القسم الثّاني : بيع تكون التّلجئة فيه في الثّمن أو البدل :
وهو أيضاً على ضربين .
10 - الضّرب الأوّل : بيع تكون التّلجئة فيه في قدر الثّمن .
ومثاله أن يتواضعا في السّرّ والباطن على أنّ الثّمن ألف ، ثمّ يتبايعا في الظّاهر بألفين ، فهل العبرة في مثل هذا البيع بالظّاهر أو الباطن ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : أحدهما : أنّ العبرة بالظّاهر ، أي بما تعاقدا عليه ، وهو الثّمن المعلن .
ذهب إلى ذلك أبو حنيفة فيما رواه عنه أبو يوسف . وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وهو أظهر الوجهين عند الحنابلة ، وقطع به القاضي .
ثانيهما : أنّ العبرة بالباطن ، أي بما اتّفقا عليه سرّاً ، وهذا القول رواه محمّد في الإملاء من غير خلاف ، وهو قول أبي يوسف أيضاً . وهو أيضاً ما ذهب إليه الحنابلة على أحد الوجهين عندهم ، وهو مذهب المالكيّة على ما نصّوا عليه في مهر السّرّ ومهر العلانية . ووجه القول بأنّ الثّمن هو الثّمن المعلن : هو أنّ المذكور في العقد هو الّذي يصحّ العقد به ، وما ذكراه سرّاً لم يذكراه حالة العقد ، فسقط حكمه ، وأيضاً فإنّ الاتّفاق السّابق ملغًى ، بدليل أنّهما لو اتّفقا على شرط فاسد ثمّ عقدا بلا شرط صحّ العقد .
ووجه القول بأنّ الثّمن هو ثمن السّرّ : هو أنّهما اتّفقا على أنّهما لم يقصدا الألف الزّائدة ، فكأنّهما هزلا بها . أي فلا تضمّ إلى الثّمن ، ويبقى الثّمن هو الثّمن الّذي اتّفقا عليه في السّرّ ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بفساد بيع الهازل .
وأمّا عند الشّافعيّة القائلين بصحّته - في أصحّ الوجهين - فتضمّ إلى الثّمن . هذا ، ويفهم ممّا ذكره صاحب البدائع من أنّ المعتبر هل هو ثمن السّرّ أو الثّمن المعلن ، أنّ محلّه إن قالا عند المواضعة : إنّ أحد الألفين المعلنين رياء وسمعة ، أمّا إذا لم يقولا ذلك عند المواضعة فالثّمن ما تعاقدا عليه ، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد ، والمذكور عند العقد ألفان .
11 - الضّرب الثّاني : بيع تكون فيه التّلجئة في جنس الثّمن .
ومثال ذلك : أن يتّفقا في السّرّ على أنّ الثّمن ألف درهم ، ثمّ يظهرا البيع بمائة دينار ، فهل يبطل هذا البيع أو يصحّ بالثّمن المعلن ؟
ذهب محمّد إلى أنّ هذا البيع يبطل قياساً ، ويصحّ استحساناً ، أي بالثّمن المعلن .
ومحلّه - كما جاء في البدائع - إن قالا عند المواضعة : إنّ الثّمن المعلن رياء وسمعة ، فإن لم يقولا ذلك فالثّمن ما تعاقدا عليه ، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد ، والمذكور عند العقد إنّما هو مائة دينار .
ووجه بطلان هذا البيع على القياس : هو أنّ ثمن السّرّ لم يذكراه في العقد ، وثمن العلانية لم يقصداه فقد هزلا به ، فسقط وبقي بيعاً بلا ثمن فلا يصحّ .
ووجه صحّته استحساناً : هو أنّهما لم يقصدا بيعاً باطلاً بل بيعاً صحيحاً ، فيجب حمله على الصّحّة ما أمكن ، ولا يمكن حمله على الصّحّة إلاّ بثمن العلانية ، فكأنّهما انصرفا عمّا شرطاه في الباطن ، فتعلّق الحكم بالظّاهر ، كما لو اتّفقا على أن يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا ، بخلاف الألف والألفين ، لأنّ الثّمن المذكور المشروط في السّرّ مذكور في العقد وزيادة ، فتعلّق العقد به .
12 - هذا وذكر صاحب البدائع أيضاً أنّ هذا كلّه إذا اتّفقا في السّرّ ولم يتعاقدا في السّرّ ، أمّا إذا اتّفقا في السّرّ وتعاقدا أيضاً في السّرّ بثمن ، ثمّ تواضعا على أن يظهرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخر ، فإن لم يقولا : إنّ العقد الثّاني رياء وسمعة فالعقد الثّاني يرفع العقد الأوّل ، والثّمن هو المذكور في العقد الثّاني ، لأنّ البيع يحتمل الفسخ والإقالة ، فشروعهما في العقد الثّاني إبطال للأوّل ، فبطل الأوّل وانعقد الثّاني بما سمّي عنده . وإن قالا : رياء وسمعة ، فإن كان الثّمن من جنس آخر فالعقد هو العقد الأوّل ، لأنّهما لمّا ذكرا الرّياء والسّمعة فقد أبطلا المسمّى في العقد الثّاني ، فلم يصحّ العقد الثّاني ، فبقي العقد الأوّل .
