ثانياً : وسيلة معرفة المبيع وتعيينه
34 - إذا كان المبيع غائباً عن المجلس ولم تتمّ معرفة المبيع برؤيته أو الإشارة إليه على ما سبق ، فإنّها تتمّ بالوصف الّذي يميّزه عن غيره ، مع بيان مقداره .
وإذا كان عقاراً كان لا بدّ من بيان حدوده ، لاختلاف قيمة العقار باختلاف جهته وموقعه . وإذا كان من المكيلات أو الموزونات أو المذروعات أو المعدودات فإنّه تحصل معرفتها بالمقدار الّذي تباع به . وفي ذلك بعض التّفصيلات سيأتي بيانها قريباً .
ويصحّ بيع الجزاف ، وهو إمّا أن يكون بإجمال الثّمن على الصّبرة كلّها ، فيصحّ باتّفاق مع مراعاة ما ذكره المالكيّة من شروط في بيع الجزاف .
وإمّا بتفصيله بنحو : كلّ صاع بكذا ، فيصحّ عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبي يوسف ومحمّد . وقال أبو حنيفة : يصحّ في قفيز واحد ، ويبطل فيما سواه ، لجهالة المجموع الّذي وقع عليه العقد .
وقال الشّافعيّة : إن قدّر الصّبرة كأن قال : بعتك الصّبرة كلّ صاع بدرهم ، على أنّها مائة ، صحّ البيع إن خرجت مائة لتوافق الجملة والتّفصيل ، وإن لم تخرج مائةً ، بأن خرجت أقلّ أو أكثر ، ففي الصّحيح لا يصحّ البيع ، لتعذّر الجمع بين جملة الثّمن وتفصيله ، والقول الثّاني يصحّ . ويجوز بيع المكيل بالوزن ، وعكسه ، وهذا في الجملة في غير الرّبويّات ، أي فيما لا يحرم التّفاضل فيه ، للنّصّ على ذلك في الرّبويّات .
ويجوز البيع بمكيال أو ميزان خاصّ ، كحجر معيّن للمتبايعين ، ولو لم يكن متعارفاً عليه عند غيرهما . أمّا البيع بمكيال غير منضبط ، بأن كان يتّسع ويضيق فلا يجوز . مع استثناء بيع الماء بالقرب ، فيجوز استحساناً لجريان العرف به كما يقول الحنفيّة .
ثالثاً - شمول المبيع :
توابع المبيع :
35 - يقع البيع على العين ومنافعها ، ولذا كان من مقتضاه أحياناً أن يدخل في المبيع ماله صلةً به ، لتحقيق المنفعة المرادة منه ، أو أن يقضي العرف بشمول المبيع لأشياء تدخل فيه ولو لم يصرّح بذلك في العقد . كما أنّها لا تنفصل عنه لا بالاستثناء .
فعند الحنفيّة يدخل في المبيع ما يلي :
أ - ما يتناوله مدلول اسم المبيع ، بحيث يعتبر جزءاً من أجزائه . فبيع الدّار مثلاً يدخل فيه غرفها ، وبيع الخزانة يدخل فيه الأدراج .
ب - ما لا يقبل الانفكاك عن المبيع بالنّظر إلى الغرض من العقد عليه .
فبيع القفل يدخل معه المفتاح .
ج - ما كان متّصلاً بالمبيع اتّصال قرار ، بأن كان موضوعاً على وجه الدّوام ، كبيع الدّار تدخل فيه الأبواب والأحواض .
د - ما جرى العرف ببيعه مع المبيع تابعاً له . كالخطام بالنّسبة للبعير .
فالأصل أنّ هذه الأمور كلّها ترجع إلى العرف ، وهو يختلف باختلاف البلاد ، فما جرى العرف في بلد بدخوله في البيع تبعاً دخل فيه ، وإن لم يجر هذا العرف في بلد آخر .
ولذلك يقول ابن عابدين نقلاً عن الذّخيرة في بيع الدّار : الأصل أنّ ما لا يكون من بناء الدّار ولا متّصلاً بها ، لا يدخل إلاّ إذا جرى العرف أنّ البائع لا يمنعه عن المشتري ، فالمفتاح يدخل استحساناً لا قياساً لعدم اتّصاله ، وقلنا بدخوله بحكم العرف .
ثمّ قال ابن عابدين : ومقتضى ذلك أنّ شرب الدّار يدخل في ديارنا ( دمشق ) للتّعارف ، بل هو أولى من دخول السّلم المنفصل في عرف مصر القاهرة ، لأنّ الدّار في دمشق إذا كان لها ماء جار وانقطع عنها أصلاً لم ينتفع بها ، وأيضاً إذا علم المشتري أنّه لا يستحقّ شربها بعقد البيع لا يرضى بشرائها إلاّ بثمن قليل جدّاً بالنّسبة للدّار الّتي يدخل فيها شربها .
