مذهب الحنابلة :
13 - مسائل بيع الاستجرار عند الحنابلة مبنيّة على البيع بغير ذكر الثّمن ، وقد ذكر المرداويّ في الإنصاف هذه المسائل فقال : البيع بما ينقطع به السّعر لا يصحّ ، وهو المذهب وعليه الأصحاب ، وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : يصحّ ، واختاره الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة ، وقال : هو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد .
ومن شروط البيع كون الثّمن معلوماً حال العقد على الصّحيح من المذهب ، وعليه الأصحاب ، واختار ابن تيميّة صحّة البيع وإن لم يسمّ الثّمن ، وله ثمن المثل ، نظيره : صحّة النّكاح بدون تسمية مهر ، ولها مهر المثل .
وقد ذكر ابن مفلح في فوائده على مشكل المحرّر اختلاف الرّوايات عن الإمام أحمد في مسائل البيع بغير ذكر الثّمن ، وأورد صورتين اختلف فيهما رأي الإمام أحمد ، فلم يجز البيع في إحداهما ، وأجازه في الأخرى .
14 - قال الخلال في البيع بغير ثمن مسمًّى ، عن حرب : سألت الإمام أحمد قلت : الرّجل يقول لرجل : ابعث لي جريباً من برّ ، واحسبه عليّ بسعر ما تبيع . قال : لا يجوز هذا حتّى يبيّن له السّعر . وعن إسحاق بن منصور قلت للإمام أحمد : الرّجل يأخذ من الرّجل سلعةً فيقول : أخذتها منك على ما تبيع الباقي ، قال : لا يجوز ، وعن حنبل قال عمّي : أنا أكرهه ، لأنّه بيع مجهول ، والسّعر يختلف ، يزيد وينقص .
في هاتين الرّوايتين لا يجيز الإمام أحمد هذا البيع .
15 - أمّا روايتا الجواز فهما : قال أبو داود في مسائله : باب في الشّراء ولا يسمّى الثّمن . سمعت أحمد سئل عن الرّجل يبعث إلى البقّال ، فيأخذ منه الشّيء بعد الشّيء ، ثمّ يحاسبه بعد ذلك ، قال : أرجو أن لا يكون بذلك بأس ، قيل لأحمد : يكون البيع ساعتئذ ؟ قال : لا . قال ابن تيميّة : وظاهر هذا أنّهما اتّفقا على الثّمن بعد قبض المبيع والتّصرّف فيه ، وأنّ البيع لم يكن وقت القبض وإنّما كان وقت التّحاسب ، وأنّ معناه : صحّة البيع بالسّعر ، أي السّعر المعهود بيعه به .
وعن مثنّى بن جامع عن أحمد في الرّجل يبعث إلى مُعَامِل له ، ليبعث إليه بثوب ، فيمرّ به فيسأله عن ثمن الثّوب فيخبره ، فيقول له : اكتبه . والرّجل يأخذ التّمر فلا يقطع ثمنه ، ثمّ يمرّ بصاحب التّمر فيقول له : اكتب ثمنه ؟ فأجازه إذا ثمّنه بسعر يوم أخذه . وهذا صريح في جواز الشّراء بثمن المثل وقت القبض لا وقت المحاسبة ، سواء أذكر ذلك في العقد أم أطلق لفظ الأخذ زمن البيع .
ورواية الجواز هذه هي ما اختارها وأخذ بها ابن تيميّة وابن القيّم . يقول ابن القيّم في إعلام الموقّعين : اختلف الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السّعر من غير تقدير الثّمن وقت العقد ، وصورتها : البيع ممّن يعامله من خبّاز أو لحّام أو سمّان أو غيرهم ، يأخذ منه كلّ يوم شيئاً معلوماً ، ثمّ يحاسبه عن رأس الشّهر أو السّنة على الجميع ، ويعطيه ثمنه . فمنعه الأكثرون ، وجعلوا القبض فيه غير ناقل للملك ، وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب ، لأنّه مقبوض بعقد فاسد ، هذا وكلّهم إلاّ من شدّد على نفسه يفعل ذلك ، ولا يجد منه بدّاً ، وهو يفتي ببطلانه ، وأنّه باق على ملك البائع ، ولا يمكنه التّخلّص من ذلك إلاّ بمساومته له عند كلّ حاجة يأخذها قلّ ثمنها أو كثر ، وإن كان ممّن شرط الإيجاب والقبول لفظاً ، فلا بدّ مع المساومة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظاً .
16 - قال ابن القيّم : القول الثّاني وهو الصّواب المقطوع به ، وهو عمل النّاس في كلّ عصر ومصر : جواز البيع بما ينقطع به السّعر ، وهو منصوص الإمام أحمد ، واختاره شيخنا ( يعني ابن تيميّة ) وسمعته يقول : هو أطيب لقلب المشتري من المساومة ، يقول لي : أسوةً بالنّاس ، آخذ بما يأخذ به غيري ، قال : والّذين يمنعون ذلك لا يمكنهم تركه ، بل هم واقعون فيه ، وليس في كتاب اللّه تعالى ولا سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرّمه ، وقد أجمعت الأمّة على صحّة النّكاح بمهر المثل ، وأكثرهم يجوّزون عقد الإجارة بأجرة المثل ، كالغسّال والخبّاز والملاح وقيّم الحمّام والمكاري ، فغاية البيع بالسّعر أن يكون بيعه بثمن المثل ، فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصّور وغيرها ، فهذا هو القياس الصّحيح ، ولا تقوم مصالح النّاس إلاّ به .
بيع الاستنامة *
انظر : استرسال .
بيع الأمانة *
التّعريف :
1 - الأمانة لغةً : الاطمئنان ، يقال : أمن أمناً وأماناً وأمنةً : إذا اطمأنّ ولم يخف ، فهو آمن وأمن وأمين . وأمن الرّجل وأمن أيضاً : صار أميناً ، والمصدر : الأمانة . واستعمل في الأعيان مجازاً فقيل : الوديعة مثلاً أمانة . وأمن فلاناً على كذا : وثق به واطمأنّ إليه .
