الحكم التّكليفيّ :
6 - يحرم الإقدام على البيع الفاسد إذا كان المتصرّف عالماً بفساده ، لأنّ فيه مخالفةً شرعيّةً ولو في وصف العقد ، والفاسد منهيّ عنه ، والنّهي يدلّ على كونه غير مباح .
أسباب الفساد :
7 - ما يلي من الأسباب تفسد العقد عند الحنفيّة ولا تبطله ، والبيع في هذه الأحوال يفيد الحكم بشرط القبض ، ويطبّق عليه أحكام الفاسد الآتي ذكرها ، وهذه الأسباب تعتبر من أسباب بطلان العقد وعدم اعتباره أصلاً عند جمهور الفقهاء ، وحيث إنّ البيع الفاسد هو مصطلح الحنفيّة فقط فيقتصر على ذكر أسباب الفساد عندهم :
أ - عدم القدرة على التّسليم إلاّ بتحمّل الضّرر :
8 - من شروط البيع الصّحيح : أن يكون المبيع مقدور التّسليم من غير ضرر يلحق البائع ، فإن لم يمكن تسليمه إلاّ بضرر يلزمه فالبيع فاسد ، لأنّ الضّرر لا يستحقّ بالعقد ، ولا يلزم بالتزام العاقد إلاّ تسليم المعقود عليه ، فأمّا ما وراءه فلا .
وعلى ذلك إذا باع جذعاً في سقف ، أو آجرّاً في حائط ، أو ذراعاً في ديباج فإنّه لا يجوز ، لأنّه لا يمكنه تسليمه إلاّ بالنّزع والقطع ، وفيه ضرر بالبائع ، والضّرر غير مستحقّ بالعقد . فكان بيع ما لا يجب تسليمه شرعاً ، فيكون فاسداً .
فإن نزعه البائع وسلّمه إلى المشتري قبل أن يفسخ العقد جاز البيع ، حتّى يجبر المشتري على الأخذ ، لأنّ المانع من الجواز ضرر البائع بالتّسليم ، فإذا سلّم باختياره ورضاه فقد زال المانع . ولو باع حلية سيفه ، فإن كان يتخلّص منه من غير ضرر يجوز ، وإن كان لا يتخلّص إلاّ بضرر فالبيع فاسد ، إلاّ إذا فصل وسلّم .
وكذلك الحكم في بيع ذراع من ثوب يضرّه التّبعيض ، وبيع فصّ خاتم مركّب فيه ، وكذا بيع نصيبه من ثوب مشترك من غير شريكه ، للضّرر في تسليم ذلك كلّه .
ب - جهالة المبيع أو الثّمن أو الأجل :
9 - من شروط صحّة البيع أن يكون المبيع والثّمن معلومين علماً يمنع من المنازعة ، فإن كان أحدهما مجهولاً جهالةً مفضيةً إلى المنازعة فسد البيع . فإذا قال : بعتك شاةً من هذا القطيع ، أو ثوباً من هذا العدل فسد البيع ، لأنّ الشّاة من القطيع أو الثّوب من العدل مجهول جهالةً مفضيةً إلى المنازعة ، لفحش التّفاوت بين شاة وشاة ، وثوب وثوب فيوجب الفساد . لكن إذا عيّن البائع شاةً أو ثوباً وسلّمه إليه ، ورضي به جاز ، ويكون ذلك ابتداءً بيعاً بالمراضاة . ولو باع شيئاً بعشرة دراهم ، وفي البلد نقود مختلفة ، انصرف إلى النّقد الغالب ، فيصحّ العقد ، لكنّه إذا كان في البلد عدّة نقود غالبة فالبيع فاسد ، لأنّ الثّمن مجهول إذ البعض ليس بأولى من البعض .
10 - وإذا كان البيع فيه أجل ، يشترط لصحّته أن يكون الأجل معلوماً ، فإن كان مجهولاً يفسد البيع ، سواء أكانت جهالة الأجل فاحشةً ، كهبوب الرّيح ونزول المطر وقدوم فلان وموته ونحو ذلك ، أم متقاربةً كالحصاد والدّياس والنّيروز والمهرجان وقدوم الحاجّ ونحو ذلك ، لأنّ الأوّل فيه غرر الوجود والعدم ، والنّوع الثّاني ممّا يتقدّم ويتأخّر فيؤدّي إلى المنازعة ، فيوجب فساد البيع .
ت - البيع بالإكراه :
11 - الإكراه إذا كان ملجئاً ، أي بالتّهديد بإتلاف النّفس أو العضو مثلاً ، يعدم الرّضا ويفسد الاختيار ، فيبطل عقد البيع وسائر العقود بغير خلاف .
أمّا الإكراه غير الملجئ ، كالتّهديد بالحبس والضّرر اليسير ، فيفسد البيع عند الحنفيّة ولا يبطله ، فيثبت به الملك عند القبض ، وينقلب صحيحاً لازماً بإجازة المكرَه ، لأنّ الإكراه غير الملجئ لا يعدم الاختيار - الّذي هو : ترجيح فعل الشّيء على تركه - ، وإنّما يعدم الرّضا - الارتياح إلى الشّيء - والرّضا ليس ركناً من أركان البيع ، بل هو شرط من شروط صحّته . كما هو مفصّل في بحث ( إكراه ) . وكذلك بيع المضطرّ فاسد ، كما إذا اضطرّ شخص إلى بيع شيء من ماله ولم يرض المشتري إلاّ بشرائه بأقلّ من ثمن المثل بغبن فاحش .