ويقول القرافيّ في الفرق بين قاعدة : ما يتبع العقد عرفاً ، وقاعدة : ما لا يتبعه - بعد أن سرد الأبواب في ذلك - قال : وهذه الأبواب الّتي سردتها مبنيّة على العوائد ، غير مسألة الثّمار المؤبّرة بسبب أنّ مدركها النّصّ والقياس ، وما عداها مدركه العرف والعادة ، فإذا تغيّرت العادة أو بطلت بطلت هذه الفتاوى ، وحرمت الفتوى بها لعدم مدركها فتأمّل ذلك ، بل تتبع الفتوى هذه العوائد كيفما تقلّبت ، كما تتبع النّقود في كلّ عصر وحين ، وكلّ ما صرّح به في النّقود واقتضته اللّغة فهذا هو الّذي لا يختلف باختلاف العوائد ، ولا يقال : إنّ العرف اقتضاه . ومعنى شمول المبيع لتلك الأشياء أنّها تدخل معه بالثّمن نفسه دون أن يكون لها حصّة من الثّمن ، لأنّ القاعدة أنّ كلّ ما يدخل في المبيع تبعاً لا حصّة له من الثّمن .
ويعتبر مثل ذلك - عند الحنفيّة - ما كان وصفاً بالنّسبة للمبيع ، فإذا تلف بعد العقد وقبل القبض ، لم يكن للمشتري إسقاط شيء في مقابله من الثّمن ، بل يتخيّر بين التّمسّك بالعقد وبين الفسخ ، وهو من قبيل خيار فوات الوصف ، وذلك بخلاف ما لو هلك شيء من ذات المبيع ( لا من توابعه ) فإنّه يتمكّن به المشتري من إسقاط ما يخصّه من الثّمن .
وأمّا عند الشّافعيّة والحنابلة : إن قال بعتك هذه الدّار دخل فيها ما اتّصل بها من الرّفوف المسمّرة والخوابي والأجاجين المدفونة فيها ، وكلّ ما اتّصل بها اتّصال استقرار لمصلحتها . ولا يدخل المنفصل عند الحنابلة ، وأحد وجهين عند الشّافعيّة ، فيدخل حجر الرّحى السّفلانيّ إن كان متّصلاً ، ولا يدخل الحجر الفوقانيّ ، ولا مثل دلو وحبل وبكرة ومفتاح .
الاستثناء من المبيع :
36 - ينبني حكم الاستثناء من المبيع على نصّ وضابط مبنيّ عليه ، مع اتّفاق الفقهاء في بعض ما ينبني على ذلك من مسائل ، واختلافهم في بعضها الآخر بسبب اختلافهم في التّوجيه ، وبيان ذلك فيما يلي :
أمّا النّصّ فهو ما رواه البخاريّ من أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى عن الثنيا إلاّ أن تعلم » . وأمّا الضّابط فهو أنّ كلّ ما يجوز بيعه منفرداً يجوز استثناؤه ، وما لا يجوز إيقاع البيع عليه بانفراده لا يجوز استثناؤه .
ولا بدّ من كون المستثنى معلوماً ، لأنّه إن كان مجهولاً عاد على الباقي بالجهالة ، فلم يصحّ البيع . وعلى ذلك لا يجوز استثناء الحمل من بيع الدّابّة ، لأنّه لا يجوز إفراده بالبيع ، فكذا استثناؤه ، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلاّ فيما نقل عن الإمام أحمد بصحّة استثنائه ، وبه قال الحسن والنّخعيّ وإسحاق وأبو ثور ، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه باع جاريةً واستثنى ما في بطنها ، ولأنّه يصحّ استثناؤه في العتق ، فصحّ في البيع قياساً عليه .
وهكذا كلّ مجهول لا يجوز استثناؤه ، كاستثناء شاة غير معيّنة من قطيع .
ولا يجوز بيع الحائط واستثناء شجرة أو نخلة غير معيّنة لأنّ استثناء المجهول من المعلوم يصيّره مجهولاً ، فإن عيّن المستثنى صحّ البيع والاستثناء . وهذا عند الجمهور .
ويجوز عند الإمام مالك استثناء نخلات أو شجرات وإن لم تكن بأعيانها ، على أن يختارها ، إذا كان ثمرها قدر الثّلث أو أقلّ ، وكانت ثمار الحائط لوناً واحداً ، لخفّة الغرر في ذلك .
ولا يجوز بيع ثمرة واستثناء أرطال معلومة منها ، « لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الثنيا » ، ولأنّ الباقي بعد الاستثناء مجهول . روي ذلك عن سعيد بن المسيّب والشّافعيّ والأوزاعيّ وإسحاق وأبي ثور ، وهو قول الحنابلة غير أبي الخطّاب ، وهو رواية الحسن وقول الطّحاويّ من الحنفيّة .
