، ووقفت الأمر على حضور زيد : علّقت الحكم على حضوره ، ووقفت قسمة الميراث إلى الوضع : أخّرتها حتّى تضع الحبلى . ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معانيه اللّغويّة . وأمّا البيع الموقوف ، فقد عرّفه الفقهاء الّذين أجازوه بأنّه : البيع المشروع بأصله ووصفه ، ويفيد الملك على وجه التّوقّف ، ولا يفيد تمامه لتعلّق حقّ الغير به ، وهو من البيع الصّحيح .
ويقابله البيع النّافذ ، وهو : البيع الصّحيح الّذي لا يتعلّق به حقّ الغير . ويفيد الحكم في الحال . فالنّافذ هو ضدّ الموقوف ، فمتى قيل : بيع نافذ أريد به أنّه بيع غير موقوف .
مشروعيّة البيع الموقوف :
2 - يرى الحنفيّة والمالكيّة ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين ، وهو قول الشّافعيّة في المذهب القديم - كما حكي عن الجديد أيضاً - مشروعيّة البيع الموقوف واعتباره قسماً من أقسام البيع الصّحيح ، لعمومات البيع نحو قوله تعالى { وأحَلَّ اللّه البيعَ } وقوله عزّ شأنه { يا أيّها الّذينَ آمنوا لا تَأْكُلوا أمْوالَكُمْ بينكمْ بالبَاطِلِ إلاّ أنْ تكُونَ تجارةً عن تراضٍ مِنْكُمْ }
وجه الدّلالة من هذه الآيات : أنّ اللّه سبحانه وتعالى شرع البيع والشّراء والتّجارة من غير فصل ، بين ما إذا وجد من المالك بطريق الأصالة ، وبين ما إذا وجد من الوكيل في الابتداء ، أو بين ما إذا وجدت الإجازة من المالك في الانتهاء وبين وجود الرّضا في التّجارة عند العقد أو بعده ، فيجب العمل بعمومها إلاّ ما خصّ بدليل .
ولما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه دفع ديناراً إلى عروة البارقيّ رضي الله عنه ، وأمره أن يشتري له أضحيّةً ، فاشترى شاتين ، ثمّ باع إحداهما بدينار ، وجاء بدينار وشاة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فدعا له بالبركة ، وقال عليه الصلاة والسلام : بارك اللّه في صفقة يمينك » ومعلوم أنّه لم يكن مأموراً ببيع الشّاة ، فلو لم ينعقد البيع الموقوف ، لما باع ولما دعا له بالخير والبركة على ما فعل ، ولأنكر عليه ، لأنّ الباطل ينكر .
كما أنّ البيع الموقوف تصرّف صدر من أهله في محلّه فلا يلغو ، كما لو حصل من المالك ، وكالوصيّة بالمال ممّن عليه الدّين ، والوصيّة بأكثر من الثّلث ممّن لا دين عليه .
والتّصرّف إذا صدر من أهله في محلّه تحقّق به وجوده ، ثمّ قد يمتنع نفاذه شرعاً لمانع ، فيتوقّف على زوال ذلك المانع ، وبالإجازة يزول المانع ، وهو عدم رضا المالك به .
ولأنّ البيع الموقوف يفيد الملكيّة بدون قبض تماماً ، كما هو الحكم في البيع الصّحيح ، فالبيع الموقوف هو بيع صحيح لصدق تعريفه وحكمه عليه . وانعقاد هذا البيع موقوفاً على الإجازة لا ينافي كونه صحيحاً .
3 - وذهب الشّافعيّة على المشهور من المذهب ، والحنابلة في إحدى الرّوايتين ، وهو قول أبي ثور وابن المنذر إلى بطلان العقد الموقوف . واستدلّوا بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت : يأتيني الرّجل يسألني من البيع ما ليس عندي ، أأبتاع له من السّوق ثمّ أبيعه منه ؟ قال : لا تبع ما ليس عندك » .
كما احتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا بيع ولا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك ابن آدم » ولأنّ وجود السّبب بكماله بدون آثاره يدلّ على فساده .
ويقيسون البيع الموقوف على الطّلاق والعتاق
أنواع البيع الموقوف :
4 - عقد البيع يكون موقوفاً إذا تعلّق به حقّ الغير ، وهو أن يكون ملك الغير أو يكون لغير المالك حقّ في المبيع . وقد حصر صاحب " الخلاصة " أنواع البيع الموقوف في خمسة عشر نوعاً ، وأوصلها صاحب " النّهر " إلى ثمانية وثلاثين نوعاً ، وذكر ابن نجيم في " البحر الرّائق " تسعاً وعشرين صورةً للبيع الموقوف أهمّها :
- بيع الصّبيّ المحجور موقوف على إجازة الأب أو الوصيّ .