ث - الشّرط المفسد :
12 - من شروط صحّة البيع أن يكون خالياً عن الشّروط المفسدة ، وهي أنواع .
منها ما في وجوده غرر ، نحو ما إذا اشترى ناقةً على أنّها حامل ، لأنّ الشّرط يحتمل الوجود والعدم ولا يمكن الوقوف عليه للحال ، لأنّ عظم البطن والتّحرّك يحتمل أن يكون لعارض ، فكان في البيع بهذا الشّرط غرر يوجب فساده ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أنّه « نهى عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر » .
ويروي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة : أنّ البيع بهذا الشّرط جائز ، لأنّ كونها حاملاً بمنزلة شرط كون العبد كاتباً أو خيّاطاً ونحو ذلك ، وذا جائز ، فكذا هذا .
وقد ألحق بعض الفقهاء بهذا المثال شراء بقرة على أنّها حلوب ، أو قمريّةً على أنّها تصوّت ، أو كبشاً على أنّه نطاح ، أو ديكاً على أنّه مقاتل ، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة ، وهو إحدى الرّوايتين عن محمّد ، لأنّه شرط فيه غرر .
وفي الموضوع أمثلة خلافيّة يرجع إليها في مظانّها .
ومن الشّروط الفاسدة الّتي تفسد العقد : كلّ شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو للمشتري ، وليس بملائم ولا ممّا جرى به التّعامل بين النّاس . نحو : إذا باع داراً على أن يسكنها البائع شهراً ثمّ يسلّمها إليه ، أو أرضاً على أن يزرعها سنةً ، أو دابّةً على أن يركبها شهراً ، أو ثوباً على أن يلبسه أسبوعاً ، فالبيع في كلّ هذه الصّور فاسد ، لأنّ زيادة المنفعة المشروطة في البيع تكون رباً ، لأنّها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع ، والبيع الّذي فيه رباً فاسد . وكذا ما فيه شبهة الرّبا ، فإنّها مفسدة للبيع . ( ر : ربا ) .
ومن الشّروط المفسدة : شرط خيار مؤبّد في البيع ، وكذلك شرط خيار مؤقّت بأجل مجهول جهالةً فاحشةً ، كهبوب الرّيح ومجيء المطر مثلاً ، وتفصيله في مصطلح : ( شرط ) .
ج - اشتمال العقد على التّوقيت :
13 - من شروط صحّة البيع : ألا يكون العقد مؤقّتاً ، فإن أقّته فالبيع فاسد ، لأنّ عقد البيع عقد تمليك العين ، وعقود تمليك الأعيان لا تصحّ مؤقّتةً ، ولهذا عرّف بعض الفقهاء البيع بأنّه : عقد معاوضة ماليّة يفيد ملك عين على التّأبيد .
وللتّفصيل ينظر مصطلح : ( أجل ، تأقيت ) .
ح - اشتمال العقد على الرّبا :
14 - من شروط صحّة البيع : الخلوّ عن الرّبا ، لأنّ البيع الّذي فيه رباً فاسد عند الحنفيّة ، لأنّ الرّبا حرام بنصّ الكتاب الكريم . قال اللّه تعالى : { وأحلَّ اللّه البيعَ وحرَّمَ الرّبا } . وكذلك يشترط أن يكون البيع خالياً عن شبهة الرّبا ، واحتمال الرّبا . قال الكاسانيّ : حقيقة الرّبا كما هي مفسدة للبيع ، فاحتمال الرّبا مفسد له أيضاً ، ولأنّ الشّبهة ملحقة بالحقيقة في باب الحرمات احتياطاً ، وأصله ما روي عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « الحلال بَيّنٌ والحرام بيّن ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك » .
خ - البيع بغرر :
15 - الغرر هو خطر حصول الشّيء أو عدم حصوله ، فإذا كان الغرر في أصل المبيع ، بأن يكون محتملاً للوجود والعدم ، كبيع الثّمار قبل أن تخلق ، وبيع الطّير في الهواء قبل أن يصطاد ، فالعقد باطل ، وإن كان في أوصافه كبيع الرّطب على النّخل بتمر مقطوع فالعقد فاسد عند الحنفيّة لجهالة قدر المبيع . وتفصيله في مصطلح : ( غرر ) .
د - بيع المنقول قبل قبضه :
16 - من اشترى عيناً منقولةً لا يصحّ بيعه لها قبل قبضها من البائع الأوّل ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطّعام حتّى يقبض » .
ولأنّه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه ، لأنّه إذا هلك قبل القبض يبطل البيع الأوّل ، فينفسخ الثّاني ، لأنّه بناءً على الأوّل ، وسواء أباعه من بائعه الأوّل أو من غيره . وكذلك لو قبض نصف المبيع المنقول الّذي اشتراه ، فأشرك رجلاً فيما اشتراه جاز فيما قبض ، ولم يجز فيما لم يقبض ، لأنّ الإشراك نوع بيع والمبيع منقول ، فلم يكن غير المقبوض محلاً له شرعاً ، فلم يصحّ في غير المقبوض ، وصحّ في قدر المقبوض . ( ر : قبض ) .
