عرض مشاركة واحدة
  #235  
قديم 05-11-2012, 10:40 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

د - السّوم ، والشّراء على شراء أخيه .
122 - أمّا السّوم على السّوم فمن صوره : ما إذا تساوم رجلان ، فطلب البائع بسلعته ثمناً ، ورضي المشتري بذلك الثّمن ، فجاء مشتر آخر ، ودخل على سوم الأوّل ، فاشتراه بزيادة أو بذلك الثّمن نفسه . لكنّه رجل وجيه ، فباعه منه البائع لوجاهته .
123 - وأمّا الشّراء على الشّراء فمن صوره : أن يأمر شخص البائع بفسخ العقد ليشتريه هو بأكثر ، أو يجيء شخص إلى البائع قبل لزوم العقد ، ليدفع في المبيع أكثر من الثّمن الّذي اشتري به ، ليفسخ البيع ويعقد معه .
وقيّد الحنفيّة منع هذا الشّراء أو السّوم بما إذا اتّفق المتبايعان على الثّمن أو تراضيا ، أو جنح البائع إلى البيع بالثّمن الّذي سمّاه المشتري ، وأمّا إذا لم يجنح ولم يرضه ، فلا بأس لغيره أن يشتريه بأزيد ، لأنّ هذا بيع من يزيد ، ولا كراهة فيه ، كما سيأتي .
وقيّد الشّافعيّة المنع بأن يكون الشّراء قبل اللّزوم ، أي زمن الخيار - كما عبّر القاضي - أو يكون بعد اللّزوم ، وقد اطّلع على عيب - كما مرّ في البيع على بيع غيره -
أمّا الحنابلة فللسّوم على السّوم عندهم صور :
الأولى : أن يوجد من البائع تصريح بالرّضا بالبيع ، فهذا يحرم السّوم على غير المشتري . الثّانية : أن يظهر منه ما يدلّ على عدم الرّضا فلا يحرم السّوم .
الثّالثة : أن لا يوجد ما يدلّ على الرّضا أو عدمه ، فلا يجوز السّوم لغيره أيضاً .
الرّابعة : أن يظهر منه ما يدلّ على الرّضا من غير تصريح . فقال القاضي : لا يحرم السّوم . وقال ابن قدامة : يحرم . كما قيّده الشّافعيّة أيضاً بأن يكون بغير إذن له من المشتري ، فلو وقع الإذن من أحدهما لم يحرم ، لأنّ الحقّ لهما وقد أسقطاه ، ولمفهوم الخبر السّابق : « حتّى يبتاع أو يذر » . وقرّروا : أنّ المعتبر إذن المالك ، لا الوليّ والوصيّ والوكيل ، إن كان فيه ضرر على المالك ، وأنّ موضع الجواز مع الإذن إذا دلّت الحال على الرّضا باطناً ، فإن دلّت على عدمه ، وأنّه إنّما أذن ضجراً وحنقاً فلا ، كما قاله الأذرعيّ منهم .
حكمه :
124 - هذا الشّراء أو السّوم بهذه الصّور والقيود منهيّ عنه ، غير جائز عند الجميع ، لكنّه صحيح عند الجمهور ، باطل عند الحنابلة إلاّ في وجه محتمل للصّحّة عندهم كالجمهور . والحنفيّة يعنون بعدم الجواز كراهة التّحريم ، لا الحرمة .
أ - فدليل الشّافعيّة ، والوجه المحتمل عند الحنابلة على الحرمة مع صحّة الشّراء . حديث
« لا يبع بعضكم على بيع بعض » المتقدّم . فقال المحلّيّ : وفي معناه الشّراء على الشّراء . وأشار البهوتيّ إلى أنّ التّحريم بالقياس على البيع ، ولأنّ الشّراء يسمّى بيعاً .
ولأنّ فيه إيذاءً ، قال المحلّيّ : المعنى في تحريم ذلك : الإيذاء للعالم بالنّهي عنه .
ولأنّه إذا صحّ الفسخ الّذي حصل به الضّرر ، فالبيع المحصّل للمصلحة أولى .
ولأنّ النّهي لحقّ آدميّ ، فأشبه بيع النّجش .