ويجوز ذلك عند الإمام مالك إذا كان قدر ثلث فأقلّ ، والجواز هو ظاهر الرّواية عند الحنفيّة ، وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد اللّه وأبي الخطّاب من الحنابلة ، لأنّه استثنى معلوماً . ويجوز استثناء جزء مشاع كربع وثلث ، لأنّه لا يؤدّي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه ، فصحّ كما لو اشترى شجرةً بعينها . وقال أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة : لا يجوز . ويجوز عند الحنابلة بيع الحيوان المأكول واستثناء رأسه وجلده وأطرافه وسواقطه . وجوّز مالك ذلك في السّفر فقط ، إذ لا ثمن للسّواقط هناك ، وكرهه في الحضر ، ولأنّ المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسّواقط ، والدّليل على جواز استثناء ذلك « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الثّنيا إلاّ أن تعلم » وهذه معلومة .
وروي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مرّوا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاةً . وشرطا له سلبها »أي جلدها وأكارعها وبطنها ولا يجوز ذلك عند الحنفيّة والشّافعيّة .
وممّا اختلف الفقهاء فيه من الاستثناء ما اعتبره بعضهم شرطاً صحيحاً ، فأجازه وأجاز البيع ، واعتبره غيرهم شرطاً فاسداً ، فأبطله وأبطل البيع .
ومثال ذلك : من يبيع الدّار ويستثنى سكناها شهراً مثلاً ، فأجاز ذلك المالكيّة والحنابلة ، واستدلّوا بحديث « جابر أنّه باع النّبيّ صلى الله عليه وسلم جملاً ، واشترط ظهره إلى المدينة أي ركوبه » وفي لفظ : قال : « بعته واستثنيت حملانه إلى أهلي » .
وعند الحنفيّة والشّافعيّة : لا يجوز ذلك ، ويبطل الشّرط والبيع ، لأنّه شرط غير ملائم .
بيع الأصول :
37 - الأصول : جمع أصل ، وهو ما ينبني عليه غيره ، والمراد بالأصول هنا ما عبّر عنه النّوويّ ، بقوله في " تحريره " الأصول : الشّجر والأرض وفي شرح منتهى الإرادات : المراد بالأصول هنا : أرض ودور وبساتين .
وقد درج الفقهاء على إفراد فصل بعنوان ( بيع الأصول ) ذاكرين فيه ما يتبع هذه الأصول في البيع وما لا يتبعها . وبيان ذلك كما يأتي .
38 - بيع الأرض : من باع أرضاً دخل فيها الغراس والبناء لاتّصالها بها اتّصال قرار ، وهي من حقوقها ، وهذا في جميع المذاهب إلاّ في قول عند الشّافعيّة أنّه إن أطلق ولم يقل بحقوقها فلا يدخل البناء والشّجر لكنّ المذهب دخوله عند الإطلاق . كما أنّ الشّافعيّة فسّروا الشّجر الّذي يتبع الأرض بالشّجر الرّطب ، أمّا اليابس فلا يدخل ، على ما صرّح به ابن الرّفعة والسّبكيّ تفقّهاً . وقال الإسنويّ لا يدخل جزماً .
كما يدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة والمثبتة فيها ، لأنّها من أجزائها ، دون المدفونة كالكنز فلا تدخل في البيع ، وتكون للبائع ، لكن قال القرافيّ : لا تدخل المدفونة إلاّ على القول بأنّ من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها . وإن كان في الأرض زرع يجزّ مرّةً بعد أخرى فالأصول للمشتري ، والجزّة الظّاهرة عند البيع للبائع .
39 - ومن باع داراً دخل في البيع بناؤها ، وفناؤها وما فيها من شجر مغروس ، وما كان متّصلاً بها لمصلحتها ، كسلالم ، ورفوف مسمّرة ، وأبواب ورحًى منصوبة ، ولا يتناول ما فيها من كنز مدفون ولا ما هو منفصل عنها كحبل ودلو ، ولا ما ينقل كحجر وخشب .
أمّا الغلق المثبّت فيدخل مفتاحه عند الحنفيّة والمالكيّة على ما تقدّم ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة ، وفي رواية عند الحنابلة .
40 - ومن باع شجراً تبعه الأغصان والورق وسائر أجزاء الشّجر ، لأنّه من أجزائها خلق لمصلحتها ، أمّا الأرض الّتي هي مكان غرسها فتدخل أيضاً في بيعها عند المالكيّة ، وعند الحنفيّة إن اشتراها للقرار اتّفاقاً . ولا تدخل عند الحنابلة ، وعلى الأصحّ عند الشّافعيّة ، لأنّ الاسم لا يتناولها ولا هي تبع للمبيع .
وإن كان في الشّجر أو النّخل ثمر فالمؤبّر للبائع ، إلاّ أن يشترط ذلك المشتري ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : من باع نخلاً قد أبّرت فثمرتها للبائع ، إلاّ أن يشترط المبتاع » .
أمّا إذا لم تكن مؤبّرةً فهي للمشتري ، لأنّ قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم دلّ على أنّها إذا لم تكن مؤبّرةً فهي للمبتاع ، ولأنّ ثمرة النّخل كالحمل ، لأنّه نماء كامن لظهوره غاية .
وهذا عند الجمهور . وعند الحنفيّة لا تدخل الثّمرة مؤبّرةً أو غير مؤبّرة على الصّحيح إلاّ بالشّرط للحديث المتقدّم . لكن برواية ليس فيها التّأبير .
