عرض مشاركة واحدة
  #221  
قديم 05-11-2012, 11:14 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء التاسع / الموسوعة الفقهية

بيع *
التّعريف :
1 - البيع لغةً مصدر باع ، وهو : مبادلة مال بمال ، أو بعبارة أخرى في بعض الكتب : مقابلة شيء بشيء ، أو دفع عوض وأخذ ما عوّض عنه .
والبيع من الأضداد - كالشّراء - قد يطلق أحدهما ويراد به الآخر ، ويسمّى كلّ واحد من المتعاقدين : بائعاً ، أو بيعاً . لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذّهن في العرف أن يراد به باذل السّلعة ، وذكر الحطّاب أنّ لغة قريش استعمال ( باع ) إذا أخرج الشّيء من ملكه ( واشترى ) إذا أدخله في ملكه ، وهو أفصح ، وعلى ذلك اصطلح العلماء تقريباً للفهم . ويتعدّى الفعل ( باع ) بنفسه إلى مفعولين فيقال : بعت فلاناً السّلعة ، ويكثر الاقتصار على أحدهما ، فتقول : بعت الدّار ، وقد يزاد مع الفعل للتّوكيد حرف مثل ( من ) أو ( اللام ) فيقال : بعت من فلان ، أو لفلان .
أمّا قولهم : باع على فلان كذا ، فهو فيما بيع من ماله بدون رضاه .
أمّا في اصطلاح الفقهاء ، فللبيع تعريفان :
أحدهما : للبيع بالمعنى الأعمّ ( وهو مطلق البيع ) .
والآخر : للبيع بالمعنى الأخصّ ( وهو البيع المطلق ) .
فالحنفيّة عرّفوا البيع بالمعنى الأعمّ بمثل تعريفه لغةً بقيد ( التّراضي ) . لكن قال ابن الهمام : إنّ التّراضي لا بدّ منه لغةً أيضاً ، فإنّه لا يفهم من ( باع زيد ثوبه ) إلاّ أنّه استبدل به بالتّراضي ، وأنّ الأخذ غصباً وإعطاء شيء آخر من غير تراض لا يقول فيه أهل اللّغة باعه واختار صاحب الدّرر من الحنفيّة التّقييد ب ( الاكتساب ) بدل ( التّراضي ) احترازاً من مقابلة الهبة بالهبة ، لأنّها مبادلة مال بمال ، لكن على طريق التّبرّع لا بقصد الاكتساب . وعرّفه المالكيّة بأنّه : عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذّة ، وذلك للاحتزاز عن مثل الإجارة والنّكاح ، وليشمل هبة الثّواب والصّرف والسّلم .
وعرّفه الشّافعيّة بأنّه : مقابلة مال بمال على وجه مخصوص .
وأورد القليوبيّ تعريفاً قال إنّه أولى ، ونصّه : عقد معاوضة ماليّة تفيد ملك عين أو منفعة على التّأبيد لا على وجه القربة . ثمّ قال : وخرج بالمعاوضة نحو الهديّة ، وبالماليّة نحو النّكاح ، وبإفادة ملك العين الإجارة ، وبالتّأبيد الإجارة أيضاً ، وبغير وجه القربة القرض . والمراد بالمنفعة بيع نحو حقّ الممرّ .
وعرّفه الحنابلة بأنّه : مبادلة مال - ولو في الذّمّة - أو منفعةً مباحةً ( كممرّ الدّار مثلاً ) بمثل أحدهما على التّأبيد غير رباً وقرض ، وعرّفه بعضهم بأنّه : مبادلة المال بالمال تمليكاً وتملّكاً .
أمّا البيع بالمعنى الأخصّ ، وهو البيع المطلق ، فقد ذكره الحنفيّة والمالكيّة ، وعرّفه المالكيّة بأنّه : عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذّة ذو مكايسة ، أحد عوضيه غير ذهب ولا فضّة ، معيّن غير العين فيه .
فتخرج هبة الثّواب بقولهم : ذو مكايسة ، والمكايسة : المغالبة ، ويخرج الصّرف والمراطلة بقولهم : أحد عوضيه غير ذهب ولا فضّة ، ويخرج السّلم بقولهم : معيّن .
