بيع الكلب :
13 - ذهب الشّافعيّة والحنابلة ، وهو المشهور عند المالكيّة إلى عدم صحّة بيع الكلب ، أيّ كلب كان ولو كان معلّماً ، للحديث الصّحيح عن أبي جحيفة رضي الله عنه ، « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدّم وثمن الكلب ، وكسب البغيّ ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الرّبا وموكله ، ولعن المصوّرين » . ولحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو رضي الله عنه ، قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومهر البغيّ ، وحلوان الكاهن » . وفرّق بعض المالكيّة بين الكلب المأذون باتّخاذه وبين غيره ، فأجازوا بيع الأوّل ، واختلفوا في الثّاني .
وأمّا الحنفيّة ، فذهبوا إلى صحّة بيع الكلب أيّ كلب كان حتّى العقور . والتّفصيل في مصطلح ( كلب ) . أمّا الهرّ فذهب جمهور الفقهاء إلى جواز بيعه ، لأنّه حيوان منتفع به ، وحملوا حديث جابر رضي الله عنه « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسّنّور » على غير المملوك ، أو على ما لا نفع فيه من الهررة ، وتفصيله في مصطلح : ( هرّ ) .
بيع سباع البهائم وجوارح الطّير والهوامّ :
14 - اتّفقت المذاهب على عدم جواز بيع سباع البهائم والطّير ، إذا كانت ممّا لا ينتفع به بحال . فإن كانت ممّا ينتفع به جاز بيعه إلاّ الخنزير ، فإنّه نجس العين ، فلا يجوز الانتفاع به ، فكذلك لا يجوز بيعه . لكنّهم ذهبوا مذاهب في تفسير النّفع الّذي يجيز بيع السّباع :
15 - فالحنفيّة - في ظاهر الرّواية من مذهبهم - والمالكيّة في الرّاجح من المذهب ، ذهبوا إلى إطلاق النّفع ، ولو بالجلد ، وبدون تفرقة بين المعلّم وغيره .
ومن نصوص الحنفيّة في هذا : صحّ بيع الكلب ولو عقوراً ، والفهد والفيل والقرد ، والسّباع بسائر أنواعها ، حتّى الهرّة ، وكذا الطّيور أي الجوارح منها ) علّمت أو لا ، سوى الخنزير ، وهو المختار ، للانتفاع بها وبجلدها .
وعلّل الزّيلعيّ أيضاً جواز بيعها بجواز الانتفاع بها شرعاً ، وبقبولها التّعليم عادةً ، ثمّ طرح هذا الضّابط قائلاً فيه : وكلّ منتفع به شرعاً ، في الحال أو في المآل ، وله قيمة .. جاز بيعه ، وإلاّ فلا . وقال الحصكفيّ : جواز البيع يدور مع حلّ الانتفاع . وقال البابرتيّ : وإذا ثبت أنّ مناط الحكم الانتفاع ، ثبت في الفهد والنّمر والذّئب . بخلاف الهوامّ المؤذية ، كالحيّات والعقارب والزّنابير ، لأنّها لا ينتفع بها . وكذا غير المؤذية من هوامّ الأرض : كالخنافس والفأرة والنّمل والوزغ والقنافذ والضّبّ ، أو من البحر ، كالضّفدع والسّرطان .
16 - أمّا مذهب المالكيّة فهو أنّ بيع الهرّ والسّبع للجلد جائز ، وأمّا للّحم فقط ، أو له وللجلد فمكروه . وهذا مبنيّ على حكم لحم السّباع عندهم .
وأمّا سباع الطّير ذوات المخالب ، فلحمها مباح عندهم ، كالباز والعقاب والرّخم ، وكرهوا الوطواط . وأمّا سباع البهائم ، فلهم فيها ثلاثة أقوال : الكراهة . والمنع . والتّفرقة بين العادي - الّذي يعدو على الآدميّ - كالأسد والفهد والنّمر والذّئب ، فيحرم . وبين غير العادي ، كالدّبّ والثّعلب والضّبع والهرّ مطلقاً ، فيكره . لكنّ الّذي في مختصر خليل كراهتها ، حتّى الفيل عنده - وفي عهدته ، كما قالوا .
17 - أمّا الشّافعيّة : فقد فسّروا النّفع بنحو الصّيد والحراسة ، ولو مآلاً ، بأن يرجى تعلّم الحيوان . أمّا ما لا نفع فيه فلا يصحّ بيعه ، الفواسق الخمس ، وكذا ما لا يرجى تعلّمه للصّيد ، لكبره مثلاً . فالفهد ينتفع به للصّيد ، والفيل للقتال ، والقرد للحراسة ، والهرّة الأهليّة لدفع نحو فأر ، والعندليب للأنس بصوته ، والطّاووس للأنس بلونه .
وكتب الشّيخ عميرة على قول النّوويّ في منهاجه : فلا يصحّ بيع الحشرات وكلّ سبع لا ينفع . مبيّناً خصال انتفاء النّفع ، بقوله : مثل : أن لا يؤكل ، ولا يصال ولا يقاتل عليه ، ولا يتعلّم ، ولا يصلح للحمل .
كما قرّر أنّ انتفاء النّفع قد يكون حسّاً ، وقد يكون شرعاً ، وأنّ انتفاء النّفع ينفي الماليّة ، فأخذ المال في مقابلته قريب - كما نقله عن الرّافعيّ - من أكل المال بالباطل .
