أ - بيع الجنين وهو في بطن أمّه :
69 - وهو بيع الحمل ، كما عبّرت بعض المراجع الفقهيّة .
والجنين هو : الولد ما دام في بطن أمّه ، ويجمع على أَجِنّةً ، كدليل وأدلّة . ومثل الجنين أيضاً : الملقوح والملقوحة ، وجمعهما ملاقيح ، وهي : ما في الأرحام والبطون من الأجنّة ، بتفسير الحنفيّة والجمهور ، خلافاً للمالكيّة في تفسير الملاقيح بما في ظهور الفحول . وورد النّهي في الحديث عن بيع الجنين ما دام مجتنّاً حتّى يولد ، عن أبي سعيد رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع » . وتقدّم الإجماع - كما صرّح ابن المنذر - على بطلان هذا البيع ( ر : ف 5 ) للنّهي عنه في الحديث وللغرر ، فعسى أن لا يولد ، ولأنّ فيه جهالةً في صفته وحياته ، ولأنّه غير مقدور على تسليمه . وذكره هنا للغرر فقط ، لكنّه من النّوع الأوّل منه ، وهو الغرر المتعلّق بالمعقود عليه نفسه ، من حيث أصل وجوده ، ولهذا كان النّهي عنه مستوجباً للبطلان عند الجميع ، حتّى في اصطلاح الحنفيّة ، الّذين يفرّقون بين البطلان - وبين الفساد .
ب - بيع الثّمر قبل أن يبدو صلاحه :
70 - ويسمّى أيضاً المخاضرة ، كما ورد في بعض النّصوص . وورد النّهي عن ذلك في أحاديث كثيرة منها : حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمار حتّى يبدو صلاحها ، نهى البائع والمبتاع » وفي لفظ آخر : « نهى عن بيع النّخل حتّى تزهو ، وعن بيع السّنبل حتّى يبيضّ ويأمن العاهة » . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا تبتاعوا الثّمار حتّى يبدو صلاحها » . وجاء مفسّراً في حديث أنس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، وعن بيع النّخل حتّى يزهو ، قيل : ما يزهو ؟ قال : يَحْمارّ أو يَصْفارّ » . وفي بعض الرّوايات عن أنس « حتّى تُزهي ، فقيل له : وما تزهي ؟ قال : تحمرّ » . كما جاء بدوّ الصّلاح مفسّراً في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها » . « وكان إذا سئل عن صلاحها ، قال : حتّى تذهب عاهتها » . وفي حديث أنس رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع العنب حتّى يسودّ ، وعن بيع الحبّ حتّى يشتدّ » .
وورد في الصّحيح التّعبير بلفظ ثالث ، وهو : التّشقيح ، وهذا في حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تباع الثّمرة حتّى تشقح فقيل : ما تشقح ؟ . قال : تَحْمارّ وتصفارّ ، ويؤكل منها » .
معنى بدوّ الصّلاح :
71 - فسّر الفقهاء بدوّ الصّلاح بمعان شتّى :
فالحنفيّة قالوا في تفسيره : أن تؤمن العاهة والفساد ، وإن كان بعضهم - كالكرلانيّ - فسّره بأن تصلح الثّمرة لتناول بني آدم ، وعلف الدّوابّ . والمالكيّة فسّروه تفسيراً مختلفاً نسبيّاً : فهو في التّمر : أن يحمرّ ويصفرّ ويزهو ، وفي العنب : أن يسودّ وتبدو الحلاوة فيه ، وفي غيرهما من الثّمار : حصول الحلاوة ، وفي الخسّ والعصفر : أن ينتفع بهما ، وفي سائر البقول : أن تطيب للأكل ، وفي الزّرع والحبّ : أن ييبس ويشتدّ .
وأرجع الشّافعيّة بدوّ الصّلاح في الثّمر وغيره كالزّرع ، إلى ظهور مبادئ النّضج والحلاوة ، فيما لا يتلوّن منه ، أمّا فيما يتلوّن فبأن يأخذ في الحمرة أو السّواد أو الصّفرة . وذكروا ثماني علامات يعرف بها بدوّ الصّلاح .
أحدها : اللّون ، في كلّ ثمر مأكول ملوّن ، إذا أخذ في حمرة ، أو سواد أو صفرة ، كالبلح والعنّاب والمشمش والإجّاص .
ثانيها : الطّعم ، كحلاوة القصب وحموضة الرّمّان .
ثالثها : النّضج واللّين ، كالتّين والبطّيخ .
رابعها : بالقوّة والاشتداد ، كالقمح والشّعير .
خامسها : بالطّول والامتلاء ، كالعلف والبقول .
سادسها : الكبر كالقثّاء ، بحيث يؤكل .