وإن كان من جنس الأوّل فالعقد هو العقد الثّاني ، لأنّ البيع يحتمل الفسخ ، فكان العقد هو العقد الثّاني لكن بالثّمن الأوّل ، والزّيادة باطلة لأنّهما أبطلاها حيث هزلا بها .
13 - وأمّا الشّافعيّة فإنّ البيع يصحّ عندهم بالثّمن المعلن ، ولا أثر للاتّفاق السّابق لأنّه ملغًى ، فصار كما لو اتّفقا على شرط فاسد ، ثمّ تبايعا بلا شرط .
14 - وأمّا الحنابلة ، فقد جاء في الفروع في كتاب الصّداق : أنّهما لو اتّفقا قبل البيع على ثمن ، ثمّ عقدا البيع بثمن آخر أنّ فيه وجهين :
أحدهما : أنّ الثّمن ما اتّفقا عليه . والثّاني : ما وقع عليه العقد كالنّكاح .
15 - وأمّا المالكيّة ، فإنّهم لم يصرّحوا في كتبهم ببيع التّلجئة كغيرهم ، وإنّما ذكروا بيع المكره والمضغوط وبيع الهازل ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ، لكنّهم تكلّموا عن عقد النّكاح وتسمية مهر للسّرّ ومهر للعلانية ، وبيّنوا أنّ العمل بمهر السّرّ إذا كانت هناك بيّنة تشهد على أنّ مهر العلن لا عبرة به ، وإنّما ذكر للأبّهة والفخر . فإذا لم تكن هناك بيّنة واتّفق الزّوجان على مهر السّرّ عمل به ، فإن اختلفا حلّفت الزّوجة الزّوج إن ادّعت الرّجوع عن صداق السّرّ القليل إلى صداق العلانية الكثير ، فإن حلف عمل بصداق السّرّ ، وإن نكل حلفت الزّوجة على الرّجوع وعمل بصداق العلانية ، فإن نكلت عمل بصداق السّرّ .
16 - هذا ، وذكر صاحب التّبصرة في القضاء بشهادة الاسترعاء : أنّ الاسترعاء في البيوع لا يجوز ، مثل أن يشهد قبل البيع أنّه راجع في البيع ، وأنّ بيعه لأمر يتوقّعه ، لأنّ المبايعة خلاف ما يتطوّع به ، وقد أخذ البائع فيه ثمناً وفي ذلك حقّ للمبتاع ، إلاّ أن يعرف الشّهود الإكراه على البيع والإخافة ، فيجوز الاسترعاء إذا انعقد قبل البيع ، وتضمّن العقد شهادة من يعرف الإخافة والتّوقّع الّذي ذكره . وهذا يفيد أنّ المكره على البيع لأمر يتوقّعه أو يخافه لا يلزمه البيع عند المالكيّة ، بل له أن يرجع فيه حتّى بعد أن يقبض الثّمن ، ما دام شهود الاسترعاء قد عرفوا الإكراه على البيع وسبب الإخافة .
أثر الاختلاف بين البائع والمشتري :
17 - لو ادّعى أحدهما بيع التّلجئة ، وأنكر الآخر ، فإن جاء مدّعي التّلجئة ببيّنة قبلت ، وإلاّ فالقول لمدّعي الأصل وهو عدم التّلجئة بيمينه . ولو قدّم كلّ منهما بيّنةً قدّمت بيّنة مدّعي التّلجئة ، لأنّه يثبت خلاف الظّاهر .
ولو تبايعا في العلانية ، فإن اعترفا ببنائه على التّلجئة ، فالبيع في العلانية باطل باتّفاقهما على أنّهما هزلا به ، وإلاّ فالبيع لازم . وهذا بناءً على ما ذهب إليه القائلون بصحّة بيع السّرّ وبطلان البيع المعلن ، وهم أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، والمفهوم من مذهب المالكيّة .
أمّا من ذهب إلى صحّة البيع الثّاني وبطلان الاتّفاق المسبق في السّرّ ، فلا ترد هذه التّفصيلات عندهم ، وهم أبو حنيفة والشّافعيّة والقاضي من الحنابلة .
هذا من حيث الجملة ، وتنظر تفصيلات المسألة والخلاف فيها في مباحث البيع والدّعوى .
بيع التّولية *
انظر : تولية .
بيع الثّنيّة *
انظر : بيع الوفاء .
البيع الجبريّ *
تعريفه :
1 - البيع الجبريّ مركّب من لفظين : " البيع " و"الجبريّ " فالبيع مبادلة مال بمال على وجه مخصوص . والجبريّ : من جبره على الأمر جبراً : حمله عليه قهراً .
فالبيع الجبريّ في استعمال الفقهاء هو : البيع الحاصل من مكره بحقّ ، أو البيع عليه نيابةً عنه ، لإيفاء حقّ وجب عليه ، أو لدفع ضرر ، أو تحقيق مصلحة عامّة .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإكراه على البيع :
2 - الإكراه في اللّغة : حمل الإنسان على أمر بغير اختياره .
وفي الشّرع : فعل يوجده المكرِه فيدفع المكرَه إلى ما طلب منه .
فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ : أنّ البيع الجبريّ لا يكون إلاّ بحقّ ، أمّا البيع بالإكراه فهو في الأصل أعمّ ، لكنّ الغالب إطلاقه على الإكراه بلا حقّ .
