عرض مشاركة واحدة
  #232  
قديم 05-11-2012, 10:37 PM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

المثال الثّالث :
45 - لو قال بكر لعمرو ، خذه بهذا الكيل الّذي قد شاهدته ، فأخذه به صحّ ، لأنّه شاهد كيله وعلمه ، فلا معنى لاعتبار كيله مرّةً ثانيةً . وفي رواية عن أحمد أنّه لا يجزئ ، وذلك للحديث المتقدّم « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام ، حتّى يجري فيه الصّاعان } ... » وهذا داخل فيه . ولأنّه قبضه من غير كيل ، فأشبه ما لو قبضه جزافاً .
المثال الرّابع :
46 - لو قال بكر لعمرو : احضرنا حتّى أكتاله لنفسي ، ثمّ تكتاله أنت ، وفعلا ، صحّ بغير إشكال . ولو اكتال بكر لنفسه ، ثمّ أخذه عمرو بذلك الكيل الّذي شاهده ، فعلى روايتين .
ولو تركه في المكيال ، ودفعه إلى عمرو ، ليفرّغه لنفسه صحّ ، وكان ذلك قبضاً صحيحاً ، لأنّ استدامة الكيل بمنزلة ابتدائه ، ولا معنى لابتداء الكيل هاهنا ، إذ لا يحصل به زيادة علم . ومع أنّ ابن قدامة أسند إلى الشّافعيّة عدم صحّة القبض ، للنّهي عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان ، وقرّر أنّه يمكن القول بموجب الحديث ، وأنّه يعتبر قبض المشتري له في المكيال إجراءً لصاعه فيه ، إلاّ أنّ ابن حجر نصّ على أنّ الاستدامة في نحو المكيال كالتّجديد ، فتكفي .
المثال الخامس :
47 - لو دفع بكر إلى عمرو دراهم ، فقال : اشتر لك بها مثل الطّعام الّذي لك عليّ ، ففعل ، لم يصحّ ، لأنّه فضوليّ إذ اشترى لنفسه بمال غيره ،لأنّ دراهم بكر لا يكون عوضها لعمرو. والشّافعيّة يعلّلون بأنّه : لا يمكن أن يشتري بمال غيره لنفسه ، والدّراهم أمانة في يده ، فإن اشترى بعينها بطل الشّراء ، وإن اشترى بثمن في ذمّته ، صحّ الشّراء له ، والثّمن عليه . وإن قال : اشتر لي بها طعاماً ، ثمّ اقبضه لنفسك ففعل ، صحّ الشّراء ، ولم يصحّ القبض لنفسه . وعلّله الشّافعيّة بأنّ حقّ الإنسان لا يتمكّن غيره من قبضه لنفسه ، وضمنه الغريم القابض لاستيلائه عليه لنفسه .
وقال الحنابلة : إنّ قبضه لنفسه فرع عن قبض موكّله ، ولم يوجد .
وإن قال : اشتر لي بها طعاماً ( واقبضه لي ) ثمّ اقبضه لنفسك ، ففعل ، جاز ، لأنّه وكّله بالشّراء والقبض ، ثمّ الاستيفاء من نفسه لنفسه ، وذلك صحيح .
وقال الشّافعيّة : صحّ الشّراء والقبض الأوّل دون الثّاني ، لاتّحاد القابض والمقبض ، دون الأوّل . لكنّ الحنابلة قاسوه على مسألة شراء الوالد لنفسه من مال ولده الصّغير ، وهبته له ، وقبضه لنفسه من نفسه . والشّافعيّة يمنعون القياس في هذه الصّورة ، وليس لواحد تولّي الطّرفين عندهم ، ولو بوكالة عنهما . كما يمنعه المالكيّة أيضاً ، لأنّه يصير قابضاً من نفسه لنفسه ، وليس هو ممّن يتولّى طرفي العقد ، فقبضه كلا قبض .
المثال السّادس :
48 - اشترى اثنان طعاماً ، فقبضاه ، ثمّ باع أحدهما نصيبه من الآخر قبل أن يقتسماه :
أ - فيحتمل أن لا يجوز ذلك ، لأنّه لم يقبض نصيبه منفرداً ، فأشبه غير المقبوض .
ب - ويحتمل الجواز ، لأنّه مقبوض لهما ، يجوز بيعه لأجنبيّ ، فجاز بيعه لشريكه ، كسائر الأموال . ولو تقاسماه وافترقا ، ثمّ باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل الّذي كاله ، لم يجز ، كما لو اشترى من رجل طعاماً ، فاكتاله وتفرّقا ، ثمّ باعه إيّاه بذلك الكيل . أمّا لو تقاسماه ولم يفترقا ، وباع أحدهما نصيبه بذلك الكيل ، ففيه روايتان . كما تقدّم في المثال الرّابع .
