عرض مشاركة واحدة
  #229  
قديم 05-11-2012, 11:34 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بيع الصّدقة والهبة قبل القبض :
13 - الصّدقة هي : تمليك المال في الحياة من يحتاجه بغير عوض ، تقرّباً إلى اللّه تعالى ، وجوباً أو ندباً . وهذا التّعريف - كما يرى - يشمل الصّدقة المفروضة ، الّتي تؤخذ من مال الغنيّ في آخر الحول وهي زكاة المال ، أو في آخر شهر الصّوم وهي زكاة الفطر تطهيراً للغنيّ والصّائم ، ويشمل الصّدقة المتطوّع بها ، وهي المستحبّة في جميع الأوقات .
وقد جاء في حديث أبي سعيد رضي الله عنه المتقدّم آنفاً ، « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن شراء الصّدقات حتّى تقبض » . وفي حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم له : « لا تبع ما ليس عندك » .
14 - ويعتبر جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنبليّة وبعض المالكيّة الصّدقة ونحوها ، كالهبة والرّهن والقرض والإعارة والإيداع ، من عقود التّبرّعات ، الّتي لا تتمّ ولا تملّك إلاّ بالقبض ، والعقد فيها قبل القبض يعتبر عديم الأثر .
وعبارة المرغينانيّ في فصل الصّدقة : والصّدقة كالهبة لا تصحّ إلاّ بالقبض ، لأنّه ( أي التّصدّق ) تبرّع كالهبة .
بل قال الكاسانيّ : القبض شرط جواز الصّدقة ، لا تملّك قبل القبض ، عند عامّة العلماء . واستدلّ لذلك : بما روي « عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال خبراً عن اللّه سبحانه وتعالى : يقول ابن آدم : مالي مالي ، وهل لك يا بن آدم من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدّقت فأمضيت » اعتبر اللّه سبحانه وتعالى الإمضاء في الصّدقة ، والإمضاء هو التّسليم . فدلّ على أنّه شرط .
وبما روي عن أبي بكر وعمر وابن عبّاس ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أنّهم قالوا : لا تتمّ الصّدقة إلاّ بالقبض . وبأنّ الصّدقة عقد تبرئة ، فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة .
وفي الهبة يقول : لو صحّت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتّسليم ، فتصير عقد ضمان ، وهذا تغيير المشروع .
وهذا الّذي قاله الحنفيّة ، هو الّذي يقابل المشهور من مذهب المالكيّة ، وهو ضعيف ، عبّروا عنه بقولهم : وقيل : إنّما تملك بالقبض وهذا النّصّ وإن ورد في الهبة ، لكنّ تعريفهم الصّدقة ، كما أشرنا إليه قبلاً وما يأتي من الأحكام ، يفيد التّعميم في الهبة والصّدقة .
وهو أيضاً مذهب الشّافعيّة ، إذ قالوا : لا يملك موهوب - بالمعنى الأعمّ الشّامل للصّدقة والهديّة - إلاّ بقبض بإذن الواهب .
وجاء في نصوص الشّافعيّة : إذا حلف لا يهب له ، فوهب له ولم يقبل ، أو قبل ولم يقبض لا يحنث في الأصحّ . وذلك لأنّه لا بدّ من القبول والقبض حتّى تصحّ الهبة وتتمّ .
وكذلك المذهب عند الحنابلة مطلقاً كما يقول المرداويّ . فقد صرّحوا بأنّ أنواع الهبة : صدقة وهديّة ونحلة ، ومعانيها متقاربة ، وكلّها تمليك في الحياة بلا عوض ، تجري فيها أحكامها أي تجري أحكام كلّ واحدة من المذكورات في البقيّة .
وقالوا : وتلزم الهبة بقبضها بإذن واهب ، ولا تلزم قبله ، أي قبل القبض بإذن الواهب ، ولو كانت الهبة في غير مكيل ونحوه ، ففي جميعها لا تلزم إلاّ بالقبض .
وقد استدلّ الحنابلة لما ذهبوا إليه - من إطلاق شرط القبض في الهبة ونحوها ، كالصّدقة الّتي نواجهها - بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنّ أبا بكر رضي الله عنه نحلها جذاذ عشرين وسقاً من ماله بالعالية ، فلمّا مرض قال : يا بنيّة : كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً ، ولو كنت جذذته أو قبضته كان ذلك ، فإنّما هو اليوم مال وارث ، فاقتسموه على كتاب اللّه تعالى . وذكر البهوتيّ أنّه روي عن عمر وعثمان ، وابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم ، نحو هذا ، ولم يعرف لهم مخالف من الصّحابة . ورتّبوا على اشتراط القبض ، جواز رجوع الواهب في هبته ( وكذا الصّدقة ) قبل القبض ، لعدم تمام العقد .
وخالف في اشتراط القبض المالكيّة في مشهور مذهبهم . فقرّروا أنّ الهبة ( وكذلك الصّدقة كما يؤخذ من تفريعاتهم ) تملك بالقول على المشهور ، وللموهوب له طلبها من الواهب ، إذا امتنع من تسليمها ، ليجبره على تمكين الموهوب له منها .