تجزّؤ الفساد :
17 - الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد ، فالصّفقة إذا اشتملت على الصّحيح والفاسد يقتصر الفساد فيه على قدر المفسد ، ويصحّ في الباقي ، وهذا متّفق عليه بين فقهاء الحنفيّة إذا كان الفساد طارئاً . وقد ورد في صور بيع العينة : ما لو باع شيئاً بعشرة ولم يقبض الثّمن ، ثمّ اشتراه بخمسة لم يجز ، أمّا إذا اشترى ذلك الشّيء مضموماً إليه غيره فيصحّ . جاء في الهداية : أنّ من اشترى سلعةً بخمسمائة ، ثمّ باعها وأخرى معها بخمسمائة من البائع قبل نقد الثّمن ، فالبيع جائز في الّتي لم يشترها من البائع ، ولا يجوز في الأخرى لأنّه لا بدّ أن يجعل الثّمن بمقابلة الّتي لم يشترها ، فيكون مشترياً للأخرى بأقلّ ممّا باع قبل نقد الثّمن ، وهو فاسد بشبهة الرّبا . أمّا إذا كان الفساد مقارناً للعقد فكذلك الحكم عند أبي يوسف ومحمّد ، لأنّهما لا يفرّقان بين الفساد الطّارئ والفساد المقارن .
وقال أبو حنيفة : متى فسد العقد في البعض بمفسد مقارن يفسد في الكلّ لأنّه إذا كان الفساد مقارناً يصير قبول العقد في الفاسد شرط قبول العقد في الآخر ، وهذا شرط فاسد ، فيؤثّر في الكلّ ، ولم يوجد هذا المعنى في الفساد الطّارئ ، فاقتصر الفساد فيه على قدر المفسد . وعلى ذلك إذا اشترى ديناراً بعشرة دراهم نسيئةً ، ثمّ نقد بعض العشرة دون البعض في المجلس فسد الكلّ عند أبي حنيفة ، لأنّ الفساد مقارن للعقد ، فيؤثّر في فساد الكلّ . وعندهما يصحّ بقدر ما قبض ويفسد في الباقي ، بناءً على اقتصار الفساد على قدر المفسد .
أمثلة للبيع الفاسد :
18 - ذكر الحنفيّة في كتبهم - بعد بيان البيع الباطل - أمثلةً عن البيع الفاسد ، وذلك بناءً على أصلهم من التّفرقة بينهما ، ومن أمثلة البيع الفاسد :
بيع ما سكت فيه عن الثّمن ، كبيعه بقيمته ، وذراع من ثوب يضرّه التّبعيض ، وبيع الملامسة والمنابذة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الملامسة والمنابذة » وبيع اللّبن في الضّرع ، والصّوف على الظّهر ، واللّحم في الشّاة ، وجذع في سقف ، وثوب من ثوبين إذا لم يشترط فيه خيار التّعيين .
أمّا اللّبن في الضّرع فللجهالة واختلاط المبيع بغيره ، وكذا الصّوف على الظّهر ، ولاحتمال وقوع التّنازع ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع لبن في ضرع ، وسمن في لبن » .
وأمّا اللّحم في الشّاة والجذع في السّقف فلا يمكن تسليمه إلاّ بضرر لا يستحقّ عليه . وكذلك ذراع من ثوب وحلية في سيف ، وإن قلعه وسلّمه قبل نقض البيع جاز .
ولو باع عيناً على أن يسلّمها إلى رأس الشّهر فهو فاسد ، لأنّ تأجيل الأعيان باطل ، إذ لا فائدة فيه ، لأنّ التّأجيل شرع في الأثمان تيسيراً على المشتري ، ليتمكّن من تحصيل الثّمن ، وأنّه معدوم في الأعيان فكان شرطاً فاسداً .
ومن البيع الفاسد : بيع المزابنة والمحاقلة ، لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عنهما ، ولشبهة الرّبا فيهما . ولو باع على أن يقرض المشتري دراهم أو ثوباً على أن يخيطه البائع فالبيع فاسد ، « لأنّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط » ، وهذا شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ، وفيه منفعة لأحد العاقدين فيفسد العقد .
والبيع إلى النّيروز والمهرجان وصوم النّصارى وفطر اليهود إذا جهل المتبايعان ذلك فاسد ، وكذلك البيع إلى الحصاد والقطاف والدّياس وقدوم الحاجّ لجهالة الأجل ، وهي تقضي إلى المنازعة ، وإن أسقط الأجل قبل حلوله جاز البيع عند فقهاء الحنفيّة ، خلافاً لزفر حيث قال : الفاسد لا ينقلب صحيحاً .
19 - هذا ، ومن أمثلة البيع الفاسد الّتي ذكرها الحنفيّة : البيع بالخمر والخنزير ، أو بيعهما مقايضةً بالعين ، فإذا قوبلا بالعين كما إذا اشترى الثّوب بالخمر ، أو باع الخمر بالثّوب فالبيع فاسد ، أمّا إن قوبلا بالدّين كالدّراهم والدّنانير فالبيع باطل .
ووجه الفرق كما ذكره المرغينانيّ : أنّ الخمر والخنزير مال عند أهل الذّمّة ، إلاّ أنّه غير متقوّم ، لأنّ الشّرع أمر بإهانته وترك إعزازه ، وفي تملّكه بالعقد إعزاز له ، وهذا لأنّه متى اشتراها بالدّراهم فالدّراهم غير مقصودة ، لكونها وسيلةً لما أنّها تجب في الذّمّة ، وإنّما المقصود الخمر ، فسقط التّقوّم أصلاً فبطل العقد ، بخلاف مشتري الثّوب بالخمر لأنّ فيه إعزازاً للثّوب دون الخمر . وكذا إذا باع الخمر بالثّوب فيكون العقد فاسداً ، لأنّه يعتبر شراء الثّوب بالخمر ، لكونه مقايضةً .