ب - ودليل الحنفيّة على الكراهة مع صحّة الشّراء : حديث أبي هريرة « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن يتلقّى الرّكبان ، ولا يبيع حاضر لباد ، وأن تسأل المرأة طلاق أختها ، وعن النّجش والتّصرية ، وأن يستام الرّجل على سوم أخيه » .
وقرّر الحنفيّة أنّ هذا الحديث نصّ في النّهي عن الاستيام ، فلا حاجة - كما أوضح ابن الهمام - إلى جعل لفظ البيع في حديث : « لا يبع أحدكم على بيع أخيه » جامعاً للبيع والشّراء مجازاً ، إنّما يحتاج إلى ذلك لو لم يرد حديث الاستيام ، ولأنّ في ذلك إيحاشاً وإضراراً به فيكره . قال الكاسانيّ : والنّهي لمعنًى في غير البيع ، وهو الإيذاء ، فكان نفس البيع مشروعاً ، فيجوز شراؤه ، ولكنّه يكره .
ج - ودليل الحنابلة على التّحريم والبطلان ، أنّ هذا منهيّ عنه ، والنّهي يقتضي الفساد .
125 - وفيما يلي بعض الفروع والتّفصيلات المتعلّقة بالسّوم ، والشّراء على شراء الآخرين :
أ - نصّ الحنفيّة على أنّ السّوم على سوم الآخرين مكروه ، ولو كان المستام عليه ذمّيّاً أو مستأمناً . وقالوا : ذكر الأخ في الحديث ليس قيداً ، بل لزيادة التّنفير ، لأنّ السّوم على السّوم يوجب إيحاشاً وإضراراً ، وهو في حقّ الأخ أشدّ منعاً ، فهو كما في قوله في الغيبة : « ذِكْرُك أخاك بما يَكْره » إذ لا خفاء في منع غيبة الذّمّيّ .
وقرّر الشّافعيّة أنّ ذكر الرّجل خرج مخرج الغالب ، كما أنّ تخصيص الأخ لإثارة الرّقّة والعطف عليه ، وسرعة امتثاله ، فغيرهما مثلهما . فالذّمّيّ والمعاهد والمستأمن مثل المسلم . وخرج الحربيّ والمرتدّ فلا يحرم .
ب - ألحق الحنفيّة الإجارة بالبيع في منع السّوم على السّوم ، إذ هي بيع المنافع .
كما ألحق الحنابلة جملةً من العقود ، كالقرض والهبة وغيرهما ، قياساً على البيع ، وكلّها تحرم ولا تصحّ للإيذاء .
ج - ألحق الماورديّ من الشّافعيّة بالشّراء على الشّراء ، تحريم طلب السّلعة من المشتري بأكثر - والبائع حاضر - قبل اللّزوم ، لأدائه إلى الفسخ أو النّدم .
د - وكذلك قاس الشّافعيّة على كلام الماورديّ في التّحريم ، ما لو طلب شخص من البائع ، في زمن الخيار ، شيئاً من جنس السّلعة المبيعة ، بأكثر من الثّمن الّذي باع به ، لا سيّما إن طلب منه مقداراً لا يكمل إلاّ بانضمام ما بيع منها .
هـ -وصرّحوا أيضاً بحرمة ما ذكر ، سواء أبلغ المبيع قيمته أم نقص عنها – على المعتمد عندهم - .
و - وتكلّموا أيضاً في مسألة تعريف المغبون في الشّراء بغبنه ، فصرّح ابن حجر بأنّه لا محذور فيه ، لأنّه من النّصيحة الواجبة ، لكنّه استظهر أنّ محلّه في غبن نشأ عن نحو غشّ البائع ، فلم يبال بإضراره ، لأنّه آثم . بخلاف ما إذا نشأ لا عن نحو تقصير منه ، لأنّ الفسخ ضرر عليه ، والضّرر لا يزال بالضّرر . وصرّح الشّروانيّ بأنّه إذا علم المشتري الثّاني بالمبيع عيباً ، وجب إعلام المشتري به ، وهذا صادق بما إذا كان البائع جاهلاً بالعيب ، مع أنّه لا تقصير منه حينئذ ، ولا فرق بين هذا وبين الغبن ، لأنّ الملحظ حصول الضّرر ، وأشار إلى أنّ هذا محلّ تأمّل ، ورأى أنّ وجوب النّصيحة يقتضي وجوب تعريف المغبون ، وإن نشأ الغبن من تقصيره ، ولكنّها تحصل بالتّعريف من غير بيع .