18 - أمّا الحنابلة فقد ذهبوا - كما في رواية عن أبي يوسف من الحنفيّة اعتمدها السّرخسيّ إلى أنّه لا يصحّ بيع ما لا يصلح للاصطياد ، ولا يقبل التّعليم بحال :
- أ - ومثّل الحنابلة لما لا يصلح للاصطياد بالأسد والذّئب والنّمر والدّبّ ، وبالرّخم والحدأة والغراب الأبقع والنّسر والعقعق وغراب البين ، وبيضها ، لأنّه لا نفع فيه ، فأخذ ثمنه أكل للمال بالباطل ، ولأنّه ليس فيها نفع مباح كالحشرات ، فأشبهت الخنزير .
فأمّا ما يصلح للاصطياد ، كالفهد وكالصّقر والباز ، بأن كانت معلّمةً أو قابلةً للتّعليم ، فإنّ فيها نفعاً مباحاً ، فيصحّ بيعها ، وبيع أولادها وفراخها ، وبيضها لاستفراخه ، فينتفع به مآلاً . ومع ذلك نصّوا على جواز بيع القرد ، للحفظ لا للّعب ، لأنّ الحفظ - كما قالوا - من المنافع المباحة
- ب - ومثّل الحنفيّة للمرويّ عن أبي يوسف ، بالآتي : مع التّفصيل تطبيقاً عليه :
- الأسد ، إن كان يقبل التّعليم ويصطاد به ، يجوز بيعه وإلاّ فلا .
- الفهد والبازي يقبلان التّعليم ، فيجوز بيعهما على كلّ حال .
- النّمر - كما يقول الكمال - لا يقبل التّعليم لشراسته ، فلا يجوز بيعه بحال ، وكذا الكلب العقور على التّخصيص عند أبي يوسف .
- القرد ، فيه روايتان عن أبي حنيفة :
الأولى : جواز بيعه لإمكان الانتفاع بجلده ، وهي رواية الحسن عنه ، وصحّحها الزّيلعيّ . والأخرى : لا يجوز بيعه ، لأنّه للتّلهّي ، وهو محظور ، فكان بيع الحرام للحرام ، وأنّه لا يجوز . وصحّح هذا الكاسانيّ ، وبنى عليه ابن عابدين أنّه لولا قصد التّلهّي لجاز بيعه . لكنّ قصد التّلهّي يقتضي الكراهة ، لا عدم الصّحّة ، كما قال الحصكفيّ .
بيع آلات اللّهو والمعازف :
19 - ذهب جمهور الفقهاء ، ومنهم الصّاحبان من الحنفيّة ، والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إلى تحريم بيع آلات اللّهو المحرّمة ، والمعازف إلاّ ما جاز استعماله منها ، وصرّحوا بعدم صحّة بيعها .
والتّقييد بالمحرّمة ، لإخراج بيع الشّطرنج ، الّذي يقول الشّافعيّة بحلّه ، وطبل الغزاة ونحوه ، فمن المحرّمات : الطّنبور ، والمزمار ، والشّبّابة ( وهي النّاية ) والعود ، والصّنج والرّباب . فالصّاحبان من الحنفيّة يريان أنّ هذه الآلات أعدّت للمعصية ، فبطل تقوّمها ، ولا ينعقد بيعها ، كالخمر . والمالكيّة قرّروا أنّ من شروط المعقود عليه : أن يكون ممّا ينتفع به انتفاعاً شرعيّاً ، وإن قلّ كالتّراب ، وإن كانت المنفعة لا تجوز فهي كآلات اللّهو .
والشّافعيّة قرّروا أنّ آلة اللّهو المحرّمة لا يقصد منها غير المعصية ، ولا نفع بها شرعاً . والحنابلة قرّروا أنّ كسر هذه الآلات لا يستوجب الضّمان ، وأنّها كالميتات .
وتحريم بيع المعازف مبنيّ على قول الجمهور بتحريم المعازف وآلات اللّهو .
وذهب بعض الفقهاء إلى إباحتها إذا لم يلابسها محرّم ، فيكون بيعها عند هؤلاء مباحاً . والتّفصيل في مصطلح ( معازف ) .
ومذهب أبي حنيفة - خلافاً لصاحبيه - أنّه يصحّ بيع آلات اللّهو كلّها ، وهو أيضاً قول ضعيف عند الشّافعيّة ، مقيّد بأن يمكن اعتبار مكسّرها مالاً ، ففيها نفع متوقّع عندئذ .
وفي الوقت الّذي يرى الصّاحبان أنّ آلات اللّهو معدّة للمعصية ، موضوعة للفسق والفساد - كما هو تعبير الكاسانيّ - فلا تكون أموالاً فيبطل تقوّمها ، كالخمر . يرى أبو حنيفة أنّها أموال لصلاحيتها لما يحلّ من وجوه الانتفاع ، بأن تجعل ظروفاً لأشياء ، ونحو ذلك من المصالح ، وإن صلحت لما لا يحلّ فصارت كالأمة المغنّية ، وهذا لأنّ الفساد بفعل فاعل مختار ، فلا يوجب سقوط التّقوّم . وجواز البيع مرتّب على الماليّة والتّقوّم .