20 - وهناك صوراً أخرى اختلف فقهاء الحنفيّة في اعتبارها بيعاً فاسداً أو بيعها باطلاً ، كبيع الحمل ، وبيع الطّير في الهواء ، والسّمك في البحر قبل اصطيادهما لو قوبلا بالعرض ، وبيع ضربة القانص والغائص . وبيع لؤلؤ في صدف ، وكذلك بيع الآبق ،واللّبن في الضّرع.
آثار البيع الفاسد :
21 - تقدّم أنّه لا فرق بين بيع البيع الفاسد والبيع الباطل عند جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - في الجملة ، فكلاهما غير منعقد ، فلا اعتبار بالبيع الفاسد شرعاً ، كما أنّه لا اعتبار بالبيع الباطل عندهم .
ولمّا قال خليل في مختصره : وفسد منهيّ عنه ، فسّره الدّردير بقوله : أي بطل ، أي لم ينعقد ، سواء أكان عبادةً ، كصوم يوم العيد ، أم عقداً ، كنكاح المريض والمحرم ، وكبيع ما لا يقدر على تسليمه ، أو مجهول ، لأنّ النّهي يقتضي الفساد .
وكتب على نصّ خليل الدّسوقيّ قوله : أي منهيّ عن تعاطيه . وهذه قضيّة كلّيّة شاملة للعبادات والمعاملات ، وهي العقود . وصرّح الشّافعيّة بأنّه لو حذف المتعاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد . وهذا يعني أنّ الفاسد عندهم لا تلحقه الإجازة ، كالباطل عند الحنفيّة . وقد أخذ القليوبيّ والجمل وغيرهما على الإمام النّوويّ - رحمه الله تعالى - أنّه أهمل هنا فصلاً في حكم البيع الفاسد والمقبوض بالشّراء الفاسد ، وذكروا أحكامه مختصرةً . أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين البيع الفاسد والبيع الباطل ، ويعتبرون الفاسد منعقداً خلافاً للباطل فإنّه غير منعقد ، وله أحكام سبقت في مصطلحه . أمّا البيع الفاسد فله أحكام نجملها فيما يلي :
أوّلاً - انتقال الملك بالقبض :
22 - البيع الفاسد يفيد الملك بقبض المشتري المبيع بإذن البائع صريحاً أو دلالةً عند الحنفيّة ، كما إذا قبضه في المجلس وسكت البائع ، فيجوز للمشتري التّصرّف في المبيع ، ببيع أو هبة أو صدقة أو إجارة ونحو ذلك ، إلاّ الانتفاع .
قال ابن عابدين : إذا ملكه تثبت له كلّ أحكام الملك إلاّ خمسةً : لا يحلّ له أكله ، ولا لبسه ، ولا وطؤها - إن كان المبيع أمةً - ولا أن يتزوّجها منه البائع ، ولا شفعة لجاره لو عقاراً . ودليل جواز التّصرّف في المبيع فاسداً حديث « عائشة رضي الله عنها ، حيث ذكرت لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّها أرادت أن تشتري بريرة ، فأبى مواليها أن يبيعوها إلاّ بشرط : أن يكون الولاء لهم ، فقال لها : خذيها واشترطي لهم الولاء ، فإنّ - الولاء لمن أعتق ، فاشترتها مع شرط الولاء لهم » . فأجاز العتق مع فساد البيع بالشّرط . ولأنّ ركن التّمليك ، وهو قوله : بعت واشتريت ، صدر من أهله ، وهو المكلّف المخاطب مضافاً إلى محلّه وهو المال عن ولاية ، إذ الكلام فيهما ، فينعقد لكونه وسيلةً إلى المصالح ، والفساد لمعنًى يجاوره ، كالبيع وقت النّداء ، والنّهي لا ينفي الانعقاد بل يقرّره ، لأنّه يقتضي تصوّر المنهيّ عنه والقدرة عليه ، لأنّ النّهي عمّا لا يتصوّر ، وعن غير المقدور قبيح ، إلاّ أنّه يفيد ملكاً خبيثاً لمكان النّهي . واشترطوا لإفادة البيع الفاسد الملك شرطين :
أحدهما : القبض ، فلا يثبت الملك قبل القبض ، لأنّه واجب الفسخ رفعاً للفساد ، وفي وجوب الملك قبل القبض تقرّر الفساد .
والثّاني : أن يكون القبض بإذن البائع ، فإن قبض بغير إذن لا يثبت الملك .
23 - هذا ، واختلف علماء الحنفيّة في كيفيّة حصول الملك والتّصرّف في المبيع بيعاً فاسداً . قال بعضهم : إنّ المشتري يملك التّصرّف فيه باعتبار تسليط البائع له ، لا باعتبار تملّك العين ، ولهذا لا يجوز أكل طعام اشتراه شراءً فاسداً . وذهب بعضهم إلى أنّ جواز التّصرّف بناءً على ملك العين ، واستدلّوا بما إذا اشترى داراً بشراء فاسد وقبضها ، فبيعت بجنبها دار ، له أن يأخذها بالشّفعة لنفسه ، ولم يملكها لمّا استحقّ الشّفعة . لكن لا تجب فيه شفعة للشّفيع وإن كان يفيد الملك ، لأنّ حقّ البائع لم ينقطع .