وأشار الحنابلة في كتبهم إلى دليل المالكيّة وهو حديث ابن عبّاس رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : العائد في هبته كالعائد في قيئه » ويروى « في صدقته » . ويروى « كالكلب يقيء ثمّ يعود في قيئه » . وجاء في نصوص المالكيّة :
أ - لو قال : داري صدقة أو هبة أو حبس على الفقراء ، لا يقضى عليه ( لعدم التّعيين ) .
ب - ولو قال : داري صدقة أو هبة أو حبس على زيد ، فإنّه يقضى عليه بذلك ، لأنّه قصد البرّ والقربة حينئذ .
ج - ولو قال : للّه عليّ دفع درهم لزيد أو للفقراء ، لا يقضى به مطلقاً ، وقيل يقضى . وعلّلوا هذا بأنّ القضاء لا بدّ فيه من تعيين المتصدّق عليه أو الموهوب له ، ولا بدّ فيه من قصد القربة . وفي رواية عن الإمام أحمد أنّه في المكيل والموزون لا تصحّ الهبة والصّدقة ، ولا تلزم فيه الصّدقة والهبة إلاّ بالقبض .
وفي غيرهما يصحّ بغير قبض ، ويلزم بمجرّد العقد . ويثبت فيه الملك بغير قبض .
وحاصل الدّليل في هذه التّفرقة القياس على البيع ، من حيث إنّها تمليك ، ففي البيع ما لا يلزم قبل القبض ، كالصّرف والرّبويّات ، وفيه ما يلزم قبل القبض ، وهو ما عدا ذلك . والخلاصة أنّ جمهور الفقهاء يشترطون القبض في التّبرّعات .

بيع المحاقلة *
1- المحاقلة في اللّغة : بيع الزّرع في سنبله بالبرّ أو بحنطة - كما يقول الفيّوميّ - وفي الاصطلاح : بيع الحنطة في سنبلها بحنطة مثل كيلها خرصاً . والخرص : الحزر .
وعرّفها الحنبليّة بما هو أعمّ ، وقالوا : هي بيع الحبّ في سنبله بجنسه .
2 - ولا يختلف الفقهاء ، في أنّ بيع المحاقلة غير جائز ، وهو فاسد عند الحنفيّة ، باطل عند غيرهم ، وذلك لحديث جابر رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة » .
ولأنّه بيع مكيل بمكيل من جنسه ، فلا يجوز خرصاً ، لأنّ فيه شبهة الرّبا الملحقة بالحقيقة في التّحريم . ولعدم العلم بالمماثلة - بتعبير الشّافعيّة عن معنى البطلان - ويقول الحنابلة في تمام التّعليل : والجهل بالتّساوي كالعلم بالتّفاضل .
وأيضاً تزيد المحاقلة - كما قال الشّافعيّة على المزابنة - بأنّ المقصود من المبيع فيها مستور بما ليس من صلاحه فانتفت الرّؤية أيضاً .
ويؤخذ من كتب المالكيّة ، التّعليل العامّ لفساد المزابنة ونحوهما بالغرر والرّبويّة في الرّبويّات في الجنس الواحد . ولزيادة التّفصيل ينظر مصطلح ( محاقلة ) .

بيع المرابحة *
انظر : مرابحة .

بيع المزابنة *
1 - المزابنة : مأخوذة من الزّبن ، وهو في اللّغة : الدّفع لأنّها تؤدّي إلى النّزاع والمدافعة . أي بسبب الغبن كما يقول الشّافعيّة .
وفي الاصطلاح الفقهيّ : عرّفها الجمهور بأنّها : بيع الرّطب على النّخيل بتمر مجذوذ ، مثل كيله خرصاً . ( أي ظنّاً وتقديراً ) والخرص : الحزر . وذلك بأن يقدّر الرّطب الّذي على النّخل بمقدار مائة صاع مثلاً ، بطريق الظّنّ والحزر ، فيبيع بقدره من التّمر . فلو لم يكن الثّمن رطباً فهو جائز بسبب اختلاف الجنس .
وعرّفها الدّردير من المالكيّة بأنّها : بيع مجهول بمعلوم ، ربويّ أو غيره . أو : بيع مجهول بمجهول من جنسه . وعرّفها ابن جزيّ ، منهم أيضاً ، بأنّها : بيع شيء رطب ، بيابس من جنسه ، سواء أكان ربويّاً ، أم غير ربويّ .
حكم بيع المزابنة :
2 - لم يختلف الفقهاء في حكم هذا البيع . فقد اتّفقوا على أنّه بيع فاسد ، ولا يصحّ ، وذلك لما يأتي :
- أ - حديث جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهما قال : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن المزابنة والمحاقلة } .
- ب - ولشبهة الرّبا ، لأنّه بيع مكيل بمكيل من جنسه ، مع احتمال عدم المساواة بينهما بالكيل . ويصرّح الشّافعيّة بأنّ فيهما الرّبا ، لعدم العلم بالمماثلة فيهما .
- ج - وللغرر - كما علّله ابن جزيّ - . ومثل بيع الرّطب بالتّمر ، بيع العنب بالزّبيب ، كما ورد في بعض الرّوايات ، زيادةً على المذكور في الحديث السّابق : « وعن بيع العنب بالزّبيب ، وعن كلّ تمر بخرصه » وأطلق المالكيّة - لعلّه لذلك - عدم جواز بيع كلّ رطب بيابس من جنسه ، لا متفاضلاً ولا مثلاً بمثل ، حتّى الحبوب .

