عرض مشاركة واحدة
  #223  
قديم 05-11-2012, 11:17 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ثالثاً : آثار الزّيادة أو الحطّ :
56 - من المقرّر عند فقهاء الحنفيّة أنّ الزّيادة والحطّ يلتحقان بأصل العقد السّابق بطريق الاستناد ، ما لم يمنع من ذلك مانع . بمعنى أنّه تثبت للزّيادة في المبيع حصّة من الثّمن ، كما لو كان الثّمن مقسّماً على الأصل والزّيادة ، وكذلك عكسه إذا كانت الزّيادة في الثّمن . ومن آثار ذلك :
أ - إذا تلف المبيع قبل القبض وبقيت الزّيادة ، أو هلكت الزّيادة وبقي المبيع ، سقطت حصّة الهالك من الثّمن . وهذا بخلاف الزّيادة النّاشئة من المبيع نفسه .
ب - للبائع حبس جميع المبيع حتّى يقبض الثّمن الأصليّ والزّيادة عليه .
ج - إمكان البيع بالأمانة من مرابحة أو تولية أو وضيعة ، فإنّ العبرة بالثّمن بعد الزّيادة أو الحطّ .
د - إذا استحقّ المبيع ، وقضي به للمستحقّ ؟ ، رجع المشتري على البائع بالثّمن كلّه من أصل وزيادة . وكذلك في الرّجوع بالعيب .
هـ - في الأخذ بالشّفعة ، يأخذ الشّفيع العقار بما استقرّ عليه الثّمن بعد الحطّ .
ولو زاد البائع شيئاً في المبيع يأخذ الشّفيع أصل العقار بحصّته من الثّمن لا بالثّمن كلّه . وهذا بالاتّفاق في الجملة على ما سيأتي .
وعند المالكيّة : الزّيادة والحطّ يلحقان بالبيع ، سواء أحدث ذلك عند التّقابض أم بعده . والزّيادة في الثّمن تكون في حكم الثّمن الأوّل ، فتردّ عند الاستحقاق ، وعند الرّدّ بالعيب ، وما أشبه ذلك . ويجوز حطّ كلّ الثّمن عن المشتري ، أي هبته له ، وللحطّ أثره في بيع المرابحة وفي الشّفعة . ففي بيع المرابحة ، يقول الدّردير والدّسوقيّ : يجب بيان هبة لبعض الثّمن إن كانت معتادةً بين النّاس ، بأن تشبه عطيّة النّاس ، فإن لم تعتد ( أي لم تجر بها عادة ) أو وهب له جميع الثّمن قبل النّقد أو بعده لم يجب البيان .
وفي الشّفعة ، يقول الشّيخ عليش : من اشترى شقصاً بألف درهم ، ثمّ وضع عنه البائع تسعمائة درهم بعد أخذ الشّفيع أو قبله ، فإن أشبه أن يكون ثمن الشّقص بين النّاس مائة درهم إذا تغابنوا بينهم ، أو اشتروا بغير تغابن ، وضع ذلك عن الشّفيع ، لأنّ ما أظهرا من الثّمن الأوّل إنّما كان سبباً لقلع الشّفعة .
وإن لم يشبه أن يكون ثمنه مائةً ، قال ابن يونس : أراد مثل أن يكون ثمنه ثلاثمائة أو أربعمائة ، لم يحطّ للشّفيع شيئاً ، وكانت الوضيعة هبةً للمبتاع ، وقال في موضع آخر : إن حطّ عن المبتاع ما يشبه أن يحطّ في البيوع وضع ذلك عن الشّفيع وإن كان لا يحطّ مثله فهي هبة ، ولا يحطّ عن الشّفيع شيئاً .
وأمّا الشّافعيّة فقد قالوا : إنّ الزّيادة أو الحطّ في الثّمن أو المثمّن ، إن كانت بعد لزوم العقد بانقضاء الخيار فلا تلحق به ، لأنّ البيع استقرّ بالثّمن الأوّل ، والزّيادة أو الحطّ بعد ذلك تبرّع ، ولا تلحق بالعقد .
وإن كان ذلك قبل لزوم العقد في مدّة خيار المجلس أو خيار الشّرط ، فالصّحيح عند جمهور الشّافعيّة ، وبه قطع أكثر العراقيّين : أنّه يلحق بالعقد في مدّة الخيارين جميعاً ، وهو ظاهر نصّ الشّافعيّ ، لأنّ الزّيادة أو الحطّ في مدّة خيار المجلس تلتحق بالعقد ، وقيس بخيار المجلس خيار الشّرط بجامع عدم الاستقرار . وهذا أحد الأوجه الّتي ذكرها النّوويّ .
وفي وجه آخر : لا يلحق ذلك ، وصحّحه المتولّي .
وفي وجه ثالث : يلحق في خيار المجلس دون خيار الشّرط ، قاله الشّيخ أبو زيد والقفّال . أمّا أثر ذلك في العقود . ففي الشّفعة تلحق الزّيادة الشّفيع كما تلزم المشتري ، ولو حطّ من الثّمن شيء فحكمه كذلك . وينظر التّفصيل في ( شفعة ) .