41 - ومن باع حيواناً تبعه ما جرى العرف بتبعيّته له كاللّجام والمقود والسّرج ، وفرّق الشّافعيّة بين ما هو متّصل بالحيوان كالبرّة ( الحلقة الّتي في أنف الدّابّة ) وكالنّعل المسمّر ، فهذا يدخل في بيع الحيوان تبعاً .
أمّا اللّجام والسّرج والمقود ، فلا يدخل في بيع الحيوان اقتصاراً على مقتضى اللّفظ .
بيع الثّمار :
42 - يجوز باتّفاق الفقهاء بيع الثّمار وحدها منفردةً عن الشّجر ، ولا يجوز بيعها إلاّ بعد بدوّ صلاحها - مع اختلافهم في تفسير بدوّ الصّلاح - هل هو ظهور النّضج والحلاوة ونحو ذلك كما يقول الجمهور ، أو هو أمن العاهة والفساد كما يقول الحنفيّة .
ودليل الجواز مأخوذ من حديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه : « نهى عن بيع الثّمرة حتّى يبدو صلاحها » .
قال ابن قدامة : فمفهومه إباحة بيعها بعد بدوّ صلاحها ، وهذا عند من يقول بالمفهوم .
كما أنّ الأصل جواز كلّ بيع استكمل شروطه . ويجوز كذلك بيع الثّمار بعد ظهورها ، وقبل بدوّ الصّلاح بشرط القطع في الحال ، وذلك إذا كان ينتفع به ، وهذا باتّفاق ، إلاّ أنّ المالكيّة زادوا على ذلك شرطين أحدهما : أن يحتاج المتبايعان أو أحدهما للبيع .
والثّاني : أن لا يتمالأ أكثر أهل البلد على الدّخول في هذا البيع .
فإن بيع الثّمر قبل بدوّ الصّلاح بشرط التّبقية أو على الإطلاق دون بيان جذّ ولا تبقية فعند الجمهور- المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة- البيع باطل .
والحكم كذلك عند الحنفيّة إن شرط التّرك ، وإن لم يشترط قطعاً ولا تبقيةً فإنّه يجوز باتّفاق أهل المذهب ، إذا كان ينتفع به . وعلى الصّحيح إن كان لا ينتفع به ، لأنّه مال منتفع به في ثاني الحال ، إن لم يكن منتفعاً به في الحال ، فإن شرط التّرك فسد البيع .
فإن باع الثّمرة مع الأصل جاز بالاتّفاق ، لأنّها تكون تبعاً لأصل .
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح : ( ثمار ) .
رابعاً : حضور المبيع وغيابه
أ - حضور المبيع :
43 - من المقرّر أنّ الإشارة إلى المبيع هي أقوى طرق التّعريف والتّعيين ، ولذلك إذا كان المبيع في حضرة المتعاقدين - مجلس العقد - وتمّ تعيينه بالإشارة بحيث عرفه المشتري ورآه ، فإنّ البيع لازم إذا خلا من سبب خاصّ - لا يتّصل برؤية المبيع - من الأسباب الّتي ينشأ بها الخيار للمشتري .
حتّى لو اقترنت الإشارة بالوصف ، وكان الوصف مغايراً لما رآه المشتري ورضي به ، فإنّه ليس له المطالبة بعدئذ بالوصف ، ما دام العقد قد تمّ بعد الرّؤية والرّضا .
ويعبّر عن ذلك بالقاعدة الفقهيّة التّالية " الوصف في الحاضر لغو ، وفي الغائب معتبر " . وهذا بخلاف التّغاير بين اسم المبيع والإشارة إليه ، كقوله : بعتك هذه الفرس ، وأشار إلى ناقة مثلاً ، فالتّسمية هي المعتبرة ، لأنّ الاسم يحدّد به جنس المبيع ، فهذا غلط في الجنس لا في الوصف ، والغلط في الجنس غير مغتفر ، لأنّه يكون به المبيع معدوماً .
وقد صرّح القرافيّ : بأنّه إن لم يذكر الجنس في البيع ، بأن قال : بعتك ثوباً امتنع إجماعاً . وهذا إذا كان الوصف ممّا يدركه المشتري ، أمّا لو كان ممّا يخفى عليه ، أو يحتاج إلى اختبار ، كالوصف للبقرة بأنّها حلوب ، ثمّ تبيّن للمشتري أنّها ليست كذلك ، فإنّ فوات الوصف هنا مؤثّر ، إن كان قد اشترط في العقد ، ولو كان المبيع حاضراً مشاراً إليه . لأنّ الوصف هنا معتبر من البائع ، ويترتّب على فواته خيار للمشتري يسمّى : خيار فوات الوصف . ويستوي في استحقاق الخيار بفوات الوصف أن يكون المبيع حاضراً أو غائباً . وتفصيل ذلك في ( خيار الوصف ) .