49 - وقد تناول الحنفيّة هذه المسألة تناولاً خاصّاً ، بالنّصّ والتّفصيل والتّعليل . فقال المرغينانيّ منهم : من اشترى مكيلاً مكايلةً ( أي بشرط الكيل ) أو موزوناً موازنةً ( أي بشرط الوزن ) فاكتاله أو اتّزنه ، ثمّ باعه مكايلةً أو موازنةً ، لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ، ولا أن يأكله ، حتّى يعيد الكيل والوزن وذلك لحديثي جابر وعثمان رضي الله عنهما المذكورين سابقاً . ولأنّه يحتمل أن يزيد على المشروط ، وذلك للبائع في المقدّرات ، والتّصرّف في مال الآخرين حرام ، فيجب التّحرّز عنه .
ولأنّ الكيل والوزن والعدّ من تمام القبض ، فأصل القبض شرط لجواز التّصرّف فيه على ما سبق ، فكذا تمامه .
وقد قيّد الحكم المذكور بالشّراء ، لأنّه لو ملكه بهبة أو إرث أو وصيّة ، جاز التّصرّف فيه قبل الكيل . كما أنّ البيع عند الإطلاق ينصرف إلى الكامل ، وهو البيع الصّحيح ، حتّى لو باع ما اشتراه فاسداً ، بعد قبضه مكايلةً ، لم يحتج المشتري الثّاني إلى إعادة الكيل . قال أبو يوسف : لأنّ البيع الفاسد يملك بالقبض ، كالقرض .
كما ألحقوا بالمكيل والموزون المعدود الّذي لا يتفاوت ، كالجوز والبيض ، إذا اشترى معادّةً . وبه قال أبو حنيفة في أظهر الرّوايتين عنه ، فأفسد البيع قبل العدّ ثانياً لاتّحاد الجامع ، وهو : وجوب تعرّف المقدار ، وزوال احتمال اختلاط المالين ، فإنّ الزّيادة فيه للبائع ، خلافاً لما روي عنهما من جواز البيع الثّاني قبل العدّ . وقد ذكر المعدود مع المكيل والموزون في متن الكنز والتّنوير . واستثنوا من الموزون الدّراهم والدّنانير ، لجواز التّصرّف فيهما بعد القبض قبل الوزن في عقد الصّرف أو السّلم ، كبيع التّعاطي ، فإنّه لا يحتاج في الموزونات إلى وزن المشتري ثانياً ، لأنّه صار بيعاً بالقبض بعد الوزن .
ويلاحظ أنّ الحنفيّة استثنوا من هذا الحكم - كغيرهم - المبيع مجازفةً ، إذا لم يكن البائع اشترى مكايلةً ، لأنّ كلّ المشار إليه للمشتري ، فلا يتصوّر فيه اختلاط الملكين .
وكذلك ما إذا باع الثّوب مذارعةً ، لأنّ الزّيادة للمشتري ، إذ الذّرع وصف في الثّوب ، لا يقابله شيء من الثّمن ، بخلاف القدر .
ويبدو أنّ تحديد الأذرع ليس له ما يقابله من الثّمن في أيّامهم ، لأنّ الثّوب في زمانهم ، يطلق على ما يكفي كساءً واحداً ، فلا تضرّ الزّيادة فيه ، ولا تختلط بملك البائع ، بخلاف الأثواب والأقمشة في أيّامنا ، حيث تقتطع منها أذرع لتخاط ثياباً ، فإنّها مقابلة بالثّمن ، وتعتبر من القدر . ومع أنّ بعض الحنفيّة أطلق تحريم البيع قبل إعادة الكيل ، لكنّ الشّرّاح فسّروه بكراهة التّحريم ، وذلك لأنّ النّهي في الحديث المذكور خبر آحاد ، لا تثبت به الحرمة القطعيّة عند الحنفيّة . ومع ذلك ، فلا يقال لآكله : إنّه أكل حراماً ، فقد نصّ في الجامع الصّغير على أنّه : لو أكله ، وقد قبضه بلا كيل ، لا يقال : إنّه أكل حراماً ، لأنّه أكل ملك نفسه ، إلاّ أنّه آثم ، لتركه ما أمر به من الكيل .
50 - ومع أنّ البيع قبل إعادة الكيل مكروه تحريماً ، لكنّ الحنفيّة صرّحوا بفساده .
وهذه عبارة الإمام محمّد في الجامع الصّغير : عن أبي حنيفة ، قال : إذا اشتريت شيئاً ممّا يكال أو يوزن أو يعدّ ، فاشتريت ما يكال كيلاً ، وما يوزن وزناً ، وما يعدّ عدّاً ، فلا تبعه حتّى تكيله وتزنه وتعدّه ، فإن بعته قبل أن تفعل ، وقد قبضته ، فالبيع فاسد في الكيل والوزن . وعلّق ابن عابدين رحمه الله تعالى على هذا بأنّ الفاسد هو البيع الثّاني ، وهو بيع المشتري قبل كيله ، وأنّ الأوّل وقع صحيحاً ، لكنّه يحرم عليه التّصرّف فيه من أكل أو بيع حتّى يكيله ، فإذا باعه قبل كيله ، وقع البيع الثّاني فاسداً ، لأنّ العلّة كون الكيل من تمام القبض ، فإذا باعه قبل كيله ، فكأنّه باع قبل القبض ، وبيع المنقول قبل قبضه لا يصحّ . 51 - ويمكن أن يتّخذ التّصرّف في المكيل والموزون بعد شرائه هذه الصّور، عند الحنفيّة : الأولى : أن يشتري مكايلةً ، ويبيع مكايلةً ، ففي هذه الصّورة لا يجوز للمشتري من المشتري الأوّل أن يبيعه ، حتّى يعيد الكيل لنفسه ، كما كان الحكم في حقّ المشتري الأوّل ، للنّهي عنه في الحديث المتقدّم ، ولاحتمال الزّيادة كما تقدّم .