سابعها : انشقاق أكمامه ، كالقطن والجوز .
ثامنها : الانفتاح ، كالورد . وما لا أكمام له كالياسمين ، فظهوره ، ويمكن دخوله في الأخير . ووضع له القليوبيّ هذا الضّابط ، وهو : بلوغ الشّيء إلى صفة أي حالة يطلب فيها غالباً . ووضع الحنابلة هذا الضّابط : ما كان من الثّمرة يتغيّر لونه عند صلاحه ، كثمرة النّخل والعنب الأسود والإجّاص ، فبدوّ صلاحه بتغيّر لونه ، وإن كان العنب أبيض فصلاحه بتموّهه ، وهو : أن يبدو فيه الماء الحلو ويلين ويصفرّ لونه . وإن كان ممّا لا يتلوّن كالتّفّاح ونحوه ، فبأن يحلو ويطيب . وإن كان بطّيخاً أو نحوه ، فبأن يبدو فيه النّضج . وإن كان ممّا لا يتغيّر لونه ، ويؤكل طيّباً صغاراً وكباراً ، كالقثّاء والخيار ، فصلاحه بلوغه أن يؤكل عادةً . وحكمة النّهي عن بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه : هي خوف تلف الثّمرة ، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها . وثبت في حديث أنس رضي الله عنه « أرأيت إذا منع اللّه الثّمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ » .
حكم بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه :
72 - جمهور الفقهاء - بوجه عامّ - على أنّ بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ، غير جائز ولا صحيح . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث . ومع ذلك فقد فصّلوا فيه القول ، تبعاً لتقييد العقد بشرط وإطلاقه ، ولا يخلو بيع الثّمرة من هذه الأحوال :
الأولى : أن يبيعها قبل الظّهور والبروز ، أي قبل انفراك الزّهر عنها وانعقادها ثمرةً ، فهذا البيع لا يصحّ اتّفاقاً .
الثّانية : أن يبيعها بعد الظّهور ، قبل بدوّ الصّلاح ، بشرط التّرك والتّبقية على الشّجر حتّى تنضج ، فلا يصحّ هذا البيع إجماعاً ، لأنّه شرط لا يقتضيه العقد ، وهو شغل ملك الغير . أو هو صفقة في صفقة أو هو إعارة أو إجارة في بيع . وعلّله ابن قدامة بالنّهي عنه في الحديث المذكور ، والنّهي يقتضي الفساد . قالوا : ومثل بيع الثّمرة قبل بدوّ الصّلاح بشرط التّرك ، بيع الزّرع قبل أن يشتدّ .
الثّالثة : أن يبيعها بعد الظّهور ، قبل بدوّ الصّلاح بشرط القطع في الحال ، فهذا البيع صحيح بالإجماع ، ولا خلاف في جوازه ، وعلّله الحنابلة بأنّ المنع من البيع قبل بدوّ الصّلاح ، إنّما كان خوفاً من تلف الثّمرة ، وحدوث العاهة عليها قبل أخذها ، بدليل حديث أنس المارّ ، وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيه : « أرأيت إذا مَنَعَ اللّه الثّمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ » وهذا مأمون فيما يقطع ، فصحّ بيعه كما لو بدا صلاحه .
قالوا : والإجماع على صحّة البيع في هذه الحال ، مخصّص لعموم المنع في مفهوم الحديث السّابق . وفارق ما بعد بدوّ الصّلاح ، لأمن العاهة فيه غالباً ، بخلاف ما قبل بدوّ الصّلاح ، وبهذا الفارق يشعر الحديث الوارد في وضع الجوائح ، وهو : « لو بعت من أخيك تمراً ، فأصابته جائحة ( أي آفة أهلكت الثّمرة ) فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً ، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ » .
73 - غير أنّ الفقهاء قيّدوا هذا الحكم ، وهو جواز بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها بشرط القطع في الحال ، بقيود بعضها متّفق عليه ، وبعضها انفرد به فريق من الفقهاء ، نشير إليها فيما يلي :
الشّرط الأوّل : أن يكون الثّمر منتفعاً به :
أ - فالحنفيّة - في الأصحّ من مذهبهم - وكذا المالكيّة على إطلاق الانتفاع به ، وصرّح الحنفيّة بشمول الانتفاع لما هو في الحال أو في الزّمان الثّاني ، وهو المآل ، أو في ثاني الحال - كما يعبّرون . فمثل القصيل ( وهو الفصفصة الّتي يعلف بها الحيوان ) والحصرم ممّا يجوز بيعه ، لانتفاع الحيوان وانتفاع الإنسان به .