أي لأنّ لكلّ من البائع والمشتري الفسخ .
انتقال الملك بالقيمة لا بالمسمّى :
24 - اتّفق الحنفيّة على أنّ حصول الملك بالقبض في البيع الفاسد في مقابل قيمة المبيع ، لا الثّمن المسمّى الّذي اتّفق عليه الطّرفان . وذلك لأنّ العقد منهيّ عنه ، والتّسمية فاسدة فلا يجب المسمّى ، والمعتبر في القيمة يوم القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، ويوم الإتلاف عند محمّد .
ثانياً : استحقاق الفسخ :
25 - البيع الفاسد ، مع كونه غير مشروع بوصفه ، فالفساد مقترن به ، ودفع الفساد واجب فيستحقّ فسخه ، ولأنّ الفاسد يفيد ملكاً خبيثاً لمكان النّهي ، فكان لكلّ واحد منهما حقّ الفسخ ، إزالةً للخبث ودفعاً للفساد . ولأنّ من أسباب البيع الفاسد اشتراط الرّبا وإدخال الآجال المجهولة ونحو ذلك ، وهذه معصية والزّجر عن المعصية واجب ، واستحقاق الفسخ يصلح زاجراً عن المعصية ، لأنّه إذا علم أنّه يفسخ ، فالظّاهر أنّه يمتنع عن المباشرة كما علّله الفقهاء .
ولا يشترط في فسخه قضاء قاض ، لأنّ الواجب شرعاً لا يحتاج إلى القضاء . ولكن لو أصرّا على إمساك المبيع بيعاً فاسداً وعلم بذلك القاضي فله فسخه جبراً عليهما ، حقّاً للشّرع .
شروط الفسخ :
26 - الفسخ مشروط بما يلي :
أ - أن يكون بعلم المتعاقد الآخر ، ولا يشترط رضاه ، ونقل الكاسانيّ عن الكرخيّ أنّ هذا الشّرط من غير خلاف : ثمّ نقل عن الإسبيجابيّ أنّه شرط عندهما خلافاً لأبي يوسف ، وأنّ الخلاف فيه كالخلاف في خيار الشّرط والرّؤية .
ب - أن يكون المبيع قائماً في يد أحدهما .
ج - أن لا يعرض له ما يتعذّر به الرّدّ .
من يملك الفسخ :
27 - الفسخ إمّا أن يكون قبل القبض أو بعده :
أ - فإن كان الفسخ قبل القبض ، فلكلّ من المتعاقدين الفسخ بعلم صاحبه من غير رضاه ، لأنّ البيع الفاسد قبل القبض لا يفيد الملك ، فكان الفسخ قبل القبض بمنزلة الامتناع من القبول والإيجاب ، فيملكه كلّ واحد منهما ، لكنّه - كما يقول الزّيلعيّ - يتوقّف على علمه ، لأنّ فيه إلزام الفسخ له ، فلا يلزمه بدون علمه .
ب - وإن كان الفسخ بعد القبض : فإمّا أن يكون الفساد راجعاً إلى البدلين أو إلى غيرهما : - 1 - فإن كان الفساد في صلب العقد ، بأن كان راجعاً إلى البدلين : المبيع والثّمن ، كبيع درهم بدرهمين ، وكالبيع بالخمر والخنزير ، فكذلك الحكم ، ينفرد أحدهما بالفسخ ، لأنّ الفساد الرّاجع إلى البدل راجع إلى صلب العقد ، فلا يمكن تصحيحه ، لأنّه لا قوام للعقد إلاّ بالبدلين ، فكان الفساد قويّاً ، فيؤثّر في صلب العقد ، بعدم لزومه في حقّ المتعاقدين جميعاً . - 2 - وإن كان الفساد غير راجع إلى البدلين ، كالبيع بشرط زائد ، كالبيع إلى أجل مجهول ، أو بشرط فيه نفع لأحدهما :
- فالإسبيجابيّ قرّر أنّ ولاية الفسخ لصاحب الشّرط ، بلا خلاف ، لأنّ الفساد الّذي لا يرجع إلى البدل ، لا يكون قويّاً فيحتمل السّقوط ، فيظهر في حقّ صاحب الشّرط ، فلا يلزمه
- وذكر الكرخيّ خلافاً في المسألة : ففي قول أبي حنيفة وأبي يوسف : لكلّ منهما الفسخ ، لعدم اللّزوم ، بسبب الفساد . وفي قول محمّد : الفسخ لمن له منفعة الشّرط ، لأنّه القادر على تصحيح العقد بإسقاط المفسد ، فلو فسخه الآخر ، لأبطل حقّه عليه ، هذا لا يجوز .
طريق فسخ البيع الفاسد :
28 - يفسخ العقد الفاسد بطريقين :
الأوّل : بالقول ، وذلك بأن يقول من يملك الفسخ : فسخت العقد ، أو رددته ، أو نقضته ، فينفسخ بذلك ، ولا يحتاج إلى قضاء ولا رضا البائع ، سواء أكان قبل القبض أم بعده ، لأنّ استحقاق الفسخ ثبت رفعاً للفساد ، ورفع الفساد حقّ للّه تعالى ، فيظهر في حقّ الكافّة ، ولا يتوقّف على قضاء ولا رضاء .