وفي الاصطلاح : يطلق ( بيع الأمانة ) على ما فيه اطمئنان من قبل البائع ، لأنّه أمانة في يد المشتري ، فبيع الأمانة مبنيّ على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين .
أنواع بيع الأمانة :
2 - بيع الأمانة يطلق على بيع الوفاء ، وبيع التّلجئة ، وبيع المرابحة ، والوضيعة ، والإشراك ، وبيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق .
وهذه الأمانة والثّقة تارةً تكون مطلوبةً من قبل المشتري ، وتارةً تكون مطلوبةً من قبل البائع .
3 - فإن كانت مطلوبةً من جانب المشتري ، فإنّها تتحقّق ببيع الوفاء ، لأنّ المشتري أمين على المبيع حتّى يردّ له الثّمن الّذي دفعه ، ويأخذ البائع مبيعه .
أمّا إذا كانت مطلوبةً من جانب البائع - وهو الّذي يجب عليه الصّدق بثمن مبيعه وشرائه له - فإذا كان البيع بمثل الثّمن الّذي اشتراه به من غير زيادة ولا نقصان فهو بيع التّولية ، وإن كان بيع بعض المبيع ببعض الثّمن فهو بيع إشراك ، وإن كان بالثّمن مع زيادة فبيع المرابحة ، وإن كان بأقلّ من الثّمن فهو بيع الوضيعة أو الحطيطة .
وإن كان البيع بغضّ النّظر عن الثّمن الّذي اشترى به المبيع ، من مساواة أو زيادة أو نقصان ، وكان بسعر السّوق ، فهو بيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق .
4 - ويقابل بيع الأمانة بيع المساومة ، وهو البيع بالثّمن الّذي يتراضى عليه العاقدان من غير نظر إلى الثّمن الأوّل الّذي اشترى به البائع .
بيع الوفاء :
5 - هو البيع بشرط أنّ البائع متى ردّ الثّمن يردّ المشتري المبيع إليه ، لأنّ المشتري يلزمه الوفاء بالشّرط . وإنّما أطلق عليه ( بيع الأمانة ) عند من سمّاه كذلك من القائلين بجوازه لأنّ المبيع بمنزلة الأمانة في يد المشتري ، لا يحقّ له فيه التّصرّف النّاقل للملك إلاّ لبائعه ، ويسمّيه المالكيّة " بيع الثّنيا " والشّافعيّة " بيع العهدة " والحنابلة " بيع الأمانة " .
وقد ذهب المالكيّة والحنابلة ، والمتقدّمون من الحنفيّة ، والشّافعيّة إلى : أنّ بيع الوفاء فاسد . وذهب بعض المتأخّرين من الحنفيّة والشّافعيّة إلى جوازه . وذهب بعض الحنفيّة أيضاً إلى أنّ بيع الوفاء رهن ، ويثبت له جميع أحكامه . وللتّفصيل انظر مصطلح ( بيع الوفاء ) .
بيع المرابحة :
6 - المرابحة مصدر رابح . تقول : بعته المتاع أو اشتريته منه مرابحةً : إذا سمّيت لكلّ قدر من الثّمن ربحاً . واصطلاحاً : بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل . أو هو : بيع السّلعة بالثّمن الّذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم لهما .
وعند المالكيّة : أنّ لفظ المرابحة حقيقة عرفيّة فيما تقدّم ، وفي المساواة والوضيعة ، إلاّ أنّ النّوع الغالب في المرابحة الكثير الوقوع هو ما تقدّم .
وبيع المرابحة من البيوع الجائزة عند الفقهاء ، وذهب المالكيّة إلى أنّه خلاف الأولى ، وتركه أحبّ ، لكثرة ما يحتاج البائع فيه إلى البيان . فالأولى عندهم البيع بطريق المساومة . بيع التّولية :
7 - هو نقل جميع المبيع إلى المولى بما قام عليه ، بلفظ : ولّيتك أو نحوه من غير زيادة ربح ولا نقصان . وللتّفصيل انظر ( تولية ) .
بيع الإشراك :
8 - هو كبيع التّولية ، إلاّ أنّه بيع بعض المبيع ببعض الثّمن . وللتّفصيل انظر مصطلح ( إشراك ، بيع ) .
بيع الوضيعة :
9 - هو بيع الشّيء بنقصان معلوم من الثّمن الأوّل ، وهو ضدّ بيع المرابحة .
وللتّفصيل انظر مصطلح ( وضيعة ) .
بيع المسترسل :
10 - عرّفه المالكيّة بأنّه : قول الشّخص لغيره بعني كما تبيع النّاس ، أو بسعر السّوق ، أو بسعر اليوم ، أو بما يقوله فلان ، أو أهل الخبرة ونحو ذلك .
والمسترسل - كما عرّفه الإمام أحمد - هو الجاهل بقيمة السّلعة ولا يحسن المماكسة أو لا يماكس . وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء ، واختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه .
حكم الخيانة في بيوع الأمانة :
سبق أنّ هذه البيوع إنّما سمّيت بيوع الأمانة لأنّها مبنيّة على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين : البائع والمشتري .
11 - فأمّا في بيع الوفاء - عند من يجوّزه - فإنّه يجب على المشتري ردّ المبيع إلى بائعه بعد تسلّم الثّمن ، ولا يجوز له إمساك المبيع ، لأنّ بيع الوفاء لا يسوغ للمشتري التّصرّف النّاقل للملكيّة ، ومن ثمّ فلا يجوز بيعه لغير بائعه وليس فيه الشّفعة ، وخراجه على بائعة ، ولو هلك المبيع في يد المشتري بغير تفريط فلا شيء لواحد منهما على الآخر ، لأنّ يد المشتري على المبيع يد أمانة .
وإذا مات البائع انتقل المبيع بالإرث إلى ورثته . وللتّفصيل انظر ( بيع الوفاء ) .
12 - وأمّا بالنّسبة لبيوع الأمانة الأخرى فإنّه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة ، فلا يخلو إمّا أن تكون قد ظهرت في صفة الثّمن ، أو أنّها ظهرت في قدره .