ب - والشّافعيّة والحنابلة ، قيّدوا الجواز بالانتفاع به في الحال ، وزاد الشّافعيّة تقييد المنفعة بأن تكون مقصودة لغرض صحيح ، وإن لم يكن بالوجه الّذي يراد بالانتفاع به منه كما في الحصرم ، بخلاف الكمّثرى ، لأنّ قطعه في الحال إضاعة مال - كما علّله المالكيّة - وبخلاف ثمرة الجوز ، وزرع التّرمس ، فإنّه لا يصحّ بيعه بالشّرط المذكور نفسه ، لعدم النّفع بالمبيع - كما علّله الحنابلة .
الشّرط الثّاني : أن يحتاج إليه المتبايعان أو أحدهما .
الشّرط الثّالث : أن لا يكثر ذلك بين النّاس ، ولا يتمالؤوا عليه .
وهذان الشّرطان نصّ عليهما المالكيّة ، فإن تخلّف واحد ، منع البيع ، كما يمنع بشرط التّبقية المارّ أو الإطلاق ، كما يأتي .
الشّرط الرّابع : نصّ عليه الحنابلة ، وهو أن لا يكون ما بيع قبل بدوّ صلاحه مشاعاً ، بأن يشتري نصف الثّمرة قبل بدوّ صلاحها مشاعاً بشرط القطع ، وذلك لأنّه لا يمكنه قطع ما يملكه ، إلاّ بقطع ما لا يملكه ، وليس له ذلك .
74 - وقد أجاز الفقهاء أيضاً ، إضافةً إلى هذه الصّورة الجائزة ، وهي بيع ما لم يبد صلاحه بشرط القطع في الحال ، هذه الصّور :
- 1 - أن يبيع الثّمرة الّتي لم يبد صلاحها مع الشّجر ، أو الزّرع الأخضر مع الأرض ، ولا يختلف فيها الفقهاء ، لأنّ الثّمر فيها والزّرع تابعان للشّجر والأرض ، اللّذين لا تعرض لهما عاهة ، كما يقول الشّافعيّة .
- 2 - أن يبيع الثّمرة لمالك الأصل وهو الشّجر ، أو يبيع الزّرع لمالك الأرض ، لأنّه إذا بيع مع أصل دخل تبعاً في البيع ، فلم يضع احتمال الغرر فيه ، كما احتملت الجهالة في بيع اللّبن في الضّرع مع الشّاة . نصّ على هذه الصّورة الحنابلة ، كما نصّ على الأولى الجميع ، وزاد المالكيّة الصّورة التّالية :
- 3 - أن يبيع الأصل ، وهو الشّجر أو الأرض ، ثمّ بعد ذلك بفترة ما ، قربت أو بعدت ، وقبل خروجهما من يد المشتري ، يلحق الثّمر أو الزّرع بالأصل المبيع قبله .
75 - الرّابعة من أحوال بيع الثّمرة : أن يبيعها بعد بدوّ الصّلاح - على الخلاف في تفسيره : بظهور النّضج والحلاوة والتّموّه ونحوها عند الجمهور . وبأمن العاهة والفساد عند الحنفيّة ولا خلاف في جواز البيع في هذه الحال كما هو نصّ ابن الهمام ، ومفهوم الحديث أيضاً عند من يقول بالمفهوم .
وسيأتي بعض التّفصيل المذهبيّ فيما إذا تناهى عظم الثّمرة أو لم يتناه .
غير أنّ المالكيّة قيّدوا الجواز في هذه الحال - زيادةً على بدوّ الصّلاح بتفسيره عندهم - بأن لا يستتر بأكمامه ، كالبلح والتّين والعنب ، والفجل والكرّات والجزر والبصل . فهذا النّوع يجوز بيعه جزافاً ، ووزناً بالأولى .
أمّا ما استتر بأكمامه - أي بغلافه - كالقمح في سنبله ، فإنّه لا يجوز بيعه وحده جزافاً ، ويجوز كيلاً . وإن بيع بقشره أي تبنه ، جاز جزافاً وكذا كيلاً بالأولى .
أمّا ما استتر بورقه كالفول ، فلا يجوز بيعه جزافاً ، لا منفرداً ولا مع ورقه ، ويجوز كيلاً .
