عرض مشاركة واحدة
  #20  
قديم 05-11-2012, 11:09 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

إقطاع التّمليك :
19 - يرى الحنفيّة أنّ للإمام أن يقطع من الأراضي الّتي لم تكن لأحدٍ ولا في يد وارثٍ ، لمن فيه غناء ونفع للمسلمين على سبيل النّظر في المصلحة ، لا على سبيل المحاباة والأثرة ، كما أنّ له أن يعطي من أموال بيت المال الأخرى ، إذ الأرض والمال شيء واحد . كذا قال القاضي أبو يوسف ، واحتجّ بما روي أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أصفى أموال كسرى وأهله لبيت المال ، ومال كلّ رجلٍ قتل في الحرب أو لحق بأرض الحرب أو مغيض ماءٍ أو أجمةٍ . وكان خراج ذلك سبعة آلاف ألفٍ ، فكان يقطع من هذه لمن أقطع . قال أبو يوسف : وذلك بمنزلة المال الّذي لم يكن لأحدٍ ، ولا في يد وارثٍ ، فللإمام العادل أن يجيز منه ويعطي من كان له غناء في الإسلام . ونقل هذا ابن عابدين ، وقال : هذا صريح في أنّ القطائع قد تكون من الموات ، وقد تكون من بيت المال لمن هو من مصارفه ، كما يعطي المال حيث رأى المصلحة ، وأنّ المقطع يملك رقبة الأرض ، ولذا يؤخذ منها العشر ، لأنّها بمنزلة الصّدقة . ويرى الشّافعيّة والحنابلة - على ما فصّله الماورديّ وأبو يعلى - أنّ أراضي بيت المال ثلاثة أقسامٍ :
أ - ما اصطفاه الإمام لبيت المال بحقّ الخمس أو باستطابة نفوس الغانمين ، كما اصطفى عمر أراضي كسرى وأهله ، ولم يقطع من ذلك شيئاً . فلمّا جاء عثمان أقطع منه وأخذ منه حقّ الفيء . قال الماورديّ : فكان ذلك إقطاع إجارةٍ لا إقطاع تمليكٍ . ولا يجوز إقطاع رقبته ، لأنّه صار باصطفائه لبيت المال ملكاً لكافّة المسلمين ، فجرى على رقبته حكم الوقف المؤبّد .
ب - أرض الخراج ، فلا يجوز تمليك رقبتها ، لأنّ أرض الخراج بعضها موقوف ، وخراجها أجرة ، وبعضها مملوك لأهلها ، وخراجها جزية .
ج - ما مات عنه أربابه ولم يستحقّه وارث بفرضٍ أو تعصيبٍ . واختلف أصحاب الشّافعيّ في هذا النّوع على وجهين : أحدهما : أنّها تصير وقفاً ، فعلى هذا لا يجوز بيعها ولا إقطاعها . وثانيهما : أنّها لا تصير وقفاً حتّى يقفها الإمام . فعلى هذا يجوز له إقطاعها تمليكاً ، كما يجوز بيعها . ونقل قولاً آخر : أنّ إقطاعها لا يجوز ، وإن جاز بيعها ، لأنّ البيع معاوضة ، وهذا الإقطاع صلة ، والأثمان إذا صارت ناضّةً لها حكم يخالف في العطايا حكم الأصول الثّابتة ، فافترقا ، وإن كان الفرق بينهما ضعيفاً . والحكم كذلك عند المالكيّة في أرض العنوة العامرة فإنّها لا يجوز للإمام إقطاعها تمليكاً ، بناءً على أنّها تكون وقفاً بنفس الاستيلاء عليها . ولم نجد لهم تعرّضاً للأرض الّتي تئول إلى بيت المال بهلاك أربابها . هل يجوز إقطاع التّمليك منها أم لا ؟ .

إقطاع الانتفاع والإرفاق والاستغلال :
20 - يجوز للإمام - إذا رأى المصلحة - أن يقطع من أراضي بيت المال أو عقاره - بعض النّاس إرفاقاً أو ليأخذ الغلّة . قال المالكيّة : ثمّ ما اقتطعه الإمام من العنوة ، إن كان لشخصٍ بعينه انحلّ بموت المنتفع . وإن كان لشخصٍ وذرّيّته وعقبه استحقّته الذّرّيّة بعده ، للأنثى مثل الذّكر . وانظر ( إرفاق . إرصاد . أرض الحوز ) وبعضهم جعل مثل هذا وقفاً .

