الأدلّة :
4 - استدلّ القائلون بجواز بيع الفضوليّ بقوله تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى } وفي هذا إعانة لأخيه المسلم . واستدلّوا أيضاً بحديث « عروة بن أبي الجعد البارقيّ ، وهو أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري له به شاةً ، فاشترى له به شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاء بدينار وشاة ، فدعا له بالبركة في بيعه ، وكان لو اشترى التّراب لربح فيه » . وبحديث حكيم بن حزام وهو « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له أضحيّةً بدينار ، فاشترى أضحيّةً ، فأربح فيها ديناراً ، فاشترى أخرى مكانها ، فجاء بالأضحيّة والدّينار إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : ضحّ بالشّاة وتصدّق بالدّينار » . فهذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أجاز هذا البيع ، ولو كان باطلاً لردّه ، وأنكر على من صدر منه ، وأيضاً فإنّ هذا تصرّف تمليك ، وقد صدر من أهله فوجب القول بانعقاده ، إذ لا ضرر فيه للمالك مع تخييره ، بل فيه نفعه ، حيث يكفي مؤنة طلب المشتري وقرار الثّمن ( أي المطالبة ) وغيره ، وفيه نفع العاقد لصون كلامه عن الإلغاء ، وفيه نفع المشتري لأنّه أقدم عليه طائعاً ، فثبتت القدرة الشّرعيّة تحصيلاً لهذه الوجوه .
5- واستدلّ القائلون بعدم الجواز بما روي عن حكيم بن حزام قال : « سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فقلت : يأتيني الرّجل فيسألني من البيع ما ليس عندي ، أبتاع له من السّوق ثمّ أبيعه ؟ قال : لا تبع ما ليس عندك » .
واستدلّوا أيضاً بحديث عمرو بن شعيب قال : حدّثني أبي عن أبيه حتّى ذكر عبد اللّه بن عمرو رضي الله عنهما ، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . وبما روي أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « لا طلاق إلاّ فيما تملك ، ولا عتق إلاّ فيما تملك ، ولا بيع إلاّ فيما تملك » . فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ بيع الفضوليّ باطل ، لأنّه تصرّف بلا ملك ولا إذن ولا ولاية ولا وكالة . وأيضاً فإنّه باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصحّ ، كبيع الآبق والسّمك في الماء والطّير في الهواء .
وفيما يلي تفصيل المذاهب في تصرّف الفضوليّ :
- أ - تصرّف الفضوليّ في البيع :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ من شروط البيع : أن يكون المبيع مملوكاً للبائع ، أو له عليه ولاية أو وكالة تجيز تصرّفه فيه ، واتّفقوا أيضاً على صحّة بيع الفضوليّ ، إذا كان المالك حاضراً وأجاز البيع ، لأنّ الفضوليّ حينئذ يكون كالوكيل . واتّفقوا أيضاً على عدم صحّة بيع الفضوليّ إذا كان المالك غير أهل للإجازة ، كما إذا كان صبيّاً وقت البيع .
7- ومحلّ الخلاف في بيع الفضوليّ إذا كان المالك أهلاً للتّصرّف وبيع ماله وهو غائب ، أو كان حاضراً وبيع ماله وهو ساكت ، فهل يصحّ بيع الفضوليّ أو لا يصحّ ؟
ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّ في القديم ، وهو أحد قوليه في الجديد ، وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه : إلى أنّ البيع صحيح ، إلاّ أنّه موقوف على إجازة المالك . وذهب الشّافعيّ في القول الثّاني من الجديد ، وأحمد في الرّواية الأخرى عنه : إلى أنّ البيع باطل .
8- وهذا كلّه من حيث الإجمال فقط ، وذلك لأنّ الحنفيّة يذكرون شروطاً لنفاذ بيع الفضوليّ ، وهي عبارة عن بقاء الملك ، ويتحقّق ببقاء العاقدين : البائع والمشتري ، وبقاء المعقود عليه بلا تغيير ، لأنّ الإجازة تصرّف في العقد ، فلا بدّ من قيامه ، وذلك بقيام العاقدين ومحلّ العقد ، كما هو الحال في إنشاء العقد .
واشترطوا أيضاً أن لا يبيع الفضوليّ الشّيء على أنّه لنفسه . وأمّا الثّمن فإنّهم اشترطوا قيامه إن كان عرضاً ، لأنّ العرض يتعيّن بالتّعيين فصار كالمبيع ، ولم يشترطوا قيام الثّمن إن كان ديناً . واشترطوا أيضاً : بقاء المالك الأوّل ، وهو المعقود له مع علمه بحال المبيع وقت الإجازة من وجوده أو عدمه ، لأنّ العقد موقوف على إجازته ، فلا ينفذ بإجازة غيره ، فلو مات المالك لم ينفذ بإجازة الوارث ، سواء أكان الثّمن ديناً أم عرضاً .
ولو لم يعلم المالك حال المبيع وقت الإجازة من بقائه أو عدمه جاز البيع في قول أبي يوسف أوّلاً ، وهو قول محمّد ، لأنّ الأصل بقاؤه . ثمّ رجع أبو يوسف وقال : لا يصحّ ما لم يعلم المالك قيام المبيع عند الإجازة ، لأنّ الشّكّ وقع في شرط الإجازة ، فلا يثبت مع الشّكّ .
9- وإذا أجاز المالك صار المبيع ملكاً للمشتري والثّمن مملوكاً له أمانةً في يد الفضوليّ ، فلو هلك لا يضمنه كالوكيل ، فإنّ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السّابقة ، من حيث إنّه بها صار تصرّفه نافذاً ، ولذا يسمّى هذا النّوع من الإجازة ( إجازة عقد ) .