ثمّ لاحظ الشّافعيّة أنّ التّعريف للبيع قد يراد به البيع وحده ، باعتباره أحد شقّي العقد ، فقالوا عنه إنّه : تمليك بعوض على وجه مخصوص ، ومن ثمّ عرّفوا الشّراء بأنّه : تملّك بعوض على وجه مخصوص . كما أورد الحطّاب تعريفاً شاملاً للبيع الصّحيح والفاسد بقوله : دفع عوض في معوّض ، لما يعتقده صاحب هذا التّعريف من أنّ البيع الفاسد لا ينقل الملك وإنّما ينقل شبهة الملك ، ثمّ أشار الحطّاب إلى أنّ العرب تسمّي الشّيء صحيحاً لمجرّد الاعتقاد بصحّته ، فالملك ينتقل على حكمهم في الجاهليّة وإن لم ينتقل على حكم الإسلام ، على أنّ المقصود من الحقائق الشّرعيّة إنّما هو معرفة الصّحيح .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الهبة ، والوصيّة :
2- الهبة : تمليك بلا عوض حال الحياة . والوصيّة : تمليك بلا عوض بعد الموت .
فهما يفترقان عن البيع في أنّ البيع تمليك بعوض .
ب - الإجارة :
3 - الإجارة : عقد على منفعة معلومة بعوض معلوم . فالإجارة محدّدة بالمدّة أو بالعمل ، خلافاً للبيع . والإجارة تمليك المنفعة ، أمّا البيع فهو تمليك للذّات في الجملة .
ج - الصّلح :
4 - الصّلح : عقد يقتضي قطع النّزاع والخصومة .
وعرّفه ابن عرفة بأنّه : انتقال عن حقّ أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو خوف وقوعه . وإذا كانت المصالحة على أخذ البدل فالصّلح معاوضة ، ويعتبره الفقهاء بيعاً يشترط فيه شروط البيع .
يقول الفقهاء : الصّلح على أخذ شيء غير المدّعى به بيع لذات المدّعى به بالمأخوذ إن كان ذاتاً ، فيشترط فيه شروط البيع . وإن كان المأخوذ منافع فهو إجارة .
أمّا الصّلح على أخذ بعض المدّعى به وترك باقيه فهو هبة .
فالصّلح في بعض صوره يعتبر بيعاً .
د - القسمة :
5- عرّف الحنفيّة القسمة بأنّها : جمع نصيب شائع في معيّن ، وعرّفها ابن عرفة بأنّها : تصيير مشاع من مملوك مالكين معيّناً ولو باختصاص تصرّف فيه بقرعة أو تراض .
وهي عند الشّافعيّة والحنابلة : تمييز بعض الحصص وإفرازها .
واعتبرها بعض الفقهاء بيعاً .
يقول ابن قدامة : القسمة إفراز حقّ وتمييز أحد النّصيبين من الآخر ، وليست بيعاً ، وهذا أحد قولي الشّافعيّ . وقال في الآخر : هي بيع ، وحكي عن أبي عبد اللّه بن بطّة ، لأنّه يبدل نصيبه من أحد السّهمين بنصيب صاحبه من السّهم الآخر ، وهذا حقيقة البيع .
وعلى ذلك بعض المالكيّة . قال ابن عبد البرّ : القسمة بيع من البيوع . وهو قول مالك في المدوّنة . وإن كان في القسمة ردّ - وقسمة الرّدّ هي الّتي يستعان في تعديل أنصبائها بمال أجنبيّ - فهي بيع عند الشّافعيّة والحنابلة .
جاء في المهذّب : إن كان في القسمة ردّ فهي بيع ، لأنّ صاحب الرّدّ بذلك المال في مقابلة ما حصل له من حقّ شريكه عوضاً . ويقول ابن قدامة : إن كان في القسمة ردّ عوض فهي بيع ، لأنّ صاحب الرّدّ يبذل المال عوضاً عمّا حصل له من مال شريكه ، وهذا هو البيع . وهي عند الحنفيّة يغلب فيها معنى تمييز الحقوق في قسمة المثليّ . وفي قسمة القيميّ يغلب فيها معنى البيع .
الحكم التّكليفيّ :
6 - اتّفق الفقهاء على أنّ البيع مشروع على سبيل الجواز ، دلّ على جوازه الكتاب والسّنّة والإجماع والمعقول .
فمن الكتاب قوله تعالى : { وأحلَّ اللّه البيعَ } وقوله عزّ وجلّ : { لا تأكلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ إلاّ أن تكونَ تجارةً عن تَرَاضٍ منكم } .