ب - بيع التّلجئة :
3 - بيع التّلجئة في اصطلاح الفقهاء : أن يظهرا عقداً وهما لا يريدانه ، يلجأ إليه صاحب المال خوفاً من عدوّ أو سلطان جائر .
فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ أنّ بيع التّلجئة فيه صورة البيع لا حقيقته .
حكمه التّكليفيّ :
4 - يختلف حكم البيع الجبريّ باختلاف سببه ، فإن كان لإيفاء حقّ ، كبيع ماله لإيفاء دين حالّ ، وبطلب صاحب الحقّ فهو واجب ، وكذا إذا كان لمصلحة عامّة ، كتوسعة المسجد الّذي ضاق على المصلّين ، أو الطّريق العامّ .
ويقوم البيع في الفقه الإسلاميّ - كسائر العقود القوليّة - على التّراضي الحرّ على إنشائه من الجانبين لقوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تأْكلوا أموالَكم بَيْنَكم بالباطلِ إلاّ أنْ تكونَ تِجَارةً عن تَرَاضٍ منكم } وخبر : « إنّما البيعُ عن تَرَاض » ولا يقرّ الفقهاء بيعاً لم يقم على التّراضي من الجانبين : البائع والمشتري ، إلاّ ما توجبه المصلحة العامّة لإحقاق حقّ ، أو تحقيق مصلحة عامّة ، أو دفع ضرر خاصّ أو عامّ ، وهو ما يسمّى في عرفهم : الإكراه المشروع ، أو الإكراه بحقّ . ومنها : العقود الجبريّة الّتي يجريها الحاكم ، إمّا مباشرةً نيابةً عمّن يجب عليه إجراؤها ، إذا امتنع عنها ، أو يجبر هو على إجرائها .
ويذكر الفقهاء أمثلةً للجبر المشروع على البيع منها :
إجبار المدين على بيع ماله :
5 - يجبر المدين على بيع ماله لإيفاء دين حالّ ، إذا امتنع عن أدائه وله مال ظاهر ، فيجبره الحاكم على وفاء الدّين بالتّعزير عليه بالحبس أو الضّرب ، فإن أصرّ على الامتناع قضى الحاكم الدّين من ماله جبراً عليه ، إذا كان له مال ظاهر من جنس الدّين .
هذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء . أمّا إذا كان ماله من غير جنس الدّين كالعقار والعروض ، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الإمام يبيع ماله عليه جبراً نيابةً عنه .
وعند الإمام أبي حنيفة ، لا يبيع الحاكم ماله عليه ، بل يحبسه حتّى يقوم بإيفاء الدّين ببيع ماله أو غيره ، لأنّ ولاية الحاكم - في نظر الإمام - على من عليه الدّين ، لا على ماله ، فلم ينفذ بيعه في ماله بغير إذنه ، ولأنّ البيع تجارة ولا يصحّ إلاّ بتراض ، وفيه أيضاً نوع من الحجر الّذي لا يجيزه أبو حنيفة . وقد خالفه صاحباه في ذلك ، فأجازا بيع الحاكم ماله لوفاء دينه بيعاً جبريّاً ، ورأيهما هو المفتى به في المذهب .
بيع المرهون :
6 - إذا رهن عيناً بدين حالّ أو مؤجّل ، وحلّ الأجل ، وامتنع المدين عن أداء الدّين أجبره الحاكم على بيع المرهون ، أو باع عليه نيابةً عنه ، لأنّه حقّ وجب عليه ، فإذا امتنع عن أدائه قام الحاكم مقامه في أدائه ، كالإيفاء في جنس الدّين . وللتّفصيل ر : ( رهن ) . وقال الإمام أبو حنيفة : لا يبيع عرضه ولا عقاره ، بل يحبسه حتّى يرضى ببيع ماله أو بغيره .
جبر المحتكر :
7 - إذا كان عند إنسان طعام فاضل عن حاجته ، يحتاج إليه النّاس وامتنع عن بيعه لهم ، أجبره الحاكم على بيعه دفعاً للضّرر . وللتّفصيل ر : ( احتكار ) .
الجبر على البيع للنّفقة الواجبة :
8 - إذا امتنع المكلّف عن الإنفاق على من تجب عليه نفقته كالزّوجة والأولاد والأبوين ، ولم يعرف له نقد ظاهر باع الحاكم عروضه أو عقاره للإنفاق عليهم .
وينظر التّفصيل في ( النّفقة ) .
الأخذ بالشّفعة جبراً :
9 - الشّفعة حقّ منحه الشّرع للشّريك القديم ، أو الجار الملاصق ، فيتملّك الشّقص المبيع عن مشتريه بما قام عليه من الثّمن والتّكاليف جبراً عليه .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( شفعة ) .
بيع الجزاف *
التّعريف :
1 - الجزاف اسم من جازف مجازفةً من باب قاتل ، والجُزاف بالضّمّ خارج عن القياس والقياس بكسر الجيم . وهو في اللّغة من الجزف ، أي الأخذ بكثرة ، وجزف في الكيل جزفاً : أكثر منه . ويقال لمن يرسل كلامه إرسالاً من غير قانون : جازف في كلامه ، فأقيم نهج الصّواب في الكلام مقام الكيل والوزن . وبيع الجزاف اصطلاحاً : هو بيع ما يكال ، أو يوزن ، أو يُعَدّ ، جملةً بلا كيل ولا وزن ، ولا عدّ .