بيع المزايدة *
انظر : مزايدة .

بيع المساومة *
انظر : مساومة .

بيع المسترسل *
انظر : استرسال .

بيع الملامسة *
1 - الملامسة من بيوع الجاهليّة أيضاً . وقد ثبت النّهي عنها في الحديث ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة » . وفسّره أبو هريرة في رواية مسلم بقوله : أمّا الملامسة : فأن يلمس كلّ واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمّل . والمنابذة : أن ينبذ كلّ واحد ثوبه إلى الآخر ، ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه . وعن أبي سعيد الخدريّ « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين ولبستين : نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع » . والملامسة : لمس الرّجل ثوب الآخر بيده ، باللّيل أو بالنّهار ، ولا يقلّبه إلاّ بذلك . والمنابذة : أن ينبذ الرّجل إلى الرّجل ثوبه ، وينبذ الآخر إليه ثوبه ، ويكون بذلك بيعهما ، من غير نظر ولا تراض .
2 - وفسّرت الملامسة مع ذلك في الفقه بصور :
أ - أن يلمس ثوباً مطويّاً ، أو في ظلمة ، ثمّ يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه ، اكتفاءً بلمسه عن رؤيته . أو يلمس كلّ منهما ثوب صاحبه بغير تأمّل - كما يعبّر الحنفيّة - وذلك على سبيل المشاركة من الجانبين خلافاً لما أشار إليه الشّيخ الدّردير ، وخالفه فيه الشّيخ عليش وهو مأخوذ من التّفسير المأثور .
ب - أو يكون الثّوب مطويّاً ، فيقول البائع للمشتري : إذا لمسته فقد بعتكه ، اكتفاءً بلمسه عن الصّيغة . قال في المغرب : بيع الملامسة واللّماس ، أن يقول لصاحبه : إذا لمست ثوبك أو لمست ثوبي ، فقد وجب البيع .
ج - أو يبيعه شيئاً على أنّه متى لمسه لزم البيع ، وانقطع خيار المجلس وغيره ، وهو مرويّ عن أبي حنيفة ، أو يقول المشتري كذلك .
3 - وهذا البيع بصوره المذكورة كلّها ، فاسد عند عامّة الفقهاء ، قال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافاً ، وذلك لعدم الرّؤية في الصّورة الأولى ، مع لزوم البيع ، اكتفاءً باللّمس عن الرّؤية . ولعدم الصّيغة في الصّورة الثّانية .
كما قال الشّافعيّة . ولتعليق التّمليك على أنّه متى لمسه وجب البيع ، وسقط خيار المجلس في الثّالثة ، في تعبير الحنفيّة ، والتّملّكيّات لا تحتمله لأدائه إلى معنى القمار .
وعلّل الحنابلة الفساد بعلّتين : الأولى : الجهالة . والأخرى : كونه معلّقاً على شرط ، وهو لمس الثّوب . ولعلّ هذا هو الغرر المقصود في تعبير ابن قدامة .
وأجمل الشّوكانيّ التّعليل ، بالغرر والجهالة وإبطال خيار المجلس .
4 - هذا ، ونصّ المالكيّة في فروعهم التّفصيليّة هنا ، على أنّ الاكتفاء في لزوم البيع ، وتحقّقه باللّمس ، من غير أن ينشر الثّوب ويعلم ما فيه ، هو المفسد : قالوا : فلو باعه قبل التّأمّل فيه ، على شرط أن ينظر فيه بعد ذلك ، فإن أعجبه أمسكه وإلاّ ردّه ، كان جائزاً .

بيع المنابذة *
1 - بيع المنابذة أيضاً من بيوع الجاهليّة . وثبت النّهي عنها في صحاح الأحاديث ، كما ثبت عن الملامسة ، وفسّرت في بعضها . وصوّرها الفقهاء فيما يأتي :
أ - أن ينبذ كلّ واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر ، ولا ينظر كلّ واحد منهما إلى ثوب صاحبه - أو ينبذه إليه بلا تأمّل كما عبّر المالكيّة - على جعل النّبذ بيعاً . وهذا التّفسير المأثور عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه في رواية مسلم : « فيكون ذلك بيعهما ، من غير نظر ولا تراض » وهو المنقول عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى .
ب - أن يجعلا النّبذ بيعاً ، اكتفاءً به عن الصّيغة ، فيقول أحدهما : أنبذ إليك ثوباً بعشرة ، فيأخذه الآخر " والصّورة الأولى فيها مشاركة بخلاف هذه " .
ج - أن يقول : بعتك هذا بكذا ، على أنّي إذا نبذته إليك ، لزم البيع وانقطع الخيار .
د - أن يقول : أيّ ثوب نبذته إليّ فقد اشتريته بكذا ، وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله تعالى . هذا ولا بدّ أن يسبق تراوضهما على الثّمن مع ذلك ، وإلاّ كان المنع لعدم ذكر الثّمن . وقد سبق عن الحنفيّة ، أنّ السّكوت عن الثّمن مفسد للبيع ، ونفيه عنه مبطل له .