الثّاني : بالفعل ، وذلك بأن يردّ المبيع على بائعه بأيّ وجه ، بهبة أو صدقة ، أو إعارة ، أو بيع أو إجارة ، فإذا فعل ذلك ، ووقع المبيع في يد بائعه - حقيقةً ، أو حكماً كالتّخلية - فهو متاركة للبيع ، وبرئ المشتري من ضمانه .
ما يبطل به حقّ الفسخ :
29 - لا يسقط حقّ الفسخ بصريح الإبطال والإسقاط ، بأن يقول : أسقطت ، أو : أبطلت ، أو : أوجبت البيع ، أو ألزمته ، لأنّ وجوب الفسخ ثبت حقّاً للّه تعالى ، دفعاً للفساد ، وما ثبت حقّاً للّه تعالى خالصاً ، لا يقدر العبد على إسقاطه مقصوداً ، كخيار الرّؤية .
لكن قد يسقط بطريق الضّرورة ، بأن يتصرّف العبد في حقّ نفسه مقصوداً ، فيتضمّن ذلك سقوط حقّ اللّه عزّ وجلّ ، بطريق الضّرورة . وإذا بطل حقّ الفسخ لزم البيع ، وتقرّر الضّمان ، وإذا لم يبطل لا يلزم البيع ، ولا يتقرّر الضّمان . وفيما يلي أهمّ صور ذلك .
الصّورة الأولى : التّصرّف القوليّ في المبيع بيعاً فاسداً .
30 - أطلق الحنفيّة القول بأنّه يبطل حقّ الفسخ بكلّ تصرّف يخرج المبيع عن ملك المشتري لتعلّق حقّ العبد به . وهذا التّعليل هو الّذي أصّله المالكيّة ، وذلك كما لو جعل المبيع مهراً ، أو بدل صلح ، أو بدل إجارة ، وعلّلوه قائلين : لخروجه عن ملكه بذلك .
أو وهبه وسلّمه ، لأنّ الهبة لا تفيد الملك إلاّ بالتّسليم بخلاف البيع .
أو رهنه وسلّمه ، لأنّ الرّهن لا يلزم بدون التّسليم .
أو وقفه وقفاً صحيحاً ، لأنّه استهلكه حين وقفه وأخرجه عن ملكه .
أو أوصى به ثمّ مات ، لأنّه ينتقل من ملكه إلى ملك الموصى له ، وهو ملك مبتدأ ، فصار كما لو باعه . أو تصدّق به وسلّمه أيضاً ، لأنّه لا يخرج عن ملك المتصدّق بدون تسليم .
وكذا العتق ، فقد استثنوه لقوّته وسرايته وتشوّف الشّارع إليه .
31 - ففي هذه الصّور كلّها ، ينفذ البيع الفاسد ، ويمتنع فسخه وذلك :
أ - لأنّ المشتري ملكه ، فملك التّصرّف فيه .
ب - ولأنّه تعلّق حقّ العبد بالعقد الثّاني ، ونقض العقد الأوّل ما كان إلاّ لحقّ الشّرع ، وحقّ العبد عند معارضة حقّ اللّه تعالى يقدّم بإذنه تعالى ، لغناه سبحانه وتعالى وسعة عفوه ، وفقر العبد دائماً إلى ربّه .
ج - ولأنّ العقد الأوّل مشروع بأصله لا بوصفه ، والثّاني مشروع بأصله ووصفه ، فلا يعارضه مجرّد الوصف .
د - ولأنّ البيع الثّاني حصل بتسليط من جهة البائع الأوّل ، لأنّ التّمليك منه - مع الإذن في القبض - تسليط على التّصرّف ، فلا يتمكّن من الاسترداد من المشتري الثّاني ، وإلاّ كان ساعياً في نقض ما تمّ من جهته ، ويؤدّي إلى المناقضة .
32 - استثنى الحنفيّة من ذلك : الإجارة . فقرّروا أنّها لا تمنع من فسخ البيع الفاسد ، لأنّ الإجارة تفسخ بالأعذار ، ورفع الفساد من الأعذار ، بل لا عذر أقوى من الفساد ، كما يقول الكاسانيّ . ولأنّها - كما يقول المرغينانيّ - تنعقد شيئاً فشيئاً ، فيكون الرّدّ امتناعاً . ونصّ الحنفيّة على أنّه إذا زال المانع من ممارسة حقّ الفسخ - كما لو رجع الواهب بهبته ، أو أفتك الرّاهن رهنه - عاد الحقّ في الفسخ ، لأنّ هذه العقود لم توجب الفسخ من كلّ وجه في حقّ الكلّ . لكن يشترط أن يكون ذلك قبل القضاء بالقيمة أو المثل ، لا بعده ، لأنّ قضاء القاضي بذلك يبطل حقّ البائع في العين ، وينقله إلى القيمة أو المثل بإذن الشّرع ، فلا يعود حقّه إلى العين وإن ارتفع السّبب ، كما لو قضى على الغائب بقيمة المغصوب بسبب فقده مثلاً ، ثمّ وجد المغصوب .
الصّورة الثّانية : الأفعال الّتي ترد على المبيع بيعاً فاسداً :
33 - ومنها البناء والغرس ، فلو بنى المشتري في الأرض الّتي اشتراها شراءً فاسداً بناءً أو غرس شجراً :
فذهب أبو حنيفة إلى أنّه يمتنع الفسخ بالبناء والغرس ، وذلك لأنّهما استهلاك عنده ، لأنّه يقصد بهما الدّوام ، وقد حصلا بتسليط من البائع ، فينقطع بهما حقّ الاسترداد ، كالبيع . وذهب الصّاحبان إلى أنّ البناء والغرس لا يمنعان من الفسخ ، وللبائع أن ينقضهما ويستردّ المبيع ، وذلك لأنّ حقّ الشّفعة - مع ضعفه - لا يبطل بالبناء والغرس ، فهذا أولى .