76 - الخامسة : أن يبيع الثّمرة قبل بدوّ الصّلاح مطلقاً ، فلا يشترط قطعاً ولا تبقيةً ، وهذه الصّورة محلّ خلاف بين الفقهاء :
- أ - فعند الشّافعيّة والحنابلة ، والقول المعتمد عند المالكيّة - وإن صرّح ابن جزيّ بأنّ فيه قولين - أنّ بيعها كذلك باطل : لإطلاق النّهي في الحديث المذكور عن بيع الثّمرة قبل بدوّ صلاحها ، ولأنّ العاهة تسرع إليه حينئذ ، لضعفه ، فيفوت بتلفه الثّمن ،من غير مقابل. - ب - وفصّل الحنفيّة في هذه المسألة ، فقرّروا أنّه :
إن كان الثّمر بحال لا ينتفع به في الأكل ولا في علف الدّوابّ ، ففيه خلاف بين المشايخ : قيل : لا يجوز ، ونسبه قاضي خان لعامّة مشايخ الحنفيّة للنّهي ، ولأنّ البيع يختصّ بمال متقوّم ، والثّمر قبل بدوّ الصّلاح ليس كذلك .
والصّحيح : أنّه يجوز ، لأنّه مال منتفع به في ثاني الحال ( أي المآل ) إن لم يكن منتفعاً به في الحال . وإن كان بحيث ينتفع به ، ولو علفاً للدّوابّ ، فالبيع جائز باتّفاق أهل المذهب ، إذا باع بشرط القطع ، أو مطلقاً . وقد نصّ المالكيّة أيضاً على جواز البيع قبل بدوّ الصّلاح في المسائل الثّلاث السّابقة . وذكر بعض الفقهاء ، كالحنفيّة والحنابلة ، هذه الصّورة أيضاً . 77 - السّادسة : إذا اشترى الثّمرة ، وقد بدا صلاحها ونضجها ، ولم يتناه عظمها ، وشرط التّرك والتّبقية إلى أن يتناهى عظمها :
- أ - فمذهب الجمهور - كما ينصّ ابن قدامة - جواز البيع في هذه الصّورة ، بل جوازه بإطلاق . - لأنّ الحديث نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، فمفهومه إباحة بيعها بعد بدوّ صلاحها ، والمنهيّ عنه قبل بدوّ الصّلاح عندهم البيع بشرط التّبقية ، فيجب أن يكون ذلك جائزاً بعد بدوّ الصّلاح ، وإلاّ لم يكن لبدوّ الصّلاح غاية ، ولا فائدة في ذكره .
- « ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها ، وتأمن العاهة » وتعليله بأمن العاهة يدلّ على التّبقية ، لأنّ ما يقطع في الحال لا يخاف العاهة عليه ، وإذا بدا الصّلاح فقد أمنت العاهة ، فيجب أن يجوز بيعه مبقًى ، لزوال علّة المنع .
ولأنّ النّقل والتّحويل يجب في المبيع بحكم العرف ، فإذا شرطه جاز ، كما لو شرط نقل الطّعام من ملك البائع .
- ب - والحنفيّة قرّروا مفصّلين في هذه المسألة : إذا شرط التّرك ، ولم يتناه العظم والنّضج ، فقد شرط فيه الجزء المعدوم ، وهو الّذي يزيد بمعنًى من الأرض والشّجر ، وهذه الزّيادة تحدث بعد البيع من ملك البائع ، فكأنّه ضمّ المعدوم إلى الموجود ، واشتراهما ، فيفسد العقد . وإذا شرط التّرك ، وقد تناهى عظمها ، فكذلك الحكم عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وهو أنّه يفسد العقد أيضاً ، وهو القياس ، لأنّه شرط لا يقتضيه العقد ، وهو شغل ملك غيره ، ولأحد المتعاقدين فيه منفعة ، ومثله يفسد العقد ، وهذا لأنّه يحصل في المبيع زيادة جودة وطراوة ، وللمشتري فيه نفع .
وأمّا محمّد بن الحسن فقد استحسن في هذه الصّورة ، وقال كما قال الأئمّة الثّلاثة : لا يفسد العقد ، لتعارف النّاس ذلك ، بخلاف ما إذا لم يتناه عظمها ، لأنّه شرط في الجزء المعدوم . ومع أنّ البابرتيّ والكرلانيّ ، من شرّاح الهداية ، لم يسلّما بالتّعامل في اشتراط التّرك ، بل قرّرا أنّ المعتاد هو التّرك بلا شرط ، والإذن في تركه بلا شرط في العقد ، لا شرط التّرك . ففي نقل الكرلانيّ عن الأسرار أنّ الفتوى على قول محمّد ، وهو الّذي اختاره الطّحاويّ ، لعموم البلوى .