2 - وكلّ هذه الصّور فاسدة ، بلا خلاف بين أهل العلم ، صرّح بذلك ابن قدامة وغيره ، معلّلين الفساد :
- بالنّهي في الحديث الصّحيح المتقدّم .
- والجهالة ، وعلّل بها الحنفيّة والحنابلة .
- وتعليق التّمليك بالخطر ، لأنّه - في الصّورة الأولى الّتي ذكرها الحنفيّة - في معنى : إذا نبذت إليك الثّوب فقد اشتريته ، والتّمليكات لا تحتمله ، لأدائه إلى معنى القمار .
- ولعدم الرّؤية ، أو عدم الصّيغة ، أو للشّرط الفاسد ، كما علّل الشّافعيّة .

بيع منهيّ عنه *
التّعريف :
1 - البيع في اللّغة والاصطلاح ، سبق الكلام عنه في مصطلح " بيع " . أمّا " المنهيّ عنه " فهو صيغة مفعول من النّهي . والنّهي لغةً : الزّجر عن الشّيء ، وهو : ضدّ الأمر . واصطلاحاً : طلب الكفّ عن الفعل على جهة الاستعلاء .
الأصل في البيع الحلّ إلاّ لطارئ :
2 - أنّ الأصل في البيع هو الإباحة والصّحّة ، حتّى يقوم الدّليل على الحظر أو الفساد . والدّليل على ذلك هو قول اللّه تعالى في كتابه العزيز : { وأحلّ اللّهُ البيعَ } فإنّه عامّ في إباحة جميع البيوع . ودليل العموم هو : أنّ لفظ البيع مفرد محلًّى بالألف واللام ، والمفرد المحلّى بالألف واللّام يفيد العموم عند أهل الأصول ، إذا لم يكن هناك عهد مطلقاً ، ولا قصد إلى إرادة الحقيقة والماهيّة . فصار حاصل معنى الآية : أنّ كلّ بيع حلال ، أخذاً بعموم اللّفظ . غير أنّ أهل العلم لم يختلفوا في أنّ هذه الآية ، وإن كان مخرجها مخرج العموم ، فقد لحقها التّخصيص ، لأنّهم - كما يقول الرّازيّ الجصّاص ، وكما سيأتي - متّفقون على حظر كثير من البياعات ، نحو بيع ما لم يقبض ، وبيع ما ليس عند الإنسان ، وبيع الغرر ، والمجاهيل وعقد البيع على المحرّمات من الأشياء .
وقد كان لفظ الآية يوجب جواز هذه البياعات ، وإنّما خصّت منها بدلائل ، إلاّ أنّ تخصيصها غير مانع من اعتبار عموم لفظ الآية ، فيما لم تقم الدّلالة على تخصيصه .
موجب النّهي :
3 - موجب النّهي عند الجمهور التّحريم إلاّ بقرينة تصرفه عن التّحريم إلى غيره ، كالكراهة أو الإرشاد أو الدّعاء أو نحوها . وهناك خلاف وتفصيل ينظر في الملحق الأصوليّ . وفي مصطلح : ( نهي ) . فإذا وجدت قرينة أو دليل يصرف النّهي عن التّحريم ، كان المراد بالنّهي الكراهة . وهي لغةً : ضدّ المحبّة . واصطلاحاً : تشمل :
أ - المكروه تحريماً ، وهو ما كان إلى الحرمة أقرب ، بمعنى أن يتعلّق به محذور دون استحقاق العقوبة بالنّار كحرمان الشّفاعة ، وهو المحمل عند إطلاق الكراهة - عند الحنفيّة - لكنّه عند الإمام محمّد حرام ثبتت حرمته بدليل ظنّيّ .
ب - كما تشمل المكروه تنزيهاً ، وهو ما كان إلى الحلّ أقرب ، بمعنى أنّه لا يعاقب فاعله أصلاً ، لكن يثاب تاركه أدنى ثواب ، فيكون تركه أولى من فعله . ويرادف المكروه تنزيهاً
( خلاف الأولى ) وكثيراً ما يطلقونه أيضاً . فإذا ذكروا مكروهاً : فلا بدّ من النّظر في دليله : أ - فإن كان نهياً ظنّيّاً ، يحكم بكراهة التّحريم ، إلاّ لصارف للنّهي عن التّحريم إلى النّدب .
ب - وإن لم يكن الدّليل نهياً ، بل كان مفيداً للتّرك غير الجازم ، فهي تنزيهيّة . وبين المكروهين : تحريماً وتنزيهاً ( الإساءة ) وهي دون المكروه تحريماً ، وفوق المكروه تنزيهاً . وتتمثّل بترك السّنّة عامداً غير مستخفّ ، فإنّ السّنّة يندب إلى تحصيلها ، ويلام على تركها ، مع لحوق إثم يسير .
وإذا كان الحنفيّة قد صرّحوا بأنّ لفظ المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التّحريم ، ما لم ينصّ على كراهة التّنزيه . فإنّ المالكيّة نصّوا على العكس ، فإنّ الكراهة متى أطلقت لا تنصرف إلاّ للتّنزيه . وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فإنّهم يطلقون ( الكراهة ) على ما يراد بالكراهة التّنزيهيّة عند غيرهم .