الحكم التّكليفيّ :
2 - الأصل أنّ من شرط صحّة عقد البيع أن يكون المبيع معلوماً ، ولكن لا يشترط العلم به من كلّ وجه ، بل يشترط العلم بعين المبيع وقدره وصفته ، وفي بيع الجزاف يحصل العلم بالقدر ، كبيع صبرة طعام ، دون معرفة كيلها أو وزنها ، وبيع قطيع الماشية دون معرفة عددها ، وبيع الأرض دون معرفة مساحتها ، وبيع الثّوب دون معرفة طوله .
وبيع الجزاف استثني من الأصل لحاجة النّاس واضطرارهم إليه ، بما يقتضي التّسهيل في التّعامل . قال الدّسوقيّ : الأصل في بيع الجزاف منعه ، ولكنّه خفّف فيما شقّ علمه من المعدود ، أو قلّ جهله في المكيل والموزون .
ودليله حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - « كنّا نشتري الطّعام من الرّكبان جزافاً ، فنهانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتّى ننقله من مكانه » . وفي رواية : « رأيت النّاس في عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطّعام جزافاً يضربون في أن يبيعوه في مكانه ، وذلك حتّى يؤووه إلى رحالهم » . وفي رواية : « يحوّلوه » وفي أخرى : أنّ عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما كان يشتري الطّعام جزافاً فيحمله إلى أهله فدلّ على أنّهم كانوا يتعاملون ببيع الجزاف ، فيكون هذا دالّاً على جوازه ، وألفاظ الرّواية تدلّ على أنّه كان في عهد الرّسول صلى الله عليه وسلم ، ممّا يفيد حكم الرّفع . ولهذا اتّفق الفقهاء على جوازه من حيث الجملة ، والأظهر عند الشّافعيّة جوازه مع الكراهة .
شروط بيع الجزاف :
3 - اشترط المالكيّة لجواز بيع الجزاف ستّة شروط :
- أ - أن يرى المبيع جزافاً حال العقد ، أو قبله إذا استمرّ على حاله إلى وقت العقد دون تغيير ، وهذا ما لم يلزم على الرّؤية فساد المبيع ، كقلال الخلّ المطيّنة يفسدها فتحها ، فيكتفى برؤيتها في مجلس العقد .
- ب - أن يجهل المتبايعان معاً قدر الكيل أو الوزن أو العدد ، فإن كان أحدهما يعلم قدرها فلا يصحّ .
- ج - أن يحزرا ويقدّرا قدره عند إرادة العقد عليه .
- د - أن تستوي الأرض الّتي يوضع عليها المبيع .
- هـ - ألا يكون ما يراد بيعه جزافاً كثيراً جدّاً ، لتعذّر تقديره . سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً . كما يشترط ألا يقلّ جدّاً إن كان معدوداً ، لأنّه لا مشقّة في معرفة قدره بالعدّ . أمّا إن كان مكيلاً أو موزوناً فيجوز وإن قلّ جدّاً .
- و-أن يشقّ عدّه ولا تقصد أفراده بالبيع ، سواء قلّ ثمنه أو لم يقلّ كالبيض .
وإذا قصدت أفراده جاز بيعه جزافاً إن قلّ ثمنه بالنّسبة لبعضها مع بعض . ومنع من بيعه جزافاً إن لم يقلّ ثمنها كالثّياب .
أمّا إذا لم يشقّ عدّه لم يجز أن يباع جزافاً ، سواء أقصدت أفراده أم لم تقصد ، قلّ ثمنها أو لم يقلّ . وانفرد المالكيّة في تفصيل الشّروط على هذا النّحو ، وإن كان منها ما شاركهم غيرهم في اعتبارها ، كما في الشّرط الأوّل والثّاني والرّابع . كما سيأتي تفصيله .
ولبيع الجزاف صور تختلف أحكامها على التّفصيل التّالي :
بيع الصّبرة جزافاً :
4 - الصّبرة هي : الكومة المجتمعة من الطّعام ونحوه .
والصّبرة المجهولة القدر المعلومة بالرّؤية ، إمّا أن تباع بثمن إجماليّ ، وإمّا أن تباع على أساس السّعر الإفراديّ ، كما لو قال : كلّ صاع منها بكذا .
فأمّا النّوع الأوّل ، فقد قال ابن قدامة : لا نعلم في جوازه خلافاً إن كان ممّا يتساوى أجزاؤه . ويشترط عند الجميع أن لا يكون من الأموال الرّبويّة إذا بيع شيء منها بجنسه كما يأتي . وأمّا الثّاني : وهو بيع الصّبرة الّتي يجهل مقدار كيلها أو وزنها على أساس سعر وحدة الكيل أو الوزن ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفيّة : إلى جواز بيع الصّبرة الّتي يجهل عدد صيعانها مجازفةً ، بأن يقول : بعتك هذه الصّبرة من الطّعام كلّ صاع بدرهم ، لأنّ رؤية الصّبرة تكفي في تقديرها ، ولا يضرّ الجهل بجملة الثّمن ، لأنّ بالإمكان معرفته بالتّفصيل بكيل الصّبرة ، فيرتفع الغرر ، وتزول الجهالة . وذهب أبو حنيفة : إلى أنّ البيع يجوز في قفيز واحد ، ولا يجوز في الصّبرة كلّها ، إلاّ إذا عرف عدد الصّيعان ، وذلك لتعذّر صرف البيع إلى الكلّ للجهالة بالمبيع والثّمن ، فيصرف إلى الأقلّ وهو معلوم .