وأمّا السّنّة فمنها : « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل : أيّ الكسب أطيب ؟ فقال : عمل الرّجل بيده ، وكلّ بيع مَبرور » وكذلك فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإقراره أصحابه عليه . والإجماع قد استقرّ على جواز البيع .
أمّا المعقول : فلأنّ الحكمة تقتضيه ، لتعلّق حاجة الإنسان بما في يد صاحبه ، ولا سبيل إلى المبادلة إلاّ بعوض غالباً ، ففي تجويز البيع وصول إلى الغرض ودفع للحاجة .
هذا هو الحكم الأصليّ للبيع ، ولكن قد تعتريه أحكام أخرى ، فيكون محظوراً إذا اشتمل على ما هو ممنوع بالنّصّ ، لأمر في الصّيغة ، أو العاقدين ، أو المعقود عليه . وكما يحرم الإقدام على مثل هذا البيع فإنّه لا يقع صحيحاً ، بل يكون باطلاً أو فاسداً على الخلاف المعروف بين الجمهور والحنفيّة ، ويجب فيه التّرادّ . على تفصيل يعرف في مصطلح ( بيع منهيّ عنه ) وفي أفراد البيوع المسمّاة المنهيّ عنها ، وفي مصطلحي ( البيع الباطل ، والبيع الفاسد ) . وقد يكون الحكم الكراهة ، وهو ما فيه نهي غير جازم ولا يجب فسخه ، ومثّل له الحطّاب من المالكيّة ببيع السّباع لا لأخذ جلودها .
وقد يعرض للبيع الوجوب ، كمن اضطرّ إلى شراء طعام أو شراب لحفظ المهجة .
كما قد يعرض له النّدب ، كمن أقسم على إنسان أن يبيع سلعةً لا ضرر عليه في بيعها فتندب إجابته ، لأنّ إبرار المقسم فيما ليس فيه ضرر مندوب .
7- وحكمة مشروعيّة البيع ظاهرة ، فهي الرّفق بالعباد والتّعاون على حصول معاشهم .
تقسيم البيع :
8 - للبيع تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة ، أهمّها تقسيمه باعتبار - المبيع - وباعتبار - الثّمن - من حيث طريقة تحديده ، ومن حيث كيفيّة أدائه .
وباعتبار الحكم الشّرعيّ التّكليفيّ أو الوضعيّ ( الأثر ) .
أوّلاً - تقسيم البيع باعتبار المبيع :
ينقسم البيع باعتبار موضوع المبادلة فيه إلى أربعة أنواع :
البيع المطلق :
9 - وهو مبادلة العين بالدّين وهو أشهر الأنواع ، ويتيح للإنسان المبادلة بنقوده على كلّ ما يحتاج إليه من الأعيان ، وإليه ينصرف البيع عند الإطلاق فلا يحتاج كغيره إلى تقييد .
بيع السّلم :
10 - وهو مبادلة الدّين بالعين ، أو بيع شيء مؤجّل بثمن معجّل .
وتفصيله في مصطلح ( سلم ) .
بيع الصّرف :
11 - وهو مبادلة الأثمان . وتفصيله في مصطلح ( صرف ) . ويخصّ المالكيّة الصّرف بما كان نقداً بنقد مغاير وهو بالعدّ ، فإن كان بنقد من نوعه فهو ( مراطلةً ) وهو بالوزن .
بيع المقايضة :
12 - وهو مبادلة العين بالعين . وتفصيله في ( مقايضة ) .
ثانياً - تقسيم البيع باعتبار طريقة تحديد الثّمن :
ينقسم البيع باعتبار طريقة تحديد الثّمن إلى أربعة أنواع هي :
بيع المساومة :
13 - وهو البيع الّذي لا يظهر فيه البائع رأس ماله .
بيع المزايدة :
14 - بأن يعرض البائع سلعته في السّوق ويتزايد المشترون فيها ، فتباع لمن يدفع الثّمن الأكثر .
بيوع الأمانة :
15 - وهي الّتي يحدّد فيها الثّمن بمثل رأس المال ، أو أزيد ، أو أنقص . وسمّيت بيوع الأمانة ، لأنّه يؤتمن فيها البائع في إخباره برأس المال ، وهي ثلاثة أنواع :
أ - بيع المرابحة ، وهو البيع الّذي يحدّد فيه الثّمن بزيادة على رأس المال . وتفصيله في مصطلح ( مرابحة ) .