الثّانية : أن يشتري مجازفةً ، ويبيع كذلك مجازفةً ، فلا يحتاج إلى كيل ، لعدم الافتقار إلى تعيين المقدار .
الثّالثة : أن يشتري مكايلةً ، ويبيع مجازفةً ، فلا يحتاج المشتري الثّاني إلى كيل ، لأنّه لمّا اشتراه مجازفةً ، ملك جميع ما كان مشاراً إليه ، فكان متصرّفاً في ملك نفسه .
الرّابعة : أن يشتري مجازفةً ، ويبيع مكايلةً ، فيحتاج إلى كيل واحد ، إمّا كيل المشتري ، أو كيل البائع بحضرته ، لأنّ الكيل شرط لجواز التّصرّف فيما بيع مكايلةً ، لمكان الحاجة إلى تعيين المقدار الواقع مبيعاً ، وأمّا المجازفة فلا يحتاج إليه .
فبناءً على هذه الصّورة الأخيرة ، تخرج هذه الصّورة الّتي حقّقها ابن عابدين - رحمه الله - وهي : إذا ملك زيد طعاماً ، بيع مجازفةً أو بإرث ونحوه ، ثمّ باعه من عمرو مكايلةً سقط هنا صاع البائع ، لأنّ ملكه الأوّل لا يتوقّف على الكيل ، وبقي الاحتياج إلى كيل للمشتري فقط ، فلا يصحّ بيعه من عمرو بلا كيل ، فهنا فسد البيع الثّاني فقط . ثمّ إذا باعه عمرو من بكر ، فلا بدّ من كيل آخر لبكر ، فهنا فسد البيع الأوّل والثّاني ، لوجود العلّة في كلّ منهما . 52 - وبصدد الكيل المعتبر شرعاً ، نصّ الحنفيّة على أنّه :
أ - لا معتبر بكيل البائع قبل البيع من المشتري الثّاني ، وإن كان كاله لنفسه بحضرة المشتري عن شرائه هو ، لأنّه ليس صاع البائع والمشتري ، وهو الشّرط بالنّصّ .
ب - ولا معتبر بكيله بعد البيع الثّاني ، بغيبة المشتري ، لأنّ الكيل من باب التّسليم ، لأنّ به يصير المبيع معلوماً ، ولا تسليم إلاّ بحضرته .
ج - وإن كاله أو وزنه بعد البيع ، بحضرة المشتري ، ففيه اختلاف المشايخ :
- قيل : لا يكتفى به ، ولا بدّ من الكيل أو الوزن مرّتين ، احتجاجاً بظاهر الحديث .
- وقال عامّتهم : كفاه ذلك ، حتّى يحلّ للمشتري التّصرّف فيه قبل كيله ووزنه إذا قبضه ، وهذا هو الصّحيح ، لأنّ الغرض من الكيل والوزن صيرورة المبيع معلوماً ، وقد حصل ذلك بكيل واحد ، وتحقّق معنى التّسليم . وقد بحث البابرتيّ ، في الاكتفاء بالكيل الواحد في هذه الصّورة ، ونظر إلى تعليل الحكم في الأصل ، باحتمال الزّيادة على المشروط ، وقرّر : أنّ مقتضى ذلك الاكتفاء بالكيل الواحد في أوّل المسألة أيضاً ، وقال : ولو ثبت أنّ وجوب الكيلين عزيمة ، والاكتفاء بالكيل الواحد رخصة ، أو قياس واستحسان ، لكان ذلك مدفعاً جارياً على القوانين ( أي القواعد ) لكن لم أظفر بذلك .
خ - بيع الكالئ بالكالئ :
53 - الكالئ مأخوذ من : كلأ الدّين يكلأ ، مهموز بفتحتين ، كلوءاً : إذا تأخّر ، فهو كالئ بالهمز ، ويجوز تخفيفه ، فيصير مثل القاضي . وكان الأصمعيّ لا يهمزه . قال : هو مثل القاضي ، ولا يجوز همزه . وبيع الكالئ بالكالئ هو : بيع النّسيئة بالنّسيئة .
قال أبو عبيد : صورته : أن يسلّم الرّجل الدّراهم في طعام إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل يقول الّذي عليه الطّعام : ليس عندي طعام ولكن بعني إيّاه إلى أجل . فهذه نسيئة انقلبت إلى نسيئة . فلو قبض الطّعام ، ثمّ باعه منه أو من غيره ، لم يكن كالئاً بكالئ .
ولا يخرج المعنى الشّرعيّ عن المعنى اللّغويّ ، إذ هو بيع الدّين بالدّين .
وقد ورد النّهي عنه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » ، وقال : « هو النّسيئة بالنّسيئة » .