فإذا زالت الجهالة بتسمية جملة القفزان ، أو بأن تكال الصّبرة في مجلس العقد ، جاز بيع الصّبرة ويخرج بذلك عن أن يكون جزافاً .
تساوي موضع صبرة الطّعام عند بيعها جزافاً :
5 - لا يحلّ للبائع في بيع صبرة الطّعام جزافاً أن يضعها على موضع ينقصها ، كأن تكون على دكّة أو حجر ونحوه ، وكذلك السّمن ونحوه من المائعات الّتي تباع بوضعها في ظرف أو إناء ، فلا يجوز للبائع - إن باعها جزافاً - أن يكون الظّرف ممّا تختلف أجزاؤه رقّةً وغلظاً ، لأنّ هذا غشّ يؤدّي إلى الغرر والجهالة والنّزاع ، فلا يمكن معه تقديرها بمجرّد رؤيتها . فإذا كانت الصّبرة على دكّة أو ربوة أو حجر لينقصها سواء أقصد البائع أم لم يقصد ، فاشتراها المشتري وهو غير عالم بذلك ، فالبيع صحيح وملزم للبائع ، وللمشتري الخيار في فسخ العقد ، أو الرّجوع بالنّقص في الثّمن على البائع ، بأن تقوّم الصّبرة مغشوشةً مع وضعها على دكّة أو حجر ، وتقوّم بدون ذلك ، فما نقص من ثمنها رجع به المشتري على البائع . وإن باعه صبرة الطّعام ، وظهر أنّ تحتها حفرةً فلا خيار للمشتري ، لأنّ ذلك ينفعه ولا يضرّه ، لأنّه سيزيد في قدرها . وللبائع الخيار إن لم يعلم بالحفرة .
بيع المذروعات والمعدودات المتفاوتة جزافاً :
6 - ذهب الجمهور إلى جواز أن يباع قطيع الماشية مع الجهل بعدده ، كلّ رأس بكذا .
وأن تباع الأرض والثّوب جزافاً ، كلّ ذراع بكذا ، مع الجهل بجملة الذّرعان .
وذهب أبو حنيفة إلى عدم الجواز ، وهو قول ابن القطّان من الشّافعيّة .
والفرق بين المكيلات والموزونات ، وبين المعدودات والمذروعات : أنّ الأولى لا تتفاوت أجزاؤها في العادة تفاوتاً فاحشاً إذا فرّقت ، فتكفي رؤيتها جملةً . أمّا المعدودات والمذروعات كالماشية والأرض ، فتتفاوت أجزاؤها إذا فرّقت ، ولا تكفي رؤيتها جملةً .
البيع جزافاً مع علم أحد المتبايعين بقدر المبيع :
7 - يشترط لصحّة بيع الجزاف أن يكون المتبايعان يجهلان قدر المبيع جميعاً ، أو يعلمانه جميعاً ، ولا يجوز البيع جزافاً مع علم أحد المتعاقدين بقدر المبيع دون الآخر ، وذلك عند المالكيّة والحنابلة وفي وجه للشّافعيّة .
ووجه عدم الجواز عندهم : ما فيه من الغرر ، فإنّ بيع الجزاف جاز للضّرورة والحاجة فيما يباع تخميناً وحزراً ، فإذا عرف قدره لم يجز أن يباع جزافاً إذ لا ضرورة فيه .
ويترتّب عليه أن يردّ المشتري السّلعة الّتي اشتراها جزافاً ، إذا علم بعلم البائع بقدرها ، وللبائع فسخ العقد إذا علم بعلم المشتري بقدرها .
وعند الحنفيّة ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ مع علم أحد المتعاقدين بمقدار المبيع . وعن أحمد رواية بكراهته وعدم تحريمه ، مراعاةً لخلاف العلماء فيه .
بيع الرّبويّ بجنسه جزافاً :
8 - لا يجوز أن يباع المال الرّبويّ بجنسه مجازفةً . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء . يداً بيد } فدلّ الحديث على أنّه لا يباع الرّبويّ بجنسه إلاّ بتحقّق المماثلة بينهما ، وإلاّ بالتّقابض .
ولا يمكن أن تتحقّق المماثلة في البيع الجزاف ، لأنّه قائم على التّخمين والتّقدير ، فيبقى احتمال الرّبا قائماً ، وقد « نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن المزابنة وهي بيع الثّمر الرّطب بالثّمر الجافّ » ، وذلك فيما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يبيع الرّجل تمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً ، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً ، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام ، نهى عن ذلك كلّه » .
وذلك لأنّه ينقص إذا جفّ ، فيكون مجهول المقدار .
والقاعدة في الرّبويّات : أنّ الجهل بالتّماثل كالعلم بالتّفاضل .