بيع الأصنام ونحوها :
20 - الخلاف المارّ بين الجمهور وبين أبي حنيفة وبعض الشّافعيّة في بيع آلات اللّهو ، جار هنا في بيع الأصنام . ودليل الجمهور على التّحريم انتقاء المنفعة المباحة شرعاً ، ونصّ حديث جابر مرفوعاً « إنّ اللّه حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » .
ودليل أبي حنيفة والقلّة من الشّافعيّة على الجواز : الانتفاع بها بعد الكسر ، فنفعها متوقّع ، فوجدت الماليّة والتّقوّم في المال ، وجواز البيع مرتّب عليهما .
وقد صرّح الرّافعيّ من الشّافعيّة بأنّ الوجهين يجريان في الأصنام والصّور ، وكذا الشّوكانيّ وفيما يلي بعض ما يلحق بالأصنام مع بعض أحكامها :
نصّ الشّافعيّة على أنّه لا يصحّ بيع الصّور والصّلبان ، وللحنفيّة قولان في الصّور للصّغار صحّةً وضماناً . ونصّوا على صحّة بيع النّقد الّذي عليه صور ، وعلّلوه بأنّها غير مقصودة منه بوجه ما . وتردّدوا في الصّليب المتّخذ من الذّهب والفضّة ، هل يلحق بالأصنام ، أو بالنّقد الّذي عليه صور ؟
- أ - فرجّحوا إلحاقه بالصّنم إذا أريد به ما هو من شعارهم المخصوص بتعظيمهم .
- ب - ورجّحوا إلحاقه بالنّقد الّذي عليه صور إن أريد به ابتذاله بالاستعمال .
الشّرط الرّابع : أن يلي البيعَ المالكُ أو من يقوم مقامه .
21 - نصّ الفقهاء على أنّ من شروط انعقاد البيع : أن يكون المبيع مملوكاً للبائع أو موكّله أو مولّيه ، وهذا إذا كان العاقد يبيع بالأصالة أو النّيابة .
أمّا إذا كان فضوليّاً بأن يصرّح أنّه يبيع ملك غيره دون إذن ، فلا يكون شرط انعقاد عند من أجاز بيع الفضوليّ ، وتفصيله في مصطلح : ( بيع الفضوليّ ) .
ودليل هذا الشّرط ما روي « عن حكيم بن حزام رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول اللّه : يأتيني الرّجل يسألني البيع ، ليس عندي ما أبيعه ، ثمّ أبتاعه من السّوق ، فقال : لا تبع ما ليس عندك » . قالوا : المراد ما ليس في ملكك وقدرتك .
وقال البغويّ : النّهي في هذا الحديث عن بيوع الأعيان الّتي لا يملكها . وما روي أيضاً في الحديث : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلَم » . ولأنّ البيع تمليك ، فلا ينعقد فيما ليس بمملوك .
وبناءً عليه : لا ينعقد بيع الكلأ في منابته ، ولو كان في أرض مملوكة ، لأنّه مباح بالنّصّ ، وكذلك الماء في منابعه ما لم يحرز ، وذلك لحديث : « المسلمون شركاء في ثلاث : في الماء والكلأ والنّار » وكذا الطّير في الهواء ، والسّمك في الماء ، كلّ ذلك لا ينعقد بيعه ، لانعدام سبب الملك فيه ، وهو الإحراز .
فإذا جُمِعَ الكلأ ، وصيد الطّير والسّمك ، وحمل الماء من الينابيع والأنهار العامّة ملك ، وجاز بيعه . وفي هذا يروى أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الماء إلاّ ما حمل منه » . ونذكر هنا فروعاً فقهيّةً تطبيقيّةً لهذا الشّرط :
أ - بيع الفضوليّ :
22 - وهو من ليس بوكيل ولا وليّ عن المالك ، وكذا سائر عقوده :
- فمذهب الحنابلة ، والشّافعيّ في الجديد : أنّه باطل ، وإن أجازه المالك بعد ذلك . للحديث المذكور سابقاً « لا تبع ما ليس عندك » ولأنّه تمليك ما لا يملك ، وبيع ما لا يقدر على تسليمه ، فأشبه بيع الطّير في الهواء .
- ومذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّ في القديم ، وروي عن أحمد أيضاً : أنّ هذا العقد صحيح موقوف على إجارة المالك ، فإن أجازه نفذ ولزم البيع ، وإن لم يجزه وردّه بطل . وذلك لإطلاقات النّصوص في حلّ البيع ، من غير تفصيل بين الأصيل والوكيل ، ابتداءً أو بقاءً وانتهاءً . ولحديث « عروة بن الجعد البارقيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاةً ، فاشترى به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، ثمّ عاد بالدّينار والشّاة ، فدعا له بالبركة في بيعه » ، وفي رواية أنّه قال له : « بارك اللّه في صفقة يمينك » . وتفصيل الكلام عن بيع الفضوليّ ينظر في مصطلحه .
وبناءً على هذا الشّرط صرّح الفقهاء ببطلان بيع ما يلي :
- 1 - بيع الوقف : وقد صرّحوا ببطلانه ، حتّى الحنفيّة ، وقالوا : إنّه باطل لا فاسد ، فلا يملك بالقبض ( ر مصطلح : وقف )
- 2 - بيع أراضي بيت المال : فقد قرّر بعض الفقهاء أنّها تجري على رقبتها أحكام الوقوف المؤبّدة ( ر مصطلح : أرض ) وأراضي الجزي ( ر مصطلح : جزية ) .