ب - غياب المبيع :
44 - إذا كان المبيع غائباً ، فإمّا أن يشتري بالوصف الكاشف له ، على النّحو المبيّن في عقد السّلم ، وإمّا أن يشتري دون وصف ، بل يحدّد بالإشارة إلى مكانه أو إضافته إلى ما يتميّز به . فإن كان البيع بالوصف ، وهو هنا غير الوصف المرغوب السّابق ، فإذا تبيّنت المطابقة بين المبيع بعد مشاهدته وبين الوصف لزم البيع ، وإلاّ كان للمشتري خيار الخلف عند جمهور الفقهاء .
أمّا الحنفيّة فإنّهم يثبتون للمشتري هنا خيار الرّؤية ، بقطع النّظر عن سبق وصفه أو عدمه ، وتفصيله في " خيار الوصف ، وخيار الرّؤية " . لكن إن تمّ الشّراء على أساس النّموذج ، ولم يختلف المبيع عنه ، فليس للمشتري خيار رؤية .
وبيع الغائب مع الوصف صحيح عند الجمهور في الجملة- الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة- فقد أجازه الحنفيّة ولو لم يسبق وصفه . وفي قول للشّافعيّة لا بدّ من الوصف لأنّ للمشتري هنا خيار الرّؤية على كلّ حال ، سواء مع الوصف والمطابقة ، أو المخالفة ، ومع عدم الوصف . وهو خيار حكميّ لا يحتاج إلى اشتراط . وأجازه الحنابلة مع الوصف على الوجه المطلوب لصحّة السّلم ، وقصروا الخيار على حال عدم المطابقة . وأجازه المالكيّة بثلاثة شروط :
أ - ألاّ يكون قريباً جدّاً بحيث تمكن رؤيته بغير مشقّة ، لأنّ بيعه غائباً في هذه الحال عدول عن اليقين إلى توقّع الضّرر فلا يجوز .
ب - ألاّ يكون بعيداً جدّاً ، لتوقّع تغيّره قبل التّسليم ، أو لاحتمال تعذّر تسليمه .
ج - أن يصفه البائع بصفاته الّتي تتعلّق الأغراض بها وهي صفات السّلم .
والأظهر في مذهب الشّافعيّة : أنّه لا يصحّ بيع الغائب ، وهو : ما لم يره المتعاقدان أو أحدهما ، وإن كان حاضراً ، للنّهي عن بيع الغرر .
أمّا البيع على البرنامج ، وهو الدّفتر المبيّنة فيه الأوصاف ، أو على الأنموذج بأن يريه صاعاً ويبيعه الصّبرة على أنّها مثله فقد أجازه الحنفيّة ، وهو قول للحنابلة صوّبه المرداويّ - لما سبق - والمالكيّة ، والأصحّ للحنابلة منعه ، وأجازه الشّافعيّة فيما لو قال مثلاً : بعتك الحنطة الّتي في هذا البيت ، وهذا أنموذجها ، ويدخل الأنموذج في البيع .
وللمالكيّة تفصيل فيما إذا ظهر أنّ ما في العدل المبيع على البرنامج أقلّ أو أكثر ، وتفصيله في ( ظهور المبيع زائداً أو ناقصاً ) .
خامساً ظهور النقصان أو الزيادة في المبيع :
45 - يختلف الحكم في المبيع إذا ظهر فيه نقصان أو زيادة بين أن يكون البيع على أساس المقدار ، وبين أن يكون من قبيل بيع الجزاف ( أو المجازفة ) وهو ما يسمى أيضاً ( بيع الصُبْرة ) ومنه بعض صور البيع على البرنامج أو الأنموذج ، حيث يظهر القدر مخالفاً لما كتب في البرنامج .
أ- بيع الجزاف :
46 - إذا كان البيع جزافاً فلا أثر لظهور النقص أو الزيادة عما توقعه المشتري أو البائع .
وتفصيل ذلك في ( بيع الجزاف )
ب - بيع المقدّرات :
47 - إذا ظهر نقص أو زيادة فيما بيع مقدراً بكيل أو وزن او ذرع أو عد ، فيننظر في المبيع ، هل هو مما يضره التبعيض أو لا يضره ؟ كما ينظر في أساس الثمن الذي تم عليه البيع هل هو مجمل أو مفصل على أجزاء ؟
فإذا كان المبيع مما لا يضره التبعيض ( كالمكيلات بأنواعها ، وكذلك بعض الموزونات كالقمح ، والمذروعات كالقماش الذي يباع بالذراع ، دون نضر إلى ما يكفي للثوب الواحد ، وكذلك المعدودات المتقاربة ). فإن الزيادة في المبيع هي للبائع ، والنقص على حسابه ، ولا حاجة في هذه الحال للنظر إلى تفصيل الثمن أو إجماله .
وإذا كان الثمن مفصلاً ، كما لو قال : كل ذراع بدرهم ، فالزيادة للبائع والنقص عليه ، ولا حاجة للنظر إلى كونه يضره التبعيض أو لا .
أما إذا كان الثمن غير مفصل ، والمبيع مما يضره التبعيض ، فإن الزيادة للمشتري والنقص عليه ، ولا يقابله شيء من الثمن ، لكن يثبت للمشتري الخيار في حال النقص ، وهو خيار تفرق الصفقة .