وفي التّولية والإشراك والمرابحة . جاء في نهاية المحتاج : لو حطّ عن المولّي - بكسر اللّام المشدّدة - من البائع بعض الثّمن بعد التّولية أو قبلها ، ولو بعد اللّزوم ، انحطّ عن المولى - بفتح اللّام - إذ خاصّة التّولية - وإن كانت بيعاً جديداً - التّنزيل على الثّمن الأوّل ، فإن حطّ جميعه انحطّ أيضاً ما لم يكن قبل لزوم التّولية ، وإلاّ - بأن كان قبل التّولية أو بعدها وقبل لزومها - بطلت لأنّها حيث بيع من غير ثمن ، ومن ثمّ لو تقايلا بعد حطّه بعد اللّزوم ، لم يرجع المشتري على البائع بشيء .
والإشراك والمرابحة كالتّولية في ذلك . وينظر التّفصيل في ( مرابحة ، تولية ، إشراك ) . وفي الرّدّ بالعيب جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثّمن أو كلّه ، ثمّ ردّ المبيع بعيب ، فالأوجه أنّه لا يرجع في الإبراء من جميع الثّمن بشيء ، وفي الإبراء من بعضه إلاّ بالباقي . ولو وهب البائع للمشتري الثّمن ، فقيل : يمتنع الرّدّ ، وقيل : يردّ ، ويطالب ببدل الثّمن ، وهو الأوجه .
والحنابلة كالشّافعيّة في ذلك ، فقد جاء في شرح منتهى الإرادات : ما يزاد في ثمن أو مثمّن زمن الخيارين ( خيار المجلس وخيار الشّرط ) يلحق بالعقد ، فيخبر به في المرابحة والتّولية والإشراك كأصله . وما يوضع من ثمن أو مثمّن زمن الخيارين يلحق بالعقد ، فيجب أن يخبر به كأصله ، تنزيلاً لحال الخيار منزلة حال العقد . وإن حطّ الثّمن كلّه فهبة .
ولا يلحق بالعقد ما زيد أو حطّ بعد لزومه فلا يجب أن يخبر به .
وفي الرّدّ بالعيب جاء في شرح منتهى الإرادات : يأخذ مشتر ردّ المبيع ما دفعه من ثمن ، أو بدل ما أبرأه البائع منه ، أو بدل ما وهب له البائع من ثمنه ، كلاً كان أو بعضاً ، لاستحقاق المشتري بالفسخ استرجاع جميع الثّمن . وقال ابن قدامة في الشّفعة : يستحقّ الشّفيع الشّقص بالثّمن الّذي استقرّ عليه العقد ، فلو تبايعا بقدر ، ثمّ غيّراه في زمن الخيار بزيادة أو نقص ، ثبت ذلك التّغيير في حقّ الشّفيع ، لأنّ حقّ الشّفيع إنّما يثبت إذا تمّ العقد ، وإنّما يستحقّ بالثّمن الّذي هو ثابت حال استحقاقه ، ولأنّ زمن الخيار بمنزلة حالة العقد ، والتّغيير يلحق بالعقد فيه ، لأنّهما على اختيارهما فيه كما لو كان التّغيير في حال العقد . فأمّا إذا انقضى الخيار وانبرم العقد ، فزادا أو نقصا لم يلحق بالعقد ، لأنّ الزّيادة بعده هبة .
رابعاً : موانع التحاق الزّيادة أو الحطّ في حقّ الغير :
57 - يمتنع التحاق الزّيادة بالثّمن ، أو التحاق الحطّ به بأحد أمرين :
أحدهما - إذا ترتّب على التحاق الزّيادة أو الحطّ بالثّمن انتقاص من حقّ الغير ثابت بالعقد ، فيقتصر حكم الالتحاق على المتعاقدين دون الغير سدّاً لذريعة الإضرار به .
ومن آثار هذا المانع : أنّ المشتري إذا زاد في الثّمن ، وكان المبيع عقاراً ، فإنّ الشّفيع يأخذه بالثّمن الأصليّ دون الزّيادة ، سدّاً لباب التّواطؤ لتضييع حقّ الشّفعة .
أمّا الحطّ من الثّمن فيلتحق لعدم إضراره بالشّفيع ، وكذلك الزّيادة في المبيع .
الثّاني : إذا ترتّب على الالتحاق بطلان البيع ، كما لو شمل الحطّ جميع الثّمن ، لأنّه بمنزلة الإبراء المنفصل عن العقد ، وبذلك يخلو عقد البيع من الثّمن ، فيبطل .
ومن آثار هذا المانع : أنّه لو حطّ البائع كلّ الثّمن في العقار ، فإنّ الشّفيع يأخذه بجميع الثّمن الأصليّ ، لأنّ الحطّ إذا اعتبر إبراءً منفصلاً ترتّب عليه خلوّ البيع عن الثّمن ، ثمّ بطلانه ، وبذلك يبطل حقّ الشّفيع ، ولذا يبقى المبيع مقابلاً بجميع الثّمن في حقّه ، ولكن يسقط الثّمن عن المشتري بالحطّ ، ضرورة صحّة الإبراء في ذاته ، وهذا إن حطّ الثّمن بعد القبض ، أمّا إن حطّ قبله فيأخذه الشّفيع بالقيمة .
خامساً : مئونة تسليم المبيع أو الثّمن :
58 - اتّفق الفقهاء على أنّ أجرة الكيّال للمبيع ، أو الوزّان أو الذّراع أو العدّاد تكون على البائع وكذلك مئونة إحضاره إلى محلّ العقد إذا كان غائباً . إذ لا تحصل التّوفية إلاّ بذلك . واتّفقوا على أنّ أجرة كيل الثّمن أو وزنه أو عدّه ، وكذلك مئونة إحضار الثّمن الغائب تكون على المشتري ، إلاّ في الإقالة والتّولية والشّركة عند المالكيّة .