- 3 - بيع المساجد ، ورباع مكّة ، والحرم ، وبقاع المناسك على خلاف وتفصيل في بعض ذلك . ر مصطلحات : ( مسجد ، حرم ، مكّة ) .
- 4 - المعادن الجارية والجامدة ، في الأراضي المملوكة والمحيّاة . وخلاف الفقهاء معروف في جواز بيعها . ر مصطلح : ( أرض ، معدن ، إحياء ) .
ب - ضربة الغائص :
23 - الغائص : من يغوص لاستخراج اللّآلئ من البحر ، يقول : أغوص غوصةً ، فما أخرجته من اللّآلئ فهو لك بكذا .
ومثله القانص ، وهو الصّائد ، يقول : بعتك ما يخرج من إلقاء هذه الشّبكة مرّةً ، بكذا .
وقد جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتّى تضع ، وعن بيع ما في ضروعها إلاّ بكيل ، وعن شراء العبد وهو آبق ، وعن شراء المغانم حتّى تقسم ، وعن شراء الصّدقات حتّى تقبض ، وعن ضربة الغائص » . ولا يختلف الفقهاء في فساد هذا البيع ، لأنّه بيع معدوم ، وبيع ما لم يملك ، وبيع مجهول ، وبيع غرر . وصرّح الحنفيّة ببطلانه . ونصّ ابن الهمام على أنّه بيع باطل ، لعدم ملك البائع المبيع قبل العقد ، فكان غرراً ، ولجهالة ما يخرج .
وكذلك الحصكفيّ من الحنفيّة ، وعلّل البطلان بأنّه بيع ما ليس في ملكه .
ج - بيع الصّدقة والهبة قبل القبض :
24 - جمهور الفقهاء يشترطون القبض في التّبرّعات ، كالصّدقة ونحوها ، فما لم تقبض لا تلزم ولا تفيد الملك ، فلا يجوز بيعها قبل قبضها ، كما نصّ عليه حديث « النّهي عن شراء الصّدقات حتّى تقبض » وذلك لعدم الملك . وهذا خلافاً للمشهور في مذهب مالك وآخرين ، والمرويّ عن أحمد في غير المكيلات والموزونات ، من اللّزوم قبل القبض ، وإنّما القبض شرط تمام - كما يقول المالكيّة - لا شرط صحّة ، والانعقاد واللّزوم بالقول . ولذلك يجوز بيعها قبل قبضها لثبوت الملك فيها ، خلافاً لما ملك بالمعاوضة ولم يقبض فلا يجوز بيعه ، كما سيأتي عند الكلام عن بيع ما لم يقبض .
د - بيع الغنيمة قبل القسم :
25 - ممّا يتّصل ببيع ما لم يملك ، مسألة بيع المجاهد نصيبه من الغنيمة ، قبل أن يقسمه له الإمام . وقد ورد النّصّ بها في خصوصها في حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام .. وعن شراء المغانم حتّى تقسم » الحديث .
وفي حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنائم حتّى تقسم » . ويرى الفقهاء إباحة أخذ الأطعمة ونحوها من الأقوات من الغنائم قبل قسمتها للحاجة بوجه عامّ ، ولم يبيحوا تملّكها ، ولا تموّلها - كما عبّر الحصكفيّ من الحنفيّة - فدلّ هذا على منع البيع ، ولذلك بحثوا حكم بيعها عند الكلام عن الانتفاع بها . 26 - فنصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز بيع شيء من المذكورات قبل القسمة أصلاً ، ولو كان لحاجة ، وذلك لعدم الملك ، لأنّ الغنائم لا تملك قبل القسمة ، وإنّما أبيح الانتفاع للحاجة ، والمباح لا يملك بالبيع ، وهذا نصّ المرغينانيّ في بدايته : ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة في دار الحرب .
فلو باع شيئاً من المذكورات المباحة له ، كان بيعه فضوليّاً عندهم ، فإن أجازه الإمام ردّ ثمنه إلى المغانم ، فإن كانت المغانم قد قسمت تصدّق بالثّمن إن كان غير فقير ، لأنّه لقلّته لا يمكن قسمته ، فتعذّر إيصاله إلى مستحقّه ، فيتصدّق به كاللّقطة . وإن كان فقيراً أكله .
27 - والمالكيّة قالوا : يجوز - مع - الكراهة - مبادلة الطّعام بمثله أو غيره ، ولو بتفاضل أو تأخير في الطّعام الرّبويّ المتّحد الجنس .
28 - والشّافعيّة خالفوا في ذلك ، وقرّروا أنّه ليس له الطّعام إلى حاجة أخرى ، بدلاً عن طعامه ، وأنّه لا يجوز له إلاّ أكلة فقط ، لأنّه على سبيل الإباحة لا التّمليك .
وهذا كالنّصّ على عدم جواز البيع .
هذا ما قاله الشّافعيّة في بحث الغنائم ، لكن في بحث حكم بيع المبيع قبل قبضه ، قرّروا خلافه . ولما قرّر النّوويّ في منهاجه أنّ الشّخص له بيع ما له في يد غيره أمانةً ، كوديعة ومشترك وقراض ، ومرهون بعد انفكاكه ، علّق القليوبيّ على قولة : " كوديعة " بما نصّه : ومثلة غلّة وقف وغنيمة ، فلأحد المستحقّين أو الغانمين ، بيع حصّته قبل إفرازها . قاله شيخنا . بخلاف حصّته من بيت المال ، فلا يصحّ بيعها قبل إفرازها ورؤيتها ، واكتفى بعض مشايخنا بالإفراز فقط ، ولو مع غيره .