- بيع غير الرّشيد موقوف على إجازة القاضي .
- بيع المرهون موقوف على إجازة المرتهن .
- بيع العين المستأجرة موقوف على إجازة المستأجر .
- بيع ما في مزارعة الغير موقوف على إجازة المزارع .
- بيع البائع للشّيء المبيع بعد القبض من غير المشتري موقوف على إجازة المشتري الأوّل . - بيع المرتدّ عند الإمام أبي حنيفة موقوف على توبته من الرّدّة .
- بيع الشّيء برقمه موقوف على تبيّن الثّمن .
- البيع بما باع به فلان والمشتري لا يعلم ، فهو موقوف على العلم في المجلس .
- البيع بمثل ما يبيع النّاس موقوف على تبيّن الثّمن .
- البيع بمثل ما أخذ به فلان موقوف على تبيّن الثّمن .
- بيع المالك العين المغصوبة موقوف على إقرار الغاصب ، أو البرهان بعد إنكاره .
- بيع مال الغير موقوف على إجازته ( وهو بيع الفضوليّ ) .
- بيع الشّريك نصيبه من مشترك بالخلط الاختياريّ ، أو الاختلاط بغير فعل المالكين موقوف على إجازة شريكه .
- بيع المريض مرض الموت عيناً من أعيان ماله لبعض ورثته ، موقوف على إجازة باقي الورثة ولو كان بمثل القيمة عند أبي حنيفة .
- بيع الوارث التّركة المستغرقة بالدّين موقوف على إجازة الغرماء .
- أحد الوكيلين أو الوصيّين أو النّاظرين إذا باع بحضرة صاحبه يتوقّف على إجازته ( إذا كان مشروطاً اجتماعهما على التّصرّف ) .
- بيع المعتوه موقوف .
حكم البيع الموقوف :
5 - حكم البيع الموقوف هو أنّه يقبل الإجازة عند توافر الشّروط الآتية :
أ - وجود البائع حيّاً ، لأنّه يلزمه حقوق العقد بالإجازة ، ولا تلزم إلاّ حيّاً .
ب - وجود المشتري حيّاً ليلزمه الثّمن ، وبعد الموت لا يلزمه ، ما لم يكن لزمه حال أهليّته .
ج - وجود المبيع ، لأنّ الملك لم ينتقل فيه ، وإنّما ينتقل بعد الإجازة ، ولا يمكن أن ينتقل بعد الهلاك . والمراد بكون المبيع قائماً ، أن لا يكون متغيّراً بحيث يعدّ شيئاً آخر ، فإنّه لو باع ثوب غيره بغير أمره ، فصبغه المشتري ، فأجاز المالك البيع جاز ، ولو قطعه وخاطه ثمّ أجاز البيع لا يجوز ، لأنّه صار شيئاً آخر .
د - وجود الثّمن في يد البائع إذا كان عيناً كالعروض ، أمّا إذا كان الثّمن ديناً كالدّراهم والدّنانير والفلوس فوجود الثّمن في يد البائع ليس بشرط .
هـ - وجود المالك ، لأنّ الإجازة تكون منه ، حتّى لو مات المالك قبل إجازته البيع لا يجوز بإجازة ورثته كما يقول الحنفيّة . ويرى المالكيّة انتقال حقّ إجازة البيع الموقوف إلى الوارث . هذا ، وللتّوسّع فيما تثبت به الإجازة وسائر المسائل المتعلّقة بها ( ر : إجازة ) وإذا أجيز البيع الموقوف يستند أثره ( أي يسري منذ العقد ) على ما سيأتي .
أثر البيع الموقوف :
6 - البيع النّافذ يفيد الحكم في الحال ، وهو ملكيّة البائع للثّمن والمشتري للمبيع ، وتصرّف كلّ منهما فيما في يده من غير حاجة في ذلك إلى شيء آخر ، سواء أذكر في العقد تملّك البائع للثّمن والمشتري للمبيع أم لم يذكر ، لأنّ النّصّ على المقتضى بعد حصول الموجب ليس بشرط . ويشترط لنفاذ البيع أن يكون البائع مالكاً للمبيع ، أو وكيلاً لمالكه أو وصيّه ، وأن لا يكون في المبيع حقّ آخر .