126 - واستثنى الفقهاء بيع المزايدة بالمناداة ، ويسمّى بيع الدّلالة . ويسمّى أيضاً : المزايدة . استثنوها من الشّراء على الشّراء ، ومن السّوم على سوم أخيه .
وهي : أن ينادى على السّلعة ، ويزيد النّاس فيها بعضهم على بعض ، حتّى تقف على آخر زائد فيها فيأخذها . وهذا بيع جائز بإجماع المسلمين ، كما صرّح به الحنابلة ، فصحّحوه ولم يكرهوه . وقيّده الشّافعيّة بأمرين : أن لا يكون فيه قصد الإضرار بأحد ، وبإرادة الشّراء ، وإلاّ حرمت الزّيادة ، لأنّها من النّجش .
127 - ودليل جواز بيع المزايدة :
- ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه « أنّ رجلاً من الأنصار أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسأله فقال له : ما في بيتك شيء ؟ قال : بلى ، حِلْس يلبس بعضه ، ويبسط بعضه ، وقَعْب يشرب فيه الماء . قال : ائتني بهما . فأتاه بهما ، فأخذهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال : من يشتري هذين ؟ فقال رجل : أنا آخذهما بدرهم ، قال : من يزيد على درهم ؟ مرّتين أو ثلاثاً ، فقال رجل : أنا آخذهما بدرهمين ، فأعطاهما إيّاه ، وأخذ الدّرهمين ، فأعطاهما الأنصاريّ ، وقال : اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك ، واشتر بالآخر قدوماً ، فائْتني به . فأتاه به ، فشدّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ، ثمّ قال له : اذهب فاحتطب وبع ، ولا أرينك خمسة عشر يوماً . فذهب الرّجل يحتطب ويبيع ، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم ، فاشترى ببعضها ثوباً ، وببعضها طعاماً ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة . إنّ المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة : لذي فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دم موجع » . قال الكاسانيّ في تعليقه على هذا الحديث : وما كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ليبيع بيعاً مكروهاً .
- والدّليل الثّاني : أنّ المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة .
- وأنّه بيع الفقراء ، كما قال المرغينانيّ ، والحاجة ماسة إليه .
- ولأنّ النّهي إنّما ورد عن السّوم حال البيع ، وحال المزايدة خارج عن البيع .
وتفصيل أحكام ( المزايدة ) في مصطلحها .
هـ - النّجش :
128 - النَجْش هو بسكون الجيم مصدر ، وبالفتح اسم مصدر ، ومن معانيه اللّغويّة : الإثارة . يقال : نجش الطّائر : إذا أثاره من مكانه . قال الفيّوميّ : نجش الرّجل ينجش نجشاً : إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها ، وليس قصده أن يشتريها ، بل ليغرّ غيره ، فيوقعه فيه ، وكذلك في النّكاح وغيره .
وأصل النّجش : الاستتار ، لأنّ النّاجش يستر قصده ، ومنه يقال للصّائد : ناجش لاستتاره . وقد عرّفه الفقهاء بأن يزيد الرّجل في الثّمن ولا يريد الشّراء ، ليرغّب غيره . أو أن يمدح المبيع بما ليس فيه ليروّجه . وقد ورد النّهي عنه ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تلقّوا الرّكبان ، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبيع حاضر لباد ، ولا تصرّوا الغنم » . وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن النّجش »
أ - فمذهب جمهور الفقهاء : أنّه حرام ، وذلك لثبوت النّهي عنه ، على ما سبق . ولما فيه من خديعة المسلم ، وهي حرام .