وفسّر أيضاً ببيع الدّين ، كما ورد التّصريح به في رواية .
وفي بيع الدّين صورتان : بيعه من المدين نفسه ، وبيعه من غيره .
ولا يختلف الفقهاء في عدم جواز بيع الدّين من غير مَنْ عليه الدّين .
وإنّما اختلفوا في جواز بيعه ممّن هو عليه ، وجمهورهم - بوجه عامّ - لا يجيزه ، إلاّ في أحوال معيّنة ، خلافاً للحنفيّة . وفيما يلي عرض لأهمّ الصّور والتّقاسيم الّتي يطرحها الفقهاء في هذا الصّدد ، مع تبيان أحكامها .
54 - مذهب المالكيّة : ويتّخذ العقد على الدّين عندهم صوراً شتّى :
أ - فسخ ما في ذمّة المدين أي إسقاطه في شيء يتأخّر قبضه عن وقت الفسخ ، سواء أحلّ الدّين المفسوخ أم لا ، إن كان المؤخّر من غير جنسه أو من جنسه بأكثر منه ، وسواء أكان المفسوخ فيه معيّناً كالعقار ، أم كان منافع ذات معيّنة كركوب دابّة . فهذا غير جائز ، وهو من ربا الجاهليّة ، وهو أشدّ الأنواع تحريماً ، وتحريمه بالكتاب .
ب - بيع الدّين بدين لغير من هو عليه ولو حالاً : وهذا ممنوع بالسّنّة .
فمن له دين على زيد ، ولآخر دين على عمرو ، فباع كلّ منهما دينه بدين صاحبه ، كان محرّماً بالسّنّة ، وهو فاسد .
أمّا بيعه بمعيّن يتأخّر قبضه كعقار ، أو بمنفعة ذات معيّنة ، كما لو كان لزيد دين على عمرو ، فباع زيد ذلك الدّين لخالد بما ذكر ، فإنّه جائز . وقد اعتبر العقار ومنافع الذّات المعيّنة من قبيل الحاضر ولو تأخّر تسليمه ، لأنّ ذلك ليس ممّا يضمن في الذّمّة إذ لا تثبت المعيّنات في الذّمّة فهما نقد بهذا المعنى . أي حاضر ينقد ولا يثبت بالذّمّة .
ج - تأخير رأس مال السّلم أكثر من ثلاثة أيّام ، وهو عين ، فهذا منهيّ عنه غير جائز ، لما فيه من ابتداء دين بدين . ووجه كون هذا من ابتداء الدّين بالدّين ، أنّ كلّاً منهما شغل ذمّة صاحبه بدين له عليه . أمّا لو كان رأس المال غير عين ، فإنّه يجوز تأخيره أكثر من ثلاثة أيّام ، إن لم يكن بشرط . فكلّ واحد من هذه الصّور الثّلاث يقال له بيع الدّين بالدّين لغةً ، إلاّ أنّ فقهاء المالكيّة سمّوا كلّ واحد منها باسم يخصّه .
هذه أقسام بيع الدّين بالدّين عند المالكيّة إذاً وأحكامها .
أمّا بيع الدّين بالنّقد ، فإنّه لا يجوز ، إلاّ إذا كان المدين حيّاً حاضراً في البلد ، وإن لم يحضر مجلس البيع ، وأقرّ بالدّين ، وكان ممّن تأخذه الأحكام ( أي من المكلّفين ) ، وبيع الدّين بغير جنسه ، أو بيع بجنسه وكان متساوياً ، لا أنقص ولا أزيد ، وليس ذهباً بفضّة ولا عكسه ، وليس بين المشتري والمدين عداوة .
ويشترط أن يكون الدّين ممّا يجوز أن يباع قبل قبضه ، وهذا احتراز من طعام المعاوضة . قال الدّسوقيّ : فإن وجدت تلك الشّروط جاز بيعه ، وإن تخلّف شرط منها منع البيع .
55 - ومذهب الشّافعيّ الجديد ، وهو رواية عن الإمام أحمد : جواز الاستبدال عن الثّمن الّذي في الذّمّة . ومذهبه القديم هو المنع .
ودليل المذهب الجديد ، وهو نفسه دليل الحنابلة في هذه الرّواية ، حديث « ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنت أبيع الإبل بالدّنانير ، وآخذ مكانها الدّراهم ، وأبيع بالدّراهم ، وآخذ مكانها الدّنانير ، فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك ، فقال : لا بأس إذا تفرّقتما وليس بينكما شيء » . قالوا : وهذا تصرّف في الثّمن قبل قبضه ، وهو أحد العوضين . ودليل المذهب القديم : حديث : « إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » .
فإن استبدل بموافق في علّة الرّبا ، كدراهم بدنانير ، اشترط قبض البدل في المجلس .
وإن استبدل بغير موافق في علّة الرّبا ، كما لو اشترى ثوباً بدراهم في الذّمّة ، لم يشترط ذلك . أمّا بيع الدّين لغير من هو عليه ، فباطل في الأظهر من مذهب الشّافعيّة ، وهو باطل أيضاً في مذهب الحنابلة . كما لو اشترى ثوباً من زيد بمائة له على عمرو ، وذلك لعدم القدرة على التّسليم . وفي قول ثان للشّافعيّة ، يصحّ ، وصحّحه في أصل الرّوضة ، مخالفاً للرّافعيّ ، وهو المعتمد ، نظراً لاستقرار الدّين ، كبيعه ممّن هو عليه .