أسباب النّهي عن البيع :
4 - أسباب النّهي عقديّة أو غير عقديّة . والأسباب العقديّة منها ما يتعلّق بمحلّ العقد ، ومنها ما يتعلّق بلازم العقد :
الأسباب الّتي تتعلّق بمحلّ العقد :
محلّ العقد : وهو المعقود عليه . ويشترط فيه الفقهاء جملةً من الشّروط :
الشّرط الأوّل ما يتعلّق بالمعقود عليه :
5 - أن يكون المعقود عليه موجوداً حين العقد ( أي غير معدوم ) فلا يقع عندهم بيع المعدوم ، ويعتبر باطلاً . ويتمثّل هذا في البيوع الآتية : بيع المضامين ، والملاقيح ، وحبل الحبلة ، وبيع الجنين في بطن أمّه .
والمضامين : جمع مضمون ، كمجنون . وهي : ما في أصلاب الفحول ، عند الجمهور وبعض المالكيّة كابن جزيّ .
أمّا الملاقيح : فهي جمع ملقوحة وملقوح ، وهي : ما في أرحام الأنعام والخيل من الأجنّة . وفسّر الإمام مالك المضامين بأنّها : بيع ما في بطون إناث الإبل ، وأنّ الملاقيح بيع ما في ظهور الفحول .
وأمّا بيع حبل الحبلة فهو بيع نتاج النّتاج ، بأن يبيع ولد ما تلده هذه النّاقة أو الدّابّة ، فولد ولدها هو نتاج النّتاج . ولا يختلف الفقهاء في بطلان بيع هذه الجملة من البيوع .
قال ابن المنذر : وقد أجمعوا على أنّ بيع الملاقيح والمضامين غير جائز ، وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة » . ولقول سعيد بن المسيّب : لا ربا في الحيوان ، وإنّما نهي من الحيوان عن ثلاثة : عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة .
ولأنّ في هذا البيع غرراً ، فعسى أن لا تلد النّاقة ، أو تموت قبل ذلك ، فهو بيع معدوم وماله خطر المعدوم . وعلّله الشّافعيّة بأنّه : بيع ما ليس بمملوك ، ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه . وعلّله الحنابلة : بالجهالة ، فإنّه لا تعلم صفته ولا حياته ، وبأنّه غير مقدور التّسليم ، وإذا لم يجز بيع الحمل ، فأولى أن لا يجوز بيع حمله .
6 - ومن قبيل بيع المعدوم أيضاً : بيع عسب الفحل . وقد روي في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ثمن عسب الفحل » ويروى : « عن عسب الفحل » . فقال الكاسانيّ فيها : ولا يمكن حمل النّهي على نفس العسب ، وهو الضّراب ، لأنّ ذلك جائز بالإعارة ، فيحمل على البيع والإجارة ، إلاّ أنّه حذف ذلك ، وأضمره فيه ، كما في قوله تعالى : { واسْأل القرية } .
وذكر الشّافعيّة نحو هذا في تأويل الحديث ، وطرقوا له ثلاثة أوجه من الاحتمالات ، ونصّوا - كغيرهم - على بطلان بيعه ، وقالوا : يحرم ثمن مائة ، ويبطل بيعه ، لأنّه غير معلوم ولا متقوّم ، ولا مقدور على تسليمه .
الشّرط الثّاني ما يتعلّق بمحلّ العقد :
7 - أن يكون المعقود عليه مالاً ، بمعناه الفقهيّ الاصطلاحيّ ، وهو : ما يميل إليه الطّبع ، ويجري فيه البذل والمنع . ( ر : مصطلح : مال ) فلا ينعقد بيع ما ليس بمال . وذلك مثل بيع المسلم الميتة فإنّه باطل ، سواء أماتت حتف أنفها ، أم ماتت بخنق ونحوه من غير تذكية ، وهذا لقوله تعالى : { حُرِّمَتْ عليكم الميتة والدّم } ولا يستثنى من ذلك إلاّ السّمك والجراد ، لحديث : « أحلّت لنا ميتتان ودمان : فأمّا الميتتان فالحوت والجراد ، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال » . أمّا بيع الذّمّيّ للميّتة ، فإن كان موتها حتف أنفها أي بغير ضرب ولا قتل - وهي : ما تنفّست حتّى انقضى رمقها - فهي ليست مالاً بالاتّفاق .
وأمّا ما لم يمت حتف أنفه ، بل مات خنقاً ، أو بما يدين به الذّمّيّ ، وليس تذكيةً في شرعنا فالرّوايات مختلفة عند الحنفيّة في جواز بيعه وفي فساده : فالرّواية عن أبي يوسف الجواز ، والرّواية عن محمّد الفساد ، ولا رواية في البطلان .
وأمّا غير الحنفيّة ، فلا يفرّقون بين ما مات حتف أنفه وما ليس كذلك في بطلان البيع .
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على عدم جواز بيع الميتة أو شيء منها .