ب - ومذهب الحنفيّة : أنّه مكروه تحريماً إذا بلغت السّلعة قيمتها ، أمّا إذا لم تبلغ فلا يكره ، لانتفاء الخداع . ذلك حكمه التّكليفيّ . أمّا حكمه الوضعيّ :
أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، من الحنفيّة والشّافعيّة ، والصّحيح عند الحنابلة : أنّ البيع صحيح ، لأنّ النّجش فعل النّاجش لا العاقد ، فلم يؤثّر في البيع ، والنّهي لحقّ الآدميّ فلم يفسد العقد ، كتلقّي الرّكبان وبيع المعيب والمدلّس ، بخلاف ما كان حقّاً للّه ، لأنّ حقّ العبد ينجبر بالخيار أو زيادة الثّمن .
ب - ومذهب مالك ، وهو رواية عن أحمد : أنّه لا يصحّ بيع النّجش ، لأنّه منهيّ عنه ، والنّهي يقتضي الفساد . ومع ذلك فقد نصّ الفقهاء على خيار الفسخ في هذا البيع :
- فالمالكيّة قالوا : إن علم البائع بالنّاجش وسكت ، فللمشتري ردّ المبيع إن كان قائماً ، وله التّمسّك به ، فإن فات المبيع فالواجب القيمة يوم القبض إن شاء ، وإن شاء أدّى ثمن النّجش . وإن لم يعلم البائع بالنّاجش ، فلا كلام للمشتري ، ولا يفسد البيع ، والإثم على من فعل ذلك . وهذا قول عند الشّافعيّة ، حيث جعلوا للمشتري الخيار عند التّواطؤ .
- والأصحّ عند الشّافعيّة أنّه لا خيار للمشتري لتفريطه .
- ويقول الحنابلة : البيع صحيح سواء أكان النّجش بمواطأة من البائع أم لم يكن ، لكن إن كان في البيع غبن لم تجر العادة بمثله فالخيار للمشتري بين الفسخ والإمضاء ، كما في تلقّي الرّكبان ، وإن كان يتغابن بمثله فلا خيار له .
وفيه أحكام تفصيليّة تراجع في مصطلح : ( نجش ) .
و - تلقّي الجلب أو الرّكبان أو السّلع :
129 - عبّر الحنفيّة بتلقّي الجلب ، وعبّر المالكيّة بتلقّي السّلع . قال خليل : كتلقّي السّلع أو صاحبها . وعبّر ابن جزيّ منهم بتلقّي السّلعة . وعبّر الشّافعيّة والحنابلة بتلقّي الرّكبان . والتّلقّي : هو الخروج من البلد الّتي يجلب إليها القوت ( ونحوه ) .
والجلب - بفتحتين - بمعنى الجالب ، أو هو بمعنى المجلوب ، فهو فعل بمعنى مفعول ، وهو ما تجلبه من بلد إلى بلد ، وهذا هو المراد بتلقّي السّلع في تعبير المالكيّة .
كما أنّ الرّكبان - في تعبير الشّافعيّة والحنابلة - جمع راكب ، والتّعبير به جرى على الغالب ، والمراد القادم ولو واحداً أو ماشياً .
حكم التّلقّي التّكليفيّ :
130 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ بيع التّلقّي محرّم ، لثبوت النّهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تلقّوا الجَلَب ، فمن تلقّاه فاشترى منه ، فإذا أتى سيّده "أي صاحبه" السّوق فهو بالخيار » . والحنفيّة ذهبوا إلى كراهة التّلقّي ، وذلك للضّرر أو الغرر ، أو كما قال الكاسانيّ : لأنّ البيع مشروع في ذاته ، والنّهي في غيره ، وهو الإضرار بالعامّة على التّفسير الأوّل - الّذي ذكرناه عندهم - وتغرير أصحاب السّلع على التّفسير الثّاني ، فإذا لم يكن هناك ضرر أو غرر فلا بأس ، ولا يكره ، كما صرّح بذلك المرغينانيّ والكرلانيّ والكاسانيّ والزّيلعيّ والحصكفيّ ، لانعدام الضّرر . فقول ابن قدامة : وحكي عن أبي حنيفة أنّه لم ير بذلك بأساً ، وسنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أحقّ أن تتّبع . ليس على إطلاقه . وفسخ المكروه - من البياعات - واجب على كلّ واحد منهما ، لرفع الإثم ، وهي عند الإطلاق عندهم للتّحريم ، كما هنا ، وكما في كلّ بيع مكروه .