لكن يشترط في هذا قبض العوضين في المجلس ، فلو تفرّقا قبل قبض أحدهما في البيع . وإن كان مقتضى كلام الأكثرين يخالفه ، كما ذكره المحلّيّ .
أمّا لو كان لزيد وعمرو دينان على شخص ، فباع زيد عمراً دينه بدينه ، بطل قطعاً بلا خلاف ، اتّفق الجنس أو اختلف ، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكالئ بالكالئ » .
56 - ومذهب الحنابلة بطلان بيع الدّين بدين ممّن هو عليه ، أو من غيره مطلقاً . وذكروا له صوراً ، سوى ما وافقوا فيه مذهب الشّافعيّة من بعض الصّور ممّا ذكرنا . وقال في ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ بيع الدّين بالدّين لا يجوز . وقال أحمد : إنّما هو إجماع
57 - بقي أن نشير إلى موقف الحنفيّة المتميّز بالتّفرقة بين بيع الدّين ممّن هو عليه ، وبين بيعه مِنْ غير مَنْ هو عليه ، وأنّ التّصرّف الجائز في الدّين ، هو تمليكه ممّن عليه الدّين ، ولو بعوض ، ولا يجوز من غيره كما نقله الحصكفيّ عن ابن ملك .
واستثنوا ثلاث صور أجازوا فيها تمليك الدّين لغير من هو عليه .
الأولى : إذا سلّط الدّائن غيره على قبض الدّين ، فيكون وكيلاً قابضاً للموكّل ، ثمّ لنفسه . الثّانية : الحوالة واستثناء جوازها إجماع - كما صرّح به الشّافعيّة .
الثّالثة : الوصيّة . ومعنى عدم الجواز هنا : عدم الانعقاد ، وبذلك عبّر الكاسانيّ فقال : ولا ينعقد بيع الدّين من غير من عليه الدّين ، لأنّ الدّين إمّا أن يكون عبارةً عن مال حكميّ في الذّمّة ، وإمّا أن يكون عبارةً عن فعل تمليك المال وتسليمه ، وكلّ ذلك غير مقدور التّسليم في حقّ البائع . ولو شرط التّسليم على المدين لا يصحّ أيضاً ، لأنّه شرط التّسليم على غير البائع ، فيكون شرطاً فاسداً ، فيفسد البيع . ويجوز بيعه ممّن هو عليه ، لأنّ المانع هو العجز عن التّسليم ، ولا حاجة إلى التّسليم هاهنا . ونظيره بيع المغصوب ، فإنّه يصحّ من الغاصب ، ولا يصحّ من غيره ، إذا كان الغاصب منكراً ، ولا بيّنة للمالك . ويمكن لزيادة التّفصيل والتّصوير ، في بيع الكالئ بالكالئ ، مراجعة مصطلح : ( ربا ، صرف ، دين ) .
د - بيع اللّحم بالحيوان :
58 - ورد فيه حديث سعيد بن المسيّب « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع اللّحم بالحيوان » وفي لفظ : « نهى عن بيع الحيّ بالميّت » .
ويتوزّع البحث في هذه المسألة على النّقاط التّالية :
أوّلاً : هل اللّحم كلّه جنس واحد ؟
59 - هذه مسألة خلافيّة بين الفقهاء ، وهي كالأصل بالنّسبة إلى ما بعدها .
- أ - فمذهب الحنفيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة ، والأصحّ عند الحنابلة : هو أنّ اللّحم أجناس ، باختلاف أصوله : فالإبل بأنواعها - العرّاب والبخاتيّ والهجين ، وذي السّنامين ، وذي السّنام الواحد - كلّها جنس واحد ، فكذا لحومها . والبقر والجواميس جنس واحد . والغنم والمعز جنس واحد . ويحتمل أن يكونا صنفين ، لأنّ القرآن فرّق بينهما كما فرّق بين الإبل والبقر ، فقال : { ثمانيةَ أزواجٍ : من الضّأْنِ اثنينِ ومن المعزِ اثنين } .. { ومِنَ الإبِلِ اثنين ، ومن البقرِ اثنينِ } .
والوحش أصناف : بقرها صنف ، وغنمها صنف ، وظباؤها صنف .
والطّير أصناف ، كلّ ما انفرد باسم وصفة فهو صنف .
- ب - والأظهر عند الشّافعيّة ، وقول الخرقيّ من الحنابلة ، ورواية عن الإمام أحمد : أنّ اللّحم كلّه جنس واحد .
- ج - ويبدو من تمثيل المالكيّة للجنس الواحد ببيع لحم بقريّ بكبش حيّ ، ولغير الجنس ببيع الحيوان الحيّ بلحم طير أو سمك : أنّهم يعتبرون لحوم الأنعام جنساً ، ولحوم الطّير جنساً ، ولحوم الأسماك جنساً . ونصّ ابن جزيّ على أنّ اللّحوم عند مالك ثلاثه أصناف : فلحم ذوات الأربع صنف ، ولحم الطّيور صنف ، ولحم الحيتان صنف .