ودليل التّحريم حديث : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » ويحرم ولا ينعقد بيع الدّم المسفوح ، لقوله تعالى : { أو دماً مَسْفوحاً } والتّقييد بالمسفوحيّة مخرج ما سواه ، فإنّه يجوز بيعه ، كالكبد والطّحال ، وقد استثنيا من تحريم الدّم ، بحديث
« أحلّت لنا ميتتان ودمان » ... " الآنف الذّكر ، ولا خلاف في ذلك ، وصرّح ابن المنذر والشّوكانيّ بإجماع أهل العلم على تحريم بيعه .
وعلّة تحريم بيع الميتة والدّم ونحوهما عند الحنفيّة انتفاء الماليّة ، وعند الآخرين نجاسة العين . ومن صوّر انتفاء الماليّة في محلّ العقد : بيع الحرّ . وكذلك البيع به ، بجعله ثمناً ، بإدخال الباء عليه ( كأن يقول : بعتك هذا البيت بهذا الغلام ، وهو حرّ ) لأنّ حقيقة البيع : مبادلة مال بمال . ولم يوجد هنا ، لأنّه ليس بمال .
وفي الوعيد الشّديد على تحريم هذا البيع ، ورد حديث : « ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ، ومن كنت خصمه خصمته . رجل أعطى بي ثمّ غدر ، ورجل باع حرّاً فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيراً ، فاستوفى منه ولم يعطه أجره » .
الشّرط الثّالث : التّقوّم :
8 - وممّا يتعلّق بمحلّ العقد - بعد كونه مالاً - أن يكون متقوّماً .
والتّقوّم عند الحنفيّة ضربان :
عرفيّ : ويكون بالإحراز ، فغير المحرز ، كالصّيد والحشيش ، ليس بمتقوّم .
وشرعيّ : ويكون بإباحة الانتفاع به ، وهو المراد هنا . فما ليس بمتقوّم من المال بهذا المعنى ، وهو غير ما كان الانتفاع به غير مباح ، يبطل بيعه . ومن الفقهاء من استغنى عن الماليّة والتّقوّم ، بشرطي الطّهارة والنّفع ، كما فعل المالكيّة والشّافعيّة .
ومنهم من استغنى عن شرط التّقوّم هذا بشرط الماليّة ، بتعريف المال عنده بأنّه : ما فيه منفعة غير محرّمة ، ويباح لغير حاجة أو ضرورة . وهؤلاء هم الحنابلة .
فخرج بقيد المنفعة ، ما لا منفعة فيه أصلاً : كالحشرات ، وما فيه منفعة محرّمة كالخمر . وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب . وما فيه منفعة مباحة للضّرورة ، كالميتة في حال المخمصة .
9 - فمن أمثلة غير المتقوّم : بيع الخمر والخنزير ، فإنّه فاسد عند جمهور الفقهاء . والمعنى فيه هو نجاسة عينه ، ويلحق بهما باقي نجس العين ، وكذا كلّ ما نجاسته أصليّة أو ذاتيّة ولا يمكن تطهيره . ونقل ابن قدامة عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على القول به ودليله حديث جابر المتقدّم : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام » . والحنفيّة فرّقوا بين بيع المذكورات بثمن أو بدين ثابت في الذّمّة ، فهو باطل .
وبين بيعها بأعيان أو عروض ، فإنّ البيع يبطل في الخمر ، ويفسد فيما يقابلها من العروض والأعيان . ووجه الفرق : أنّ المبيع هو الأصل في البيع ، وليست الخمر ونحوها محلاً للتّمليك ، فبطل البيع فيها ، فكذا يبطل في ثمنها .
أمّا إذا كان الثّمن عيناً ، فإنّه حينئذ مبيع من وجه ، مقصود بالتّملّك ، ولكن فسدت التّسمية ، فوجبت قيمته دون الخمر المسمّى .
وكذلك فرّق الحنفيّة في بيع المذكورات بين المسلم وبين الذّمّيّ . وفي هذا يقول الكاسانيّ : ولا ينعقد بيع الخنزير من المسلم ، لأنّه ليس بمال في حقّ المسلمين . فأمّا أهل الذّمّة ، فلا يمنعون من تبايع الخمر والخنزير فيما بينهم لما يلي :
أ - أمّا على قول بعض مشايخنا ، فلأنّه مباح الانتفاع به شرعاً لهم ، كالخلّ وكالشّاة لنا ، فكان مالاً في حقّهم ، فيجوز بيعه . وروي عن سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه :" أنّه كتب إلى عشّاره بالشّام : أن ولّوهم بيعها ، وخذوا العشر من أثمانها ".
ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم بتوليتهم البيع .
ب - وعن بعض مشايخنا : حرمة الخمر والخنزير ثابتة على العموم في حقّ المسلم والكافر ، لأنّ الكفّار مخاطبون بشرائع هي حرمات ، وهو الصّحيح من مذهب أصحابنا ، فكانت الحرمة ثابتةً في حقّ المسلم والكافر ، لكنّهم لا يمنعون من بيعها ، لأنّهم لا يعتقدون حرمتها ، ويتموّلونها ، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون . فيقول ابن عابدين - رحمه الله - معلّقاً على عبارة الكاسانيّ : وظاهره الحكم بصحّتها فيما بينهم ، ولو بيعت بالثّمن .