هذا إذا كان الثّمن ديناً ، فإن كان عيناً بأن باع الفضوليّ ملك غيره بعرض معين بيع مقايضة ، اشترط قيام الأربعة المذكورة ، وهي : العاقدان والمبيع ومالكه الأوّل ، وخامس وهو ذلك الثّمن العرض ، وإذا أجاز مالك المبيع - والثّمنُ عرض - فالفضوليّ يكون ببيع مال الغير مشترياً للعرض من وجه ، والشّراء لا يتوقّف إذا وجد نفاذاً ، فينفذ على الفضوليّ ، فيصير مالكاً للعرض ، والّذي تفيده الإجازة أنّه أجاز للفضوليّ أن ينقد ثمن ما اشتراه من ذلك العرض من ماله ، ولذا تسمّى إجازة العقد ، كأنّه قال : اشتر هذا العرض لنفسك ، وانقده ثمنه من مالي هذا قرضاً عليك ، فإن كان مثليّاً فعليه مثله ، وإن كان قيميّاً كثوب فقيمته . فيصير مستقرضاً للثّوب .
والقرض وإن لم يجز في القيميّات لكنّ ذلك إذا كان قصداً . وهنا إنّما يثبت ضمناً مقتضًى لصحّة الشّراء ، فيراعى فيه شرائط صحّة المقتضي ، وهو الشّراء لا غير .
10 - وصرّح الحنفيّة بأنّ للفضوليّ أن يفسخ قبل إجازة المالك ، دفعاً للحوق الضّرر عن نفسه ، لأنّ حقوق البيع ترجع إليه ، بخلاف الفضوليّ في النّكاح ، لأنّه معبّر محض .
11 - وذكر الحنفيّة أيضاً أنّ الفضوليّ بعد الإجازة يصير حكمه حكم الوكيل ، حتّى لو حطّ من الثّمن ثمّ أجاز المالك البيع يثبت البيع والحطّ ، سواء علم المالك الحطّ أو لم يعلم ، إلاّ أنّه إذا علم بالحطّ بعد الإجازة يثبت له الخيار . ووجهه كما في جامع الفصولين أنّه يصير بالإجازة ****ل ، ولو حطّه الوكيل لا يتمكّن الموكّل من مطالبة المشتري به ، كذا هذا .
12 - واشترط المالكيّة لصحّة بيع الفضوليّ ثلاثة شروط :
أحدها : أن لا يكون المالك حاضراً مجلس البيع ، ولكنّه حاضر في البلد ، أو غائب عنه غيبةً قريبةً ، لا بعيدةً بحيث يضرّ الصّبر إلى قدومه أو مشورته . فإن كان حاضراً مجلس العقد وسكت لزمه البيع ، وللبائع الثّمن ، فإن مضى نحو عام ولم يطالب بالثّمن فلا شيء له على البائع ، ولا يعذر بجهل في سكوته إذا ادّعاه . ومحلّ مطالبة المالك للفضوليّ بالثّمن ما لم يمض عام ، فإن مضى العام وهو ساكت سقط حقّه في الثّمن . هذا إن بيع بحضرته ، أمّا إن بيع في غيبته فله نقض البيع إلى سنة ، فإن مضت سقط حقّه في النّقض .
ولا يسقط حقّه في الثّمن ما لم تمض مدّة الحيازة ، وهي عشرة أعوام .
ثانيها : أن يكون في غير الصّرف ، وأمّا فيه فإنّه يفسخ .
ثالثها : أن يكون في غير الوقف ، وأمّا فيه فباطل لا يتوقّف على رضا واقفه ، وإن كان الملك له .
13 - وذكر المالكيّة أيضاً أنّ للمالك نقض بيع الفضوليّ ، غاصباً أو غيره إن لم يفت ، فإن فات بذهاب عينه فقط ، فعليه الأكثر من ثمنه وقيمته .
وقالوا : إنّ للمشتري من الفضوليّ الغلّة قبل علم المالك ، إذا كان المشتري غير عالم بالتّعدّي ، أو كانت هناك شبهة تنفي عن البائع التّعدّي ، لكونه حاضناً للأطفال مثلاً كالأمّ تقوم بهم وتحفظهم ، أو لكونه من سبب المالك أي من ناحيته ممّن يتعاطى أموره ، ويزعم أنّه وكيل ، ثمّ يقدم المالك وينكر ونحو ذلك . ويدلّ له مسألة اليمين : أن لا يبيع لفلان ، فباع لمن هو من سببه . وتذكر كتب المالكيّة أيضاً حكماً آخر فرّعوه على الجواز لم يصرّح به غيرهم ، وهو حكم قدوم الفضوليّ على البيع ، فقد ذكر الدّسوقيّ في حاشيته : أنّه قد قيل بمنعه ، وقيل : بجوازه ، وقيل بمنعه في العقار والجواز في العروض .
14 - هذا والقول ببطلان بيع الفضوليّ عند الشّافعيّة هو الصّحيح المنصوص عليه في الجديد ، وبه قطع صاحب المهذّب وجماهير العراقيّين ، وكثيرون ، أو الأكثرون من الخراسانيّين كما جاء في المجموع .
وأمّا القول بانعقاده موقوفاً على إجازة المالك فهو القول القديم الّذي حكاه الخراسانيّون وجماعة من العراقيّين ، منهم المحامليّ في اللّباب والشّاشيّ وصاحب البيان .
وأمّا قول إمام الحرمين : إنّ العراقيّين لم يعرفوا هذا القول ، وقطعوا بالبطلان ، فمراده متقدّموهم كما جاء في المجموع . ثمّ إنّ كلّ من حكاه إنّما حكاه عن القديم خاصّةً ، وهو نصّ للشّافعيّ في البويطيّ ، وهو من الجديد ، قال الشّافعيّ في آخر باب الغصب من البويطيّ : إن صحّ حديث عروة البارقيّ ، فكلّ من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثمّ رضي ، فالبيع والعتق جائزان . هذا نصّه ، وقد صرّح حديث عروة البارقيّ السّابق نصّه ، فصار للشّافعيّ قولان في الجديد أحدهما موافق للقديم .