ضمّ معلوم في البيع أو جزاف إلى جزاف :
9 - إذا ضمّ جزاف إلى جزاف في البيع بثمن واحد أو بثمنين لم يمنع ذلك صحّة البيع ، لأنّهما في معنى الجزاف الواحد ، من حيث تناول الرّخصة لهما . كما لو قال : بعتك صبرتي التّمر والحبّ هاتين ، أو بعتك ثمرة حائطيّ هذين جزافاً بثلاث دنانير ، أو قال : أولاهما بدينار ، والثّانية بدينارين . وكذا لو ضمّ إلى الجزاف سلعةً ممّا لا يباع كيلاً أو وزناً ، كما لو قال : بعتك هذه الصّبرة وهذه الدّابّة بعشرة دنانير .
أمّا إن ضمّ في البيع إلى الجزاف معلوم بكيل أو وزن أو عدد ، فقد يؤدّي ذلك إلى فساد البيع ، لأنّ انضمامه إليه يصيّر في المعلوم جهلاً لم يكن .
وقد قسم المالكيّة انضمام المعلوم القدر بكيل أو وزن أو عدّ إلى أربع صور : لأنّ الجزاف إمّا أن يكون الأصل فيه - بحسب العرف - أن يباع جزافاً كالأرض ، أو أن يباع بالتّقدير كالكيل للحبوب . وكذلك المعلوم القدر المنضمّ إليه ، إمّا أن يكون الأصل فيه أن يباع جزافاً ، أو أن يباع بالتّقدير : فإن كان الجزاف أصله أن يباع جزافاً ، والمعلوم القدر أصله أن يباع بالكيل أو الوزن أو العدّ ، كجزاف أرض مع مكيل حبّ ، صحّ البيع في هذه الصّورة ،لأنّ كلاً منهما بيع على أصله . ويفسد البيع في الصّور الثّلاث الأخرى ، لمخالفة الأصل في كليهما أو في أحدهما ، وأمثلتها :
أ - جزاف حبّ مع مكيل أرض ( أي أرض مقدرة بالمساحة ) .
ب - جزاف حبّ مع مكيل حبّ .
ج - جزاف أرض مع مكيل أرض . هذا كلّه في الجزاف إذا بيع على غير كيل أو نحوه .
أمّا إن بيع الجزاف على كيل أو نحوه فلا يجوز أن يضمّ إليه شيء غيره مطلقاً ، كأن قال : بعتك هذه الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أنّ مع المبيع سلعة كذا من غير تسمية ثمن لها ، بل ثمنها من جملة ما اشترى به الصّبرة ، لأنّ ما يخصّ السّلعة من الثّمن حين البيع مجهول ، ومعنى مطلقاً : أي سواء كانت السّلعة من جنس الصّبرة ، أو من غير جنسها ، لأنّه إذا سمّى الثّمن فبان أنّه يساوي أكثر ، وسامح فيه البائع من أجل إتمام الصّفقة جزافاً ، كانت التّسمية كعدمها ، لأنّه صار بمثابة الّذي لم يسمّ .
وإذا لم يسمّ ثمنها ، كان ما يخصّ السّلعة من الثّمن مجهولاً .
وعند الحنابلة : لو قال : بعتك هذه الصّبرة وقفيزاً من هذه الصّبرة الأخرى بعشرة دراهم صحّ . أمّا لو قال : بعتك هذه الصّبرة ، كلّ قفيز بدرهم ، على أن أزيدك قفيزاً من هذه الصّبرة الأخرى لم يصحّ . قالوا : لإفضائه إلى جهالة الثّمن في التّفصيل ، لأنّه يصير قفيزاً وشيئاً بدرهم ، والشّيء لا يعرفانه ، لعدم معرفتهما بكمّيّة ما في الصّبرة من القفزان . وذهب الشّافعيّة إلى بطلان البيع في صورة ما إذا قال البائع : بعتك هذه الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أن أزيدك صاعاً من هذه الصّبرة الأخرى . لأنّه يفضي إلى الجهالة في جملة الثّمن وتفصيله ، فيصير كأنّه باعه صاعاً وشيئاً بدرهم ، والشّيء لا يعرف ، للجهالة بكمّيّة ما في الصّبرة من الصّيعان . ولم نطّلع على تفصيل للحنفيّة في هذه المسألة .
10 - لو باع هذه الصّبرة أو نحوها بمائة درهم ، كلّ صاع أو رأس أو ذراع بدرهم صحّ البيع ، إن خرج ما باعه مائةً ، لتوافق الجملة والتّفصيل فلا غرر ولا جهالة . وإن لم تخرج مائةً ، بأن خرجت أقلّ أو أكثر ، لم يصحّ البيع على الصّحيح عند الشّافعيّة ، وذلك لتعذّر الجمع بين الجملة والثّمن وتفصيله . والوجه الثّاني عندهم أنّه يصحّ تغليباً للإشارة .
ظهور المبيع أقلّ أو أكثر من المسمّى :
11 - من ابتاع صبرة طعام على أنّها مائة قفيز بمائة درهم ، فوجدها أقلّ أو أكثر ، ومن ابتاع ثوباً على أنّه عشرة أذرع بعشرة دراهم ، أو أرضاً على أنّها مائة ذراع بمائة درهم ، فوجدها أقلّ أو أكثر ، ذهب جمهور الفقهاء إلى صحّة البيع في هذه الصّورة ، سواء ظهر المبيع زائداً أم ناقصاً عمّا وقع عليه الاتّفاق في العقد .