فكلام القليوبيّ هنا ، نقلاً عن شيخه ، يخالف ما تقدّم ، من أنّ له الأخذ على سبيل الإباحة لا التّمليك . فيبدو أنّ هذا بناءً على أحد أقوال ثلاثة عند الشّافعيّة في ملك الغنيمة قبل القسمة : أوّلها : أنّها لا تملك إلاّ بالقسمة ، لكن لا بمجرّدها ، بل إن قبل ما أحرز له أو رضي به ، لأنّ المعتبر هو اختيار التّملّك ، ولا بدّ من اللّفظ بأن يقول : اخترت ملك نصيبي .
وهذا هو القول المعتمد عندهم .
الثّاني : وقيل يملكون قبل القسمة بالاستيلاء ملكاً ضعيفاً يسقط بالإعراض ، ووجّه هذا الشّيخ عميرة البرلّسيّ : بأنّ ملك الكفّار قد زال ، وبعيد بقاؤه بلا مالك .
الثّالث : إن سلمت الغنيمة إلى القسمة ، بانَ ( أي ظهر ملكهم ) بالاستيلاء ، وإلاّ بأن تلفت أو أعرضوا فلا ملك لهم .
فيبدو أنّ صحّة البيع عند شيخ القليوبيّ قبل القسمة ، بناءً على غير المعتمد عندهم .
29 - أمّا الحنابلة فقد نصّ الخرقيّ منهم على أنّ من تعلف فضلاً عمّا يحتاج إليه ، ردّه على المسلمين ، فإن باعه ردّ ثمنه في المقسم .
وعلّلوا وجوب ردّ من فضل معه طعام كثير من الغنائم وأدخله البلد ، إلى مقسّم تلك الغزوة بأنّه : أخذ ما لا يحتاج إليه ، فيلزمه ردّه ، لأنّ الأصل تحريمه ، لكونه مشتركاً بين الغانمين ، كسائر المال ، وإنّما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه ، فما زاد يبقى على أصل التّحريم ، ولهذا لم يبح بيعه .
ورووا في ذلك هذا الأثر ، وهو :" أنّ صاحب جيش الشّام كتب إلى عمر رضي الله عنه : إنّا أصبنا أرضاً كثيرة الطّعام والعلف ، وكرهت أن أتقدّم في شيء . فكتب إليه : دع النّاس يعلفون ويأكلون ، فمن باع منهم شيئاً بذهب أو فضّة ، ففيه خمس للّه وسهام المسلمين" وفصّل القاضي من أئمّتهم تفصيلاً دقيقاً ، في هذه المسألة ، وقد ارتضوه ، فقال : لا يخلو إمّا أن يبيعه من غاز أو غيره .
- فإن باعه لغيره ، فالبيع باطل ، لأنّه يبيع مال الغنيمة بغير ولاية ولا نيابة ، فيجب ردّ المبيع ، ونقض البيع . فإن تعذّر ردّه ، ردّ قيمته أو ثمنه ، إن كان أكثر من قيمته إلى المغنم . قال ابن قدامة : وعلى هذا الوجه حمل كلام الخرقيّ
- وإن باعه لغاز لم يحلّ ، إلاّ أن يبدّله بطعام أو علف ، ممّا له الانتفاع به أو بغيره على النّحو التّالي :
- فإن باعه بمثله ، فليس هذا بيعاً في الحقيقة ، إنّما سلّم إليه مباحاً وأخذ مثله مباحاً ، ولكلّ واحد منهما الانتفاع بما أخذ ، وصار أحقّ به ، لثبوت يده عليه . فعلى هذا لو باع صاعاً بصاعين ، وافترقا قبل القبض جاز ، لأنّه ليس ببيع . وإن باعه نسيئةً ، أو أقرضه إيّاه فأخذه ، فهو أحقّ به ، ولا يلزمه إيفاؤه ، فإن وفّاه أو ردّه إليه ، عادت اليد إليه .
- وإن باعه بغير الطّعام والعلف ، فالبيع أيضاً غير صحيح ، ويصير المشتري أحقّ به ، لثبوت يده عليه ، ولا ثمن عليه . وإن أخذ منه وجب ردّه إليه .
30 - ومن هذا يتّضح أنّ الاتّجاه العامّ في الفقه - بغضّ النّظر عمّا روي من قول للشّافعيّة ، وعن حال مبادلة الطّعام بالمثل وغيره عند المالكيّة والحنابلة - هو عدم جواز بيع المغانم قبل القسمة ، كما هو نصّ الحديث الشّريف ، الّذي نهى عن شراء المغانم حتّى تقسم .
وفي هذا يقول الشّوكانيّ : مقتضى النّهي عدم صحّة بيعها قبل القسمة ، لأنّه لا ملك - على ما هو الأظهر من قول الشّافعيّ وغيره - لأحد من الغانمين قبلها ، فيكون ذلك من أكل أموال النّاس بالباطل .
31 - هذا حكم بيع الغزاة الغانمين أنصبتهم وما يأخذونه من الغنائم ، قبل القسمة .