وظاهر كلام الشّيخين ( أي الرّافعيّ والنّوويّ ) على قول الوقف أنّ الموقوف الصّحّة ، وقال إمام الحرمين : الصّحّة ناجزة ، وإنّما الموقوف الملك ، وجرى عليه في الأمّ .
والمعتبر عندهم في الإجازة إجازة من يملك التّصرّف عند العقد ، فلو باع الفضوليّ مال الطّفل ، فبلغ وأجاز لم ينفذ . ومحلّ الخلاف في بيع الفضوليّ عندهم كما جاء في نهاية المحتاج ما لم يحضر المالك ، فلو باع مال غيره بحضرته وهو ساكت لم يصحّ قطعاً . والخلاف المذكور عندهم في بيع الفضوليّ من حيث البطلان أو الانعقاد يجري في كلّ من زوّج ابنة غيره ، أو طلّق منكوحته ، أو أجّر داره ، أو وهبها بغير إذنه .
15 - والمذهب عند الحنابلة ، وعليه أكثر الأصحاب : عدم صحّة بيع الفضوليّ كما جاء في الإنصاف . وجاء فيه أيضاً : أنّ هذا هو الّذي جزم به في الوجيز وغيره ، وقدّمه في الفروع ، والمحرّر ، والرّعايتين ، والحاويين ، والنّظم وغيرها .
وذكر صاحب كشّاف القناع أنّ البيع لا يصحّ ، حتّى لو كان المالك حاضراً وسكت ، ثمّ أجازه بعد ذلك لفوات شرطه ، أي لفوات الملك والإذن وقت البيع .
وأمّا الرّواية الّتي تصحّح بيع الفضوليّ وتجعله موقوفاً على الإجازة ، فقد اختارها صاحب الفائق كما جاء في الإنصاف ، وقال : قبض ولا إقباض قبل الإجازة .
ب - تصرّف الفضوليّ في الشّراء :
16 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ شراء الفضوليّ لا يتوقّف على الإجازة ، إذا وجد نفاذاً على العاقد ، فإن لم يجد نفاذاً يتوقّف ، كشراء الصّغير المحجور عليه . وإنّما ينفذ الشّراء على المشتري إذا لم يضفه إلى آخر ووجد الشّراء النّفاذ عليه ، ولم يسبق بتوكيل للمشتري من آخر . فأمّا إن كان كذلك فالشّراء يتوقّف . وفي الوكالة ينفذ على الموكّل ، فإنّه ذكر في شرح الطّحاويّ : ولو اشترى رجل لرجل شيئاً بغير أمره كان ما اشتراه لنفسه ، أجاز الّذي اشتراه له أو لم يجز . أمّا إذ أضافه إلى آخر ، بأن قال للبائع : بع عبدك من فلان ، فقال : بعت ، وقبل المشتري هذا البيع لفلان فإنّه يتوقّف .
17 - أمّا شراء الفضوليّ عند المالكيّة فهو كبيعه ، أي يتوقّف على إجازة المشترى له ، فإن لم يجز الشّراء لزمت السّلعة المشتري الفضوليّ ، فإن كان الثّمن مدفوعاً من مال المشتري له فلا رجوع له على البائع في حال عدم الإجازة ، إلاّ أن يكون الفضوليّ ( المشتري ) أشهد عند الشّراء : أنّه إنّما اشترى لفلان بماله ، وأنّ البائع يعلم ذلك ، أو صدّق المشتري في قوله ، أو تقوم بيّنة على أنّ الشّيء الّذي اشترى به هو ملك المشتري له . فإن أخذ المشتري له ماله ، ولم يجز الشّراء انتقض البيع فيما إذا صدّق البائع ، ولم ينتقض في قيام البيّنة أنّ المال له ، بل يرجع على المشتري بمثل الثّمن ، ويلزمه البيع على قول ابن القاسم وأصبغ . وقال ابن الماجشون : القول قول المشتري له ، فيحلف أنّه ما أمر المشتري ، ويأخذ ماله إن شاء من المشتري ، وإن شاء من البائع . فإن أخذه من البائع كان له أن يرجع على المشتري ويلزمه الشّراء ، وإن أخذه من المشتري لم يكن له رجوع على البائع .
18 - وأمّا الشّافعيّة : فذكروا في شراء الفضوليّ تفصيلاً ، لأنّ الفضوليّ إمّا أن يشتري لغيره بعين مال الغير ، وإمّا أن يشتري لغيره في الذّمّة ، وإمّا أن يشتري لغيره بمال نفسه . فإن اشترى لغيره بعين مال الغير ففيه قولان : الجديد بطلانه ، والقديم وقفه على الإجازة . وإن اشترى في الذّمّة نظر إن أطلق أو نوى كونه للغير ، فعلى الجديد يقع للمباشر ، وعلى القديم يقف على الإجازة ، فإن ردّ نفذ في حقّ الفضوليّ . ولو قال : اشتريت لفلان بألف في ذمّته ، فهو كاشترائه بعين مال الغير . ولو اقتصر على قوله : اشتريت لفلان بألف ، ولم يضف الثّمن إلى ذمّته فعلى الجديد وجهان ، أحدهما : يلغو العقد ، والثّاني : يقع عن المباشر . وعلى القديم يقف على إجازة فلان ، فإن ردّ ففيه الوجهان .