وسواء أكان المبيع ثوباً أم أرضاً من المذروعات ، أو صبرة طعام من المكيلات . وفي رواية للحنابلة : أنّ البيع باطل ، إذا كان المعقود عليه أرضاً أو ثوباً ، وذلك لاختلال الوصف فيهما ، لأنّه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزّيادة ، ولا يمكن إجبار المشتري على أخذ البعض ، لأنّه اشترى الكلّ . كما لا يجبران على الشّركة في القدر الزّائد للضّرر الحاصل بسبب الشّركة . واتّفق الفقهاء - من حيث الجملة - على ثبوت الخيار للبائع في حال الزّيادة ، وللمشتري في حال النّقصان في الصّورة المتقدّمة .
وفرّق الحنفيّة والحنابلة بين ما يباع ذرعاً كالثّوب والأرض ، وبين ما يباع كيلاً كصبرة الطّعام ، ولم يفرّق الشّافعيّة بينهما ، بل أثبتوا الخيار لمن عليه الضّرر مطلقاً .
ففي صورة ما إذا ابتاع صبرةً من طعام على أنّها مائة قفيز بمائة درهم فوجدها أقلّ .
ذهب الحنفيّة والحنابلة : إلى أنّ المشتري بالخيار إن شاء أخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، وإن شاء فسخ البيع ، وذلك لأنّ الثّمن ينقسم على أجزاء المبيع المثليّ مكيلاً أو موزوناً ، ولم يتمّ رضا المشتري به لأنّه أقلّ ممّا تمّ العقد عليه ، ولهذا كان له خيار أخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، وكان له خيار الفسخ لأنّه وجد المبيع ناقصاً .
وفي قول للحنابلة : أنّه ليس له خيار الفسخ ، لأنّ نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل . وعند الشّافعيّة : للمشتري الخيار بين أن يأخذ الموجود بكلّ الثّمن المسمّى ، وبين الفسخ . وإذا وجد الصّبرة أكثر ممّا تمّ عليه الاتّفاق : ردّ المشتري الزّيادة للبائع لأنّه تضرّر بالزّيادة ، ولأنّ البيع وقع على مقدار معيّن ، فما زاد عليه لا يدخل في البيع . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة . وعند الشّافعيّة : يثبت الخيار للبائع ، ولا يسقط خياره فيما إذا قال المشتري للبائع : لا تفسخ ، وأنا أقنع بالقدر المشروط ، أو أنا أعطيك ثمن الزّائد .
وإذا كان ما يباع جزافاً مذروعاً كالثّوب والأرض ، وظهر أنّه أقلّ ممّا اتّفق عليه في العقد ، فذهب الحنفيّة والشّافعيّة : إلى أنّ المشتري بالخيار بين أن يأخذ الموجود بجملة الثّمن وبين أن يترك البيع ، ولا يسقط خيار المشتري فيما إذا حطّ البائع من الثّمن قدر النّقص .
وذهب الحنابلة إلى أنّ المشتري بالخيار بين أن يأخذ الموجود بحصّته من الثّمن ، أو أن يترك البيع . وإذا ظهر أنّ المبيع أكثر ممّا اتّفق عليه ، فذهب الحنفيّة إلى أنّ الزّيادة للمشتري بالثّمن نفسه ، لأنّ الذّرع كالوصف ، والأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن ، ولا خيار للبائع . وذهب الحنابلة والشّافعيّة : إلى أنّ البائع بالخيار .
وللحنابلة تفصيل في مذهبهم : فذهبوا إلى تخيير البائع بين تسليم المبيع زائداً ، وبين تسليم القدر الموجود . فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، لأنّه زاده خيراً . وإن أبى تسليمه زائداً ، فللمشتري الخيار بين الفسخ أو الأخذ بجميع الثّمن المسمّى وقسط الزّائد . فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة ، والبائع شريك له في الذّراع .
وفي تخيير البائع في الفسخ وجهان . الأوّل : له الفسخ ، لأنّ عليه ضرراً في المشاركة .
الثّاني : لا خيار له ، لأنّه رضي ببيع الجميع بهذا الثّمن . فإذا وصل إليه الثّمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادةً على ما رضي به من الثّمن ، فلا يستحقّ بها الفسخ . فإن بذلها البائع للمشتري بثمن ، أو طلبها المشتري بثمن ، لم يلزم الآخر القبول ، لأنّها معاوضة يعتبر فيها التّراضي منهما ، فلا يجبر واحد منهما عليه . وإن تراضيا على ذلك جاز .
ووجه التّفريق بين المذروعات والمكيلات : أنّ المتّفق عليه في العقد على المكيلات هو القدر ، أمّا في المذروعات فهو الوصف .