أمّا حكم بيع الإمام الغنائم قبل القسمة ، فقد عرض له الحنفيّة فذكر الطّحاويّ أنّه يصحّ . لأنّه مجتهد فيه ، يعني أنّه لا بدّ أن يكون الإمام رأى المصلحة في ذلك ، وأقلّها تخفيف إكراه الحمل على النّاس ، أو عن البهائم ونحوه ، وتخفيف مؤنته عنهم ، فيقع عن اجتهاد في المصلحة ، فلا يقع جزافاً ، فينعقد بلا كراهة مطلقاً .
كما عرض له المالكيّة أيضاً ، ولهم فيه قولان :
الأوّل : وجوب بيع الإمام الأربعة الأخماس من الغنائم ، ليقسمها بين المجاهدين ، لأنّ قسمة الأثمان أقرب إلى المساواة ، لما يدخل التّقويم من الخطأ .
الآخر : عدم الوجوب ، بل الإمام مخيّر ، فإن شاء باع وقسم الثّمن ، وإن شاء قسم الأعيان بحسب ما يراه من المصلحة .
الشّرط الخامس : أن يكون المبيع مقدور التّسليم .
32 - نصّ الفقهاء على أنّ من شروط المبيع كونه مقدور التّسليم بعد اشتراط كونه مملوكاً . فقد يملك الإنسان مالاً ، ولا يقدر على تسليمه كالجمل الّذي شرد من صاحبه ، فلا يصحّ بيعه في هذه الحال ، لأنّ ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم ، والمعدوم لا يصحّ بيعه - كما تقدّم - فكذا ما أشبهه .
وممّا يمثّل بيع غير مقدور التّسليم : السّمك إذا وقع في البحر بعد امتلاكه ، والطّير المملوك إذا طار في الهواء ، والصّيد إذا انفلت بعد صيده ، ومنه بيع العبد الآبق والشّيء المغصوب . والآبق : من ترك سيّده من غير خوف ولا كدّ عمل . ولهذا قيل : إن كان هروبه من خوف أو تعب ، يقال له : هارب .
33 - والفقهاء متّفقون على فساد هذا العقد وإن تردّد الحنفيّة في الفساد والبطلان مع ما يترتّب على ذلك : من أنّ ارتفاع المفسد يردّ العقد صحيحاً ، لقيام العقد مع الفساد ، بخلاف ارتفاع المبطل ، لأنّ العقد معدوم معه وإن رجّح الكمال منهم الفساد ، لانعدام القدرة فيه على التّسليم . وعلّلوا فساد هذا العقد : - بالنّهي عنه في حديث أبي سعيد المتقدّم « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام ... وعن شراء العبد وهو آبق » .
- ولأنّه لا يقدر على تسليمه ، وهو شرط جوازه .
34 - ومع ذلك ، لو حصل بيع العبد وهو آبق ، ففيه هذه الصّور التّفصيليّة المذهبيّة : الأولى : أن يبيعه المالك ممّن هو في يده . وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، ، بل قطعاً كما يعبّر الشّافعيّة وهو مقتضى نصّ ابن قدامة وغيره من أنّه : إن حصل في يد إنسان جاز بيعه ، لإمكان تسليمه ، لكنّ المصرّح به في المذهب الحنبليّ أنّه لا يجوز بيعه ولو لقادر على تحصيله . غير أنّ الحنفيّة فصّلوا في صيرورة الّذي هو في يده قابضاً بعد البيع :
أ - فإن كان قبض الآبق حين وجده لنفسه ، لا ليردّه على سيّده ، ولم يشهد على قبضه لسيّده ، فإنّه يصير قابضاً ، لأنّ قبضه هذا قبض غصب ، وهو قبض ضمان ،كقبض المبيع.
ب - وإن أشهد على قبضه عندما وجده لا يصير قابضاً ، لأنّ قبضه هو قبض أمانة ، حتّى لو هلك قبل أن يصل إلى سيّده لا يضمنه ، فلا ينوب عن قبض الضّمان ، وهو قبض المبيع ، لأنّه أقوى ، ولأنّه مضمون بالثّمن ، ولهذا لو هلك قبل أن يرجع إلى مالكه ، انفسخ البيع ورجع بالثّمن .
الثّانية : أن يبيعه المالك ممّن هو في يد غيره . وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، بشرط القدرة على الانتزاع والتّحصيل - لكن بسهولة كما هو نصّ المالكيّة - وهو الصّحيح من مذهب الشّافعيّة ، والقول الثّاني المصوّب عند الحنابلة ، ومقتضى نصّ ابن قدامة وغيره . لكنّ الحنفيّة نصّوا على فساد هذه الصّورة ، وهذا هو الوجه الآخر عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة . وعلّله الشّافعيّة بعجز البائع عن التّسليم .
الثّالثة : أن يبيعه المالك ممّن يقدر على ردّه ، وليس هو في يد أحد .
وهذه الصّورة جائزة عند الجمهور ، وفي القول الثّاني عند الحنابلة .
لكنّ القليوبيّ من الشّافعيّة ، قيّدها بأن يكون المشري قادراً على ردّه بلا مشقّة لا تحتمل عادةً ، وبلا مؤنة لها وقع . والمذهب عند الحنابلة عدم جوازها .
الرّابعة : أن يبيعه ممّن لا يقدر على تحصيله . والإجماع على عدم جوازها ، وهي محمل الحديث .