ب - بيع التّولية ، وهو البيع الّذي يحدّد فيه رأس المال نفسه ثمناً بلا ربح ولا خسارة . انظر مصطلح ( تولية ) .
ج - بيع الوضيعة ، أو الحطيطة ، أو النّقيصة : وهو بيع يحدّد فيه الثّمن بنقص عن رأس المال ، أي بخسارة ، وتفصيله في ( وضيعة ) .
وإذا كان البيع لجزء من المبيع فيسمّى بيع ( الإشراك ) ولا يخرج عن الأنواع المتقدّمة . وينظر تفصيله في مصطلح ( إشراك - تولية ) .
ثالثاً - تقسيم البيع باعتبار كيفيّة الثّمن :
16 - ينقسم البيع بهذا الاعتبار إلى :
أ - منجز الثّمن ، وهو ما لا يشترط فيه تأجيل الثّمن ، ويسمّى بيع النّقد ، أو البيع بالثّمن الحالّ .
ب - مؤجّل الثّمن ، وهو ما يشترط فيه تأجيل الثّمن ، وسيأتي تفصيل الكلام عن هذا النّوع في مباحث الثّمن .
ج - مؤجّل المثمّن ، وهو بيع السّلم ، وقد سبقت الإشارة إليه .
د - مؤجّل العوضين ، وهو بيع الدّين بالدّين وهو ممنوع في الجملة .
وتفصيله في مصطلح ( دين ، وبيع منهيّ عنه ) .
وقد أورد ابن رشد الحفيد تقسيمات للبيع بلغت تسعةً ، تبعاً لما تمّ عليه التّبادل وكيفيّة تحديد الثّمن ووجوب الخيار ، والحلول والنّسيئة في كلّ من المبيع والثّمن ، بما لا يخرج عمّا سبق . وهناك تقسيمات أخرى فرعيّة بحسب حضور المبيع وغيبته ، وبحسب رؤيته وعدمها ، وبحسب بتّ العقد أو التّخيير فيه .
17 - أمّا التّقسيم باعتبار الحكم الشّرعيّ فأنواعه كثيرة :
فمن ذلك البيع المنعقد ، ويقابله البيع الباطل . والبيع الصّحيح ويقابله البيع الفاسد .
والبيع النّافذ ، ويقابله البيع الموقوف . والبيع اللازم ، ويقابله البيع غير اللازم ( ويسمّى الجائز أو المخيّر ) وتفصيل ما يتّصل بهذه الأنواع ينظر في مصطلحاتها .
وتنظر البيوع المنهيّ عنها في مصطلح ( بيع منهيّ عنه ) .
وهناك بيوع مسمّاة بأسماء خاصّة ورد النّهي عنها كبيع النّجش ، وبيع المنابذة ، ونحوهما . وتنظر في مصطلحاتها .
وهناك أنواع أخرى روعي في تسميتها أحوال تقترن بالعقد ، وتؤثّر في الحكم ، كبيع المكره ، أو الهازل ، وبيع التّلجئة ، وبيع الفضوليّ ، وبيع الوفاء . ولها مصطلحاتها أيضاً .
كما أنّ ( الاستصناع ) يدرج في عداد البيوع ، مع الخلاف في أنّه بيع أو إجارة ، وينظر تفصيله في مصطلحه . وهذه البيوع المسمّاة حظيت من الفقهاء . ببحث مستقلّ عن البيع المطلق ، لكنّها تأتي تاليةً له . ومن هنا جاءت تسمية ( البيوع ) لأنّها يشملها مطلق البيع ، لكنّها لا تدخل في ( البيع المطلق ) كما سبق .
أركان البيع وشروطه :
18 - للفقهاء خلاف مشهور في تحديد الأركان في البيع وغيره من العقود ، هل هي الصّيغة ( الإيجاب أو القبول ) أو مجموع الصّيغة والعاقدين ( البائع والمشتري ) والمعقود عليه أو محلّ العقد ( المبيع والثّمن ) .