10 - ومن أمثلة غير المتقوّم أيضاً عند الحنفيّة ، الميتة الّتي لم تمت حتف أنفها ، بل ماتت بالخنق ونحوه ، فإنّها مال عند الذّمّيّ كالخمر . وسبق الكلام عنها في شرط الماليّة .
11 - ويتّصل بغير المتقوّم : المتنجّس الّذي لا يقبل التّطهير ، كالسّمن والزّيت والعسل واللّبن والخلّ .
والمشهور والأصحّ من مذهب الأكثرين من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : عدم جواز بيعها ، لأنّ أكلها حرام ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « سئل عن الفأرة تموت في السّمن ، فقال : ... وإن كان مائعاً فلا تقربوه » وإذا كان حراماً لم يجز بيعه لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما : « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : لعن اللّه اليهود ، حرّمت عليهم الشّحوم ، فجمّلوها " أي أذابوها " فباعوها » ...
ولأنّها نجسة ، فلا يجوز بيعها ، قياساً على شحم الميتة ، فهي في معنى نجس العين .
وقد قرّر المالكيّة أنّ مشهور مذهبهم هو عدم جواز بيعها اختياراً ، أمّا اضطراراً فيصحّ . ومقابل المشهور رواية وقعت لمالك ، هي جواز بيعه ، وكان يفتي بها ابن اللّبّاد .
قال ابن رشد : والمشهور عن مالك ، المعلوم من مذهبه في المدوّنة وغيرها ، أنّ بيعه لا يجوز ، والأظهر أنّ بيعه جائز ممّن لا يغشّ به إذا بيّن ، لأنّ تنجيسه بسقوط النّجاسة فيه لا يسقط ملك ربّه عنه ، ولا يذهب جملة المنافع منه ، ولا يجوز أن يتلف عليه ، فجاز له أن يبيعه ممّن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه ، وهذا في الزّيت على مذهب من لا يجيز غسله . وأمّا على مذهب من يجيز غسله - وروي ذلك عن مالك - فسبيله في البيع سبيل الثّوب المتنجّس . وجعل ابن جزيّ قياس ابن رشد ممّا أجازه ابن وهب إذا بيّن . وأشار إلى الاختلاف في الاستصباح به في غير المساجد .
وفي قول للشّافعيّة ، هو مقابل الأصحّ عندهم : أنّه إذا أمكن تطهيره ، بأن يصبّ عليه في إناء ماء يغلبه ، ويحرّك بخشبة حتّى يصل إلى جميع أجزائه ، جاز بيعه قياساً على الثّوب المتنجّس . والأصحّ عندهم المنع من البيع ، لتعذّر التّطهير ، لحديث الفأرة المتقدّم ، فإنّه لو أمكن تطهيره لم يقل في الحديث : « ألقوها وما حولها » وفي رواية : « فأريقوه » وكذلك الخلاف عندهم في بيع الماء النّجس . فيجوز عند بعضهم ، لإمكان تطهيره بالمكاثرة .
وجزم بعضهم بمنع الجواز ، وهو المعتمد - كما يقول القليوبيّ نقلاً عن شيخه - إن كان دون القلّتين ، وذلك نظراً إلى النّجاسة الآن ، فإن كان أكثر من قلّتين صحّ عندهم .
وكذلك الحنابلة الّذين لم يستجيزوا بيع الدّهن النّجس ، رووا عن الإمام أحمد أنّه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاسته ، وذلك لأنّه يعتقد حلّه ، ويستبيح أكله ، ولأنّه روي عن أبي موسى : لتّوا به السّويق وبيعوه ، ولا تبيعوه من مسلم ، وبيّنوه . لكنّ الصّحيح عند الحنابلة عدم الجواز لحديث ابن عبّاس المتقدّم : « لعن اللّه اليهود ، حرّمت عليهم الشّحوم فجمّلوها » . ولأنّه لا يجوز بيعها من مسلم ، فلا يجوز بيعها من كافر ، كالخمر والخنزير ، فإنّهم يعتقدون حلّه ، ولا يجوز بيعه لهم . ولأنّه دهن نجس ، فلم يجز بيعه لكافر ، كشحوم الميتة .
هذا ، وأمّا الثّوب المتنجّس أو الإناء المتنجّس ونحوهما من كلّ ما يطهر بالغسل من المتنجّسات فقد نصّوا على صحّة بيعه ، لما أنّه ينتفع به بعد التّطهير ، وطهارته أصليّة ، وإنّما عرض لها نجاسة يمكن إزالتها .
وقد أوجب المالكيّة تبيين النّجاسة مطلقاً ، سواء أكان الثّوب - مثلاً - جديداً أم قديماً ، وسواء أكان ممّا يفسده الغسل أم لا ، وسواء أكان المشتري يصلّي أم لا ، قالوا : لأنّ النّفوس تكرهه ، فإن لم يبيّن وجب للمشتري الخيار .
أمّا الحنفيّة فقد نصّوا - خلافاً للأصحّ المشهور عند الجمهور - على جواز بيع الدّهن المتنجّس ، وهو الّذي عرضت له النّجاسة ، وأجازوا الانتفاع به في غير الأكل ، كالاستصباح به في غير المساجد والدّبّاغة وغيرهما .