وذلك لأن ما لا يضره التبعيض يعتبر التقدير فيه كالجزء ، وما يضره التبعيض يعتبر التقدير فيه كالوصف . والوصف لا يقابله شيء من الثمن بل يثبت به الخيار .
هذا ما ذهب إليه الحنفية .
وذهب الشافعية في الصحيح ، وهو رواية عند الحنابلة إلى : أنه إذا ظهر في المبيع المقدر زيادة أو نقصان فالبيع باطل ، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة ، ولا المشتري علىأخذ البعض ، وهناك ضرر في الشركة بين البائع والمشتري بالنسبة لما زاد .
وللمالكية تفصيل بين كون النقص قليلاً أو كثيراً . فإن كان قليلاً لزم المشتري الباقي بما ينوبه من الثمن ، وإن كان كثيراً كان مخيراً في الباقي بين أخذه بما ينوبه ، أو رده .
وقيل : إن ذلك بمنزلة الصفة للمبيع ، فإن وجده أكثر فهو للمشتري ، وإن وجده أقل كان المشتري بالخيار بين أخذه بجميع الثمن أو رده .
ومقابل الصحيح عند الشافعية في ظهور الزيادة أو النقصان : صحة البيع للإشارة تغليباً . ثم للشافعية تفصيل ، وهو أنه إن قابل البائع الجملة بالجملة ، كقوله : بعتك الصبرة بمائة على أنها مائة ، ففي حال الزيادة أو النقصان يصح البيع ، ويثبت الخيار لمن عليه الضرر .
أما إن قابل الأجزاء بالأجزاء كقوله : بعتك الصبرة كل صاع بدرهم على أنها مائة صاع ، فإذا ظهرت زيادة أو نقصان فالبيع صحيح عند الأسنوي ، وفرق الماوردي بين النقصان فيكون البيع صحيحاً ، وبين الزيادة ففيه الخلاف السابق ، وهو بطلان البيع على الصحيح ، أو صحته على ما يقابله .
وذكر ابن قدامة في المغني أنه إذا قال : بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع ، فبانَ أحد عشر ، ففيه روايتان :
إحداهما : البيع الباطل ، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة ، ولا المشتري على أخذ البعض ، وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضاً .
والثانية : البيع صحيح والزيادة للبائع ، لأن ذلك نقص على المشتري ، فلا يمنع صحة البيع كالعيب ، ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائداً ، وبين تسليم العشرة ، فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري ، لأنه زاده خيراً ، وإن أبى تسليمه زائداً فللمشتري الخيار بين الفسخ ، والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد ، فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة ، والبائع شريك له بالذراع . وهل للبائع خيار الفسخ ؟ وجهان .
أحدهما : له الفسخ لأن عليه ضرراً في المشاركة .
والثاني : لا خيار له ، وقواه ابن قدامة ، وإن بانَ المبيع تسعة ففيه روايتان :
إحداهما : يبطل البيع كما تقدم .
والثانية : البيع صحيح ، والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن .
وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة ، فبانت أحد عشر ، رد الزائد ولا خيار له هاهنا ، لأنه ضرر في الزيادة . وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن .
ومتى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل ، فإن وجدها زائدة رد الزيادة ، وإن كانت ناقصة أخذها بقسطها من الثمن .
وهل له الفسخ في حالة النقصان ؟ على وجهين . أحدهما : له الخيار . والثاني : لاخيار له.
الثّمن وأحكامه وأحواله
أوّلاً : تعريف الثّمن :
48 - الثّمن هو ما يبذله المشتري من عوض للحصول على المبيع ، والثّمن أحد جزأي المعقود عليه - وهو الثّمن والمثمّن - وهما من مقوّمات عقد البيع ، ولذا ذهب الجمهور إلى أنّ هلاك الثّمن المعيّن قبل القبض ينفسخ به البيع في الجملة .
ويرى الحنفيّة أنّ المقصود الأصليّ من البيع هو المبيع ، لأنّ الانتفاع إنّما يكون بالأعيان ، والأثمان وسيلة للمبادلة ، ولذا اعتبروا التّقوّم في الثّمن شرط صحّة ، وهو في المبيع شرط انعقاد ، وهي تفرقة خاصّة بهم دون الجمهور ، فإن كان الثّمن غير متقوّم لم يبطل البيع عندهم ، بل ينعقد فاسداً ، فإذا أزيل سبب الفساد صحّ البيع .
كما أنّ هلاك الثّمن قبل القبض لا يبطل به البيع ، بل يستحقّ البائع بدله .
أمّا هلاك المبيع فإنّه يبطل به البيع . والثّمن غير القيمة ، لأنّ القيمة هي : ما يساويه الشّيء في تقويم المقوّمين ( أهل الخبرة ) ، أمّا الثّمن فهو كلّ ما يتراضى عليه المتعاقدان ، سواء أكان أكثر من القيمة ، أم أقلّ منها ، أم مثلها .