فالجمهور - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - يرون أنّ هذه كلّها أركان البيع ، لأنّ الرّكن عندهم : ما توقّف عليه وجود الشّيء وتصوّره عقلاً ، سواء أكان جزءاً من حقيقته أم لم يكن ، ووجود البيع يتوقّف على العاقدين والمعقود عليه ، وإن لم يكن هؤلاء جزءاً من حقيقته . ويرى الحنفيّة أنّ الرّكن في عقد البيع وغيره : هو الصّيغة فقط . أمّا العاقدان والمحلّ فممّا يستلزمه وجود الصّيغة لا من الأركان ، لأنّ ما عدا الصّيغة ليس جزءاً من حقيقة البيع ، وإن كان يتوقّف عليه وجوده .
واستحسن بعض الفقهاء المعاصرين تسمية مجموع الصّيغة والعاقدين والمحلّ ( مقوّمات العقد ) : للاتّفاق على عدم قيام العقد بدونها .
هذا ، ولكلّ من الصّيغة والعاقدين والمحلّ شروط لا يتحقّق الوجود الشّرعيّ لأيّ منها إلاّ بتوافرها ، وتختلف تلك الشّروط من حيث أثر وجودها أو فقدانها .
فمنها شروط الانعقاد ، ويترتّب على تخلّف أحدها بطلان العقد .
ومنها شروط الصّحّة ، ويترتّب على تخلّف شيء منها بطلان العقد ، أو فساده على الخلاف بين الجمهور والحنفيّة .
ومنها شروط النّفاذ ، ويترتّب على فقد أحدها اعتبار العقد موقوفاً .
ومنها شروط اللّزوم ، ويترتّب على تخلّفها أو تخلّف بعضها عدم لزوم العقد .
وهذا التّنويع للشّروط هو ما عليه الحنفيّة . وفي بعضه خلاف لغيرهم سيأتي بيانه .
الصّيغة وشروطها :
20 - الصّيغة - كما صرّح بذلك الحطّاب - هي الإيجاب والقبول .
ويصلح لهما كلّ قول يدلّ على الرّضا ، مثل قول البائع : بعتك أو أعطيتك ، أو ملّكتك بكذا . وقول المشتري : اشتريت أو تملّكت أو ابتعت أو قبلت ، وشبه ذلك .
والإيجاب عند الجمهور : ما يصدر من البائع دالاً على الرّضا ، والقبول : ما يصدر من المشتري كذلك .
وقال الحنفيّة : إنّ الإيجاب يطلق على ما يصدر أوّلاً من كلام أحد العاقدين ، سواء أكان هو البائع أم المشتري ، والقبول ما يصدر بعده . وللتّفصيل ينظر ( إيجاب ، وقبول ) .
وقد صرّح المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة بأنّ تقدّم لفظ المشتري على لفظ البائع جائز لحصول المقصود . ولا تختلف شروط الصّيغة في البيع عن الصّيغة في غيره من العقود الماليّة ممّا خلاصته كون الصّيغة بالماضي ، أو بما يفيد إنشاء العقد في الحال كما يأتي ، وتوافق الإيجاب والقبول ، فلو خالف القبول الإيجاب لم ينعقد البيع .
وصرّح الحنفيّة أنّ القبول المخالف للإيجاب يكون إيجاباً جديداً .
ويشترط للصّيغة كذلك : اتّحاد المجلس ، وهو يجمع المتفرّقات فيه ، فلو تراخى القبول عن الإيجاب أو عكسه صحّ المتقدّم منهما ، ولم يلغ ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفاً . ويشترط : عدم الهزل في الإيجاب أو القبول .
ويشترط لبقاء الإيجاب صالحاً : عدم رجوع الموجب ، وعدم وفاته قبل القبول ، وعدم هلاك المعقود عليه .
ويشترط ألاّ يطرأ قبل القبول تغيير على المعقود عليه بحيث يصير مسمًّى آخر غير المتعاقد عليه ، كتحوّل العصير خلّاً . وتفصيل ذلك في مصطلحي : ( عقد ) ( وصيغة ) .
وفيما يلي بعض التّطبيقات الهامة الخاصّة بصيغة البيع . فضلاً عمّا سبقت الإشارة إليه من شروط الصّيغة في العقود عامّةً .
21 - لا خلاف فيما إذا كان الإيجاب والقبول بصيغة الماضي مثل : بعتُ ، أو اشتريت . أو المضارع المراد به الحال بقرينة لفظيّة مثل : أبيعك الآن أو قرينة حاليّة . كما إذا جرى العرف على استعمال المضارع بمعنى الحال .