78 - وإذا اشترى الثّمرة مطلقاً ، فلم يشترط التّرك ولا القطع ، ولم يتناه عظمها ، ثمّ تركها : فإن كان التّرك بإذن مجرّد من البائع ، طاب له الفضل والأكل . وإن كان التّرك بإذن في ضمن الإجارة ، بأن استأجر الأشجار إلى وقت الإدراك ، طاب له الفضل أيضاً ، لأنّ الإجارة باطلة ، لعدم التّعارف بين النّاس على استئجار الأشجار ، ولعدم حاجة المشتري إلى استئجار الأشجار ، لأنّه يمكنه شراء الثّمار مع أصولها ، والأصل في القياس بطلان الإجارة ، وأجيزت شرعاً للحاجة فيما فيه تعامل ، ولا تعامل في إجارة الأشجار المجرّدة ، فبقي الإذن . أمّا لو تركها بغير إذنه ، فإنّه يتصدّق بما زاد في ذاته ، لحصوله بجهة محظوره ، وهي حصولها بقوّة الأرض المغصوبة ، فيقوّم ذلك قبل الإدراك وبعده ، ويتصدّق بفضل ما بينهما . أمّا إذا اشترى الثّمرة بعدما تناهى عظمها ، وتركها ، فإنّه لا يلزمه أن يتصدّق بشيء ، لأنّ هذا تغيّر حالة ، لا تحقّق زيادة .
هل يشترط لصحّة بيع الثّمر بدوّ صلاح كلّه ؟
79 - يمكن القول بوجه عامّ ، أنّه يكفي لصحّة البيع بدوّ صلاح بعضه – وإن قلّ – لبيع كلّه ، بشرط اتّحاد العقد والجنس والبستان ، والحمل عند بعض الفقهاء - كالشّافعيّة - أو الجنس عند آخرين - كالمالكيّة - وإن شرط بعضهم خلافاً لآخرين صلاح كلّه ، فلا يجوز عنده إلاّ بيع ما بدا صلاحه . وفي المسألة تفصيل نذكره فيما يلي :
أوّلاً : إن كانت شجرة واحدة ، وبدا الصّلاح في بعض ثمرها ، جاز بيع جميعها بذلك ، قال ابن قدامة : ولا أعلم فيه اختلافاً .
ثانياً : وإن بدا الصّلاح في شجرة واحدة ، فهل يجوز بيع سائر ما في البستان من ذلك النّوع ؟ فيه قولان : الأوّل : مذهب الجمهور ، ومنهم مالك والشّافعيّ ومحمّد بن الحسن ، وهو الأظهر من مذهب الحنابلة : أنّه يجوز بيع جميع الثّمر من ذلك النّوع ، ووجهه :
- أنّه بدا الصّلاح من نوعه من البستان الّذي هو فيه ، فجاز بيع جميعه ، كالشّجرة الواحدة . - وأنّ اعتبار بدوّ الصّلاح في جميعه يشقّ ، ويؤدّي إلى الاشتراك واختلاف الأيدي ، فوجب أن يتبع الّذي لم يبد صلاحه ما بدا صلاحه . والمالكيّة شرطوا في هذه الصّورة ، أن لا تكون النّخلة باكورةً ، وهي الّتي تسبق بالزّمن الطّويل ، بحيث لا يحصل معه تتابع الطّيّب ، فإن كانت باكورةً لم يجز بيع ثمار البستان بطيّبها ، ويجوز بيعها وحدها .
الآخر : هو رواية عن الإمام أحمد - وهو المتبادر من كلام الحنفيّة ، والمعتمد عند الشّافعيّة - أنّه لا يجوز إلاّ بيع ما بدا صلاحه .
لأنّ ما لم يبد صلاحه داخل في عموم النّهي ، ولأنّه لم يبد صلاحه ، فلم يجز بيعه من غير شرط القطع ، فأشبه الجنس الآخر ، وأشبه الجنس الّذي في البستان الآخر - كما سيأتي -
80 - ثالثاً : إن بدا الصّلاح في شجرة واحدة ، أو أشجار من نوع ما ، فهل يجوز بيع ما في البستان من نوع آخر من ذلك الجنس ؟ في هذه الصّورة أوجه :
الوجه الأوّل : لبعض أصحاب الشّافعيّ ، هو قول القاضي من الحنابلة ، أنّه لا يتبعه ، قرّر ابن قدامة أنّه الأولى ، وذلك :
- لأنّ النّوعين قد يتباعد إدراكهما ، فلم يتبع أحدهما الآخر في بدوّ الصّلاح ، كالجنسين .
- ولأنّ المعنى هنا هو تقارب إدراك أحدهما من الآخر ، ودفع الضّرر الحاصل بالاشتراك ، واختلاف الأيدي ، ولا يحصل ذلك في النّوعين ، فصارا في هذا كالجنسين .
الوجه الثّاني : لمحمّد بن الحسن ، وهو أنّ ما كان متقارب الإدراك ، فبدوّ صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه ، وإن كان يتأخّر إدراك بعضه تأخّراً كثيراً ، فالبيع جائز فيما أدرك ، ولا يجوز في الباقي .