ثانياً : بيع اللّحم بحيوان من جنسه :
60 - لا يستجيز جمهور الفقهاء بيع اللّحم بحيوان من جنسه ، كلحم شاة بشاة حيّة ، وذلك : للنّهي عن بيع اللّحم بالحيوان في الحديث المتقدّم - كما يقول الشّافعيّة - ولأنّه مال ربويّ ، بيع بما فيه من جنسه مع جهالة المقدار ، فلم يجز كبيع السّمسم بالشّيرج . ولأنّه بيع معلوم - وهو اللّحم - بمجهول وهو الحيوان ، وهو المزابنة ، كما يقول المالكيّة .
فهذا قول مالك ، وهو محمل الحديث عنده : أن يباع حيوان مباح الأكل بلحم من جنسه ، وهو مذهب الشّافعيّ ، وهو أيضاً المذهب عند الحنابلة ، بلا خلاف . وأجاز الحنفيّة هذا البيع ، ولكن : منهم من اعتبرهما جنسين مختلفين ( لأنّ أحدهما موزون ، والآخر معدود ) فبنوا عليه جواز بيعهما مجازفةً ، عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، لأنّه باع الجنس بخلاف الجنس . ومنهم من اعتبرهما جنساً واحداً ، وبنوا مذهبهما - أي مذهب الشّيخين - على أنّ الشّاة ليست بموزونة ، فيجوز بيع أحدهما بالآخر ، مجازفةً ومفاضلةً ، لأنّ ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين : الجنس والقدر ، لكن بشرط التّعيين كما عبّر الحصكفيّ ( أي التّقابض ) أو يداً بيد ، كما عبّر الكاسانيّ - وقال : هو الصّحيح - والبابرتيّ .
أمّا نسيئةً فلا يجوز ، لأنّهما عندئذ سلم ، وهو في كلّ منهما غير صحيح ، كما نقله ابن عابدين عن النّهر . لكنّ الإمام محمّداً ، شرط في جواز بيع اللّحم بحيوان من جنسه ، أن يكون اللّحم المفرز أكثر من الّذي في الشّاة ، ليكون لحم الشّاة بمقابلة مثله من اللّحم ، والباقي بمقابلة الإسقاط ، إذ لو لم يكن كذلك يتحقّق الرّبا ، فلا يجوز عنده ، وذلك عملاً بالحديث المتقدّم . ولأنّهما جنس واحد ، ولهذا لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئةً ، فكذا متفاضلاً ، كالزّيت بالزّيتون .
ثالثاً : بيع اللّحم بحيوان من غير جنسه :
61 - كبيع الشّاة الحيّة بلحم الإبل أو البقر عند غير المالكيّة ، وكبيع الشّاة الحيّة بلحم طير أو سمك عند المالكيّة .
أجاز هذه الصّورة جمهور الفقهاء ، من الحنفيّة والمالكيّة ، وهو غير الأظهر عند الشّافعيّة ، اختاره القاضي من الحنابلة ، ورواية عن الإمام أحمد ، عليها متن الإقناع .
وعلّل ذلك الحنفيّة ، بأنّهما أصلان مختلفان ، فهما جنسان مختلفان فيجوز بيعهما ( مطلقاً ) مجازفةً ، نقداً ونسيئةً ، لانعدام الوزن والجنس ، فلا يتحقّق الرّبا أصلاً .
ومع أنّ المالكيّة أجازوا - على اصطلاحهم في أجناس اللّحوم - بيع اللّحم بغير جنسه مطلقاً ، لكنّهم قيّدوه بأن يكون حالاً . أمّا إن كان إلى أجل فلا يجوز ، إذا كان الحيوان لا يراد للقنيّة ، وإلاّ فيجوز بيعه بلحم من غير جنسه لأجل .
كما قرّر الشّافعيّة أنّ القول بالجواز مبنيّ على أنّ اللّحوم أجناس ، وعلّلوا الجواز بأنّه قياس على بيع اللّحم باللّحم . قالوا : وهذا في المأكول ، وأمّا في غيره فوجه الجواز فيه هو : أنّ سبب المنع بيع مال الرّبا بأصله المشتمل عليه ، ولم يوجد ذلك هنا .
وعلّل من قال من الحنابلة بجوازه : بأنّه مال الرّبا بيع بغير أصله فجاز ، كما لو باعه بالأثمان . ولم يجز هذه الصّورة - أعني بيع اللّحم بحيوان من غير جنسه - الشّافعيّة في الأظهر من أقوالهم ، ولا الحنابلة في الظّاهر من مذهبهم ، وصرّحوا بالبطلان ، وذلك : لعموم نصّ الحديثين السّابقين . ولأنّ اللّحم كلّه جنس واحد .