فإن ظهرت الخيانة في صفة الثّمن ، بأن اشترى شيئاً بنسيئة ثمّ باعه مرابحةً على الثّمن الأوّل ، ولم يبيّن أنّه اشتراه بنسيئة ، أو باعه توليةً ولم يبيّن ، ثمّ علم المشتري ، فله الخيار بالإجماع ، إن شاء أخذه وإن شاء ردّه ، لأنّ المرابحة عقد بني على الأمانة ، لأنّ المشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثّمن الأوّل ، فكانت الأمانة مطلوبةً في هذا العقد ، فكانت صيانته عن الخيانة مشروطةً دلالةً ، وفواتها يوجب الخيار كفوات السّلامة عن العيب . وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن في المرابحة والتّولية ، بأن قال : اشتريت بعشرة وبعتك بربح دينار على كلّ عشرة دنانير ، أو قال : اشتريت بعشرة وولّيتك بما تولّيت ، ثمّ تبيّن أنّه كان اشتراه بتسعة ، فقد اختلف في حكمه :
فذهب الشّافعيّة - في الأظهر - وهو المذهب عند الحنابلة ، وقال به أبو يوسف من الحنفيّة : إلى أنّه لا خيار له ، ولكن يحطّ قدر الخيانة فيهما جميعاً ، وذلك درهم في التّولية ودرهم في المرابحة ، وحصّته من الرّبح ، وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم ويلزم البيع .
وقال أبو حنيفة : المشتري بالخيار في المرابحة ، إن شاء أخذه بجميع الثّمن وإن شاء ترك ، وفي التّولية لا خيار له ، لكن يحطّ قدر الخيانة ، ويلزم العقد بالثّمن الباقي .
وذهب المالكيّة إلى أنّه إن حطّ البائع الزّائد المكذوب وربحه لزم البيع ، وإن لم يحطّ لم يلزم المشتري وخيّر بين الإمساك والرّدّ .
وفي القول الثّاني للشّافعيّة ، وبه قال محمّد : له الخيار في المرابحة والتّولية جميعاً ، إن شاء أخذه بجميع الثّمن ، وإن شاء ردّه على البائع .
13 - وأمّا المواضعة ، فإنّها تطبّق عليها شروط المرابحة وأحكامها ، إذ هي بيع بمثل الثّمن الأوّل مع نقصان معلوم منه .
وكذا الإشراك حكمه حكم التّولية ، ولكنّه تولية بعض المبيع ببعض الثّمن .
14 - وأمّا بالنّسبة لبيع المسترسل فمن صوره : أن يقول الرّجل للرّجل : بعني كما تبيع النّاس ، فهذا البيع صحيح عند المالكيّة ، ولكن إن غبنه بما يخرج عن العادة فله الخيار .
15 - ومن صوره أيضاً : أن يبيع شخصاً لا يماكس ، أو لا يحسن المماكسة ، فكأنّ المشتري استرسل إلى البائع واطمأنّ إليه ، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة ، ولا معرفة بغبنه . وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء ، ولكنّهم اختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه .
فذهب الحنفيّة - في ظاهر الرّواية - والشّافعيّة : إلى أنّه لا يثبت له الخيار ، لأنّ نقصان قيمة السّلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد ، ومجرّد كونه مغبوناً لا يثبت له خياراً ، لكنّه مكروه عند الشّافعيّة .
وذهب الحنفيّة في القول المفتى به عندهم ، والمالكيّة والحنابلة : إلى ثبوت الخيار له إذا كان الغبن فاحشاً . وفسّره الحنفيّة بما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين ، لأنّ ما لم يرد الشّرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف ، وفسّر المالكيّة والحنابلة الغبن الفاحش بأنّه ما زاد على الثّلث ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الوصيّة : « الثّلث ، والثّلث كثير » فقد وصف الثّلث بأنّه كثير ، وقيل : السّدس ، وقيل : ما لا يتغابن به النّاس عادةً .
واستدلّوا بقوله عليه الصلاة والسلام : « غبن المسترسل حرام » ولأنّه غبن حصل لجهله بالمبيع ، فأثبت الخيار ، كالغبن في تلقّي الرّكبان .
البيع الباطل *
التّعريف :
1 - البيع لغةً من الأضداد مثل الشّراء ، والأصل في البيع مبادلة مال بمال ، وذلك حقيقة في وصف الأعيان ، لكنّه أطلق على العقد مجازاً ، لأنّه سبب التّمليك والتّملّك .
والباطل من بَطَل الشّيء : فسد أو سقط حكمه فهو باطل .
والبيع اصطلاحاً : مبادلة مال بمال . والبيع الباطل عند الحنفيّة هو : ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه . وعند الجمهور - وهم لا يفرّقون بين الفاسد والباطل في الجملة - هو ما لم يترتّب أثره عليه ، فلم يثمر ولم تحصل به فائدته من حصول الملك .
وهو موافق لما عند الحنفيّة أيضاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - البيع الصّحيح :
2 - هو : ما شرع بأصله ووصفه ، ويفيد الحكم بنفسه إذا خلا من الموانع . أو هو : ما ترتّب عليه أثره من حصول الملك والانتفاع بالمبيع . وعلى ذلك فهو مباين للبيع الباطل .
ب - البيع الفاسد :
3 - الجمهور على عدم التّفرقة بين البيع الباطل والبيع الفاسد . أمّا الحنفيّة فيجعلون البيع الفاسد مرتبةً بين البيع الصّحيح والبيع الباطل .
ويعرّفه الحنفيّة بأنّه : ما شرع بأصله دون وصفه .
أو هو : ما ترتّب عليه أثره ، ولكنّه مطلوب التّفاسخ شرعاً ، وهو مباين للباطل كما يقول ابن عابدين ، لأنّ ما كان مشروعاً بأصله فقط يباين ما ليس بمشروع أصلاً . وأيضاً حكم الفاسد أنّه يفيد الملك بالقبض ، والباطل لا يفيده أصلاً ، وتباين الحكمين دليل تباينهما .
ج - البيع المكروه :
4 - هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه ، لكن نهي عنه لوصف مجاور غير لازم ، كالبيع عقب النّداء للجمعة ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة .
خلافاً للحنابلة ، إذ النّهي عندهم يقتضي الفساد مطلقاً ، وهو يتّفق مع البيع الصّحيح في ترتّب أثره عليه ، ولكنّه مباين له باعتباره منهيّاً عنه .
الحكم التّكليفيّ :
5 - الإقدام على البيع الباطل مع العلم بالبطلان حرام ، ويأثم فاعله ، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع ، وعدم امتثاله لما نهى الشّارع عنه ، لأنّ البيع الباطل لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه .
هذا مع استثناء حالة الضّرورة ، كالمضطرّ يشتري الطّعام بزيادة على ثمن المثل ، وكالعقد الّذي يختبر به رشد الصّبيّ . فقد قيل : يشتري الوليّ شيئاً ثمّ يدفعه إلى آخر ، ثمّ يأمر الطّفل بشرائه منه ، وهذا بالنّسبة للبيع المتّفق على بطلانه ، كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يميّز ، وكبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين .
أمّا البيع المختلف في بطلانه بين المذاهب بأن كان باطلاً في مذهب وغير باطل في مذهب آخر ، كبيع الفضوليّ ، وبيع المعاطاة ، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه ، فإنّ المقدم عليه إن كان مجتهداً قد بلغ رتبة الاجتهاد فلا يعتبر البيع باطلاً في حقّه ، ولا إثم عليه ، لأنّه تحرّى قصد الشّارع ببذل الجهد ، حتّى وصل إلى دليل يرشده ، بحيث لو ظهر له خلاف ما رآه بدليل أقوى لرجع إليه ، والمخطئ في اجتهاده لا يعاقب ، بل يكون معذوراً ومأجوراً .
إلاّ أنّه يستحبّ الخروج من الخلاف ، بمعنى أنّ من يعتقد جواز الشّيء ، فإنّه يستحبّ له تركه إن كان غيره يعتقده حراماً .
والمقلّد كذلك يأخذ حكم المجتهد في سقوط الإثم عنه ، ما دام مقلّداً لإمامه تقليداً سائغاً . والعامّيّ ينبغي له أن يستفتي من غلب على ظنّه أنّه من أهل العلم والدّين والورع ، وإن اختلف عليه العلماء أخذ بقول أعلمهم وأورعهم وأغلبهم صواباً في قلبه ، ولا يتخيّر ما يميل إليه هواه ، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تتبّع المذاهب من غير استناد إلى دليل ، وقال قوم : لا يجب ذلك عليه ، لأنّ الكلّ طرق إلى اللّه .
أسباب بطلان البيع :
6 - يرى جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - أنّه لا فرق بين البيع الفاسد والبيع الباطل ، فهما مترادفان ، لأنّ كلّاً من البيع الفاسد والباطل وقع على خلاف ما طلبه الشّارع ، ولذلك لم يعتبره ، ولم يرتّب عليه الأثر الّذي رتّبه على البيع الصّحيح من حصول الملك وحلّ الانتفاع .
وأسباب فساد البيع هي أسباب بطلانه ، وهي ترجع إلى الخلل الواقع في ركن من أركان العقد ، أو في شرط من شرائط الصّحّة ، أو لورود النّهي عن الوصف الملازم للفعل ، أو عن الوصف المجاور عند الحنابلة . واستدلّ الجمهور على ذلك بما يأتي :
أ - البيع الباطل أو الفاسد منهيّ عنه شرعاً ، والمنهيّ عنه يكون حراماً ، والحرام لا يصلح سبباً لترتّب الأثر عليه ، لأنّ النّهي عن التّصرّف إنّما هو لبيان أنّ ذلك التّصرّف قد خرج عن اعتباره وشرعيّته .
ب - قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ » والبيع المنهيّ عنه وقع على غير ما أمر به الشّارع ، فيكون مردوداً ، فكأنّه لم يوجد .
ج - أجمع سلف الأمّة على الاستدلال بالنّهي على الفساد ، ففهموا فساد الرّبا من قوله تعالى : { وذروا ما بَقِيَ من الرّبا } وقوله صلى الله عليه وسلم : « لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثل » و « نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط » .
هذا عند الجمهور : أمّا الحنفيّة فإنّ سبب بطلان البيع عندهم يرجع إلى اختلال ركن البيع أو شرط من شرائط الانعقاد ، فإذا تخلّف الرّكن أو شرط من شرائط الانعقاد كان البيع باطلاً ولا وجود له ، لأنّه لا وجود للتّصرّف إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً ، ويكون العقد فائت المعنى من كلّ وجه ، إمّا لانعدام معنى التّصرّف كبيع الميتة والدّم ، أو لانعدام أهليّة التّصرّف كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل .
أمّا اختلال شرط من شرائط الصّحّة فلا يجعل البيع باطلاً ، كما هو عند الجمهور ، بل يكون فاسداً . واستدلّ الحنفيّة على ذلك بأنّ البيع الفاسد مشروع فيفيد الملك في الجملة ، والدّليل على أنّه مشروع بأصله : النّصوص العامّة المطلقة في باب البيع من نحو قوله تعالى :
{ وأحلَّ اللّه البيعَ } ونحو ذلك ممّا ورد من النّصوص العامّة في هذا الباب .
ويلحظ هنا أنّ بعض الشّافعيّة يسايرون المذهب الحنفيّ في التّفريق بين البيع الباطل والبيع الفاسد ، رغم أنّ القواعد العامّة عندهم تخالف ذلك .
جاء في أسنى المطالب : فرّق الأصحاب بين الباطل والفاسد ، فقالوا : إن رجع الخلل إلى ركن العقد كبيع الصّبيّ فهو باطل ، وإن رجع إلى شرطه أو صفته فهو فاسد .
7- بعد هذا التّفريق بين مذهب الحنفيّة والجمهور ، هناك من البيوع الباطلة ما هو متّفق على بطلانها بين المذاهب الأربعة ، كالبيع الّذي حدث خلل في ركنه ، أو في شرط من شرائط انعقاده ، كبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين فهذه متّفق على بطلانها .