ولكنّهم اختلفوا في أجرة نقّاد الثّمن .
فعند الحنفيّة روايتان عن محمّد رحمه الله . ففي رواية رستم عنه : تكون على البائع ، لأنّ النّقد يكون بعد التّسليم ، ولأنّ البائع هو المحتاج إليه ، ليميّز ما تعلّق به حقّه من غيره ، أو ليعرف المعيب ليردّه . وبهذا قال الشّافعيّة . وفي الرّواية الأخرى عن محمّد ، وهي رواية ابن سماعة عنه : أنّها تكون على المشتري ، لأنّه يحتاج إلى تسليم الجيّد المقدّر ، والجودة تعرف بالنّقد ، كما يعرف القدر بالوزن ، فيكون عليه . وهذا ما ذهب إليه المالكيّة .
وقال الحنابلة : إنّ أجرة النّقّاد على الباذل ، سواء أكان البائع أم المشتري .
قال الشّربينيّ من الشّافعيّة : وأجرة نقّاد الثّمن على البائع ، ثمّ قال : وقياسه أن يكون في المبيع على المشتري ، لأنّ القصد منه إظهار عيب إن كان ليردّ به .
سادساً : هلاك المبيع أو الثّمن المعيّن كلّيّاً أو جزئيّاً قبل التّسليم :
59 - من آثار وجوب البيع : أنّ البائع يلزمه تسليم المبيع إلى المشتري ، ولا يسقط عنه هذا الحقّ إلاّ بالأداء ، ويظلّ البائع مسئولاً في حالة هلاك المبيع ، وتكون تبعة الهلاك عليه ، سواء كان الهلاك بفعل فاعل أو بآفة سماويّة .
وهذا ينطبق على الثّمن إذا كان معيّناً ، وهو ما لم يكن ملتزماً في الذّمّة ، لأنّ عينه في هذه الحال مقصودة في العقد كالمبيع . أمّا الثّمن الّذي في الذّمّة ، فإنّه يمكن البائع أخذ بدله . والهلاك إمّا أن يكون كلّيّاً أو جزئيّاً : فإذا هلك المبيع كلّه قبل التّسليم بآفة سماويّة ، فإنّه يهلك على ضمان البائع ، لحديث : « نهى عن ربح ما لم يضمن » .
ويترتّب على ذلك أنّ البيع ينفسخ ويسقط الثّمن ، وذلك لاستحالة تنفيذ العقد .
وهذا عند الحنفيّة . وكذلك الحكم عند الحنفيّة إن تلف بفعل البائع .
وللشّافعيّة قولان : المذهب أنّه : ينفسخ كالتّلف بآفة سماويّة ، والقول الآخر : يتخيّر المشتري بين الفسخ واسترداد الثّمن ، وبين إمضاء البيع وأخذ قيمة المبيع .
وفائدة انفساخ البيع هنا أنّه يسقط الثّمن عن المشتري إن لم يكن دفعه ، وله استرداده إن كان قد دفعه ، ولو لم ينفسخ لالتزم المشتري بالثّمن ، والتزم البائع بقيمة المبيع بالغةً ما بلغت . واعتبر الحنابلة الهلاك بفعل البائع كالهلاك بفعل الأجنبيّ ، وسيأتي تفصيله .
وإذا هلك المبيع بفعل المشتري ، فإنّ البيع يستقرّ ، ويلتزم المشتري بالثّمن ، ويعتبر إتلاف المشتري للمبيع بمنزلة قبض له ، وهذا بالاتّفاق .
وإذا كان الهلاك بفعل أجنبيّ ( ومثله هلاكه بفعل البائع عند الحنابلة ) فإنّ المشتري مخيّر ، فإمّا أن يفسخ البيع لتعذّر التّسليم ، ويسقط عنه الثّمن حينئذ ، ( وللبائع الرّجوع على من أتلف المبيع ) وإمّا أن يتمسّك بالبيع ، ويرجع على الأجنبيّ ، وعليه أداء الثّمن للبائع ، ورجوعه على الأجنبيّ بالمثل إن كان الهالك مثليّاً ، وبالقيمة إن كان قيميّاً ، وهذا مذهب الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة . ومقابل الأظهر : انفساخ البيع كالتّلف بآفة . وإذا هلك بعض المبيع ، فيختلف الحكم أيضاً تبعاً لمن صدر منه الإتلاف .
فإن هلك بعض المبيع بآفة سماويّة ، وترتّب على الهلاك نقصان المقدار ، فإنّه يسقط من الثّمن بحسب القدر التّالف ، ويخيّر المشتري بين أخذ الباقي بحصّته من الثّمن ، أو فسخ البيع لتفرّق الصّفقة ( ينظر خيار تفرّق الصّفقة ) هذا عند الحنفيّة والحنابلة .
ثمّ قال الحنفيّة : إن كان ما نشأ عن الهلاك الجزئيّ ليس نقصاً في المقدار ، بل في الوصف - وهو ما يدخل في المبيع تبعاً بلا ذكر - لم يسقط من الثّمن شيء ، بل للمشتري الخيار بين فسخ البيع أو إمضائه ، لأنّ الأوصاف لا يقابلها شيء من الثّمن إلاّ بالعدوان ، أو بتفصيل الثّمن ، وتخصيص جزء للوصف أو التّابع .