حكم التلقي الوضعي :
131 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع التلقي صحيح ، ولا يفسد العقد به . ونقل ابن قدامة عن ابن عبد البر أن البيع صحيح في قول الجميع ، وعلل الصحة :
- بإثبات الخيار في حديث أبي هريرة السابق ، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح .
- ولأن النهي لا لمعنى في البيع ، بل يعود إلى ضرب من الخديعة ، يمكن استدراكها بإثبات الخيار ، فأشبه بيع المصراة . وفارق بيع الحاضر للبادي ، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار ، إذ ليس الضرر عليه ، إنما هو على المسلمين .
- وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد ، أن التلقي فاسد ، وذلك لظاهر النهي .
قال ابن قدامة : والأول أصح .
ز - بيع الحاضر للبادي :
132 - ورد النّهي عنه في أحاديث منها ما رواه جابر رضي الله عنه مرفوعاً : « لا يبيع حاضر لباد ، دعوا النّاس يرزق اللّه بعضهم من بعض » .
وقد اختلف الفقهاء في المراد من بيع الحاضر للبادي . فذهب الجمهور إلى أنّ المراد : أن يكون الحاضر سمساراً للبادي ، لما يؤدّي إليه ذلك من الإضرار بأهل البلد لارتفاع السّعر ، وفسّر بغير ذلك . وللمنع شروط وتفصيلات من حيث الجواز وعدمه والصّحّة أو البطلان . وينظر ذلك في مصطلح : ( بيع الحاضر للبادي ) .
النّوع الثّاني : الأسباب الّتي تؤدّي إلى مخالفة دينيّة أو عباديّة محضة :
أ - البيع عند أذان الجمعة :
133 - أمر القرآن الكريم بترك البيع عند النّداء ( الأذان ) يوم الجمعة ، فقال تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا إذا نُودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسْعَوا إلى ذِكْر اللَّه وَذَرُوا البيعَ ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } والأمر بترك البيع نهي عنه . ولم يختلف الفقهاء في أنّ هذا البيع محرّم لهذا النّصّ . غير أنّ للجمعة أذانين ، فعند أيّ الأذانين يعتبر مورد النّهي عن البيع .
أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم بعض الحنفيّة كالطّحاويّ ، أنّه الأذان الّذي جرى به التّوارث ، ولم يكن على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو أذان خطبة الجمعة بين يدي المنبر ، والإمام على المنبر ، فينصرف النّداء إليه . ولهذا قيّده المالكيّة والحنابلة بالأذان الثّاني . واستدلّوا لذلك بما يلي :
- ما روي عن السّائب بن يزيد رضي الله عنه ، قال : « كان النّداء يوم الجمعة أوّله إذا جلس الإمام على المنبر ، على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلمّا كان عثمان رضي الله عنه وكثر النّاس ، زاد النّداء الثّالث على الزّوراء » . وفي رواية « زاد الثّاني » . وفي رواية « على دار في السّوق ، يقال لها : الزّوراء » وتسمية الأذان الأوّل في أيّامنا ، أذاناً ثالثاً ، لأنّ الإقامة - كما يقول ابن الهمام تسمّى أذاناً ، كما في الحديث « بين كلّ أذانين صلاة » - ولأنّ البيع عند هذا الأذان يشغل عن الصّلاة ، ويكون ذريعةً إلى فواتها ، أو فوات بعضها .
ب - والقول الأصحّ والمختار عند الحنفيّة ، وهو اختيار شمس الأئمّة ، أنّ المنهيّ عنه هو البيع عند الأذان الأوّل الّذي على المنارة ، وهو الّذي يجب السّعي عنده ، وهو الّذي رواه الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا وقع بعد الزّوال .
وعلّلوه بحصول الإعلام به . ولأنّه لو انتظر الأذان عند المنبر ، يفوته أداء السّنّة وسماع الخطبة ، وربّما تفوته الجمعة إذا كان بيته بعيداً من الجامع .
بل نقل الطّحاويّ عن صاحب البحر قوله ، فيما ذهب إليه الطّحاويّ : وهو ضعيف .