ولو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه نظر : إن لم يسمّه وقع العقد عن المباشر ، سواء أذن ذلك الغير أم لا ، وإن سمّاه نظر : إن لم يأذن له لغت التّسمية ، وهل يقع عنه أم يبطل ؟ وجهان . وإن أذن له ، فهل تلغو التّسمية ، وجهان . فإن قلنا : نعم ، فهل يبطل من أصله ، أم يقع عن المباشر ؟ فيه الوجهان ، وإن قلنا : لا ، وقع عن الآذن .
وهل يكون الثّمن المدفوع قرضاً أم هبةً ؟ وجهان .
19 - وأمّا شراء الفضوليّ عند الحنابلة فإنّه لا يصحّ ، إلاّ إن اشترى في ذمّته ونوى الشّراء لشخص لم يسمّه فيصحّ ، سواء نقد الثّمن من مال الغير أم لا ، لأنّ ذمّته قابلة للتّصرّف ، فإن سمّاه أو اشترى للغير بعين ماله لم يصحّ الشّراء ، ثمّ إن أجازه ( أي الشّراء ) من اشتري له ملكه من حين اشتري له ، لأنّه اشتري لأجله ، فأشبه ما لو كان بإذنه ، فتكون منافعه ونماؤه له . فإن لم يجزه وقع الشّراء للعاقد ولزمه حكمه ، كما لو لم ينو غيره ، وليس له التّصرّف فيه قبل عرضه على من نواه له .
بيع ما لم يقبض *
1- ثبت في الحديث الصّحيح عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » . وفي لفظ « حتّى يكتاله » وفي لفظ آخر : « حتّى يستوفيه » قال ابن عبّاس " راوي الحديث " : ولا أحسب كلّ شيء إلاّ مثله .
وفي رواية : « إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » .
وقد ذهب الفقهاء مذاهب في بيع المبيع قبل قبضه .
2 - فمذهب الشّافعيّة ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وقول محمّد ، وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد : أنّه لا يصحّ بيع المبيع قبل قبضه ، سواء أكان منقولاً أم عقاراً ، وإن أذن البائع ، وقبض الثّمن . وذلك لحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه « قال : قلت : يا رسول اللّه : إنّي أشتري بيوعاً ، فما يحلّ لي منها ، وما يحرم عليّ ؟ قال : إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتّى تقبضه » وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال :« لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . ومعنى « ربح ما لم يضمن » ربح ما بيع قبل القبض . مثل : أن يشتري متاعاً ، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع ، فهذا البيع باطل ، وربحه لا يجوز ، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل ، وليس في ضمان المشتري منه ، لعدم القبض .
ولحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع ، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم » . والمراد بحوز التّجّار : وجود القبض ، كما في الحديث قبله . ولضعف الملك قبل القبض ، لانفساخ العقد بتلفه . وهذا هو المعنى الّذي علّل به الشّافعيّة النّهي عن البيع قبل القبض .
وعلّل الحنابلة ، عدم الجواز على هذه الرّواية الّتي اختارها ابن عقيل من أئمّتهم ، بأنّه لم يتمّ الملك عليه ، فلم يجز بيعه ، كما لو كان غير متعيّن ، وكما لو كان مكيلاً أو موزوناً .
3 - ومذهب الحنفيّة أنّه لا يصحّ بيع المنقول قبل قبضه ، ولو كان من بائعه ، وذلك للحديث المذكور برواياته ، فإنّه منهيّ عن بيع المبيع قبل قبضه .
ولأنّ في البيع قبل القبض غرر انفساخ العقد الأوّل ، على تقدير هلاك المبيع في يد البائع ، وإذا هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد ، فيتبيّن أنّه باع ما لا يملك ، والغرر حرام غير جائز ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر » .
ولا يفرّق الحنفيّة في ذلك بين الطّعام وبين غيره من المنقولات ، وذلك : لقول ابن عبّاس كما تقدّم آنفاً : ولا أحسب كلّ شيء إلاّ مثله ، أي مثل الطّعام .
وعضّد قول ابن عبّاس ما روي عن ابن عمر ، قال : « ابتعت زيتاً في السّوق ، فلمّا استوجبته ، لقيني رجل ، فأعطاني فيه ربحاً حسناً ، فأردت أن أضرب على يده " أي أن أقبل إيجابه ، وأتّفق على العقد " فأخذ رجل من خلفي بذراعي ، فالتفتّ ، فإذا زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال : لا تبعه حيث ابتعته ، حتّى تحوزه إلى رحلك ، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السّلع حيث تبتاع ، حتّى يحوزها التّجّار إلى رحالهم » .
وعدم الصّحّة هنا ، يعني : الفساد لا البطلان ، وإن كان نفي الصّحّة يحتملهما ، لكنّ الظّاهر عند الحنفيّة هو الفساد ، لأنّ علّة الفساد هي الغرر ، مع وجود ركني البيع ، وكثيراً ما يطلق الباطل على الفاسد .
وأجاز الشّيخان من الحنفيّة - أبو حنيفة وأبو يوسف - بيع العقار قبل قبضه استحساناً ، وذلك استدلالاً بعمومات حلّ البيع من غير تخصيص ، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد . ولأنّه لا يتوهّم انفساخ العقد في العقار بالهلاك ، بخلاف المنقول . ولأنّ العقار مقدور التّسليم ، ولا يرد عليه الهلاك إلاّ نادراً بغلبة الماء والرّمل ، والنّادر لا يعتدّ به . وقياساً على التّصرّف في الثّمن قبل قبضه ، فإنّه جائز ، لأنّه لا غرر فيه ، كالتّصرّف في المهر وبدل الخلع والعتق وبدل الصّلح عن دم العمد ، لأنّ المطلق للتّصرّف ، وهو الملك ، قد وجد ، لكنّ الاحتراز عن الغرر واجب ما أمكن ، وذلك فيما يتصوّر فيه الغرر ، وهو المبيع المنقول ، لا العقار .