وإذا هلك البعض بفعل البائع سقط ما يقابله من الثّمن مطلقاً ، مع تخيير المشتري بين الأخذ والفسخ ، لتفرّق الصّفقة .
وإذا هلك البعض بفعل أجنبيّ ، كان للمشتري الخيار بين الفسخ وبين التّمسّك بالعقد والرّجوع على الأجنبيّ بضمان الجزء التّالف .
أمّا إن هلك بفعل المشتري نفسه ، فإنّه على ضمانه ، ويعتبر ذلك قبضاً .
أمّا المالكيّة فقد اعتبروا هلاك المبيع بفعل البائع أو بفعل الأجنبيّ يوجب عوض المتلف على البائع أو الأجنبيّ ، ولا خيار للمشتري ، سواء أكان الهلاك كلّيّاً أم جزئيّاً .
أمّا هلاكه أو تعيّبه بآفة سماويّة فهو من ضمان المشتري ، كلّما كان البيع صحيحاً لازماً ، لأنّ الضّمان ينتقل بالعقد ولو لم يقبض المشتري المبيع . واستثنى المالكيّة ستّ صور هي :
أ - ما لو كان في المبيع حقّ توفية لمشتريه ، وهو المثليّ من مكيل أو موزون أو معدود حتّى يفرغ في أواني المشتري ، فإذا هلك بيد البائع عند تفريغه فهو من ضمان البائع .
ب - السّلعة المحبوسة عند بائعها لأجل قبض الثّمن .
ج - المبيع الغائب على الصّفة أو على رؤية متقدّمة ، فلا يدخل ذلك كلّه في ضمان المشتري إلاّ بالقبض .
د - المبيع بيعاً فاسداً .
هـ - الثّمار المبيعة بعد بدوّ صلاحها ، فلا تدخل في ضمان المشتري إلاّ بعد أمن الجائحة .
و - الرّقيق حتّى تنتهي عهدة الثّلاثة الأيّام عقب البيع . لكنّهم فصلّوا في الهلاك الجزئيّ ، فيما إذا كان الباقي أقلّ من النّصف ، أو كان المبيع متّحداً ، فحينئذ للمشتري الخيار .
أمّا إذا كان الفائت هو النّصف فأكثر ، وتعدّد المبيع ، فإنّه يلزمه الباقي بحصّته من الثّمن .
الآثار المترتّبة على البيع :
أوّلاً : انتقال الملك :
60 - يملك المشتري المبيع ، ويملك البائع الثّمن ، ويكون ملك المشتري للمبيع بمجرّد عقد البيع الصّحيح ، ولا يتوقّف على التّقابض ، وإن كان للتّقابض أثره في الضّمان .
أمّا في عقد البيع الفاسد عند الحنفيّة فلا يملك المشتري المبيع إلاّ بالقبض وتفصيله في مصطلح ( البيع الفاسد ) . ويترتّب على انتقال الملك في البدلين ما يلي :
أ - أن يثبت للمشتري ملك ما يحصل في المبيع من زيادة متولّدة منه ، ولو لم يقبض المبيع . ولا يمنع من انتقال ملكيّة المبيع إلى المشتري كون الثّمن مؤجّلاً .
ب - أن تنفذ تصرّفات المشتري في المبيع ، وتصرّفات البائع في الثّمن ، كما لو أحال شخصاً به على المشتري . هذا بعد القبض ، أمّا تصرّف المشتري قبل القبض فإنّه فاسد أو باطل على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح ( بيع ما لم يقبض ) .
ج - إذا قبض البائع الثّمن ، ولم يقبض المشتري المبيع ، حتّى لو مات البائع مفلساً ، فإنّ للمشتري حقّ التّقدّم في المبيع على سائر الغرماء .
ويكون المبيع في هذه الحال أمانةً في يد البائع ، ولا يدخل في التّركة .
د - لا يجوز اشتراط بقاء البائع محتفظاً بملكيّة المبيع إلى حين أداء الثّمن المؤجّل ، أو إلى أجل آخر معيّن . هذا ، ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع أو الثّمن كونهما ديوناً ثابتةً في الذّمّة إذا لم يكونا من الأعيان ، لأنّ الدّيون تملك في الذّمم ولو لم تتعيّن ، فإنّ التّعيين أمر زائد عن أصل الملك ، فقد يحصل مقارناً له ، وقد يتأخّر عنه إلى أن يتمّ التّسليم كما لو اشترى مقداراً معلوماً من كمّيّة معينة من الأرز ، فإنّ حصّته من تلك الكميّة لا تتعيّن إلاّ بعد التّسليم ، وكذلك الثّمن إذا كان ديناً في الذّمّة .
ثانياً : أداء الثّمن الحالّ :
61 - الأصل في الثّمن الحلول ، وهذا متّفق عليه بين الفقهاء في الجملة ، قال ابن عبد البرّ : الثّمن أبداً حالّ ، إلاّ أن يذكر المتبايعان له أجلاً فيكون إلى أجله .
ونقل الأتاسيّ في شرح المجلّة عن السّراج في تعليل ذلك قوله : لأنّ الحلول مقتضى العقد وموجبه . وفي مجلّة الأحكام العدليّة : البيع المطلق ينعقد معجّلاً . ثمّ استثنت المجلّة ما لو جرى العرف في محلّ على أن يكون البيع المطلق مؤجّلاً أو مقسّطاً . كما صرّح المالكيّة بأنّه لا يجوز النّقد في بيع الخيار ، لا في زمن الخيار ، ولا في زمن عهدة الثّلاث في بيع الرّقيق ، ويفسد البيع باشتراط التّعجيل ، ولا يجوز أن يشترط نقد الثّمن في بيع الغائب على اللّزوم ، ويجوز تطوّعاً . وقد تبيّن ممّا سبق أنّ الثّمن إمّا أن يكون معجّلاً ، وإمّا أن يكون مؤجّلاً .