34 - وممّا يمنع الفسخ الزّيادة في المبيع أو النّقص منه .
أ - أمّا الزّيادة : فقد قرّر الحنفيّة أنّ كلّ زيادة متّصلة بالمبيع ، غير متولّدة منه ، كما لو كان المبيع قماشاً فخاطه ، أو ثوباً فصبغه ، أو قمحاً فطحنه ، أو قطناً فغزله ، ففي هذه الصّور كلّها وأمثالها يمتنع الفسخ ، وتلزم المشتري قيمة المبيع .
وأمّا الزّيادة المتّصلة المتولّدة كسمن المبيع ، والزّيادة المنفصلة المتولّدة كالولد ، والزّيادة المنفصلة غير المتولّدة كالكسب والهبة ، فإنّها لا تمنع الفسخ .
ب - وأمّا نقص المبيع ، فقد قرّروا أنّه إذا نقص في يد المشتري ، لا يبطل حقّه في الرّدّ ، ولا يمتنع الفسخ . لكن إن نقص وهو في يده بفعله ، أو بفعل المبيع نفسه ، أو بآفة سماويّة يأخذه البائع منه ، ويضمّنه أرش النّقصان .
ولو نقص وهو في يد المشتري بفعل البائع ، اعتبر البائع بذلك مستردّاً له .
ولو نقص بفعل أجنبيّ ، خيّر البائع بأخذه من المشتري أو من الجاني .
35 - وقد وضع الزّيلعيّ من الحنفيّة ضابطاً لما يمتنع به من الأفعال حقّ الاسترداد والفسخ ، فقال : إنّ المشتري متى فعل بالمبيع فعلاً ، ينقطع به حقّ المالك في الغصب ، ينقطع به حقّ المالك في الاسترداد ، كما إذا كان حنطةً فطحنها .
ثالثاً : من أحكام البيع الفاسد : حكم الرّبح في البدلين بالبيع الفاسد :
36 - صرّح فقهاء الحنفيّة بأنّه يطيب للبائع ما ربح في الثّمن ، ولا يطيب للمشتري ما ربح في المبيع ، فلو اشترى من رجل عيناً بالبيع الفاسد بألف درهم مثلاً وتقابضا ، وربح كلّ واحد منهما فيما قبض ، يتصدّق الّذي قبض العين بالرّبح ، لأنّها تتعيّن بالتّعيين ، فتمكّن الخبث فيها ، ويطيب الرّبح للّذي قبض الدّراهم ، لأنّ النّقد لا يتعيّن بالتّعيين .
ومفاد هذا الفرق : أنّه لو كان بيع مقايضة ( أي بيع عين بعين ) لا يطيب الرّبح لهما ، لأنّ كلّاً من البدلين مبيع من وجه ، فتمكّن الخبث فيهما معاً .
رابعاً : قبول البيع الفاسد للتّصحيح :
37 - البيع الفاسد إمّا أن يكون الفساد فيه ضعيفاً أو قويّاً :
أ - فإذا كان الفساد ضعيفاً ، وهو ما لم يدخل في صلب العقد ، فإنّه يمكن تصحيحه كما في البيع بشرط خيار لم يوقّت ، أو وقّت إلى وقت مجهول كالحصاد والدّياس ، وكما في البيع بثمن مؤجّل إلى أجل مجهول مثلاً ، فإذا أسقط الأجل مَنْ له الحقّ فيه قبل حلوله ، وقبل فسخه ، جاز البيع لزوال المفسد ، ولو كان إسقاط الأجل بعد الافتراق على ما حرّره ابن عابدين كذلك سائر البياعات الفاسدة تنقلب جائزةً بحذف المفسد ، فبيع جذع في سقف فاسد ، وكذلك بيع ذراع من ثوب وحلية في سيف ، لأنّه لا يمكن تسليم المبيع إلاّ بضرر لا يستحقّ عليه ، لكنّه إن قلعه وسلّمه قبل نقض البيع جاز ، وليس للمشتري الامتناع . وبيع ثوب من ثوبين فاسد لجهالة المبيع ، لكنّه لو قال : على أن يأخذ أيّهما شاء جاز لعدم المنازعة . وإن باع بشرط أن يعطيه المشتري رهناً ، ولم يكن الرّهن معيّناً ولا مسمًّى ، فالبيع فاسد ، لكن إذا تراضيا على تعيين الرّهن في المجلس ، ورفعه المشتري إليه قبل أن يتفرّقا ، أو عجّل المشتري الثّمن يبطل الأجل ، فيجوز البيع استحساناً لزوال الفساد .
هذا كلّه عند أكثر فقهاء الحنفيّة ، خلافاً لزفر حيث قال : البيع إذا انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد ، لما فيه من الاستحالة .
ب - أمّا إذا كان الفساد قويّاً ، بأن يكون في صلب العقد ، وهو البدل أو المبدل ، فلا يحتمل الجواز برفع المفسد اتّفاقاً ، كما إذا باع عيناً بألف درهم ورطل من خمر ، فحطّ الخمر عن المشتري ، فهذا البيع فاسد ولا ينقلب صحيحاً .