الوجه الثّالث : لبعض أصحاب الشّافعيّ ، ولأبي الخطّاب من الحنابلة ، وهو أنّه يجوز بيع ما في البستان من ذلك الجنس ، قاسوه على إكمال النّصاب في الزّكاة ، فإنّ الجنس الواحد يضمّ بعضه إلى بعض في التّكميل ، فيتبعه في جواز البيع ، ويصبح كالنّوع الواحد .
81 - رابعاً : إن بدا صلاح الثّمر في أحد بستانين ( متقاربين ) من دون الآخر ، وقد باعهما في عقد واحد ، والثّمرة من نوع واحد ، ففيه وجهان :
أحدهما : مذهب مالك ، وقول للشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد : أنّ بدوّ الصّلاح في شجرة من القراح ( المزرعة ) صلاح له ولما قاربه وجاوره ، فيتبعه ، وذلك : لأنّهما يتقاربان في الصّلاح ، فأشبها القراح الواحد . ولأنّ المقصود الأمن من العاهة ، وقد وجد . ولاجتماعهما في صفقة واحدة . والمالكيّة فسّروا القرب هنا والجوار ، بتلاحق الطّيّب بالطّيّب عادةً ، أو بقول أهل المعرفة .
وابن كنانة منهم عمّم الحكم في البساتين ، وإن كان ممّا لا يتلاحق طيّبة بطيّبة .
وابن القصّار عمّم الحكم في غير المتجاورات من البساتين ، فشمل البلد .
ولهم قولان في اشتراط تلاصق البساتين ، لكنّهم استظهروا أنّه لا يشترط أن تكون البساتين المجاورة ملكاً لصاحب البستان الّذي فيه الشّجرة الباكورة الّتي بدا صلاحها . لكنّهم قصروا هذا الحكم على الثّمار ، ومثلها المقثأة ، أمّا الزّروع فلا بدّ فيها من يبس جميع الحبّ .
الآخر : أن لا يتبع أحد البستانين الآخر ، وهذا هو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، ولو كانا متقاربين ، وذلك :
- لأنّ من شأن اختلاف البقاع اختلاف وقت التّأبير - كما يقول الشّافعيّة - فلا بدّ من شرط القطع في البستان الآخر .
- أنّ إلحاق ما لم يبد صلاحه بالّذي بدا صلاحه ، هو لدفع ضرر الاشتراك ، واختلاف الأيدي ، وهذا الضّرر منتف في البستان الآخر ، فوجب امتناع التّبعيّة ، كما هو الشّأن في البستانين المتباعدين .
82 - خامساً : إن بدا الصّلاح في جنس من الثّمر ، لم يكف في حلّ بيع ما لم يبد صلاحه من جنس آخر ، فبدوّ صلاح البلح لا يكفي في حلّ بيع نحو العنب ، وإذا كان في البستان عنب ورمّان ، فبدا صلاح العنب ، لا يجوز بيع الرّمّان حتّى يبدو صلاحه - نصّ على هذا المالكيّة ، وهو متّفق عليه ، فلو باع كذلك وجب شرط القطع في ثمر الآخر .
83 - ألحق الفقهاء المقاثي بالثّمر ، في الاكتفاء ببدوّ بعضها ، لجواز بيع كلّها ، وذلك بأن تكبر وتطيب للأكل ، وصرّح المالكيّة بأنّ هذا الحكم مختصّ بهما ، فأمّا الزّرع فلا يكفي في حلّ بيعه يبس بعضه ، بل لا بدّ من يبس جميع حبّه ، وذلك :
- لأنّ حاجة النّاس لأكل الثّمار رطبةً للتّفكّه بها أكثر .
- ولأنّ الثّمر إذا بدا صلاح بعضه ، يتبعه الباقي سريعاً غالباً ، ومثله نحو القثّاء ، بخلاف الزّرع ، وليست الحبوب كذلك ، لأنّها للقوت لا للتّفكّه .
وبقي الشّافعيّة والحنابلة على الأصل ، وهو الاكتفاء في الحبّ ببدوّ صلاح بعضه وإن قلّ ، بل صرّح ابن حجر بالاكتفاء باشتداد بعض الحبّ ، ولو سنبلةً واحدةً ، ووجهه : أنّ اللّه تعالى امتنّ علينا بطيب الثّمار على التّدريج ، إطالةً لزمن التّفكّه ، فلو شرط طيب جميعه ، لأدّى إلى أن لا يباع شيء ، لأنّ السّابق قد يتلف ، أو تباع الحبّة ، بعد الحبّة ، وفي كلّ حرج شديد .