والثّمن المؤجّل إمّا أن يكون إلى موعد معيّن لجميع الثّمن ، وإمّا أن يكون منجّماً ( مقسّطاً ) على مواعيد معلومة . ومن جهة أخرى : فإنّ الثّمن إمّا عين معيّنة ، وإمّا دين ملتزم في الذّمّة . ففي الثّمن : إذا كان ديناً يختلف الحكم في أدائه بحسب كونه معجّلاً أو مؤجّلاً أو منجّماً ، فإذا كان مؤجّلاً أو منجّماً يتعيّن أن يكون الأجل معلوماً للمتعاقدين على تفصيل ينظر في بحث ( أجل ) . ولو دفع المشتري بعض الثّمن لم يحقّ له تسلّم المبيع ، ولا تسلّم ما يعادل الجزء المدفوع من الثّمن ، سواء أكان المبيع شيئاً واحداً أو أشياء متعدّدةً ، وسواء فصّل الثّمن على تلك الأشياء ، أم وقع عليها جملةً ، ما دام البيع قد تمّ بصفقة واحدة . هذا ما لم يكن هناك شرط على خلاف ذلك .
البدء بتسليم أحد البدلين :
62 - اختلف الفقهاء فيمن يسلّم أوّلاً : البائع أم المشتري حسب نوعي البدلين ، وينقسم ذلك إلى أحوال :
الحالة الأولى : أن يكونا معيّنين " المقايضة " أو ثمنين " الصّرف " :
63 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ المتعاقدين يسلّمان معاً تسويةً بدينهما في العينيّة والدّينيّة . وذهب المالكيّة إلى أنّهما يتركان حتّى يصطلحا ، فإن كان بحضرة حاكم وكلّ من يتولّى ذلك لهما . وعند الشّافعيّة في الأظهر : يجبران على التّسليم لاستواء الجانبين ، لأنّ الثّمن المعيّن كالمبيع في تعلّق الحقّ بالعين . وعند الحنابلة : ينصب الحاكم عدلاً بينهما ، يقبض منهما ، ثمّ يسلّمه إليهما قطعاً للنّزاع ، لاستوائهما في تعلّق حقّهما بعين الثّمن والمثمّن ، فيسلّم العدل المبيع أوّلاً ، لجريان العادة بذلك .
الحالة الثّانية : أن يكون أحدهما معيّناً والآخر ديناً في الذّمّة :
64 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة في قول : إلى أنّه يطالب المشتري بالتّسليم أوّلاً ، قال الصّاويّ : لأنّ المبيع في يد بائعه كالرّهن على الثّمن . وتوجيه ذلك أنّ حقّ المشتري تعيّن في المبيع ، فيدفع الثّمن ليتعيّن حقّ البائع بالقبض ، تحقيقاً للمساواة .
وذهب الشّافعيّة في المذهب ، والحنابلة : إلى أنّه يجبر البائع على التّسليم أوّلاً ، لأنّ قبض المبيع من تتمّات البيع ، واستحقاق الثّمن مرتّب على تمام البيع ، ولجريان العادة بذلك .
أمّا ما يترتّب على إخلال المشتري بأداء الثّمن الحالّ ، وكذلك الثّمن المؤجّل إذا حلّ أجله ، فقد اتّفق الفقهاء على أنّه : إذا كان المشتري موسراً ، فإنّه يجبر على أداء الثّمن الحالّ ، كما ذهب الجمهور في الجملة إلى أنّ للبائع حقّ الفسخ إذا كان المشتري مفلساً ، أو كان الثّمن غائباً عن البلد مسافة القصر .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس للبائع حقّ الفسخ ، لأنّه يمكنه التّقاضي للحصول على حقّه ، وهو في هذه الحالة دائن ، كغيره من الدّائنين . وهذا عندهم ما لم يشترط لنفسه خيار النّقد ، بأن يقول مثلاً : إن لم تدفع الثّمن في موعد كذا فلا بيع بيننا . واختلف في مقتضى هذا الشّرط ، هل هو انفساخ البيع ، أو استحقاقه الفسخ باعتباره فاسداً ؟ والمرجّح عند الحنفيّة : أنّه يفسد ولا ينفسخ ، وتفصيله في ( خيار النّقد )
وللشّافعيّة والحنابلة تفصيل - في حال إخلال المشتري بأداء الثّمن الحالّ ، لا للفلس ، بل لغياب ماله غيبةً قريبةً في بلده ، أو في أقلّ من مسافة القصر - خلاصته : الحجر على المشتري في المبيع وسائر أمواله حتّى يسلّم الثّمن ، خوفاً من أن يتصرّف في ماله تصرّفاً يضرّ بالبائع .