35 - ويتّصل ببيع الآبق ، بيع المغصوب :
أ - فإن باعه من غاصبه ، جاز بالاتّفاق ، وعبّر الشّافعيّة بالجواز هنا لأنّ المبيع مسلّم بالفعل إلى المشتري ، ( وقبضه بعد البيع ، كقبضه قبله ، في المضمونيّة ) .. وقيّده - مع ذلك - المالكيّة بشرط أن يعلم أنّ الغاصب عزم على ردّه لربّه .
ب - وإن باعه من قادر على انتزاعه أو ردّه صحّ عند الجمهور ، وهو القول الصّحيح عند الشّافعيّة . لكنّهم قيّدوه بتيسّر وصوله إلى المشتري بلا مؤنة ولا مشقّة ملحوظة عليه ، فإن احتاج الرّدّ إلى مؤنة انتفى المنع . كما قيّده المالكيّة بكون الغاصب مقرّاً مقدوراً عليه ، وإلاّ لا . لأنّ المشهور عندهم منع شراء ما فيه خصومة .
والمقرّر أنّه لا يجوز بيع المغصوب عندهم إلاّ من غاصب ، كالحنابلة .
وفي قول للشّافعيّة : أنّه لا يصحّ ، لعجز البائع بنفسه عن التّسليم . وهو رواية عن الإمام أحمد . وصرّح الحنفيّة بأنّ بيع المغصوب من غير الغاصب ينعقد موقوفاً على التّسليم ، فلو سلّم نفذ ، وإلاّ لا . وفرّقوا بين بيع الآبق - فإنّه فاسد بل غير منعقد - وبين بيع المغصوب - فإنّه صحيح - بأنّ المالك في بيع المغصوب قادر على التّسليم بقدرة الحاكم ، إلاّ أنّه موقوف لم ينفذ للحال لقيام يد الغاصب صورةً ، فإذا سلّم زال المانع فينفذ .
وهذا بخلاف الآبق ، لأنّه - كما قال الكاسانيّ - : معجوز التّسليم على الإطلاق إذ لا تصل إليه يد أحد ، لما أنّه لا يعرف مكانه ، فكان العجز متقرّراً ، والقدرة محتملةً موهومةً ، فلا ينعقد مع الاحتمال ، فأشبه بيع الآبق بيع الطّير الّذي لم يوجد وبيع السّمك الّذي لم يوجد ، وذلك باطل ، كذا هذا .
الأسباب الّتي تتعلّق بلازم العقد :
وهي : الرّبا ، وما هو ذريعة إليه ، والغرر .
وفيما يلي أسباب النّهي المتعلّقة بالرّبا .
36 - الرّبا في اللّغة : الزّيادة . وفي الاصطلاح الفقهيّ : عرّفه الحنفيّة بأنّه : فضل - ولو حكماً - خال عن عوض بمعيار شرعيّ ، مشروط لأحد المتعاقدين ، في المعاوضة .
وقَيْدُ الحكميّة ، لإدخال ربا النّسيئة وأكثر البيوع الفاسدة ، لأنّ الرّبا نوعان : ربا الفضل ، وربا النّسيئة .
والرّبا محرّم بالكتاب والسّنّة وإجماع الأمّة .
قال ابن قدامة : أجمعت الأمّة على أنّ الرّبا محرّم بنوعيه : الفضل والنّسيئة ، ويجري ربا الفضل وربا النّسيئة في بعض مسائل الصّرف وتفصيله في ( الصّرف ) .
والرّبا من الكبائر ، ولم يحلّ في شريعة قطّ لقوله تعالى { يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وذَرُوا ما بَقِيَ من الرّبا إن كنتم مؤمنين ، فإنْ لم تَفْعَلوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ منَ اللّه ورسولِه ، وإنْ تُبْتُم فلكم رؤوسُ أموالِكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون } وفي الحديث « لعن اللّه آكلَ الرّبا وموكِلَه وكاتِبَه وشاهديه ». وقال : « هم سواء » وليس القصد هنا ذكر أحكام الرّبا وشروطه ومسائله ، بل ينظر تفصيل ذلك تحت عنوان ( رباً ) .
والقصد هنا التّعرّف على أحكام بعض البيوع الرّبويّة ، وهي الّتي ورد النّهي عنها في السّنّة ، ومن هذه البيوع ما يلي :
أ - بيع العينة :
37 - هو : بيع العين بثمن زائد نسيئةً ليبيعها المستقرض بثمن حاضر أقلّ ليقضي دينه ، كما عرّفه الحنفيّة وهناك تعريفات وصور أخرى اختلف الفقهاء فيها وفي حكمها .
وينظر تفصيله في مصطلح : ( بيع العينة ) .
ب - بيع المزابنة :
38 - المزابنة : بيع التمر على النخيل بتمر مجذوذ مثل كيله خرصاً ( أي ظناً وتقديراً ) وذلك بأن يقدر الرطب الذي على النخيل بمقدار مائة صاع مثلاً بطريق الظن والحرز، فيبيعه بقدره من التمر .
واتفق الفقهاء على فساد هذا النوع من البيع . وتفصيله في مصطلح ( بيع المزابنة ) .
ت - بيع المحاقلة :
39 - المحاقلة : بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً .
واتّفق الفقهاء على عدم جواز المحاقلة ، لحديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة » . وللتّفصيل ( ر : بيع المحاقلة ) .
ث - بيع العرايا :
40 - هو : بيع الرّطب على النّخل بتمر في الأرض ، أو العنب في الشّجر بزبيب .