ج - وهناك رواية عن الإمام أحمد ، حكاها القاضي عنه ، وهي : أنّ البيع يحرم بزوال الشّمس ، وإن لم يجلس الإمام على المنبر .
وهذه الرّواية قريبة من مذهب الحنفيّة ، لكنّ ابن قدامة قرّر أنّها لا تصحّ من وجوه ، وهي : أنّ اللّه تعالى علّق النّهي عن البيع على النّداء ، لا على الوقت . ولأنّ المقصود بهذا إدراك الجمعة ، وهو يحصل بالنّداء عقيب جلوس الإمام على المنبر ، لا بما ذكره القاضي ، وهو زوال الشّمس ، وإن لم يجلس الإمام على المنبر . ولأنّه لو كان تحريم البيع معلّقاً بالوقت ، لما اختصّ بالزّوال ، فإنّ ما قبله وقت أيضاً ، لأنّ وقت الجمعة عند أحمد هو ما بين ارتفاع الشّمس قدر رمح إلى آخر وقت الظّهر .
الحكم التّكليفيّ فيه :
134 - جمهور الفقهاء على أنّ النّهي عن البيع عند الأذان هو للتّحريم ، صرّح به المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا الحنفيّة فقد ذكروا أنّ أقلّ أحوال النّهي الكراهة ، وأنّ ترك البيع واجب ، فيكره تحريماً من الطّرفين : البائع والمشتري على المذهب ، ويصحّ إطلاق الحرام عليه ، كما عبّر المرغينانيّ ويفترض تركه ، كما عبّر الشّرنبلاليّ .
قيود تحريم هذا البيع :
135 - إنّ هذا النّهي الّذي اقتضى التّحريم أو الكراهة ، مقيّد بقيود :
أ - أن يكون المشتغل بالبيع ممّن تلزمه الجمعة ، فلا يحرم البيع على المرأة والصّغير والمريض ، بل نصّ الحنفيّة على أنّ هذا النّهي قد خصّ منه من لا جمعة عليه . ومع ذلك ، فقد ذكر ابن أبي موسى - من الحنابلة - روايتين في غير المخاطبين ، والصّحيح عندهم أنّ التّحريم خاصّ بالمخاطبين بالجمعة . وذلك : لأنّ اللّه تعالى إنّما نهى عن البيع من أمره بالسّعي ، فغير المخاطبين بالسّعي لا يتناولهم النّهي . ولأنّ تحريم البيع معلّل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة ، وهذا معدوم في حقّهم .
ب - وأن يكون المشتغل بالبيع عالماً بالنّهي ، كما نصّ عليه الشّافعيّة .
ج - انتفاء الضّرورة إلى البيع ، كبيع المضطرّ ما يأكله ، وبيع كفن ميّت خيف تغيّره بالتّأخير ، وإلاّ فلا حرمة ، وإن فاتت الجمعة - كما يقول الجمل من الشّافعيّة .
د - أن يكون البيع بعد الشّروع في أذان الخطبة - كما عبّر الجمهور - أو عنده - كما عبّر المالكيّة أيضاً .
هـ - ولم يتعرّض الحنفيّة للتّقييد بغير كون الأذان بعد الزّوال .
قياس غير البيع من العقود عليه في التّحريم :
136 - النّهي عند الجمهور شامل البيع والنّكاح وسائر العقود . بل نصّ الحنفيّة على وجوب ترك كلّ شيء يؤدّي إلى الاشتغال عن السّعي إلى الجمعة ، أو يخلّ به .
ونصّ المالكيّة على أنّه يفسخ بيع وإجارة وتولية وشركة وإقالة وشفعة ، لا نكاح وهبة وصدقة وكتابة وخلع .
ونصّ الشّافعيّة على حرمة الاشتغال بالعقود والصّنائع وغيرها ، ممّا فيه تشاغل عن الجمعة . وفي قول عند الحنابلة : أنّه يحرم غير البيع من العقود ، كالإجارة والصّلح والنّكاح ، لأنّها عقود معاوضة فأشبهت البيع .