وخالف الإمام محمّد ، فلم يجز بيع العقار أيضاً قبل قبضه ، وهو قول أبي يوسف الأوّل ، وقول الشّافعيّ كما قدّمنا ، وذلك لإطلاق الحديث ، وقياساً على المنقول .
وقياساً أيضاً على الإجارة ، فإنّها في العقار لا تجوز قبل القبض ، والجامع اشتمالهما على ربح ما لم يضمن ، فإنّ المقصود في البيع الرّبح ، وربح ما لم يضمن منهيّ عنه شرعاً . والنّهي يقتضي الفساد ، فيكون البيع فاسداً قبل القبض ، لأنّه لم يدخل في ضمانه ، كما في الإجارة .
4 - ومذهب المالكيّة أنّ المحرّم المفسد للبيع ، هو بيع الطّعام دون غيره من جميع الأشياء قبل قبضه ، سواء أكان الطّعام ربويّاً كالقمح ، أم غير ربويّ كالتّفّاح عندهم .
أمّا غير الطّعام فيجوز بيعه قبل قبضه ، وذلك لحديث ابن عبّاس المتقدّم من « ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » . ولغلبة تغيّر الطّعام دونما سواه . لكنّهم شرطوا لفساد هذا النّوع من البيع ، شرطين :
أ - أن يكون الطّعام مأخوذاً بطريق المعاوضة ، أي في مقابلة شيء ، بإجارة أو شراء أو صلح أو أرش جناية ، أو آل لامرأة في صداقها ، أو غير ذلك من المعاوضات ، فهذا الّذي لا يجوز بيعه قبل قبضه .
أمّا لو صار إليه الطّعام بهبة أو ميراث ، ممّا ليس أخذه بعوض ، فيجوز بيعه قبل قبضه .
ب - وأن تكون المعاوضة بالكيل أو الوزن أو العدد ، فيشتريه بكيل ، ويبيعه قبل قبضه ، سواء أباعه جزافاً أم على الكيل . أمّا لو اشتراه جزافاً ، ثمّ باعه قبل قبضه ، فيكون بيعه جائزاً ، سواء أباعه جزافاً أم على الكيل . وعلى هذا : فلو اشترى طعاماً كيلاً ، لم يجز له بيعه قبل قبضه ، لا جزافاً ولا كيلاً .
ولو اشتراه جزافاً ، جاز له بيعه قبل قبضه ، مطلقاً ، جزافاً أو كيلاً .
5- وفي مذهب الحنابلة روايات متعدّدة في الممنوع بيعه قبل قبضه من الأموال ، سبق بعضها : فروي أنّه لا يجوز بيع الطّعام وما أشبهه قبل قبضه مطلقاً ، سواء أكان مكيلاً أم موزوناً ، أم لم يكن كذلك ، خلافاً لمالك الّذي اشترط فيه الكيل أو الوزن كما قدّمنا ، وذلك لحديث ابن عبّاس المتقدّم « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يقبضه » .
ولقول الأثرم : سألت أبا عبد اللّه ، عن قوله : « نهى عن ربح ما لم يضمن » قال : هذا في الطّعام وما أشبهه ، من مأكول أو مشروب ، فلا يبعه حتّى يقبضه .
ولقول ابن عبد البرّ : الأصحّ أنّ الّذي يمنع من بيعه قبل قبضه : هو الطّعام ، وذلك لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه » فمفهومه إباحة ما سواه قبل قبضه . ولقول ابن عمر رضي الله عنهما : « رأيت الّذين يشترون الطّعام مجازفةً ، يضربون على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتّى يؤووه إلى رحالهم » .
وللحديث المتقدّم : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتّى يستوفيه » .
ولقول ابن عمر رضي الله عنهما : « كنّا نشتري الطّعام من الرّكبان جزافاً ، فنهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتّى ننقله من مكانه » .
ولقول ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ من اشترى طعاماً ، فليس له أن يبيعه حتّى يستوفيه . قالوا : ولو دخل في ضمان المشتري جاز بيعه ، والتّصرّف فيه ، كما جاز ذلك بعد قبضه . وعلّق الشّرح الكبير على ذلك بقوله : وهذا أي حديث « من ابتاع طعاماً » يدلّ على تعميم المنع في كلّ طعام ، مع تنصيصه على البيع مجازفةً بالمنع . ويدلّ بمفهومه على أنّ ما عدا الطّعام يخالفه في ذلك .
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : أنّ ما كان متعيّناً ، كالصّبرة تباع من غير كيل ، يجوز بيعها قبل قبضها ، وما ليس بمتعيّن ، كقفيز من صبرة ، ورطل من زبرة حديد ، فإنّه لا يجوز بيعها قبل قبضها ، بل حتّى تكال أو توزن . وهذا قريب من قول مالك المتقدّم ، في جواز بيع ما شري جزافاً ، لولا تخصيص مالك المبيع بالطّعام .
ووجه هذه الرّواية ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال : « مضت السّنّة أنّ ما أدركته الصّفقة حيّاً مجموعاً ، فهو من مال المبتاع » ، فلمّا جعله من ضمان المشتري مع أنّه لم يقبضه دلّ على البيع قبل القبض في المتعيّن .
ولأنّ المبيع المعيّن لا يتعلّق به حقّ توفية ، فكان من مال المشتري ، كغير المكيل والموزون . وفي رواية ثالثة عن الإمام أحمد : أنّه لا يجوز بيع شيء قبل قبضه . وهي الّتي وافق فيها الإمام الشّافعيّ وغيره ، كما تقدّم .