وهناك من البيوع ما هو مختلف في بطلانه بين المذاهب ، وهو ما رجع الخلل فيها لغير ما سبق . فبيع الفضوليّ مثلاً صحيح ، ولكنّه موقوف على الإجازة عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو باطل في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة .
والبيع عند النّداء يوم الجمعة باطل عند الحنابلة . ومثل ذلك يقال في بيع المعاطاة ، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه ، وبيع النّجش ، وهكذا . ويرجع سبب الاختلاف في الحكم على مثل هذه البيوع بالبطلان أو عدمه إلى الاختلاف في الدّليل .
ما يتعلّق بالبيع الباطل من أحكام :
8 - البيع الباطل لا يترتّب عليه أثر ، لأنّه لا وجود له إلاّ من حيث الصّورة ، وهو منقوض من أساسه ، ولا يحتاج لحكم حاكم لنقضه .
ولا تلحقه الإجازة لأنّه معدوم ، والإجازة لا تلحق المعدوم .
وهذا باتّفاق الفقهاء في البيع المجمع على بطلانه ، وأمّا البيع المختلف فيه كبيع الفضوليّ ، فإنّه إذا حكم حاكم بصحّته صحّ العقد قضاءً ، حتّى عند من يقول ببطلانه وهم الشّافعيّة ، والحنابلة في الأصحّ عندهم ، لأنّ حكم الحاكم يرفع الخلاف . ومقابل الأصحّ عندهم : أنّه تلحقه الإجازة . وإذا وقع البيع الباطل ، فإنّ وجوده من حيث الصّورة يتعلّق به بعض الأحكام . وبيان ذلك فيما يلي :
أ - التّرادّ :
9 - إذا وقع البيع الباطل وحدث فيه تسليم شيء من أحد الطّرفين وجب ردّه ، لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض ، ويجب على كلّ من الطّرفين ردّ ما أخذه إن كان باقياً ، وهذا باتّفاق . يقول ابن رشد : اتّفق العلماء على أنّ البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت ، حكمها الرّدّ ، أي أن يردّ البائع الثّمن ، ويردّ المشتري المثمون .
وردّ المبيع يكون مع نمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده ، وإن نقص ضمن نقصه ، لأنّه مضمون عليه ، فأجزاؤها تكون مضمونةً أيضاً .
صرّح بهذا الشّافعيّة والحنابلة ، وهو ما تفيده قواعد المذهب الحنفيّ .
أمّا عند المالكيّة فإنّ تغيّر الذّات بزيادة أو نقص يعتبر فوتاً ينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان
ب - التّصرّف في المبيع :
10 - إذا تصرّف المشتري في المبيع بيعاً باطلاً ببيع أو هبة أو غير ذلك فلا ينفذ تصرّفه ، لأنّه لم يملكه ، فيكون قد تصرّف في ملك غيره بدون إذنه ، وتكون تصرّفاته كتصرّفات الغاصب ، ولذلك فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع الرّدّ لعدم نفوذه ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
أمّا عند المالكيّة فإنّ التّصرّف في المبيع يعتبر مفوّتاً ، وينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان .
ج - الضّمان :
11 - إذا تلف المبيع في يد المشتري ، فالصّحيح عند الحنفيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة : أنّه يلزمه ضمانه بالمثل في المثليّ والقيمة في المتقوّم .
والقيمة عند الشّافعيّة تقدّر بأقصى القيم في المتقوّم من وقت القبض إلى وقت التّلف ، وفي وجه تعتبر قيمته يوم التّلف ، وفي وجه يوم القبض .
وعند الحنابلة تعتبر القيمة يوم تلف ببلد قبضه فيه ، قاله القاضي ، ونصّ أحمد عليه في الغصب ، ولأنّه قبضه بإذن مالكه فأشبه العاريّة ، وذكر الخرقيّ في الغصب : أنّه يلزمه قيمته أكثر ما كانت ، فيخرج هاهنا كذلك ، وهو أولى ، لأنّ العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها ، وعليه ضمان نقصها مع زيادتها ، فكذلك في حال تلفها .
وللمالكيّة تفصيل في ذلك ، يقولون : إن فات المبيع بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو كان الخلاف خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع ، وإن لم يكن مختلفاً فيه - بل متّفقاً على فساده - ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض ، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً ، وعلم كيله أو وزنه ، ولم يتعذّر وجوده ، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ . وللحنفيّة رأي آخر ، وهو : أنّ المبيع يكون أمانةً عند المشتري ، لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط في الحفظ ، لأنّه مال قبضه بإذن صاحبه في عقد وجد صورةً لا معنًى ، فالتحق بالعدم وبقي إذنه بالقبض .
د - تجزّؤ البيع الباطل :
12 - المراد بتجزّؤ البيع الباطل : أن يشتمل البيع على ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه صفقةً واحدةً ، فيكون في شقّ منه صحيحاً وفي الشّقّ الآخر باطلاً ، ومن القواعد الفقهيّة : إذا اجتمع الحلال والحرام غلّب الحرام . وأدخل الفقهاء تحت هذه القاعدة ما يسمّى بتفريق الصّفقة ، وهو الجمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقد واحد .
وعقد البيع إذا كان في شقّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر باطلاً ، كالجمع بين العصير والخمر ، أو بين المذكّاة والميتة ، وبيع ذلك صفقةً واحدةً ، فالصّفقة كلّها باطلة ، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة - عدا ابن القصّار منهم - وهو أحد قولي الشّافعيّة ( وادّعى الإسنويّ في كتاب المهمّات أنّه المذهب ) وهو رواية عن الإمام أحمد ، وذلك لأنّه متى بطل العقد في البعض بطل في الكلّ ، لأنّ الصّفقة غير متجزّئة ، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعها ، أو لجهالة الثّمن .
والقول الأظهر للشّافعيّة ، والرّواية الثّانية عن الإمام أحمد ، وهو قول ابن القصّار من المالكيّة : أنّه يجوز تجزئة الصّفقة ، فيصحّ البيع فيما يجوز ، ويبطل فيما لا يجوز ، لأنّ الإبطال في الكلّ لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكلّ لصحّة أحدهما ، فيبقيان على حكمهما ، ويصحّ فيما يجوز ، ويبطل فيما لا يجوز .