فالقيمة هي الثّمن الحقيقيّ للشّيء . أمّا الثّمن المتراضى عليه فهو الثّمن المسمّى .
والسّعر هو : الثّمن المقدّر للسّلعة . والتّسعير : تحديد أسعار بيع السّلع .
وقد يكون التّسعير من السّلطان ، ثمّ يمنع النّاس من البيع بزيادة عليها أو أقلّ منها .
حكم التّسعير :
49 - اختلف الفقهاء في التّسعير ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ لوليّ الأمر ذلك ، إذا كان الباعة يتعدّون القيمة ، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلاّ بالتّسعير بمشورة أهل الرّأي والبصر ، وذلك لفعل عمر رضي الله عنه حين مرّ بحاطب في السّوق فقال له :" إمّا أن ترفع السّعر وإمّا أن تدخل بيتك فتبيع كيف شئت ".
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى تحريم التّسعير ، وكراهة الشّراء به ، وحرمة البيع وبطلانه إذا كان بالإكراه . وذلك لحديث « إنّ اللّه هو المسعّر القابض الباسط الرّازق ، وإنّي لأرجو أن ألقى اللّه وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال » .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( تسعير ) .
ثانياً : ما يصلح ثمناً وما لا يصلح :
50 - كلّ ما صلح أن يكون مبيعاً صلح أن يكون ثمناً ، والعكس صحيح أيضاً ، هذا ما يفهم من اتّجاه الجمهور .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا عكس ، فما صلح أن يكون ثمناً قد لا يصلح أن يكون مبيعاً .
والثّمن إمّا أن يكون ممّا يثبت في الذّمّة ، وذلك كالنّقود والمثليّات من مكيل أو موزون أو مذروع أو عدديّ متقارب . وإمّا أن يكون من الأعيان القيميّة كما في بيع السّلم ، إذا كان رأس المال عيناً من القيميّات ، وكما في بيع المقايضة .
والذّهب والفضّة أثمان بالخلقة ، سواء كانا مضروبين نقوداً أو غير مضروبين .
وكذلك الفلوس أثمان ، والأثمان لا تتعيّن بالتّعيين عند الحنفيّة والمالكيّة ( واستثنى المالكيّة الصّرف والكراء ) فلو قال المشتري : اشتريت السّلعة بهذا الدّينار ، وأشار إليه ، فإنّ له بعد ذلك أن يدفع سواه ، لأنّ النّقود من المثليّات ، وهي تثبت في الذّمّة ، والّذي يثبت في الذّمّة يحصل الوفاء به بأيّ فرد مماثل ولا يقبل التّعيين .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها تتعيّن بالتّعيين . أمّا إذا كان الثّمن قيميّاً فإنّه يتعيّن ، لأنّ القيميّات لا تثبت في الذّمّة ، ولا يحلّ فرد منها محلّ آخر إلاّ بالتّراضي .
ثالثاً : تعيين الثّمن وتمييزه عن المبيع :
51 - لتمييز الثّمن عن المبيع صرّح الحنفيّة بالضّابط التّالي ، وهو متّفق مع عبارات المالكيّة والشّافعيّة :
أ - إذا كان أحد العوضين نقوداً اعتبرت هي الثّمن ، وما عداها هو المبيع مهما كان نوعه . ولا ينظر إلى الصّيغة ، حتّى لو قال : بعتك ديناراً بهذه السّلعة ، فإنّ الدّينار هو الثّمن رغم دخول الباء على ( السّلعة ) وهي تدخل عادةً على الثّمن .
ب - إذا كان أحد العوضين أعياناً قيميّةً ، والآخر أموالاً مثليّةً معيّنةً أي مشاراً إليها ، فالقيميّ هو المبيع ، والمثليّ هو الثّمن ، ولا عبرة أيضاً بما إذا كانت الصّيغة تقتضي غير هذا . أمّا إذا كانت الأموال المثليّة غير معيّنة - أي ملتزمة في الذّمّة - فالثّمن هو العوض المقترن بالباء ، كما لو قال : بعتك هذه السّلعة برطل من الأرز ، فالأرز هو الثّمن لدخول الباء عليه . ولو قال : بعتك رطلاً من الأرز بهذه السّلعة ، فالسّلعة هي الثّمن ، وهو من بيع السّلم لأنّه بيع موصوف في الذّمّة مؤجّل بثمن معجّل .
ج - إذا كان كلّ من العوضين مالاً مثليّاً ، فالثّمن هو ما اقترن بالباء كما لو قال : بعتك أرزاً بقمح ، فالقمح هو الثّمن .
د - إذا كان كلّ من العوضين من الأعيان القيميّة فإنّ كلاً منهما ثمن من وجه ومبيع من وجه . وهذا التّفصيل للحنفيّة .
أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ الثّمن : هو ، ما دخلت عليه الباء .
وأمّا المالكيّة فقد نصّوا على أنّه لا مانع من كون النّقود مبيعةً ، لأنّ كلاً من العوضين مبيع بالآخر ، وفي البهجة : كلّ من العوضين ثمن للآخر .