خامساً : الضّمان إذا هلك المبيع :
38 - لا يختلف الفقهاء في أنّ المبيع بيعاً فاسداً ، إذا هلك وهو في يد المشتري ، ثبت ضمانه عليه ، وذلك بردّ مثله إن كان مثليّاً - مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً - وردّ قيمته إن كان قيميّاً ، بالغةً ما بلغت ، سواء أكانت أكثر من الثّمن أم أقلّ منه أم مثله .
وتجب القيمة في القيميّ ، عند جمهور الحنفيّة يوم القبض ، لأنّه به يدخل في ضمانه ، فهو اليوم الّذي انعقد به سبب الضّمان . وعند محمّد تعتبر قيمته يوم الإتلاف ( الهلاك ) ، لأنّه بالإتلاف يتقرّر المثل أو القيمة
39 - أمّا لو نقص المبيع بيعاً فاسداً في يد المشتري ، فالنّقص مضمون عليه على النّحو التّالي :
أ - لو نقص في يد المشتري بفعل المشتري ، أو المبيع نفسه ، أو بآفة سماويّة ، أخذه البائع مع تضمين المشتري أرش النّقصان .
ب - ولو نقص بفعل البائع ، صار بذلك مستردّاً للمبيع ، حتّى لو هلك عند المشتري ولم يوجد منه حبس عن البائع ، هلك على البائع .
ج - ولو نقص بفعل أجنبيّ ، خيّر البائع :
- فإن شاء أخذه من المشتري ، ثمّ يرجع المشتري على الجاني .
- وإن شاء اتّبع الجاني ، وهو لا يرجع على المشتري .
سادساً : ثبوت الخيار فيه :
40 - نصّ الحنفيّة على أنّ خيار الشّرط يثبت في البيع الفاسد ، كما يثبت في البيع الجائز حتّى لو باع عبداً بألف درهم ورطل من خمر ، على أنّه بالخيار ، فقبضه المشتري بإذن البائع ، وأعتقه في الأيّام الثّلاثة لا ينفذ إعتاقه ، ولولا خيار الشّرط للبائع لنفذ إعتاق المشتري بعد القبض . قال ابن عابدين : ومفاده صحّة إعتاقه بعد مضيّ المدّة ، لزوال الخيار ، وهو ظاهر . وكما يثبت خيار الشّرط في المبيع بيعاً فاسداً ، يثبت فيه خيار العيب ، وللمشتري بعد قبضه أن يردّه بالعيب بقضاء وبغير قضاء .
بيع الفضوليّ *
التّعريف :
1 - البيع في اللّغة : مبادلة شيء بشيء .
وفي الشّرع هو : مبادلة المال المتقوّم بالمال المتقوّم تمليكاً وتملّكاً .
والفضوليّ لغةً : مَنْ يشتغل بما لا يعنيه .
وأمّا في الاصطلاح فهو : من لم يكن وليّاً ولا أصيلاً ولا وكيلاً في العقد .
وجاء في العناية : أنّ الفضوليّ بضمّ الفاء لا غير ، والفضل : الزّيادة ، وغلب استعمال الجمع ( فضول ) بدلاً من المفرد ( فضل ) فيما لا خير فيه . وقيل : لمن يشتغل بما لا يعنيه فضوليّ ، وهو في اصطلاح الفقهاء : من ليس بوكيل .
وجاء في حاشية الشّلبيّ على تبيين الحقائق : وفي حاشية ابن عابدين أنّ الفضوليّ : هو من يتصرّف في حقّ الغير بغير إذن شرعيّ ، كالأجنبيّ يزوّج أو يبيع . ولم ترد النّسبة إلى الواحد وهو الفضل ، وإن كان هو القياس ، لأنّه صار بالغلبة كالعلم لهذا المعنى ، فصار كالأنصاريّ والأعرابيّ . هذا ، ولفظ الفضوليّ عند الفقهاء يتناول كلّ من يتصرّف بلا ملك ولا ولاية ولا وكالة ، كالغاصب إذا تصرّف في المغصوب بالبيع أو غيره ، والوكيل إذا باع أو اشترى أو تصرّف مخالفاً لما أمره به موكّله ، فهو أيضاً يعتبر بهذه المخالفة فضوليّاً ، لأنّه تجاوز الحدود الّتي قيّده بها موكّله .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الفقهاء الّذين يرون أنّ بيع الفضوليّ باطل مقتضى مذهبهم حرمة الإقدام على بيع الفضوليّ لأنّه تسبّب للمعاملات الباطلة . أمّا من رأى صحّته - وهم الحنفيّة والمالكيّة - فقد صرّح المالكيّة بأنّ بيع الفضوليّ بلا مصلحة للمالك حرام ، أمّا إن باع للمصلحة كخوف تلف أو ضياع فغير حرام ، بل ربّما كان مندوباً .
ولم نجد للحنفيّة تصريحاً بالحكم التّكليفيّ .
الحكم الإجماليّ :
3 - للفقهاء في بيع الفضوليّ اتّجاهان من حيث الجملة .
أحدهما : يجيز البيع ويوقف نفاذه على إجازة المالك .
والثّاني : يمنع البيع ويبطله . وأمّا الشّراء ، فإنّ منهم من يجيزه ويجعله موقوفاً على الإجازة كالبيع ، ومنهم من لا يجعله كذلك ، ومنهم من يذكر فيه تفصيلاً .