وقال أبو يوسف ومحمّد بن الحسن : إن عيّن ابتداءً لكلّ شقّ حصّته من الثّمن ، فعند ذلك تعتبر الصّفقة صفقتين مستقلّتين تجوز فيهما التّجزئة ، فتصحّ واحدة وتبطل الأخرى .
وهذه إحدى صور تفريق الصّفقة .
والصّورة الثّانية : أن يكون العقد في شقّ منه صحيحاً ، وفي الشّقّ الآخر موقوفاً ، كالجمع بين داره ودار غيره ، وبيعهما صفقةً واحدةً ، فإنّ البيع يصحّ فيهما ، ويلزم في ملكه ، ويوقف اللّزوم في ملك الغير على إجازته ، وهذا عند المالكيّة والحنفيّة عدا زفر ، وهو مبنيّ عند الحنفيّة على قاعدة عدم جواز البيع بالحصّة ابتداءً ، وجواز ذلك بقاءً . وعند زفر : يبطل الجميع ، لأنّ العقد وقع على المجموع ، والمجموع لا يتجزّأ . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يجري الخلاف السّابق في الصّورة الأولى ، لأنّ العقد الموقوف عندهم باطل في الأصل . والصّورة الثّالثة ذكرها ابن قدامة ، وهي : أن يبيع معلوماً ومجهولاً ، كقوله : بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف ، فهذا البيع باطل بكلّ حال .
قال ابن قدامة : ولا أعلم في بطلانه خلافاً .
هـ - تصحيح البيع الباطل :
13 - تصحيح البيع الباطل يمكن تصويره بصورتين .
الأولى : إذا ارتفع ما يبطل العقد ، فهل ينقلب البيع صحيحاً ؟
الثّانية : إذا كانت صيغة البيع الباطل تؤدّي إلى معنى عقد آخر صحيح ، فهل يتحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ؟ وبيان ذلك فيما يلي :
أمّا الصّورة الأولى : فإنّ الحنفيّة يفرّقون بين البيع الباطل والبيع الفاسد ، فيصحّ عندهم في الجملة تصحيح البيع الفاسد بارتفاع المفسد دون الباطل ، ويعلّلون ذلك بأنّ ارتفاع المفسد في الفاسد يردّه صحيحاً ، لأنّ البيع قائم مع الفساد ، ومع البطلان لم يكن قائماً بصفة البطلان ، بل معدوماً . وعلى ذلك لا يجوز بيع الدّقيق في الحنطة ، والزّيت في الزّيتون ، واللّبن في الضّرع ، والبزر في البطّيخ ، والنّوى في التّمر ، لأنّه معدوم حتّى لو سلّم البائع للمشتري اللّبن ، أو الدّقيق ، أو العصير ، لا ينقلب صحيحاً ، لأنّ المعقود عليه معدوم حالة العقد ، ولا يتصوّر انعقاد العقد بدونه ، فلم ينعقد أصلاً ، فلا يحتمل النّفاذ .
14 - أمّا الجمهور- وهم لا يفرّقون بين البيع الفاسد والباطل - فالحكم عندهم أنّ البيع الباطل لا ينقلب صحيحاً برفع المفسد . ففي كتب الشّافعيّة : لو حذف العاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب العقد صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد .
وفي المغني لابن قدامة : لو باعه بشرط أن يسلّفه أو يقرضه ، أو شرط المشتري ذلك عليه ، فهو محرّم ، والبيع باطل ، لما روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ قال : « لا يحلّ سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك » . ولأنّه اشترط عقداً في عقد ففسد ، كبيعتين في بيعة ، ولأنّه إذا اشترط القرض زاد في الثّمن لأجله ، فتصير الزّيادة في الثّمن عوضاً عن القرض وربحاً له ، وذلك رباً محرّم ، ففسد كما لو صرّح به ، ولأنّه بيع فاسد فلا يعود صحيحاً ، كما لو باع درهماً بدرهمين ثمّ ترك أحدهما . وفي شرح منتهى الإرادات : من باع بشرط ضمان دركه إلاّ من زيد لم يصحّ بيعه له ، لأنّ استثناء زيد من ضمان دركه يدلّ على حقّ له في المبيع ، لأنّه لم يأذن له في بيعه فيكون باطلاً ، ثمّ إن ضمن دركه منه أيضاً لم يعدّ البيع صحيحاً ، لأنّ الفاسد لا ينقلب صحيحاً . والأصل عند المالكيّة أنّ كلّ شرط يناقض مقتضى العقد كبيع الثّنيا ( بيع الوفاء ) - وهو أن يبتاع السّلعة على أنّ البائع متى ردّ الثّمن فالسّلعة له - وكذا كلّ شرط يخلّ بقدر الثّمن كبيع وشرط سلفاً ، فإنّ العقد يكون فاسداً .
لكن يصحّ البيع إن حذف شرط السّلف ، وكذا كلّ شرط يناقض المقصود ، إلاّ بعض الشّروط فلا يصحّ البيع معها ، ولو حذف الشّرط وهي :
- 1 - من ابتاع سلعةً بثمن مؤجّل على أنّه إن مات فالثّمن صدقة عليه ، فإنّه يفسخ البيع ولو أسقط هذا الشّرط ، لأنّه غرر ، وكذا لو شرط : إن مات فلا يطالب البائع ورثته بالثّمن . - 2 - شرط الثّنيا يفسد البيع ولو أسقط الشّرط ، وهو المشهور .
- 3 - شرط النّقد في بيع الخيار : قال ابن الحاجب : لو أسقط شرط النّقد فلا يصحّ .
أمّا الشّرط الّذي يؤدّي إلى الإخلال بشرط من شروط الصّحّة فهذا يوجب الفسخ ، وليس للعاقدين إمضاؤه .
15 - ومناط المسألة عند الفقهاء فيما سبق كما قال ابن رشد هو : هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشّرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشّرط أم لا يرتفع الفساد ؟ كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرّم العين به ؟ كمن باع فرساً بمائة دينار وزقّ خمر ، فلمّا عقد البيع قال : أدع الزّقّ ، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع .
وهذا أيضاً ينبني على أصل آخر . وهو : هل هذا الفساد حكميّ ( تعبّديّ ) أو معقول ؟ فإن قلنا : حكميّ ، لم يرتفع بارتفاع الشّرط . وإن قلنا : معقول ، ارتفع بارتفاع الشّرط .
فمالك رآه معقولاً ، والجمهور رأوه غير معقول .
والفساد الّذي يوجد في بيوع الرّبا والغرر أكثره حكميّ ، ولذلك لا ينعقد عندهم أصلاً ، وإن ترك الرّبا بعد البيع أو ارتفع الغرر .
16 - أمّا الصّورة الثّانية ، وهي تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ، فهذا يرجع إلى اختلاف الفقهاء في قاعدة " العبرة بصيغ العقود أو معانيها " .
يقول السّيوطيّ : هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها ؟ خلاف ، والتّرجيح مختلف في الفروع . ومن ذلك : لو باع المبيع للبائع قبل قبضه بمثل الثّمن الأوّل ، فهو إقالة بلفظ البيع ، وخرّجه السّبكيّ على القاعدة ، والتّخريج للقاضي حسين . قال : إن اعتبرنا اللّفظ لم يصحّ ، وإن اعتبرنا المعنى فإقالة ، وهو بيع فاسد لأنّه وقع على المبيع قبل أن يقبض ، ولكنّه مع ذلك يتحوّل إلى إقالة صحيحة ، إذ يشتمل العقد على جميع عناصر الإقالة .
وفي الأشباه لابن نجيم : الاعتبار للمعنى لا للألفاظ ، صرّحوا به في مواضع .
وفي درر الحكّام : العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني ، ولذا يجري حكم الرّهن في بيع الوفاء .
وفي مذهب مالك : أنّ من باع عقاراً أو غيره وشرط على المبتاع أن لا يبيعه ولا يهبه حتّى يعطيه الثّمن فلا بأس بهذا ، لأنّه بمنزلة الرّهن إذا كان إعطاء الثّمن لأجل مسمًّى .
وهكذا يجري حكم تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ضمن القاعدة الّتي سبق ذكرها .
بيع التّلجئة *
التّعريف :
1 - يعرّف بعض الحنفيّة بيع التّلجئة بأنّه : عقد ينشئه لضرورة أمر فيصير كالمدفوع إليه . وعرّفه صاحب الإنصاف بقوله : هو أن يظهرا بيعاً لم يريداه باطناً بل خوفاً من ظالم ( ونحوه ) دفعاً له . وسمّاه الشّافعيّة بيع الأمانة ، وصورته كما ذكر النّوويّ في المجموع أن يتّفقا على أن يظهرا العقد ، إمّا للخوف من ظالم ونحوه ، وإمّا لغير ذلك ، ويتّفقا على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً ، ثمّ يعقد البيع .
وأمّا التّلجئة الّتي أضيف هذا البيع إليها فترد في اللّغة بمعنى : الإكراه والاضطرار .
وأمّا في الاصطلاح : فيرجع معناها إلى معنى الإلجاء ، وهو الإكراه التّامّ أو الملجئ ، ومعناه كما يفهم من حاشية ابن عابدين أن يهدّد شخص غيره بإتلاف نفس أو عضو أو ضرب مبرّح إذا لم يفعل ما يطلبه منه .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - بيع الوفاء :
2 - صورته أن يبيعه العين بألف على أنّه إذا ردّ عليه الثّمن ردّ عليه العين فيتّفق بيع التّلجئة وبيع الوفاء في عدم إرادة حقيقة البيع ، ويختلفان في أنّ بيع الوفاء يئول إلى رهن أو بيع وشرط ظاهر ، أمّا بيع التّلجئة فالاتّفاق على عدم إرادة البيع مضمر بينهما وليس هناك بيع أصلاً . هذا ، والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الوفاء : أنّ المتعاقدين في بيع التّلجئة يتّفقان على أن يظهرا العقد إمّا خوفاً من ظالم ونحوه وإمّا لغير ذلك ، ويتّفقان أيضاً على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً ، وأمّا في بيع الوفاء فإنّهما يتّفقان على أن يبيعه العين بثمن معيّن ، ويتّفقان أيضاً على أنّ البائع إذا أحضر الثّمن فإنّه يستردّ المبيع ، فبيع الوفاء في حقيقته رهن بلفظ البيع أو قرض إلى أجل بلفظ البيع ، فاشتراط التّلجئة فيه تفسده .
ب - بيع المكره :
3 - المراد ببيع المكره حمل البائع على البيع بغير اختياره ، إذ الإكراه في اللّغة معناه : حمل الإنسان على شيء يكرهه .
وفي الشّرع : فعل يوجد من المكره فيحدث في المحلّ معنًى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الّذي طلب منه . والفرق بين بيع التّلجئة وبيع المكره : أنّ بيع التّلجئة بيع في الظّاهر فقط لا في الحقيقة ، وأمّا بيع المكره فإنّه بيع حقيقيّ ، مع الاختلاف في حكمه فساداً ووقفاً .
ج - بيع الهازل :
4 - الهازل في البيع : هو الّذي يتكلّم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته .
والهزل : هو أن لا يراد باللّفظ معناه ، لا الحقيقيّ ولا المجازيّ ، وهو ضدّ الجدّ ، وهو أن يراد بالشّيء ما وضع له .
والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الهازل : أنّ بيع التّلجئة وإن كان الدّافع إليه في الغالب هو الإكراه إلاّ أنّه في حقيقته هو بيع الهازل ، لأنّ البائع في بيع التّلجئة تلفّظ بصيغة البيع ، وهو في الحقيقة لا يريد البيع ، ولهذا ذكر صاحب البدائع أنّه يشبه بيع الهازل .
إذ الهزل ينافي اختيار الحكم والرّضى به ولا ينافي الرّضى بالمباشرة واختيارها ، فصار بمعنى خيار الشّرط في البيع .