84 - ولم يواجه الحنفيّة هذه المسألة ، وهي اشتراط بدوّ صلاح كلّ الثّمر لصحّة بيعه ، ولا التّفصيلات الّتي تندرج فيها ، لأنّ مذهبهم في أصلها ، وهو بيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه ( وكذا الحبّ ونحوه ) أنّه إن كان بحيث ينتفع به ، ولو علفاً للدّوابّ ، فالبيع جائز باتّفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع أو مطلقاً ، ويجب قطعه على المشتري في الحال .
وكلّ الّذي تقدّم من خلاف الأئمّة الثّلاثة في اشتراط صلاح كلّ الثّمر ، وصلاح كلّ الحبّ ، إنّما هو فيما ينتفع به عند الحنفيّة ، وكلّه جائز البيع عندهم .
وإنّما اختلف الحنفيّة فيما لا ينتفع به ، أكلاً ولا علفاً ، قبل بدوّ الصّلاح : فذهب السّرخسيّ ( وشيخ الإسلام خواهر زاده ) إلى عدم الجواز في هذه الجزئيّة ، للنّهي وعدم التّقوّم ، والصّحيح في المذهب - والأصحّ عند المرغينانيّ - جواز بيعه أيضاً ، لأنّه ينتفع به مآلاً ، وإن لم ينتفع به حالاً ، باعتباره مالاً . لهذا لم يبحث الحنفيّة شرطيّة بدوّ صلاح كلّ الثّمر ولا بعضه ( وكذا الحبّ ) وعبارة متونهم في هذا صريحة ، ونصّها :
ومن باع ثمرةً لم يبد صلاحها ، أو قد بدا ، جاز البيع ، وعلى المشتري قطعها في الحال ، وإن شرط تركها على النّخل فسد البيع ، وقيل : لا إذا تناهت ، وبه يفتى .
بيع المتلاحق من الثّمر ونحوه :
85 - ويتّصل ببيع الثّمر قبل بدوّ صلاحه - على الخلاف الّذي فيه - مسألة ما إذا باع ثمرةً قد بدا صلاحها ، وكانت ممّا تطعم بطناً بعد بطن . ويغلب تلاحق ثمرها ، ويختلط ما يحدث منها بالموجود ، كالتّين والقثّاء والبطّيخ ، وكذا في الزّرع كالبرسيم ( وهو الفصفصة ) وكذا في الورد ونحوه ، وتعرف بمسألة الثّمر المتلاحق ، وفيها بعض الخلاف .
- أ - فمذهب جمهور الفقهاء ، من الشّافعيّة والحنابلة ، وظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو الأصحّ عندهم قياساً : أنّه لا يصحّ بيعه ، وذلك : لعدم القدرة على التّسليم لتعذّر التّمييز ، فأشبه هلاكه قبل التّسليم ، كما يقول المرغينانيّ والكمال من الحنفيّة ، واقتصر على صدر التّعليل القاضي زكريّا الأنصاريّ من الشّافعيّة ، وعلّله السّرخسيّ بأنّه جمع في العقد بين الموجود والمعدوم ، والمعدوم لا يقبل البيع ، وحصّة الموجود غير معلومة .
وعلّله الحنابلة بأنّه ثمرة لم تخلق ، فلم يجز بيعها ، كما لو باعها قبل ظهور شيء منها ، والحاجة تندفع ببيع أصوله . وما لم يخلق من ثمرة النّخل ، لا يجوز بيعه تبعاً لما خلق ، وإن كان ما لم يبد صلاحه يجوز بيعه تبعاً لما بدا صلاحه ، لأنّ ما لم يبد صلاحه يجوز إفراده بالبيع في بعض الأحوال كما تقدّم ، وأمّا ما لم يخلق فلا .
86 - ب - ومذهب مالك جوازه ، وهو أيضاً ما أفتى به بعض الحنفيّة كالحلوانيّ وأبي بكر محمّد بن الفضل البخاريّ وآخرين استحساناً ، وذلك بجعل الموجود أصلاً في العقد ، وما يحدث بعده تبعاً له ، من غير تقييد بكون الموجود وقت العقد أكثر . ورجّحه ابن عابدين ووجّهه . ووجه الاستحسان هو تعامل النّاس ، فإنّهم تعاملوا ببيع ثمار الكرم بهذه الصّفّة ، ولهم في ذلك عادة ، وفي نزع النّاس من عادتهم حرج .
وقد روي عن الإمام محمّد - رحمه الله - أنّه أجاز بيع الورد على الأشجار ، ومعلوم أنّ الورد لا يتفتّح جملةً ، بل يتلاحق بعضه إثر بعض . وبدا من هذا أنّ جواز بيع المتلاحقات هو من قبيل استحسان الضّرورة ، عند من أفتى به من الحنفيّة .