ومن أحكام الثّمن عدا ما سبقت الإشارة إليه :
أ - إذا تنازع المتعاقدان فيمن يسلّم أوّلاً ، فإنّه يجب تسليم الثّمن أوّلاً قبل تسليم المبيع .
ب - كلفة تسليم الثّمن على المشتري ، وكلفة تسليم المبيع على البائع .
ج - اشتراط القبض لجواز التّصرّف في العوض خاصّ بالمبيع لا بالثّمن ، على تفصيل يعرف في " بيع منهيّ عنه ، بيع المبيع قبل قبضه " .
د - تأجيل الثّمن - رأس المال - في بيع السّلم لا يجوز ، بخلاف المبيع فهو مؤجّل بمقتضى العقد . وهذا في الجملة . وتفصيله في مصطلح ( ثمن ) .
رابعاً : إبهام الثّمن :
52 - إذا بيّن ثمناً وأطلق ، فلم يبيّن نوعه ، كما لو قال : بكذا ديناراً ، وفي بلد العقد أنواع من الدّنانير مختلفة في القيمة متساوية في الرّواج ، فالعقد فاسد لجهالة مقدار الثّمن . أمّا إذا كان بعضها أروج ، فالعقد صحيح ، وينصرف إلى الأروج ، كما لو قال في الكويت : بعتك بدينار فالعقد صحيح ، والثّمن دنانير كويتيّة ، لأنّها أروج من غيرها من الدّنانير الموجودة في محلّ العقد . هذا وتفصيل أحكام الثّمن تنظر في ( ثمن ) .
خامساً : تحديد الثّمن بالنّظر إلى رأس المال :
53 - تحديد الثّمن إمّا أن يعلم بالمشاهدة والإشارة ، وهي أبلغ طرق التّعريف ، سواء بيّن المقدار أم لم يبيّن . كما لو باع سلعةً بصرّة من الدّنانير ، وأشار إليها .
وإمّا أن يكون الثّمن غائباً عن مجلس العقد ، وحينئذ لا بدّ من بيان نوعه ووصفه وقدره . ثمّ إنّ الثّمن إمّا أن لا يبنى على ثمن الشّراء ( رأس مال البائع ) أو يبنى على ذلك بلا ربح ولا خسارة ، أو بربح معلوم ، أو بخسارة معلومة .
فالأوّل ، وهو ما لا ينظر فيه إلى ثمن الشّراء ، هو : بيع المساومة ، وهو الأغلب في البيوع . أمّا النّوع الآخر فهو بيع الأمانة . وينقسم إلى : تولية ، وهو البيع بمثل الثّمن الأوّل .
وإذا كان لبعض المبيع بنسبته من الثّمن الأوّل فهو إشراك . وإن كان بربح فهو مرابحة .
أو بخسارة فهو وضيعة . وتفصيل هذه البيوع في مصطلحاتها .
أحكام مشتركة بين المبيع والثّمن :
أوّلاً : الزّيادة في البيع أو الثّمن .
54 - يجوز للمشتري أن يزيد في الثّمن بعد العقد ، وكذلك يجوز للبائع أن يزيد في المبيع . على أن يقترن ذلك بقبول الطّرف الآخر في مجلس الزّيادة .
ويشترط أن يكون المبيع قائماً ، إذا كانت الزّيادة في الثّمن ، لأنّه إذا كان هالكاً قوبلت الزّيادة بمعدوم ، وإذا كان في حكم الهالك - وهو ما أخرجه عن ملكه - قوبلت الزّيادة بما هو في حكم المعدوم . ولا فرق فيما لو كانت الزّيادة بعد التّقابض أو قبله ، أو كانت من جنس المبيع أو الثّمن أو من غير جنسه .
وحكم الزّيادة أنّها تعديل للعقد السّابق وليست هبةً ، ولذا لا تحتاج إلى القبض المشروط لتمام الهبة ، وهذا في الجملة . هذا مذهب الحنفيّة .
أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ الزّيادة بعد لزوم البيع بانقضاء خيار المجلس وخيار الشّرط لا تلحق ، بل هي في حكم الهبة . وسيأتي تفصيل ذلك .
ثانياً : الحطّ من المبيع أو الثّمن :
55 - يجوز للمشتري الحطّ من المبيع ، ويجوز للبائع الحطّ من الثّمن ، إذا قبل الطّرف الآخر في مجلس الحطّ ، ويستوي أن يكون الحطّ بعد التّقابض أو قبله ، فلو حطّ المشتري أو البائع بعد القبض كان للآخر حقّ الاسترداد للمحطوط .
ولا يشترط لجواز حطّ البائع من الثّمن أن يكون المبيع قائماً ، لأنّ الحطّ إسقاط ، ولا يلزم أن يكون في مقابلة شيء . أمّا في حطّ المشتري بعض المبيع عن البائع ، فيشترط أن يكون المبيع ديناً ثابتاً في الذّمّة ليقبل الحطّ . أمّا لو كان عيناً معيّنةً فإنّه لا يصحّ الحطّ من المبيع حينئذ ، لأنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط ( ر : إبراء ، وإسقاط ) .