أمّا إن كان المال غائباً مسافة القصر فأكثر ، فإنّه لا يكلّف البائع الصّبر إلى إحضاره ، بل يحجر على المبيع ومال المشتري كما سبق . ويملك البائع الفسخ في الأصحّ للشّافعيّة ، وهو وجه للحنابلة ، وهذا فضلاً عن حقّه في حبس مبيعه حتّى يقبض ثمنه . وعند الحنابلة وجه بأنّه : لا خيار للبائع في الفسخ فيما دون مسافة القصر ، لأنّه بمنزلة الحاضر . والقول الآخر للشّافعيّة ليس له الفسخ ، بل يباع المبيع ، ويؤدّى حقّه من الثّمن كسائر الدّيون .
اشتراط التّرادّ بالتّخلّف عن الأداء :
65 - ممّا يتّصل بما سبق عن الحنفيّة - من إثبات حقّ الفسخ إذا اشترطه لعدم الأداء في الموعد المحدّد ، وهو ما يسمّى ( خيار النّقد ) - تصريح المالكيّة بمثله فيما إذا قال البائع للمشتري : بعتك لوقت كذا ، أو على أن تأتيني بالثّمن في وقت كذا ، فإن لم تأت به في ذلك الوقت فلا بيع بيننا ، فقد جاء في المدوّنة تصحيح البيع وبطلان الشّرط .
وروي عن مالك قولان آخران : صحّة البيع والشّرط . وفسخ البيع . وتفصيله في ( خيار النّقد ) . هذا وإذا كان الثّمن مؤجّلاً ، فإنّ على البائع تسليم المبيع ، ولا يطالب المشتري بتسليم الثّمن إلاّ عند حلول الأجل . وكذلك إذا كان الثّمن منجّماً . وقد صرّح الشّافعيّة أنّه في الثّمن المؤجّل ليس للبائع حبس المبيع به ، وإن حلّ قبل التّسليم لرضاه بتأخيره .
أمّا إذا كان بعض الثّمن معجّلاً وبعضه مؤجّلاً ، فإنّ للبعض المعجّل حكم تعجيل الثّمن كلّه ، فلا يطالب المشتري البائع بتسليم المبيع ، إلاّ بعد تسليم الجزء المعجّل من الثّمن .
ولا بدّ في جميع الأحوال من أن يكون الأجل معلوماً ، فإذا كان كذلك جاز البيع مهما طال ولو إلى عشرين سنةً . وتفصيله في ( أجل ) .
وقد صرّح المالكيّة بأنّه لا بأس ببيع أهل السّوق على التّقاضي ، وقد عرفوا قدر ذلك بينهم . والتّقاضي : تأخير المطالبة بالدّين إلى مدًى متعارف عليه بين المتعاقدين .
ومن حقّ المشتري إذا كان المبيع معيباً ، أو ظهر أنّه مستحقّ أن يمتنع من أداء الثّمن ، إلى أن يستخدم حقّه في العيب فسخاً أو طلباً للأرش أو إلى أن يتبيّن أمر الاستحقاق .
ويجوز تأخير الدّين الحالّ ، أو المؤجّل بأجل قريب إلى أجل بعيد ، وأخذ مساوي الثّمن أو أقلّ منه من جنسه لأنّه تسليف أو تسليف مع إسقاط البعض وهو من المعروف ، ولكن لا يجوز . تأخير رأس مال السّلم .
وأجاز المالكيّة تأخير رأس المال في حدود ثلاثة أيّام ولو بشرط .
ثالثاً : تسليم المبيع :
66 - قال ابن رشد الحفيد : أجمعوا على أنّه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل ، ومن شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بإثر عقد الصّفقة . وقال التّسوّليّ في البهجة شرح التّحفة : يجب تسليم المبيع المعيّن ، لأنّ وجوب التّسليم حقّ للّه ، والعقد يفسد بالتّأخير .
وأجرة الكيل والوزن أو العدّ على البائع ، إذ لا تحصل التّوفية إلاّ به .
قال ابن قدامة : لأنّ على البائع تقبيض المبيع للمشتري ، والقبض لا يحصل إلاّ بذلك .
أمّا أجرة عدّ الثّمن وكيله ووزنه فعلى المشتري ، وأجرة نقل المبيع المحتاج إليه في تسليم المبيع المنقول على المشتري .
وتسليم المبيع أهمّ الأثّار الّتي يلتزم بها البائع في عقد البيع ، وهو يثبت عند تسليم الثّمن الحالّ ( أمّا في الثّمن المؤجّل فلا يتوقّف تسليم المبيع على أدائه ) ولا يتحقّق تسليم المبيع إلاّ إذا سلّم للمشتري خالياً من أيّ شاغل ، أي كانت العين قابلةً لكمال الانتفاع بها .
فإذا كان مشغولاً لم يصحّ التّسليم ، وأجبر البائع على تفريغ المبيع .
ومن صور شغل المبيع : أن يكون محلاً لعقد إجارة أبرمه البائع ، فإن رضي المشتري بالانتظار إلى نهاية مدّة الإجارة لم تكن له المطالبة بالتّسليم ، ولكن يحقّ له حبس الثّمن إلى أن تنتهي الإجارة ، ويصبح المبيع قابلاً للتّسليم . وكما يجب تسليم المبيع يجب تسليم توابعه . يختلف حكم القبض بين المثليّ من مكيل أو موزون أو معدود ، وبين غيره من عقار أو حيوان ونحوه . ففي قبض العقار تكفي التّخلية اتّفاقاً بشرط فراغه من أمتعة البائع ، فلو جمعت أمتعة البائع في غرفة صحّ قبض ما عداها ، وتوقّف قبضها على تفريغها .