واختلف الفقهاء في جواز العرايا . وينظر تفصيله في مصطلح ( بيع العرايا ) .
ج - بيع العربون :
41 - بيع العربون هو : أن يشتري السّلعة ويدفع إلى البائع درهماً أو أكثر على أنّه إن أخذ السّلعة احتسب به من الثّمن ، وإن لم يأخذها فهو للبائع .
وقد اختلف الفقهاء في جوازه ، فذهب الجمهور إلى أنّه لا يصحّ ، وذهب الحنابلة إلى جوازه على تفصيل ينظر في ( بيع العربون ) .
ح - النّهي عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان :
42 - ورد فيه حديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطّعام ، حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع ، وصاع المشتري » .
وفي معناه ورد أيضاً حديث عثمان رضي الله عنه . « قال : كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود يقال لهم : بنو قينقاع ، وأبيعه بربح ، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان إذا اشتريت فاكْتَل ، وإذا بعت فَكِلْ » .
كما ورد أيضاً حديث يحيى بن أبي كثير « أنّ عثمان بن عفّان ، وحكيم بن حزام رضي الله عنهما . كانا يبتاعان التّمر ، ويجعلانه في غرائر ، ثمّ يبيعانه بذلك الكيل ، فنهاهما رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعاه حتّى يكيلا لمن ابتاعه منهما » .
وهذه الأحاديث تدلّ على أنّ من اشترى شيئاً مكايلةً ، وقبضه ثمّ باعه إلى غيره ، لم يجز تسليمه بالكيل الأوّل ، حتّى يكيله على من اشتراه ثانياً ، وإليه ذهب الجمهور ، كما حكاه ابن حجر في فتح الباري .
ونصّ ابن الهمام على أنّ هذا مذهب أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ وأحمد رضي الله عنهم . وقد اشترط الفقهاء القبض قبل بيع المبيع في الجملة . فهذا من تمام القبض - كما يعبّر الحنفيّة - أو هو شرط في ( صحّة ) قبض المنقول مع نقله . كما يقول الشّافعيّة .
لكن قام الإجماع على عدم اعتبار الكيل فيما بيع جزافاً .
واستثناء الجزاف من الشّرط كان أخذاً من معنى النّصّ ، أو من دليل آخر .
43 - ونذكر هنا بعض الأمثلة التّطبيقيّة الفقهيّة عند الشّافعيّة والحنابلة ، لتقاربهما فيها . المثال الأوّل :
لو كان لبكر طعام مقدّر على زيد ، كعشرة آصع ، ولعمرو على بكر مثله ، فليطلب بكر من زيد أن يكيله له ، حتّى يدخل في ملكه ، ثمّ يكيل بكر لعمرو ، ليكون القبض والإقباض صحيحين ، لأنّ الإقباض هنا متعدّد ، ومن شرط صحّته الكيل ، فلزم تعدّده ، لأنّ الكيلين ، قد يقع بينهما تفاوت . فلو قال بكر لعمرو : اقبض يا عمرو من زيد عنّي مالي عليه لنفسك ، ففعل عمرو ، فالقبض بالنّسبة إلى زيد صحيح عند الشّافعيّة ، وفي إحدى روايتين عند الحنابلة ، وتبرأ ذمّته لوجود الإذن ، وهو إذن الدّائن ، وهو بكر في القبض منه له بطريق الاستلزام ، فأشبه قبضه قبض وكيله .
لكنّ هذا القبض فاسد بالنّسبة إلى عمرو ، لكونه قابضاً من نفسه لنفسه ، لأنّ قبضه مشروط بتقدّم قبض بكر ولم يوجد ، ولا يمكن حصولهما ، لما فيه من اتّحاد القابض والمقبض ، وما قبضه عمرو مضمون عليه ، لأنّه قبضه لنفسه ، فحينئذ يكيله المقبوض له ، وهو بكر ، للقابض ، وهو عمرو ، ويصحّ قبضه له . والرّواية الأخرى عند الحنابلة هي : أنّ هذا القبض غير صحيح ، لأنّه لم يجعله نائباً له في القبض ، فلم يقع له ، بخلاف الوكيل .
وعلى هذه الرّواية يكون المقبوض باقياً على ملك المسلّم إليه ، وهو زيد ، لعدم القبض الصّحيح . بخلافه على الرّواية السّابقة ، فإنّه يكون المقبوض ملكاً لبكر . ويبدو أنّ هذه الرّواية الأخيرة هي الرّاجحة ، فعليها متن الإقناع . ولو قال : اقبضه لي ، ثمّ اقبضه لنفسك ، صحّ القبض لكلّ منهما ، لأنّه استنابه في قبضه له ، وإذا قبضه لموكّله جاز أن يقبضه لنفسه ، كما لو كان له وديعة عند من له عليه دين ، وأذنه في قبضها عن دينه .
هذا ، وإن يكن المثال المذكور ، وهو المثال الأوّل ، في السّلم ، لكنّ التّقييد به ، لأنّه الّذي في كلام الأصحاب من الشّافعيّة ، ومثل السّلم - كما قالوا - دين القرض والإتلاف .
المثال الثّاني :
44 - لو قال بكر لعمرو : احضر اكتيالي من زيد لأقبضه لك ، ففعل ، لم يصحّ قبضه لعمرو ، لعدم كيله ، ويكون بكر قابضاً لنفسه لاكتياله إيّاه .