ويلاحظ أنّ صاحب الشّرح الكبير الحنبليّ صرّح بأنّ سبب الاختلاف في بيع اللّحم بغير جنسه ، مبنيّ على الاختلاف في اللّحم ، فإنّ القائلين بأنّه جنس واحد لا يجيزون البيع ، والقائلون بأنّه أجناس يجيزونه . كما يلاحظ أنّ الشّافعيّة : أطلقوا اللّحم في الحديث ، حتّى لو كان لحم سمك أو ألية أو كبداً أو طحالاً . وأطلقوا الحيوان ، حتّى لو كان سمكاً أو جراداً ، مأكولاً كالإبل ، أو غير مأكول كالحمار ، فبيع اللّحم بالحيوان عندهم باطل مطلقاً في الأظهر .
رابعاً : بيع اللّحم بحيوان غير مأكول :
62 - الجمهور من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة على جواز هذه الصّورة ، وهو قول عند الشّافعيّة . قال ابن قدامة : وإن باعه بحيوان غير مأكول جاز في ظاهر قول أصحابنا ، وهو قول عامّة الفقهاء . كما علّل الشّافعيّة ما ذهب إليه بعضهم من الجواز في هذه الصّورة : بأنّ سبب المنع هو بيع مال الرّبا بأصله المشتمل عليه ، ولم يوجد ذلك هنا . لكنّ الأظهر عندهم - كما تقدّم آنفاً - تحريم بيع اللّحم بالحيوان بإطلاق للحديث .
ذ - بيع الرّطب بالتّمر :
63 - ورد النّهي عن بيع الرّطب بالتّمر في حديث سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : سئل عن بيع الرّطب بالتّمر ، فقال : أينقص الرّطب إذا جفّ ؟ قالوا : نعم ، قال : فلا إذاً » وفي رواية أنّه قال : « لا يباع رطب بيابس » .
ولا يستجيز جمهور الفقهاء : مالك والشّافعيّ وأحمد والصّاحبان من الحنفيّة هذا البيع ، ونحوه : كالعنب بالزّبيب ، واللّبن بالجبن ، والحنطة الرّطبة باليابسة ، وذلك :
للحديث المذكور ، قالوا : وفيه إشارة إلى أنّ المماثلة تعتبر عند الجفاف ، وإلاّ فالنّقص أوضح من أن يسأل عنه ، وهي مجهولة الآن .
ولأنّه جنس فيه الرّبا ، بيع بعضه ببعض ، على وجه ينفرد أحدهما بالنّقصان ، فلم يجز . وعبارة الخرقيّ ولا يباع شيء من الرّطب بيابس من جنسه ، إلاّ العرايا .
وربّما اعتبره بعض المالكيّة من المزابنة ، وهي - بتفسير ابن جزيّ - بيع شيء رطب بيابس من جنسه ، سواء أكان ربويّاً أم غير ربويّ ، فتمتنع في الرّبويّ ، لتوقّع التّفاضل والغرر ، وتمتنع في غير الرّبويّ للنّهي الوارد عنها في الحديث ، وللغرر .
64 - وتفرّد أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بالقول بالجواز - كما يقول الكمال بن الهمام ومتون الحنفيّة عليه . ونصّ الحصكفيّ على أنّه : يجوز بيع رطب برطب ، أو بتمر متماثلاً .. في الحال لا المآل ، خلافاً لهما ، فلو باع مجازفةً لم يجز اتّفاقاً .
وقد استدلّ أبو حنيفة بحديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد » .
ففي وجه الاستدلال بهذا الحديث يقول أبو حنيفة :
الرُّطَب : إمّا أن يكون تمراً ، أو لا يكون . فإن كان تمراً ، جاز العقد عليه ، لقوله في أوّل الحديث : « التّمر بالتّمر » ، وإن كان غير تمر ، جاز العقد عليه أيضاً ، لقوله في آخر الحديث : « إذا اختلف النّوعان فبيعوا كيف شئتم » . ولم يأخذ بحديث النّهي السّابق لأنّه دائر على زيد بن عيّاش ، وزيد بن عيّاش ممّن لا يقبل حديثه وهو مجهول وعلى تقدير صحّته ، فقد ورد بلفظ « نهى عن بيع الرّطب بالتّمر نسيئةً » وهذه زيادة يجب قبولها . ولاستكمال مبحث بيع الرّطب بالتّمر ، وما يتّصل به من التّفاصيل والأحكام .
يراجع مصطلح ( رباً ) .
ر- بيع وسلف :
65 - ورد فيه حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » وفي رواية « عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنّه قال : يا رسول اللّه : إنّا نسمع منك أحاديث ، أفتأذن لنا بكتابتها ؟ قال : نعم . فكان أوّل ما كتب النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكّة : لا يجوز شرطان في بيع واحد ، ولا بيع وسلف جميعاً ، ولا بيع ما لم يضمن ... » الحديث .
وقد فسّر محمّد بن الحسن رحمه الله تعالى السّلف والبيع بأنّه قول الرّجل للرّجل : أبيعك داري هذه بكذا وكذا ، على أن تقرضني كذا وكذا . وبهذا تئول المسألة إلى موضوع البيع بشرط ، ولا يختلف الفقهاء في فساد البيع بذلك ، في الجملة .
وصرّح ابن جزيّ بأنّ البيع باشتراط السّلف من أحد المتبايعين لا يجوز بإجماع ، وإن يكن بطلان الشّرط وحده روايةً واحتمالاً عند الحنابلة .