لكن لو أذن البائع للمشتري بقبض الدّار والمتاع صحّ التّسليم ، لأنّ المتاع صار وديعةً عند المشتري . ومن عبارات المالكيّة : أنّ العقار إن كان أرضاً فقبضه بالتّخلية ، وإن كان داراً للسّكنى فقبضها بالإخلاء . فإن لم يحضر العاقدان العقار المبيع . فقد ذهب الشّافعيّة في الأصحّ ( ونقل مثله عن بعض الحنفيّة في العقار البعيد عن العاقدين ) إلى أنّه يعتبر مرور زمن يمكن فيه المضيّ إلى العقار ، لأنّه إذا لم يعتبر حضور العاقدين إلى العقار للمشقّة ، فلا مشقّة في اعتبار مضيّ الزّمان ، ويبدو أنّ الحكمة في ذلك الأمن من تداخل الضّمانين .
أمّا المنقول ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى : أنّ قبض المكيل والموزون والمعدود باستيفاء الكيل أو الوزن أو العدّ . وقال الشّافعيّة : لا بدّ مع ذلك من النّقل .
وهذا ما لم يبع جزافاً ، فيحصل قبضه بالنّقل ، على خلاف وتفصيل . ر : ( بيع الجزاف ) . وأمّا غير ذلك من الحيوان والعروض ، فإنّ قبضها بحسب العرف ، كتسليم الثّوب وزمام الدّابّة وسوقها أو عزلها عن دوابّ البائع أو انصراف البائع عنها .
ولم يفرّق الحنفيّة - وهي رواية عن أحمد - بين المكيلات والموزونات والمعدودات وبين غيرها . فالتّخلية قبض في الجميع ، حتّى لو كانت التّخلية في بيت البائع فإنّها صحيحة . فإن هلك المبيع بعدئذ هلك من ضمان المشتري ، لأنّه كالوديعة عنده .
وينوب القبض السّابق للمبيع عن تجديد قبضه ، إذا كان قد قبض على سبيل الضّمان ، بأن كان المشتري قد غصبه من البائع قبل أن يشتريه منه ، فإنّ ذلك القبض يغني ، لأنّه قبض قويّ بمنزلة قبض المشتري ما اشتراه ، إذ تبعة هلاكه في الحالين على القابض .
أمّا إذا كان القبض السّابق من قبيل قبض الأمانة ، كقبض المستعير والوديع - وهو ما لا ضمانه ممّن هو بيده في حال هلاكه دون تعدّ أو تقصير - فيعتبر ذلك القبض ضعيفاً لا ينوب عن قبض الضّمان .
انتهاء البيع :
67 - بالإضافة إلى ما سبق الكلام عنه من انفساخ البيع بسبب بعض حالات الهلاك الكلّيّ ، فإنّ البيع ينتهي بتمام آثاره من تسليم وتسلّم .
وينتهي البيع أيضاً بالإقالة . وتفصيل الكلام عنها في مصطلح ( إقالة ) .

بيع الاستجرار *
التّعريف :
1 - البيع : مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملّكاً .
والاستجرار لغةً : الجذب والسّحب ، وأجررته الدّين : أخّرته له .
وبيع الاستجرار : أخذ الحوائج من البيّاع شيئاً فشيئاً ، ودفع ثمنها بعد ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
البيع بالتّعاطي :
2 - المعاطاة والتّعاطي : المناولة والمبادلة .
والبيع بالتّعاطي : أن يتقابض البائع والمشتري من غير صيغة ، أي إنّ البائع يعطي المبيع ولا يتلفّظ بشيء ، والمشتري يعطي الثّمن كذلك .
والفرق بين بيع الاستجرار والتّعاطي هو : أنّ بيع الاستجرار أعمّ ، لأنّه قد يكون بإيجاب وقبول ، وقد يكون بالتّعاطي ، كما أنّ الغالب في الاستجرار تأجيل الثّمن ، وعدم تحديده في بعض الصّور .
الأحكام المتعلّقة ببيع الاستجرار :
تتعدّد صور بيع الاستجرار ، ولذلك تختلف أحكامه من صورة لأخرى ، وبيان ذلك فيما يلي : مذهب الحنفيّة :
صور بيع الاستجرار الّتي وردت عند الحنفيّة هي :
3 - الصّورة الأولى : أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاج إليه شيئاً فشيئاً ممّا يستهلك عادةً ، كالخبز والملح والزّيت والعدس ونحوها ، مع جهالة الثّمن وقت الأخذ ، ثمّ يشتريها بعد استهلاكها .
فالأصل عدم انعقاد هذا البيع ، لأنّ المبيع معدوم وقت الشّراء ، ومن شرائط المعقود عليه أن يكون موجوداً ، لكنّهم تسامحوا في هذا البيع وأخرجوه عن هذه القاعدة ( اشتراط وجود المبيع ) وأجازوا بيع المعدوم هنا استحساناً ، وذلك كما في البحر الرّائق والقنية .
وقال بعض الحنفيّة : ليس هذا بيع معدوم ، إنّما هو من باب ضمان المتلفات بإذن مالكها عرفاً ، تسهيلاً للأمر ودفعاً للحرج ، كما هو العادة . ولم يرتض الحمويّ وغيره هذا المعنى . وقال ابن عابدين : إنّ المسألة استحسان ، ويمكن تخريجها على قرض الأعيان ، ويكون ضمانها بالثّمن استحساناً ، كحلّ الانتفاع في الأشياء القيميّة ، لأنّ قرضها فاسد لا يحلّ الانتفاع به وإن ملّكت بالقبض .