وفرّقوا بين الدّهن المتنجّس وبين دهن الميتة ، فإنّ هذا نجس ، لأنّه جزؤها ، فلا يكون مالاً ، فلا يجوز بيعه اتّفاقاً ، كما لا يجوز الانتفاع به واستدلّ له ابن عابدين - رحمه الله - بحديث : « إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام . فقيل يا رسول اللّه أرأيت شحوم الميتة ، فإنّها يطلى بها السّفن ، ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها النّاس ؟ فقال : لا ، هو حرام » .
12 - ويتّصل بغير المتقوّم والنّجاسات والمتنجّسات ، بيع عظم الميتة وجلدها وصوفها وحافرها وريشها ونحوها . ومذهب الجمهور : أنّه لا يجوز بيعها لنجاستها ، لقوله تعالى : { حرّمت عليكم الميتة } وهذه أجزاء الميتة ، فتكون حراماً ، فلا يجوز بيعها . وقد جاء في الحديث : « لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » . بل نصّ الحنابلة على عدم جواز بيع شيء من الميتة ، ولو كان ذلك لمضطرّ ، إلاّ السّمك والجراد والجندب ، لحلّ أكلها .
أمّا الحنفيّة ففصّلوا في هذه المسألة بين غير الآدميّ وبين الآدميّ ، وبين جلد الميتة قبل الدّبغ وبين جلدها بعد الدّبغ . قالوا :
أ - إنّ جلد الميتة قبل الدّبغ لا يجوز بيعه ، لما روي في الحديث المتقدّم آنفاً : « لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب » ولأنّ نجاسته من الرّطوبات المتّصلة به بأصل الخلقة ، فصار كلحم الميتة . بخلاف الثّوب النّجس حيث يجوز بيعه ، لأنّ نجاسته ليست بأصل الخلقة ، فلا يمنع من جواز البيع .
ب - أمّا بعد الدّبغ فإنّه يجوز بيعه والانتفاع به ، لأنّه طهر بالدّبّاغ .
ج - أمّا العظم ونحوه ، فإنّه طاهر بأصل الخلقة ، والقاعدة عندهم : أنّ كلّ شيء لا يسري فيه الدّم لا ينجس بالموت ، كالشّعر والرّيش والوبر والقرن والحافر والعظم - كما نصّوا عليه في الطّهارات - فيجوز بيعه والانتفاع به ، ودليلهم على ذلك ، كما ذكره الكاسانيّ : أنّ اللّه تعالى جعل لنا هذه الأشياء ، وامتنّ علينا بها من غير فصل بين الذّكيّة والميّتة ، فيدلّ على تأكّد الإباحة ، قال تعالى : { واللّه جعلَ لكم من بيوتِكم سَكَناً ، وجَعَل لكم من جلودِ الأنعامِ بيوتاً تَسْتَخِفُّونها يومَ ظَعْنِكم ويومَ إقامَتِكم ، ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين } .
ولأنّ حرمة الميتة ليست لموتها ، فإنّ الموت موجود في السّمك والجراد ، وهما حلالان بالنّصّ ، بل لما فيها من الرّطوبات السّيّالة والدّماء النّجسة ، لانجمادها بالموت . ولهذا يطهر جلد الميتة بالدّبّاغ ، حتّى يجوز بيعه ، لزوال الرّطوبة عنه ، ولا رطوبة في هذه الأشياء ، فلا تكون حراماً . بل نصّ الحنفيّة ، ومنهم الزّيلعيّ ، على أنّ لحوم السّباع وشحومها وجلودها بعد الذّكاة الشّرعيّة هي كجلود الميتة بعد الدّبّاغ ، حتّى يجوز بيعها والانتفاع بها في غير الأكل ، وذلك لطهارتها بالذّكاة . يستثنى من ذلك جلد الخنزير ، فإنّه نجس العين ( وكذا لحمه وعظمه وشعره ) فلا يطهر بالتّذكية ولا بالدّبّاغ . وإن خالف في ذلك - فيما سوى الخنزير - بعض الحنفيّة ، فقرّر الشّرنبلاليّ أنّه تطهّر الذّكاة الشّرعيّة جلد غير المأكول ، دون لحمه ، على أصحّ ما يفتى به ، ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف بيع عظم الفيل والانتفاع به كسائر السّباع . وعند محمّد لا يجوز ، وهو عنده كالخنزير .
أمّا عظم الآدميّ وشعره ، فوافق الحنفيّة . الجمهور في أنّه لا يباع . قال الكاسانيّ : لا لنجاسته " لأنّه طاهر في الصّحيح من الرّواية ، لكن احتراماً له ، والابتذال بالبيع يشعر الإهانة . وقد روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : « لعن اللّه الواصلة والمستوصلة » فنصّ الحنفيّة على أنّه لا يجوز الانتفاع به للحديث المذكور . وصرّحوا بأنّ الآدميّ مكرّم شرعاً ، وإن كان كافراً ، فإيراد العقد عليه وابتذاله وإلحاقه بالجمادات إذلال له ، وهو غير جائز . وبعض الآدميّ في حكم كلّه . وصرّح الكمال من الحنفيّة ببطلان بيعه .
رد مع اقتباس