ولا ينعقد البيع إذا كان الإيجاب أو القبول بصيغة الاستفهام ، مثل : أتبعيني ؟ أو المضارع المراد به الاستقبال ، مثل : سأبيعك ، أو أبيعك غداً .
أمّا الأمر مثل : بعني ، فإذا أجابه الآخر بقوله : بعتك . كان هذا اللّفظ الثّاني إيجاباً ، واحتاج إلى قبول من الأوّل ( الآمر بالبيع ) .
وهذا عند الحنفيّة ، وفي رواية عند الحنابلة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة .
أمّا عند المالكيّة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وإحدى الرّوايتين عند الحنابلة : ينعقد البيع بقول المشتري : بعني ، وبقول البائع : بعتك ، للدّلالة على الرّضا ، ولا يحتاج إلى قبول من الأوّل . وقال الشّافعيّة : لو قال المشتري بلفظ الماضي أو المضارع : بعتني ، أو تبيعني ، فقال البائع : بعتك ، لم ينعقد البيع حتّى يقبل بعد ذلك .
وصرّح الحنفيّة بصحّة الإيجاب بلفظ الأمر أو المضارع ، إذا كان في العبارة إيجاب أو قبول ضمنيّ ، مثل : خذ هذه السّلعة بكذا ، فقال : أخذتها ، لأنّ ( خذ ) تتضمّن بعتك فخذ ، وكذلك قول البائع بعد إيجاب المشتري : يبارك اللّه لك في السّلعة ، لأنّه يتضمّن معنى قبلت البيع . ومثل ذلك عند المالكيّة والحنابلة .
ونحو هذا للشّافعيّة في مثل : أعتق عبدك عنّي بكذا ، لأنّه تضمّن : بعنيه وأعتقه عنّي .
22 - وتدلّ عبارات الفقهاء على أنّ العبرة بالدّلالة على المقصود ، سواء أكان ذلك بوضع اللّغة أم بجريان العرف ، قال الدّسوقيّ : ينعقد البيع بما يدلّ على الرّضا عرفاً ، سواء دلّ لغةً أو لا ، من قول أو كتابة أو إشارة منهما أو من أحدهما .
وفي كشّاف القناع : الصّيغة القوليّة غير منحصرة في لفظ بعينه كبعت واشتريت ، بل هي كلّ ما أدّى معنى البيع ، لأنّ الشّارع لم يخصّه بصيغة معيّنة ، فيتناول كلّ ما أدّى معناه .
23 - ويحصل التّوافق بين الإيجاب والقبول بأن يقبل المشتري كلّ المبيع بكلّ الثّمن . فلا توافق إنّ قبل بعض العين الّتي وقع عليها الإيجاب أو قبل عيناً غيرها ، وكذلك لا توافق إن قبل ببعض الثّمن الّذي وقع به الإيجاب أو بغيره ، إلاّ إن كان القبول إلى خير ممّا في الإيجاب ، كما لو باع شخص السّلعة بألف فقبلها المشتري بألف وخمسمائة ، أو اشترى شخص سلعةً بألف فقبل البائع بيعها بثمانمائة ، وهذه موافقة ضمنيّة ولكن لا تلزم الزّيادة ، إلاّ إن قبلها الطّرف الآخر .
أمّا الحطّ من الثّمن فجائز ولو بعد البيع . وكذلك لا توافق إن باعه سلعةً بألف فقبل نصفها بخمسمائة مثلاً ، إلاّ إن رضي البائع بعد هذا ، فيصير القبول إيجاباً ، ورضا البائع بعده قبول . وصرّح بعض الشّافعيّة بأنّه لو قال البائع : بعتك هذا بألف ونصفه بخمسمائة ، فقبل نصفه جاز ، ومنه يعرف حكم ما لو وجدت قرينة برضا البائع بتجزئة المبيع بالنّسبة للثّمن .
انعقاد البيع بالمعاطاة ،أو التّعاطي :
24 - المعاطاة هي : إعطاء كلّ من العاقدين لصاحبه ما يقع التّبادل عليه دون إيجاب ولا قبول ، أو بإيجاب دون قبول ، أو عكسه ، وهي من قبيل الدّلالة الحاليّة ، ويصحّ بها البيع في القليل والكثير عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة وبعض الشّافعيّة كالمتولّي والبغويّ ، خلافاً لغيرهم . وتفصيل ذلك والخلاف فيه يذكر في مصطلح : ( تعاطي ) .