4 - الصّورة الثّانية : وهي نفس الصّورة الأولى ، لكن تختلف عنها بالنّسبة لمعرفة الثّمن ، أي إنّ الإنسان يأخذ ما يحتاج إليه شيئاً فشيئاً مع العلم بالثّمن وقت الأخذ ، ثمّ يحاسبه بعد ذلك . وهذا البيع جائز ولا خلاف في انعقاده ، لأنّه كلّما أخذ شيئاً انعقد بيعاً بثمنه المعلوم ، ويكون بيعاً بالتّعاطي ، والبيع بالتّعاطي ينعقد ، سواء أدفع الثّمن وقت الأخذ أم تأجّل . ومثلها في الحكم : أن يدفع الإنسان إلى البيّاع الدّراهم دون أن يقول له : اشتريت ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال مع العلم بثمنها .
هذا البيع جائز ، وما أكله حلال ، لأنّه وإن كانت نيّته الشّراء وقت الدّفع إلاّ أنّه لا ينعقد بيعاً بمجرّد النّيّة ، وإنّما انعقد بيعاً الآن بالتّعاطي ، والآن المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحاً .
5- الصّورة الثّالثة : أن يدفع الإنسان إلى البيّاع دراهم ، ويقول له : اشتريت منك مائة رطل من خبز مثلاً ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال .
هذا البيع فاسد ، وما أكل فهو مكروه ، وذلك لجهالة المبيع ، لأنّه اشترى خبزاً غير مشار إليه فكان المبيع مجهولاً ، ومن شرائط صحّة البيع : أن يكون المبيع معلوماً .
6- الصّورة الرّابعة : وهي أن يدفع الإنسان الدّراهم للبيّاع دون أن يقول له : اشتريت ، وجعل يأخذ كلّ يوم خمسة أرطال ولا يعلم ثمنها .
فهذا لا ينعقد بيعاً بالتّعاطي لجهالة الثّمن ، فإذا تصرّف الآخذ في المبيع ، وقد دفعه البيّاع برضاه بالدّفع وبالتّصرّف فيه على وجه التّعويض عنه ، لم ينعقد بيعاً ، وإن كان على نيّة البيع ، لأنّ البيع لا ينعقد بالنّيّة ، فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته ، فإذا توافقا على شيء بدل المثل أو القيمة برئت ذمّة الآخذ .
مذهب المالكيّة :
الصّور الّتي وردت عند المالكيّة هي :
7 - أن يضع الإنسان عند البيّاع دراهم ، ثمّ يأخذ بجزء معلوم من الدّراهم سلعةً معلومةً وهكذا . فهذا البيع صحيح ، لأنّ السّلعة معلومة والثّمن معلوم .
8- أن يضع عند البيّاع درهماً ، ويقول له : آخذ به منك كذا وكذا من التّمر مثلاً ، أو كذا وكذا من اللّبن أو غير ذلك . يقدّر معه فيه سلعةً ما ، ويقدّر ثمنها قدراً ما ، ويترك السّلعة يأخذها متى شاء ، أو يؤقّت لها وقتاً يأخذها فيه ، فهذا البيع جائز أيضاً .
9- أن يترك عند البيّاع درهماً في سلعة معيّنة أو غير معيّنة ، على أن يأخذ منها في كلّ يوم بسعره ، وعقدا على ذلك البيع ، فهذا البيع غير جائز ، لأنّ ما عقدا عليه من الثّمن مجهول ، وذلك من الغرر الّذي يمنع صحّة البيع .
10 - أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاج إليه بسعر معلوم ، فيأخذ كلّ يوم وزناً معلوماً بسعر معلوم ، والثّمن إلى أجل معلوم ، أو إلى العطاء إذا كان العطاء معلوماً مأموناً ، فهذا البيع جائز .
مذهب الشّافعيّة :
لبيع الاستجرار عند الشّافعيّة صورتان :
11 - إحداهما : أن يأخذ الإنسان من البيّاع ما يحتاجه شيئاً فشيئاً ، ولا يعطيه شيئاً ، ولا يتلفّظان ببيع ، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد ، ويحاسبه بعد مدّة ويعطيه ، كما يفعل كثير من النّاس . قال النّوويّ : هذا البيع باطل بلا خلاف - أي عند الشّافعيّة - لأنّه ليس ببيع لفظيّ ولا معاطاةً . قال الأذرعيّ : وهذا ما أفتى به البغويّ ، وذكر ابن الصّلاح نحوه في فتاويه . وتسامح الغزاليّ فأباح هذا البيع ، لأنّ العرف جار به ، وهو عمدته في إباحته .
وقال الأذرعيّ : قول النّوويّ - إنّ هذا لا يعدّ معاطاةً ولا بيعاً - فيه نظر ، بل يعدّه النّاس بيعاً ، والغالب أن يكون قدر ثمن الحاجة معلوماً لهما عند الأخذ والعطاء ، وإن لم يتعرّضا له لفظاً .
12 - الثّانية : أن يقول الإنسان للبيّاع : أعطني بكذا لحماً أو خبزاً مثلاً ، فيدفع إليه مطلوبه فيقبضه ويرضى به ، ثمّ بعد مدّة يحاسبه ويؤدّي ما اجتمع عليه ، فهذا البيع مجزوم بصحّته عند من يجوّز المعاطاة .
رد مع اقتباس