والّذين ذهبوا مذهب الجمهور في عدم جواز هذا البيع تمسّكوا بالنّصوص ، ونفوا الضّرورة هنا : - لجواز أن يبيع البائع الأصول .
- أو يشتري المشتري الموجود ببعض الثّمن ، ويؤخّر العقد في الباقي إلى وقت وجوده .
- أو يشتري الموجود بجميع الثّمن ، ويبيح البائع للمشتري الانتفاع بما يحدث منه .
ولهذا قرّروا أنّه لا ضرورة إلى تجويز العقد في المعدوم مصادماً للنص ، وهو : النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان .وفي هذا يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى : لا يخفى تحقق الضرورة في زماننا ، ولا سيما في مثل دمشق الشام ، كثيرة الأشجار والثمار ، فإنه لغلبة الجهل على الناس ، لايمكن إلزامهم بالتخلص بأحد الطرق المذكورة ، وإن أمكن ذلك بالنسبة إلى بعض أفراد الناس لا يمكن بالنسبة إلى عامتهم ، وفي نزعهم عن عادتم حرج - كما علمت - ويلزم تحريم أكل الثمار في هذه البلدان ، إذ لا تباع إلا كذلك .
والنبي صلى الله عليه وسلم إنما رخص في السلم للضرورة ، مع أنه بيع المعدوم ، فحيث تحققت الضرورة هنا أيضاً ، أمكن إلحاقه بالسلم بطريق الدلالة ، فلم يكن مصادماً للنص ، فلذا جعلوه من الاستحسان ، لأن القياس عدم الجواز . وظاهر كلام الفتح الميل
إلى الجواز ، ولذا أورد له الرواية عن محمد ، بل إن الحلواني رواه عن أصحابنا ، وما ضاق الأمر إلا اتسع ، ولا يخفى أن هذا مسوغ للعدول عن ظاهر الرواية .
87 - المالكية ، القائلون بالجواز ، قسموا هذه المتلاحقات ، وهي ذات البطون ، إلى قسمين : - ما تتميز بطونه . - وما لا تتميز بطونه .
والذي لا تتميز بطونه قسمان : ماله آخر ، وما لا آخر له .
وفيما يلي أحكامها :
أولاً :ما تتميز بطونه ، وهو المنفصل غير المتتابع . وذلك في الشجر الذي يطعم في السنة بطنين متميزين . فهذا لا يجوز أن يباع البطن الثّاني بعد وجوده وقبل صلاحه ببدوّ صلاح البطن الأوّل ، وإن كان لا ينقطع الأوّل حتّى يبدو طيب الثّاني . وهذا هو المشهور عندهم . وحكى ابن رشد قولاً بالجواز ، بناءً على أنّ البطن الثّاني يتبع الأوّل في الصّلاح ، لكن ابن جزيّ جعل عدم الجواز في هذه الصّورة اتّفاقاً .
ثانياً : ما يخلف ويطعم بطناً بعد بطن ، ولا تتميّز بطونه ، وله آخر . ( أي نهاية ينتهي إليها ) كالورد والتّين ، وكالمقاثئ من الخيار والقثّاء والبطّيخ والجمّيز والباذنجان وما أشبه ذلك ، فهذا يجوز بيع سائر البطون ببدوّ صلاح الأوّل . قال ابن جزيّ : خلافاً لهم ، أي للأئمّة الثّلاثة . فمن اشترى شيئاً من المذكورات ، يقضي له بالبطون كلّها ، ولو لم يشترطها في العقد . ولا يجوز في هذا التّوقيت بشهر ونحوه ، لاختلاف حملها بالقلّة والكثرة .
ثالثاً : ما يخلف ويطعم بطناً بعد بطن ، ولا تتميّز بطونه وهي متتابعة ، لكن لا آخر ولا نهاية له ، أي أنّ إخلافه مستمرّ ، فكلّما قطع منه شيء خلفه غيره ، وليس له آخر ينتهي إليه ، وهو مستمرّ طول العام ، كالموز - في بعض الأقطار - فهذا النّوع لا يجوز بيعه إلاّ بضرب من الأجل ، وهو غاية ما يمكن ، ولو كثر الأجل - على المشهور - خلافاً لابن نافع الّذي حصر الجواز بسنة واحدة ، ولمن نفى الزّيادة على سنتين .
ومثل ضرب الأجل في الجواز ، استثناء بطون معلومة .
ج - بيع السّنين :
88 - روى جابر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السّنين » . والمراد به أن يبيع ما سوف تثمره نخلة البائع سنتين أو ثلاثاً أو أكثر ، وذلك لما فيه من الغرر ، فهو أولى بالمنع من منع بيع الثّمار قبل أن يبدو صلاحها .
|