التّلجئة في غير البيع :
5 - تكون التّلجئة في النّكاح ، كما إذا خطب من هو قاهر لشخص بعض بناته ، فأنكحه المخطوب إليه ، وأشهد شهود الاسترعاء سرّاً : أنّي إنّما أفعله خوفاً منه ، وهو ممّن يخاف عداوته ، وأنّه إن شاء اختارها لنفسه بغير نكاح ، فأنكحه على ذلك فهو نكاح مفسوخ أبداً . وتجري التّلجئة أيضاً في التّحبيس ( الوقف ) والطّلاق والهبة وغيرها ، من كلّ تطوّع .
أقسام بيع التّلجئة :
6 - بيع التّلجئة ينقسم إلى قسمين : قسم تكون التّلجئة فيه في نفس البيع ، وقسم تكون التّلجئة فيه في الثّمن . وكلّ قسم من هذين القسمين على ضربين ، لأنّ التّلجئة إن كانت في نفس البيع فإنّها إمّا أن تكون في إنشاء البيع ، وإمّا أن تكون في الإقرار به . وإن كانت في الثّمن فإنّها إمّا أن تكون في قدره ، وإمّا أن تكون في جنسه .
القسم الأوّل : أن تكون التّلجئة في نفس البيع .
وهو على ضربين :
الضّرب الأوّل : بيع تكون التّلجئة في إنشائه :
7 - وذلك بأن يتواضعا في السّرّ لأمر ألجأهما إليه : على أن يظهرا البيع ولا بيع بينهما حقيقةً ، وإنّما هو رياء وسمعة . نحو أن يخاف رجل السّلطان ، فيقول لآخر : إنّي أظهر أنّي بعت منك داري ، وليس ببيع في الحقيقة ، وإنّما هو تلجئة ، فتبايعا ، ففيه ثلاثة أقوال من حيث الجواز والبطلان .
أحدهما : أنّ البيع باطل في ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ، وهو قول أبي يوسف ومحمّد . وهو الوجه الصّحيح والمشهور عند الحنابلة ، واختاره القاضي وغيره .
وذكر البهوتيّ : أنّه باطل قولاً واحداً ، حيث تواطآ عليه .
ووجه القول بالبطلان : أنّ المتبايعين تكلّما بصيغة البيع لا على قصد الحقيقة وهو تفسير الهزل ، والهزل يمنع جواز البيع ، لأنّه يعدم الرّضا بمباشرة السّبب ، فلم يكن هذا بيعاً منعقداً في حقّ الحكم . وكذلك دلالة الحال على أنّهما في مثل هذا البيع لا يريدان البيع ، وإن لم يقولا في العقد تبايعنا هذا تلجئة .
ثانيهما : أنّ البيع جائز ، ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة ، وهو أيضاً ما ذهب إليه الشّافعيّة ، وكذا الحنابلة على الوجه الثّاني عندهم .
ووجه هذا القول هو أنّه لا عبرة بما اتّفقا عليه في السّرّ ، وإنّما العبرة بالعقد الّذي أظهراه ، ولأنّ ما شرطاه في السّرّ لم يذكراه في العقد ، وإنّما عقدا عقداً صحيحاً بشرائطه ، فلا يؤثّر فيه ما تقدّم من الشّرط ، كما إذا اتّفقا على أن يشترطا شرطاً فاسداً عند البيع ، ثمّ باعا من غير شرط .
ثالثهما : وهو المرويّ عن محمّد أنّ البيع جائز ( غير لازم ) ويلزم إن أجازاه معاً ، لأنّ الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضّرورة ، فلو اعتبرنا وجود الشّرط عند البيع لا تندفع الضّرورة ، ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز ، وإن أجازاه جاز ، لأنّ الشّرط السّابق وهو المواضعة ( التّواطؤ ) منعت انعقاد العقد في حقّ الحكم ، فكان بمنزلة شرط خيار المتبايعين ، فلا يصحّ إلاّ بتراضيهما ، ولا يملكه المشتري بالقبض .
وفي بيع التّلجئة لم يوجد الرّضا بمباشرة السّبب في الجانبين أصلاً ، فلم ينعقد السّبب في حقّ الحكم ، فتوقّف على أحدهما ، فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين .
8- هذا ويتفرّع على القول ببطلان هذا البيع : أنّ المتبايعين إذا اختلفا ، فادّعى أحدهما التّلجئة ، وأنكر الآخر ، وزعم أنّ البيع بيع رغبة ، فالقول قول منكر التّلجئة ، لأنّ الظّاهر شاهد له ، فكان القول قوله مع يمينه على ما يدّعيه صاحبه من التّلجئة إذا طلب الثّمن . وإن أقام المدّعي البيّنة على التّلجئة تقبل بيّنته ، لأنّه أثبت الشّرط بالبيّنة ، فتقبل بيّنته ، كما لو أثبت الخيار بالبيّنة . وأمّا على القول بجوازه فلا تؤثّر هذه الدّعوى ، لأنّها - وإن صحّت - لا تؤثّر في البيع الظّاهر . أمّا إذا اتّفقا على التّلجئة ، ثمّ قالا عند البيع : كلّ شرط كان بيننا فهو باطل تبطل التّلجئة ويجوز البيع ، لأنّه شرط فاسد زائد ، فاحتمل السّقوط بالإسقاط ، ومتى سقط صار العقد جائزاً .
الضّرب الثّاني : بيع تكون التّلجئة في الإقرار به .
9- التّلجئة إذا كانت في الإقرار بالبيع ، بأن اتّفقا على أن يقرّا ببيع لم يكن ، فأقرّا بذلك ، ثمّ اتّفقا على أنّه لم يكن ، فالبيع باطل كما ذكر صاحب البدائع ، ولا يجوز بإجازتهما ، لأنّ الإقرار إخبار ، وصحّة الإخبار هي بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار ، فإن كان ثابتاً كان الإخبار صدقاً وإلاّ فيكون كذباً ، والمخبر به هاهنا - وهو البيع - ليس بثابت ، فلا يحتمل الإجازة ، لأنّها تلحق الموجود لا المعدوم .