انعقاد البيع بالكتابة والمراسلة :
25 - يصحّ التّعاقد بالكتابة بين حاضرين أو باللّفظ من حاضر والكتابة من الآخر . وكذلك ينعقد البيع إذا أوجب العاقد البيع بالكتابة إلى غائب بمثل عبارة : بعتك داري بكذا ، أو أرسل بذلك رسولاً فقبل المشتري بعد اطّلاعه على الإيجاب من الكتاب أو الرّسول .
واشترط الشّافعيّة الفور في القبول ، وقالوا : يمتدّ خيار المجلس للمكتوب إليه أو المرسل إليه ما دام في مجلس قبوله ، ولا يعتبر للكاتب مجلس ، ولو بعد قبول المكتوب إليه ، بل يمتدّ خياره ما دام خيار المكتوب إليه . كما قالوا : لا يشترط إرسال الكتاب أو الرّسول فوراً عقب الإجابة .
ولم يشترط غير الشّافعيّة الفور في القبول ، بل صرّح الحنابلة بأنّه لا يضرّ التّراخي هنا بين الإيجاب والقبول ، لأنّ التّراخي مع غيبة المشتري لا يدلّ على إعراضه عن الإيجاب .
انعقاد البيع بالإشارة من الأخرس وغيره :
26 - ينعقد البيع بالإشارة من الأخرس إذا كانت معروفةً ، ولو كان قادراً على الكتابة ، وهو المعتمد عند الحنفيّة ، لأنّ كلاً من الإشارة والكتابة حجّة .
أمّا الإشارة غير المفهومة فلا عبرة بها . ولا تقبل الإشارة من النّاطق عند الجمهور .
أمّا المالكيّة فعندهم ينعقد البيع بالإشارة المفهمة ولو مع القدرة على النّطق .
وأمّا من اعتقل لسانه ، وهو : من طرأ عليه الخرس ففيه خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح : ( اعتقال اللّسان ) .
شروط البيع :
27 - اختلفت طريقة الفقهاء في حصر شروط البيع ، فقد جعلها بعضهم شروطاً لصحّة البيع من حيث هو ، في حين اهتمّ آخرون بذكر شروط المبيع ، ثمّ إلحاق الثّمن في جميع شروط المبيع أو في بعضها ، حسب إمكان تصوّرها فيه .
ولا تباين بين معظم تلك الشّروط ، لتقارب المقصود بما عبّروا به عنها .
وهناك شروط انفرد بذكرها بعض المذاهب دون بعض .
ومع أنّ الحنفيّة يفرّقون بين شروط الانعقاد وشروط الصّحّة ، فإنّهم يعتبرون شروط الانعقاد شروطاً للصّحّة ، لأنّ ما لم ينعقد فهو غير صحيح ، ولا عكس .
وفيما يلي بيان تلك الشّروط على طريقة الجمهور ، مع الإشارة إلى ما اعتبره الحنفيّة منها شرط انعقاد .
شروط المبيع :
للمبيع شروط هي :
أن يكون المبيع موجوداً حين العقد .
28 - فلا يصحّ بيع المعدوم ، وذلك باتّفاق الفقهاء . وهذا شرط انعقاد عند الحنفيّة .
ومن أمثلة بيع المعدوم بيع الثّمرة قبل أن تخلق ، وبيع المضامين ( وهي ما سيوجد من ماء الفحل ) ، وبيع الملاقيح ( وهي ما في البطون من الأجنّة ) وذلك لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة » . ولما في ذلك من الغرر والجهالة . وللحديث : « نهى عن بيع الغرر » .
ولا خلاف في استثناء بيع السّلم ، فهو صحيح مع أنّه بيع المعدوم ، وذلك للنّصوص الواردة فيه ، ومنها : « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عند الإنسان ، ورخّص في السّلم » .
أن يكون مالاً :
29 - وعبّر المالكيّة والشّافعيّة عن هذا الشّرط بلفظ : النّفع أو الانتفاع ، ثمّ قالوا : ما لا نفع فيه ليس بمال فلا يقابل به ، أي لا تجوز المبادلة به . وهو شرط انعقاد عند الحنفيّة . والمال ما يميل إليه الطّبع ، ويجري فيه البذل والمنع ، فما ليس بمال ليس محلاً للمبادلة بعوض ، والعبرة بالماليّة في نظر الشّرع ، فالميتة والدّم المسفوح ليس بمال .