ورواية المذهب : أنّ المكيل والموزون والمعدود والمذروع ، لا يصحّ تصرّف المشتري فيه قبل قبضه من بائعه . وهذا مرويّ أيضاً : عن عثمان بن عفّان رضي الله عنه ، وسعيد بن المسيّب ، والحسن ، والحكم ، وحمّاد ابن أبي سليمان ، والأوزاعيّ ، وإسحاق .
ومستند هذه الرّواية في التّفرقة بين المكيل والموزون ونحوهما وبين غيرهما : أنّ الحديث المذكور نهى عن بيع الطّعام قبل قبضه ، وكان الطّعام يومئذ مستعملاً غالباً فيما يكال ويوزن ، وقيس عليهما المعدود والمذروع ، لاحتياجهما إلى حقّ التّوفية . وسواء أكان المعدود متعيّناً كالصّبرة ، أم غير متعيّن كقفيز منها .
أمّا ما عدا المكيل والموزون ونحوهما ، فيجوز التّصرّف فيه قبل قبضه ، وذلك : لما روي { عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت : إنّي أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدّنانير وآخذ الدّراهم ، وأبيع بالدّراهم وآخذ الدّنانير . فقال : لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ، ما لم تفترقا وبينكما شيء » .
قالوا : فهذا تصرّف في الثّمن قبل قبضه ، وهو أحد العوضين .
ضابط ما يمنع من التّصرّف فيه قبل قبضه :
6 - اختلفت ضوابط الفقهاء ، في التّصرّفات الممنوعة شرعاً قبل قبض المبيع :
أ - فاتّفق الحنفيّة والحنابلة ، على هذا الضّابط وهو :
أنّ كلّ عوض ملك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض ، لم يجز التّصرّف فيه قبل قبضه ، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه ، جاز التّصرّف فيه قبل قبضه .
فمثال الأوّل : المبيع والأجرة وبدل الصّلح عن الدّين ، إذا كان الثّمن والأجر والبدل عيناً - عند الحنفيّة - أو كان من المكيل أو الموزون أو المعدود عند الحنبليّة .
ومثال الآخر : المهر إذا كان عيناً - عند الحنفيّة - وكذا بدل الخلع ، والعتق على مال ، وبدل الصّلح عن دم العمد - وكذا أرش الجناية ، وقيمة المتلف ، عند الحنبليّة في هذين - كلّ ذلك إذا كان عيناً ، يجوز بيعه وإجارته قبل قبضه ، وسائر التّصرّفات .
وعلّل الحنابلة هذا الضّابط بقولهم : إنّ المقتضي للتّصرّف هو الملك ، وقد وجد . لكنّ ما يتوهّم فيه غرر الانفساخ ، باحتمال هلاك المعقود عليه لا يجوز بناء عقد آخر عليه تحرّزاً من الغرر ، وما لا يتوهّم فيه ذلك الغرر ، انتفى عنه المانع ، فجاز بناء العقد الآخر عليه .
ب - ووضع محمّد بن الحسن من الحنفيّة هذا الضّابط ، وهو :
- 1 - أنّ كلّ تصرّف لا يتمّ إلاّ بالقبض ، كالهبة والصّدقة والرّهن والقرض والإعارة ونحوها ، يجوز قبل قبض المبيع .
- 2 - وكلّ تصرّف يتمّ قبل القبض ، كالمبيع والإجارة وبدل الصّلح عن الدّين إذا كان عيناً ، ونحوها لا يجوز قبل قبض المبيع .
وتعليله عنده : أنّ الهبة - مثلاً - لمّا كانت لا تتمّ إلاّ بالقبض ، صار الموهوب له نائباً عن الواهب ، وهو المشتري الّذي وهبه المبيع قبل قبضه ، ثمّ يصير قابضاً لنفسه ، فتتمّ الهبة بعد القبض . بخلاف البيع - مثلاً - ونحوه ممّا يتمّ قبل القبض ، فإنّه لا يجوز ، لأنّه إذا قبضه المشتري الثّاني لا يكون قابضاً عن الأوّل ، لعدم توقّف البيع على القبض ، فيلزم منه تمليك المبيع قبل قبضه ، وهو لا يصحّ .
وأشار التّمرتاشيّ إلى أنّ الأصحّ ما ذهب إليه الإمام محمّد .
ج - وضبط الدّردير من المالكيّة ما يمنع بيع الطّعام قبل قبضه ، بأن تتوالى عقدتا بيع لم يتخلّلهما قبض . وهذا مختصّ بالطّعام على رأيهم المتقدّم في حصر المنهيّ عن بيعه قبل قبضه في مطلق الأطعمة الرّبويّة .
ويؤخذ من كلام ابن جزيّ هذا الضّابط ، وهو : أنّ كلّ طعام أخذ معاوضةً - بغير جزاف - فليس له أن يبيعه حتّى يقبضه . وتشمل المعاوضة : الشّراء ، والإجارة ، والصّلح ، وأرش الجناية ، والمهر ، وغيرها - على ما ذكر - فليس له بيعه حتّى يقبضه ، لكن يجوز له أن يهبه أو يسلّفه قبل قبضه .
والتّقييد عند المالكيّة بغير الجزاف ، لإخراج ما بيع جزافاً بغير كيل ولا عدّ ولا وزن من الطّعام ، فإنّه يجوز بيعه قبل قبضه ، لدخوله في ضمان المشتري بمجرّد العقد ، فهو مقبوض حكماً ، فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخلّلهما قبض .
كما شرط المالكيّة في جواز بيع مطلق طعام المعاوضة - بالإضافة إلى شرط قبضه - أن لا يكون القبض من نفسه لنفسه ، فإن قبض من نفسه لنفسه ، منع بيعه ، لأنّ هذا القبض الواقع بين العقدين كلا قبض .