والقدر يقابله الثّمن ، أمّا الوصف فهو تابع للمبيع ، ولا يقابله شيء من الثّمن . ولهذا يأخذ المبيع بحصّته من الثّمن ، إذا فات القدر المتّفق عليه . ويأخذ المبيع بالثّمن كاملاً ، إذا فات الوصف المتّفق عليه . فلو قال البائع : بعتك الثّوب على أنّه مائة ذراع بمائة درهم ، كلّ ذراع بدرهم ، فوجدها ناقصةً ، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصّتها من الثّمن ، وإن شاء ترك . لأنّ الوصف وإن كان تابعاً للمبيع ، إلاّ أنّه صار أصلاً ، لأنّه أفرد بذكر الثّمن ، فينزّل كلّ ذراع منزله ثوب مستقلّ .
لأنّه لو أخذ بكلّ الثّمن لم يكن آخذاً لكلّ ذراع بدرهم . فإن وجدها زائدةً ، فهو بالخيار إن شاء أخذ الجميع كلّ ذراع بدرهم ، وإن شاء فسخ البيع ، لأنّه إن حصل له الزّيادة في الذّرع تلزمه زيادة الثّمن ، فكان نفعاً يشوبه ضرر ، فيخيّر بين أخذ الزّيادة وبين فسخ البيع .
بيع الحاضر للبادي *
التّعريف :
1 - الحاضر : ضدّ البادي ، والحاضرة ضدّ البادية .
والحاضر : من كان من أهل الحضر ، وهو ساكن الحاضرة ، وهي المدن والقرى ، والرّيف وهو أرض فيها - عادةً - زرع وخصب .
وقال الشّلبيّ : الحاضر : المقيم في المدن والقرى . والبادي : ساكن البادية ، وهي ما عدا ذلك المذكور من المدن والقرى والرّيف ، قال تعالى : { وإنْ يأتِ الأحزابُ يَوَدُّوا لو أَنَّهم بَادُونَ في الأَعْرابِ } أي نازلون ، وقال الشّلبيّ : المقيم بالبادية . والنّسبة إلى الحاضرة : حضريّ ، وإلى البادية بدويّ . وعبّر بعض المالكيّة : ببيع حاضر لعموديّ ، والعموديّ هو البدويّ ، نسبةً إلى عمود ، لأنّ البدو يسكنون الخيام .
غير أنّ الحنابلة اعتبروا البدويّ شاملاً للمقيم في البادية ، ولكلّ من يدخل البلدة من غير أهلها ، سواء أكان بدويّاً ، أم كان من قرية أو بلدة أخرى . وهو قول عند المالكيّة .
2 - والمراد ببيع الحاضر للبادي عند الجمهور : أن يتولّى الحضريّ بيع سلعة البدويّ ، بأن يصير الحاضر سمساراً للبادي البائع .
قال الحلوانيّ : هو أن يمنع السّمسار الحاضرُ القرويَّ من البيع ، ويقول له : لا تبع أنت ، أنا أعلم بذلك ، فيتوكّل له ، ويبيع ويغالي ، ولو تركه يبيع بنفسه لرخّص على النّاس . فالبيع - على هذا - هو من الحاضر للحاضر نيابةً عن البادي ، بثمن أغلى .
وعلى هذا التّفسير ، تكون اللّام في « ولا يبيع حاضرٌ لباد » على حقيقتها كما يقول ابن عابدين ، وهي : التّعليل .
3 - وذهب بعض الحنفيّة - كصاحب الهداية - إلى أنّ المراد بالحديث : أن يبيع الحضريّ سلعته من البدويّ ، وذلك طمعاً في الثّمن الغالي ، فهو منهيّ عنه ، لما فيه من الإضرار بأهل البلد . وعلى هذا التّفسير تكون اللّام في « ولا يبيع حاضر لباد » بمعنى من - كما يقول البابرتيّ - : فهذا تفسير من قال : إنّ الحاضر هو المالك ، والبادي هو المشتري .
قال الخير الرّمليّ : ويشهد لصحّة هذا التّفسير ، ما في الفصول العماديّة ، عن أبي يوسف : لو أنّ أعراباً قدموا الكوفة ، وأرادوا أن يمتاروا ( يتزوّدوا من الطّعام ) منها ، ألا ترى أنّ أهل البلدة يمنعون عن الشّراء للحكرة ، فهذا أولى .
وصرّح الحصكفيّ من الحنفيّة ، بأنّ الأصحّ - كما في المجتبى - أنّهما : السّمسار والبائع ( وهو التّفسير الأوّل الّذي عليه الجمهور ) وذلك لوجهين :
أوّلهما : موافقته لآخر الحديث في بعض رواياته : « دعوا النّاس ، يرزق اللّه بعضهم من بعض » الآخر : أنّه عدّي باللام ، لا بمن .
فعلى هذا يكون مذهب الحنفيّة ، كالجمهور في تفسير الحديث .
النّهي عن هذا البيع :
4 - لا يختلف الفقهاء في منع هذا البيع . فقد ورد النّهي عنه في أحاديث كثيرة منها : حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه قال : « لا تَلَقُّوا الرّكبانَ ، ولا يبع بعضُكم على بيعِ بعض ، ولا تَنَاجَشُوا ، ولا يَبع حاضر لباد ، ولا تصرُّوا الغنم » ومنها حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : « لا يبع حاضر لباد ، دعوا النّاس ، يرزق اللّه بعضهم من بعض » ومنها حديث أنس رضي الله عنه قال : « نهينا أن يبيع حاضر لباد ، وإن كان أخاه وأباه » وفي لفظ « وإن كان أخاه لأبيه وأمّه » .