والمالكيّة ، حينما تحدّثوا عن بيوع الآجال - وهي بيوع ظاهرها الجواز ، لكنّها تؤدّي إلى ممنوع - منعوا بيع ما كثر قصد النّاس إليه ، توصّلاً إلى الرّبا الممنوع ، كأن كان جائزاً في الظّاهر ، وذلك للتّهمة ، وسدّ الذّريعة ، ومثّلوا لها : باجتماع بيع وسلف ، أو سلف جرّ منفعةً ، أو ضمان بجعل . وصوّروا البيع والسّلف بصور ثلاث :
الأولى : بيع جائز في الظّاهر يؤدّي - كما يقول الدّردير - إلى بيع وسلف ، فإنّه يمنع للتّهمة ، على أنّهما قصدا البيع والسّلف الممنوع . وذلك كأن يبيع سلعتين بدينارين لشهر ، ثمّ يشتري إحداهما بدينار نقداً ، فآل الأمر إلى أنّ البائع أخرج من يده سلعةً وديناراً نقداً ، لأنّ السّلعة الّتي خرجت من يده ثمّ عادت إليها ملغاة كما يقول الدّسوقيّ ثمّ أخذ عنهما عند الأجل دينارين ، أحدهما عن السّلعة وهو بيع ، والآخر عن الدّينار وهو سلف .
فهذه الصّورة تؤدّي إلى بيع وسلف ، وهو جائز في ظاهره ، ولا خلاف في المذهب في منعه ، صرّح بذلك ابن بشير وتابعوه ، وغيرهم .
وحيث تكرّر في هذه الصّورة البيع ، منعت عندهم ، لتهمة قصد البيع والسّلف .
الثّانية : بيع وسلف بشرط من البائع أو المشتري . وهذه الصّورة ممنوعة غير جائزة ، لأنّ الانتفاع بالقرض هو من جملة الثّمن ، إن كان شرط السّلف صادراً من البائع ، أو هو من جملة المثمّن - أي المبيع - إن كان شرط السّلف صادراً من المشتري، ففيه سلف جرّ نفعاً. الثّالثة : بيع وسلف بلا شرط ، لا صراحةً ولا حكماً ، وهي جائزة على المعتمد .
ز- بيع وشرط :
66 - ورد النّهي في السّنّة عن ( بيع وشرط ) ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط » .
وينظر تفصيله في مصطلح : ( بيع ، وشرط )
أسباب النّهي المتعلّقة بالغرر :
67 - هذا هو السّبب الثّاني من أسباب النّهي عن البيع ، ممّا يتعلّق بلازم العقد ، وكان الأوّل هو الرّبا . وقد ورد النّهي عن بيوع الغرر ، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر » . وغيره ممّا سيأتي . والغرر في اللّغة هو : الخطر .
وله في اصطلاح الفقهاء تعريفات شتّى . فهو عند الحنفيّة : ما طوي عنك علمه .
وعند بعض المالكيّة : التّردّد بين أمرين : أحدهما على الغرض ، والثّاني على خلافه .
وعند الشّافعيّة : ما انطوت عنّا عاقبته ، أو : ما تردّد بين أمرين أغلبهما أخوفهما .
ويرى بعض المالكيّة أنّ الغرر والخطر لفظان مترادفان بمعنًى واحد ، وهو ما جهلت عينه . ويرى المحقّقون منهم أنّهما متباينان :
فالخطر : ما لم يتيقّن وجوده ، كما لو قال : بعني فرسك بما أربح غداً .
والغرر : ما يتيقّن وجوده ، ويشكّ في تمامه ، كبيع الثّمار قبل بدوّ صلاحها .
68 - وقد تقدّمت صور ينطبق عليها الغرر ، عند الكلام عن شروط انعقاد البيع ، منها : كون المبيع مالاً موجوداً مملوكاً مقدور التّسليم ، فلا يصحّ بيع الحمل في بطن أمّه ، ولا ما سيخرجه الصّيّاد في شبكته ، ولا الطّير في الهواء ، ولا الجمل الشّارد . إلخ .
والغرر نوعان : أحدهما : ما يرجع إلى أصل وجود المعقود عليه ، أو ملكيّة البائع له ، أو قدرته على تسليمه ، فهذا يوجب بطلان البيع ، فلا ينعقد البيع اتّفاقاً في شيء من ذلك . والآخر : ما يرجع إلى وصف في المعقود عليه أو مقداره ، أو يورث فيه أو في الثّمن أو في الأجل جهالةً . فهذا محلّ خلاف . تفصيله في مصطلح ( غرر ) .
وفيما يلي صور الغرر الّتي ورد النّهي فيها بخصوصها ، والحكم الفقهيّ فيها ، من البطلان أو الفساد . إذ النّهي عن بيع الغرر - كما يقول النّوويّ - أصل من أصول الشّرع ، يدخل تحته مسائل كثيرة جدّاً . منها : بيع الحصاة وبيع الملامسة وبيع المنابذة . وتنظر في مصطلحاتها . ومنها ما يلي :
رد مع اقتباس