وإذا تخلّف شرط منها فإنّ العقد يكون موقوفاً فلا يفيد الحكم إلاّ عند إجازة صاحب الشّأن ، فإن أجاز نفذ وإلاّ بطل . فقبل أن تصدر الإجازة ممّن يملكها لا يظهر أثر البيع الموقوف ، ويكون ظهور أثره موقوفاً على الإجازة ، فبيع الفضوليّ مثلاً لا ينفذ ابتداءً لانعدام الملك والولاية ، لكنّه ينعقد موقوفاً على إجازة المالك ، فإن أجاز ينفذ وإلاّ يبطل . ( ر : بيع الفضوليّ ) وكذلك إذا باع الرّاهن الرّهن بلا إذن المرتهن ، فالبيع موقوف - في أصحّ الرّوايات عند الحنفيّة - لتعلّق حقّ المرتهن به فيتوقّف على إجازته ، إن أجاز المرتهن أو قضى الرّاهن دينه نفذ ، وإذا نفذ البيع بإجازة المرتهن انتقل حقّه إلى بدله . وللتّفصيل ( ر : رهن ) . هذا ، وينبغي التّنويه إلى أنّ البيع الموقوف لا يتوقّف دائماً نفاذه ، وظهور أثره على إجازة شخص غير العاقد ، بل هذا هو الأغلب ، فقد يكون متوقّف النّفاذ لا على إجازة أحد ، بل على زوال حالة أوجبت عدم النّفاذ ، كما في بيع المرتدّ عن الإسلام ، فإنّ نفاذ بيعه يتوقّف على عودته إلى الإسلام عند أبي حنيفة .
التّصرّفات الواقعة على المعقود عليه أثناء التّوقّف :
7 - التّصرّفات الواقعة على المعقود عليه في البيع الموقوف أثناء التّوقّف منها ما يستند أثره إلى وقت إنشاء العقد ، ومنها ما يبدأ أثره من حين الإجازة . فالإجازة تارةً تكون إنشاءً ، وتارةً تكون إظهاراً . وفيما يلي أمثلة لهذين النّوعين من التّصرّفات .
أوّلاً : التّصرّفات الّتي تستند إلى وقت إنشاء العقد :
أ - إذا أجيز بيع الفضوليّ لمال الغير فإنّه يعتبر نافذاً مستنداً حكمه إلى وقت إنشاء العقد ، فيصير المبيع ملكاً للمشتري ، والثّمن ملكاً للممالك أمانةً في يد الفضوليّ ، لأنّ الإجازة اللّاحقة بمنزلة الوكالة السّابقة . فإذا هلك الثّمن في يد الفضوليّ قبل الإجازة ، ثمّ أجيز العقد لم يضمنه كالوكيل ، وكذلك إذا حطّ البائع الفضوليّ من الثّمن ثمّ أجاز المالك البيع يثبت البيع والحطّ ، سواء أعلم البائع بالحطّ أم لم يعلم ، إلاّ أنّه إذا علم بالحطّ بعد الإجازة يثبت له الخيار . ووجه ذلك أنّ الفضوليّ يصير بالإجازة ****ل ، ولو حطّه الوكيل لا يتمكّن الموكّل من مطالبة المشتري به ، كذا هذا .
ب - إذا أجاز المالك البيع الموقوف ، فإن ملك المبيع يثبت للمشتري من وقت الشّراء ، ويثبت له بالتّالي الحقّ في كلّ ما يحدث بالمبيع قبل الإجازة من نماء أو زيادة ، كالكسب والولد والأرش وما إلى ذلك .
ثانياً : التّصرّفات الّتي يقتصر حكمها على وقت صدور الإجازة :
أ - لا يجوز للمشتري من الفضوليّ التّصرّف في المبيع قبل صدور الإجازة ، سواء أقبضه أم لم يقبضه . فإذا باع المشتري من الفضوليّ المبيع من غيره ، ثمّ أجاز المالك بيع الفضوليّ لا ينفذ بيع المشتري من الفضوليّ ، كما يقول الحنفيّة ، لأنّ المشتري من الفضوليّ لم يملك ما اشتراه إلاّ بعد الإجازة ، فبيعه وقع على ما لم يملك .
ب - إذا باع الفضوليّ شيئاً مملوكاً لغيره ، فإنّ طلب الشّفعة في الشّيء الّذي باعه يكون وقت الإجازة
رد مع اقتباس