ومعنى هذا أنّ القبض المعتدّ به في الجواز ، هو القبض القويّ ، فيجوز بيع الطّعام عقبه . أمّا القبض الضّعيف ، فهو كلا قبض ، فلا يعقب الجواز . مثال ذلك :
- إذا وكّله ببيع طعام ، فباعه من أجنبيّ ، وقبل قبض الأجنبيّ الطّعام ، اشتراه الوكيل منه لنفسه ، فإنّه يمتنع بيعه من نفسه ، لأنّه يقبض هذه الحال من نفسه لنفسه .
- وكذلك لو وكّله بشراء طعام ، فاشتراه وقبضه ثمّ باعه لأجنبيّ ، واشتراه منه قبل أن يقبضه الأجنبيّ منه ، فإنّه يمتنع شراؤه من نفسه ، لأنّه في هذه الحال يقبض من نفسه لنفسه . ويستثنى من عدم جواز بيع الطّعام إذا قبض من نفسه لنفسه ، ما إذا كان القابض من نفسه ممّن يتولّى طرفي العقد ، كوصيّ ليتيميه ، ووالد لولديه الصّغيرين ، فإنّه يجوز بيع طعام أحدهما للآخر ، ثمّ بيعه لأجنبيّ ، قبل قبضه لمن اشتراه له .
د - لم يضع الشّافعيّة ضابطاً في هذا الصّدد ، لكنّهم ألحقوا - في الأصحّ من مذهبهم - بالبيع عقوداً أخرى ، من حيث البطلان قبل القبض . فنصّوا على أنّ الإجارة والرّهن والهبة - ولو من البائع - باطلة ، فلا تصحّ لوجود المعنى المعلّل به النّهي فيها ، وهو ضعف الملك ، وكذلك الصّدقة والهديّة وعوض الخلع والصّلح عن نحو دم ، والقرض والقراض والشّركة وغيرها . وجاءت عبارة المنهج عامّةً ، فنصّت على أنّه : لا يصحّ تصرّف ، ولو مع بائع ، بنحو بيع ورهن فيما لم يقبض ، وضمن بعقد .
لكنّهم صحّحوا تصرّف المشتري بالمبيع قبل قبضه بالإعتاق والوصيّة والتّدبير والتّزويج والوقف وقسمة الإفراز والتّعديل لا الرّدّ ، وكذا إباحة طعام اشتراه جزافاً ، بخلاف ما لو اشتراه مكيلاً ، فلا بدّ لصحّة إباحته من كيله وقبضه .
وعلّلوا ذلك بتشوّف الشّارع إلى العتق - على حدّ تعبيرهم - وفي معناه بقيّة التّصرّفات .
7- وألحقوا أيضاً الثّمن المعيّن ، سواء أكان دراهم أم دنانير أم غيرهما بالمبيع في فساد التّصرّف قبل القبض ، فلا يبيعه البائع ، ولا يتصرّف فيه قبل قبضه ، وذلك لعموم النّهي ، وللتّعليل المتقدّم . بل قال ابن حجر : وكلّ عين مضمونة في عقد معاوضة . كذلك ، أي لا يتصرّف فيها قبل قبضها . فأمّا الأموال الّتي تكون للشّخص في يد غيره أمانةً كالوديعة ، والمال المشترك في الشّركة والقراض ، والمرهون بعد انفكاكه ، والموروث ، وما يملكه الغانم من الغنيمة ، والمال الباقي في يد الوليّ بعد بلوغ المولى عليه رشده ونحوها ، فيملك بيعها ، لتمام الملك في المذكورات .
8- ولعلّه لا بأس من الإشارة هاهنا إلى أنّ الإمام الشّوكانيّ - رحمه الله - طرح ضابطاً آخر ، شطره ممّا قرّره الشّافعيّة ، وقال ما نظيره :
إنّ التّصرّفات الّتي تكون بعوض ، تلتحق بالبيع ، فيكون فعلها قبل القبض غير جائز . والتّصرّفات الّتي لا عوض فيها ، تلتحق بالهبة ، فيكون فعلها قبل القبض جائزاً . ورجّح هذا الرّأي ، واستشهد له بإجماعهم على صحّة الوقف والعتق قبل القبض . وبما علّل به النّهي عن بيع ما لم يقبض ، وهو شبهة الرّبا :
فقد روي عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أنّ طاوساً سأله عن سبب النّهي ، فأجابه : بأنّه إذا باع المشتري المبيع قبل قبضه ، وتأخّر المبيع في يد البائع ، صار كأنّه باعه دراهم بدراهم ، فإذا اشترى طعاماً بمائة دينار مثلاً ، ودفعها إلى البائع ، ولم يقبض منه الطّعام ، ثمّ باع الطّعام من شخص آخر بمائة وعشرين - مثلاً - صار كأنّه اشترى بذهبه ذهبا أكثر منه أي اشترى بمائة مائةً وعشرين . قال الشّوكانيّ : ولا يخفى أنّ مثل هذه العلّة لا ينطبق على ما كان من التّصرّف بغير عوض . وهذا التّعليل أجود ما علّل به النّهي ، لأنّ الصّحابة أعرف بمقاصد الرّسول صلى الله عليه وسلم .
9- وقال بعض المالكيّة : إنّ هذا النّهي تعبّد .
وأشار الدّسوقيّ منهم إلى أنّ هذا هو الصّحيح عند أهل المذهب ، ونقله عن التّوضيح .
وقيل : بل هو معقول المعنى ، ومعلّل بأنّ الشّارع له غرض في ظهوره ، وهو سهولة الوصول إلى الطّعام ، ليتوصّل إليه القويّ والضّعيف .