أن يكون مملوكاً لمن يلي العقد :
30 - وذلك إذا كان يبيع بالأصالة . واعتبر الحنفيّة هذا الشّرط من شروط الانعقاد ، وقسموه إلى شقّين :
الأوّل : أن يكون المبيع مملوكاً في نفسه ، فلا ينعقد بيع الكلأ مثلاً ، لأنّه من المباحات غير المملوكة ، ولو كانت الأرض مملوكةً له .
والثّاني : أن يكون المبيع ملك البائع فيما يبيعه لنفسه ، فلا ينعقد بيع ما ليس مملوكاً ، وإن ملكه بعد ، إلاّ السّلم ، والمغصوب بعد ضمانه ، والمبيع بالوكالة ، أو النّيابة الشّرعيّة ، كالوليّ والوصيّ والقيّم .
وقد استدلّ لعدم مشروعيّة بيع ما لا يملكه الإنسان بحديث حكيم بن حزام رضي الله عنه :
« لا تبع ما ليس عندك » وفي بيع الفضوليّ خلاف ينظر في مصطلح : ( بيع الفضوليّ ) . أن يكون مقدور التّسليم :
31 - وهو شرط انعقاد عند الحنفيّة ، فلا يصحّ بيع الجمل الشّارد ، ولا بيع الطّير في الهواء ، ولا السّمك في الماء ، « لنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر » .
أن يكون معلوماً لكلّ من العاقدين :
32 - وهذا الشّرط عند الحنفيّة شرط صحّة ، لا شرط انعقاد ، فإذا تخلّف لم يبطل العقد ، بل يصير فاسداً . ويحصل العلم بكلّ ما يميّز المبيع عن غيره ، ويمنع المنازعة ، فبيع المجهول جهالةً تفضي إلى المنازعة غير صحيح كبيع شاة من القطيع .
هذا وقد زاد المالكيّة والشّافعيّة في شروط المبيع : اشتراط طهارة عينه .
كما ذكر المالكيّة شرطين آخرين هما : أن لا يكون البيع من البيوع المنهيّ عنها ،
وأن لا يكون البيع محرّماً . وهذه الشّروط تندرج فيما سبق من شروط .
وينظر تفصيل محترزات هذه الشّروط وما يترتّب على تخلّف كلّ منها في مصطلح : ( بيع منهيّ عنه ) وانظر أيضاً البيوع الملقّبة ، كلاً في موضعه .
المبيع وأحكامه وأحواله
أوّلاً : تعيين المبيع
33 - لا بدّ لمعرفة المبيع من أن يكون معلوماً بالنّسبة للمشتري بالجنس والنّوع والمقدار ، فالجنس كالقمح مثلاً ، والنّوع كأن يكون من إنتاج بلد معروف ، والمقدار بالكيل أو الوزن أو نحوهما . وتعيين المبيع أمر زائد عن المعرفة به ، لأنّه يكون بتمييزه عن سواه بعد معرفة ذاته ومقداره ، وهذا التّمييز إمّا أن يحصل في العقد نفسه بالإشارة إليه ، وهو حاضر في المجلس ، فيتعيّن حينئذ ، وليس للبائع أن يعطي المشتري سواه من جنسه إلاّ برضاه . والإشارة أبلغ طرق التّعريف . وإمّا أن لا يعيّن المبيع في العقد ، بأن كان غائباً موصوفاً ، أو قدراً من صبرة حاضرة في المجلس ، وحينئذ لا يتعيّن إلاّ بالتّسليم .
وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة .
وفي الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه لا يصحّ بيع الغائب .
ومن المبيع غير المتعيّن بيع حصّة على الشّيوع . سواء أكانت من عقار أو منقول ، وسواء أكان المشاع قابلاً للقسمة أو غير قابل لها ، فإنّ المبيع على الشّيوع لا يتعيّن إلاّ بالقسمة والتّسليم . وممّا يتّصل بالتّعيين للمبيع : بيع شيء واحد من عدّة أشياء ، على أن يكون للمشتري خيار التّعيين ، أي تعيين ما يشتريه منها ، ويمكنه بذلك أن يختار ما هو أنسب له منها . وهذا عند من يقول بخيار التّعيين . وفي جواز هذا البيع وشروطه وما يترتّب على هذا الخيار تفصيلات تنظر في مصطلح : ( خيار التّعيين ) .
رد مع اقتباس