والمذهب عند الحنابلة : تخصيص عقد البيع والشّراء فقط بالتّحريم وعدم الصّحّة ، بعد الشّروع في الأذان الثّاني ، فتصحّ عندهم سائر العقود من النّكاح والإجارة والصّلح وغيرها ، من القرض والرّهن والضّمان ( الكفالة ) ونحوها . لأنّ النّهي ورد في البيع وحده ، وغيره لا يساويه لقلّة وقوعه ، فلا تكون إباحته ذريعةً لفوات الجمعة ، ولا يصحّ قياسه عليه . ونصّوا على أنّ إمضاء البيع الّذي فيه خيار ، أو فسخه يصحّ ، ولا يعتبر مجرّد الإمضاء والفسخ في الخيار بيعاً .
استمرار تحريم البيع حتّى انقضاء الصّلاة :
137 - لا يكاد الفقهاء يختلفون في أنّ النّهي عن البيع عند الأذان ، يستمرّ حتّى الفراغ من الصّلاة ، ومن نصوصهم في ذلك :
- ويحرم البيع والنّكاح وسائر العقود ، من جلوس الخطيب إلى انقضاء الصّلاة .
- يستمرّ التّحريم إلى الفراغ من الجمعة .
- ويستمرّ تحريم البيع والصّناعات من الشّروع في الأذان الثّاني أو من الوقت الّذي إذا سعى فيه أدركها من منزل بعيد ، إلى انقضاء الصّلاة .
أحكام عامّة في البيع عند الأذان :
أوّلاً : حكم بيع من تلزمه الجمعة ممّن لا تلزمه :
138 - قرّر الفقهاء أنّ من لا تجب عليه الجمعة مستثنًى من حكم تحريم البيع عند الأذان ، إذا لم تجب الجمعة عليهما معاً ، فلو تبايع اثنان ممّن لا تلزمهم الجمعة ، لم يحرم ولم يكره - كما صرّح به الشّافعيّة - أمّا لو وجبت على أحدهما دون الآخر :
- فمذهب الجمهور من الحنفيّة والشّافعيّة ، أنّهما يأثمان جميعاً ، لأنّ الأوّل الّذي وجبت عليه ارتكب النّهي ، والآخر الّذي لم تجب عليه أعانه عليه .
- وفي قول ضُعِّف عند الشّافعيّة : أنّه يكره للآخر الّذي لم تجب عليه ، ولا يأثم .
- ونصّ المالكيّة على أنّ البيع وغيره يفسخ في هذه الحال ، حيث كانت ممّن تلزمه الجمعة ، ولو مع من لا تلزمه .
- ونصّ الحنابلة على أنّ البيع لا يصحّ بالنّسبة إلى من تلزمه الجمعة . ويكره البيع والشّراء للآخر الّذي لا تلزمه ، لما فيه من الإعانة على الإثم .
ثانياً : حكم التّبايع حال السّعي إلى الجامع وقد سمع النّداء :
139 - اختلف الفقهاء في هذه المسألة ، بسبب تحصيل السّاعي المقصود من النّهي مع التّلبّس بالنّهي عنه .
أ - فالرّاجح من مذهب الحنفيّة ، ومذهب الشّافعيّة ، وهو أحد قولين للمالكيّة : أنّهما إذا تبايعا وهما يمشيان ، لا يحرم . وقال ابن نجيم من الحنفيّة ، نقلاً عن السّراج : لا يكره إذا لم . يشغله . وقال الحصكفيّ : لا بأس به .
لكنّ النّهي عن البيع ورد مطلقاً فتخصيصه بالرّأي ببعض الوجوه نسخ على قاعدة الحنفيّة ، فلا يجوز بالرّأي ، وعلّل انتفاء الكراهة : بأنّ النّهي عن البيع عند الأذان ، معلّل بالإخلال بالسّعي ، فإذا انتفى الإخلال بالسّعي انتفى النّهي .
وأنّ النّصّ الكريم خصّ منه من لا جمعة عليه ، والعامّ إذا دخله التّخصيص صار ظنّيّاً ، فيجوز تخصيصه ثانياً بالرّأي ، أي بالاجتهاد . والمالكيّة علّلوا الجواز : بأنّ البيع في هذه الحال لم يشغلهما عن السّعي ، ونقلوه عن ابن عمر رضي الله عنهما .