ولو جاز بيعه قبل قبضه ، لباع أهل الأموال بعضهم من بعض ، من غير ظهور ، ولخفي بإمكان شرائه من مالكه وبيعه خفيةً ، فلم يتوصّل إليه الفقير ، بخلاف ما إذا منع من ذلك ، فإنّه ينتفع به الكيّال ، والحمّال ، ويظهر للفقراء ، فتقوى به قلوب النّاس ، لا سيّما في زمن المسغبة والشّدّة .
تحديد القبض وتحقّقه :
10 - مذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّ قبض كلّ شيء بحسبه
- أ - فإن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً أو مذروعاً ، فقبضه بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذّرع . وذلك : لحديث عثمان رضي الله عنه قال : « كنت أبتاع التّمر من بطن من اليهود ، يقال لهم : بنو قينقاع ، وأبيعه بربح ، فبلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان : إذا ابتعت فاكتل ، وإذا بعت فكل » .
وحديث جابر رضي الله عنه ، قال : « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الطّعام حتّى يجري فيه الصّاعان : صاع البائع ، وصاع المشتري » .
والمالكيّة شرطوا في قبض المثليّ تسليمه للمشتري ، وتفريغه في أوعيته .
- ب - وإن كان جزافاً فقبضه نقله ، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : « كانوا يتبايعون الطّعام جزافاً بأعلى السّوق ، فنهاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتّى ينقلوه » وفي رواية : « حتّى يحوّلوه » .
- ج - وإن كان منقولاً من عروض وأنعام ، فقبضه بالعرف الجاري بين النّاس كما يقول المالكيّة : كاحتياز الثّوب ، وتسليم مقود الدّابّة . أو ينقله إلى حيّز لا يختصّ به البائع ، عند الشّافعيّة . ويروى هذا عن أبي يوسف ، كالشّارع ودار المشتري .
وفصّل الحنابلة في المنقول من العروض والأنعام فقالوا : إن كان المبيع دراهم أو دنانير ، فقبضها باليد . وإن كان ثياباً فقبضها نقلها . وإن كان حيواناً ، فقبضه تمشيته من مكانه .
- د - وإن كان عقاراً فقبضه بالتّخلية بينه وبين المشتري ، بلا حائل دونه ، وتمكينه من التّصرّف فيه ، بتسليمه المفتاح إن وجد ، بشرط أن يفرّغه من متاع غير المشتري عند الشّافعيّة .
ولم يشترط ذلك المالكيّة إلاّ في دار السّكنى ، فإنّ قبضها بالإخلاء عندهم ، ولا يكتفى بالتّخلية . أمّا غيرها من العقارات ، فيتحقّق القبض بالتّخلية ، وإن لم يخل البائع متاعه منها . ويشير الشّافعيّة إلى أنّ هذا التّفصيل إنّما هو في القبض المصحّح للتّصرّف ، أمّا القبض النّاقل للضّمان من البائع ، فمداره على استيلاء المشتري على المبيع ، سواء أنقله أم لا ، وسواء أخلّى البائع بينه وبينه أم لا ، وسواء أأذن له في القبض أم لا ، وسواء أكان له الحقّ في الحبس أم لا ، فمتى استولى المشتري على المبيع انتفى الضّمان عن البائع ، بمعنى أنّه لو تلف حينئذ لا ينفسخ العقد ، أو تعيّب لا يثبت الخيار للمشتري ، ولو رجع إلى البائع لا يرجع الضّمان إليه .
11 - ولم يفصّل الحنفيّة - وهي رواية ابن الخطّاب عن أحمد - هذا التّفصيل في القبض ، بل اعتبروا التّخلية - وهي : رفع الموانع والتّمكين من القبض - قبضاً حكماً على ظاهر الرّواية ، وروى أبو الخطّاب مثل ذلك عن أحمد وشرط مع التّخلية التّمييز .
نصّ الحنفيّة على مذهبهم هذا في الرّهن ، في التّخلية بينه وبين المرتهن ، وقالوا : إنّ التّخلية فيه قبض ، كما هي في البيع ، فإنّها فيه أيضاً قبض . قالوا : لأنّها تسليم ، فمن ضرورته الحكم بالقبض ، فيترتّب عليه ما يترتّب على القبض الحقيقيّ ، وهذا هو الأصحّ . ومقابل الأصحّ : المرويّ عن أبي يوسف ، وهو : أنّه لا يثبت في المنقول إلاّ بالنّقل .
12 - وعلى هذا لو باع ما اشتراه قبل أن يقبضه فربح ، فهذا هو ربح ما لم يضمن ، الّذي ورد فيه حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . وفسّره محمّد بن الحسن في كتاب الآثار لمّا روى هذا الحديث من طريق آخر برواية أخرى ، فقال : وأمّا ربح ما لم يضمن : فالرّجل يشتري الشّيء ، فيبيعه قبل أن يقبضه . وكذلك فسّره الشّوكانيّ ، حيث قال : يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها ، مثل : أن يشتري متاعاً ، ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع ، فهذا البيع باطل ، وربحه لا يجوز ، لأنّ المبيع في ضمان البائع الأوّل ، وليس في ضمان المشتري منه ، لعدم القبض . وكذلك فعل البهوتيّ ، حيث قال : والمراد به ربح ما بيع قبل القبض .
وهذا الحديث وإن كان عاماً ، غير أنّ الإمام أحمد - رحمه الله - خصّه بالطّعام ، في رواية الأثرم عنه ، قال : سألت أبا عبد اللّه ، عن قوله : « نهى عن ربح ما لم يضمن » ، قال : هذا في الطّعام ، وما أشبهه من مأكول أو مشروب ، فلا يبيعه حتّى يقبضه . وقال ابن عبد البرّ : الأصحّ عن أحمد بن حنبل ، أنّ الّذي يمنع من بيعه قبل قبضه : هو الطّعام .