ب - ومذهب بعض الحنفيّة - كصاحب النّهر والزّيلعيّ ، والحصكفيّ أوّلاً في باب الجمعة والشرنبلالي - وجوب ترك البيع ، ولو مع السّعي . وصرّح صاحب النّهر بأنّه الّذي ينبغي التّعويل عليه . وهذا نفسه قول آخر أيضاً للمالكيّة ، وهو الّذي يبدو من كلام الحنابلة ، وإن لم يواجهوا هذه المسألة بذاتها .
ولا تعليل لهذا الاتّجاه ، إلاّ ما ذهب إليه الشّرنبلاليّ من الحنفيّة ، من أنّه يخلّ بالسّعي ، فيجب تركه لإطلاق الأمر . وما ذهب إليه بعض المالكيّة ، من سدّ الذّريعة .
ثالثاً : حكم البيع في المسجد بعد السّعي :
140 - الفقهاء متّفقون على كراهته :
أ - فقد نصّ الحنفيّة على أنّ البيع على باب المسجد أو فيه عند الأذان الأوّل الواقع بعد الزّوال أعظم وزراً من البيع ماشياً إلى الجمعة .
ب - ونصّ الشّافعيّة على أنّ حرمة البيع ونحوه ، في حقّ من جلس له في غير المسجد ، أمّا إذا سمع النّداء فقعد في الجامع ، أو في محلّ قريب منه وباع ، لا يحرم . لكنّ البيع في المسجد مكروه ، وصرّح ابن حجر وغيره بأنّ كلامهم للتّحريم أقرب .
ج - ونصّ الحنابلة على كراهة شرب الماء بعد النّداء ، بثمن حاضر أو في الذّمّة ( كما يحدث في الحرمين ) بل أشاروا إلى أنّ مقتضى عدم صحّة البيع والشّراء بعد الشّروع في النّداء هو التّحريم ، وخصوصاً إذا كان هذا في المسجد ، إلاّ أن يقال : ليس هذا بيعاً حقيقةً ، بل هو إباحة ، ثمّ تقع الإنابة عنها .
رابعاً : حكم البيع قبل الأذان الثّاني ، بعد الزّوال :
141 - المعتبر عند الحنفيّة في وجوب السّعي وترك البيع ، هو دخول الوقت ، ولهذا قيّدوا به الأذان فيما تقدّم ، فانبغى بذلك ثبوت كراهة البيع بعد الزّوال ، وانتفاؤها قبله .
وقد نصّ الشّافعيّة - كذلك - على كراهة البيع ونحوه ، قبل الأذان الثّاني والجلوس للخطبة إذا كان بعد الزّوال ، وذلك لدخول وقت الوجوب ، أمّا العقد قبل الزّوال فلا يكره .
وهذان الحكمان مقيّدان عندهم ، بما إذا كان العاقد لا يلزمه السّعي حينئذ ، وإلاّ بأن كان لا يدرك الجمعة إلاّ بذهابه في هذا الوقت ، فيحرم عليه ذلك العقد .
خامساً : شمول النّهي كلّ ما يشغل عن الجمعة :
142 - الفقهاء متّفقون على تحريم أو كراهة كلّ ما يشغل عن السّعي إلى الجمعة بعد النّداء - على اختلافهم فيه - ويجب ترك كلّ شيء يشغل عن السّعي إليها : كإنشاء السّفر عند النّداء ، والأكل ، والخياطة ، والصّناعات كلّها : كالمساومة ، والمناداة ، والكتابة ، وكذا الاشتغال بالعبادة ، وكذا المكث في بيته بعياله أو غيرهم ، ولو كان منزله بباب المسجد أو قريباً منه ، بل يجب عليه المبادرة إلى الجامع عملاً بالآية .
سادساً : هل المعتبر في الأذان أوّله أو تمامه ؟
143 - نصّ المالكيّة على أنّ المعتبر في الأذان بأوّله لا بتمامه ، فإن كبّر المؤذّن حرم البيع ، لأنّ التّحريم متعلّق بالنّداء .
رد مع اقتباس