وقف عقار بيت المال :
21 - ذكر الحنفيّة جواز وقف الإمام من بيت المال ، ثمّ قالوا : إن كان السّلطان اشترى الأراضي والمزارع من وكيل بيت المال يجب مراعاة شرائطه ، إن وقفها من بيت المال لا تجب مراعاتها . ويرى الشّافعيّة ، كما نقل عميرة البرلّسيّ : وقف الإمام من بيت المال . قالوا : لأنّ له التّمليك منه ، وكما فعل عمر رضي الله عنه في أرض سواد العراق ، إذ وقفها على المسلمين . وانظر ( ر : إرصاد ) .

تمليك حقوق بيت المال قبل توريدها إليه :
22 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ للإمام أن يترك الخراج للمالك لا العشر ، ثمّ يحلّ ذلك للمالك عند أبي يوسف ، إن كان المالك ممّن يستحقّ شيئاً من بيت المال ، وإلاّ تصدّق به . ولو ترك الإمام العشر ونحوه من أموال الزّكاة فلم يأخذه لا يجوز إجماعاً ، ويخرجه المالك بنفسه للفقراء ونحوهم من مصارف الزّكاة .

الدّيون الّتي لبيت المال :
23 - تثبت لبيت المال الدّيون في ذمم الأفراد . فلو ضرب الإمام أموالاً على الرّعيّة عامّةً ، أو طائفةٍ منهم أو أهل بلدٍ ، لمصلحتهم ، كتجهيز الجيوش أو فداء الأسرى ، وكأجرة الحراسة وكري الأنهار ، فمن لم يؤدّ من ذلك ما ضرب عليه بقي في ذمّته ديناً واجباً لبيت المال ، لا يجوز لهم الامتناع منه .

انتظام بيت المال وفساده :
24 - يكون بيت المال منتظماً إذا كان الإمام عدلاً يأخذ المال من حقّه ، ويضعه في مستحقّه . ويكون فاسداً إذا كان الإمام غير عدلٍ ، فيأخذ المال من أصحابه بغير حقٍّ . أو يأخذه بحقٍّ ، ولكن ينفق منه في غير مصلحة المسلمين ، وعلى غير الوجه الشّرعيّ ، كما لو أنفقه في مصالحه الخاصّة ، أو يخصّ أقاربه أو من يهوى بما لا يستحقّونه ، ويمنع أهل الاستحقاق . ومن الفساد أيضاً أن يفوّض الإمام أمر بيت المال إلى غير عدلٍ ، ولا يستقصي عليه فيما يتصرّف فيه من أموال بيت المال فيظهر منه التّضييع وسوء التّصرّف . ومن أوجه فساد بيت المال أيضاً ما أشار إليه ابن عابدين : أن يخلط الإمام أموال بيت المال الأربعة بعضها ببعضٍ ، فلا تكون مفرزةً . 25 - وإذا فسد بيت المال ترتّبت عليه أحكام منها :
أ - أنّ لمن عليه حقّاً لبيت المال - إذا لم يطّلع عليه - أن يمنع من ذلك الحقّ بقدر حقّه هو في بيت المال ، إن كان له فيه حقّ لم يعطه . وإن لم يكن له فيه حقّ ، فإنّ له أن يصرفه مباشرةً في مصارف بيت المال ، كبناء مسجدٍ أو رباطٍ . ذكر ذلك بعض الشّافعيّة بخصوص لقطةٍ حصل اليأس من معرفة صاحبها ، أو نحو ثوبٍ ألقته الرّيح إلى داره ولم يعلم صاحبه وأيس من ذلك ، وقالوا أيضاً : ما انحسر عنه ماء النّهر لو زرعه أحد لزمته أجرته لمصالح المسلمين ، ويسقط عنه قدر حصّته ، إن كان له حصّة في مال المصالح . واستدلّ لذلك بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّ رجلاً قال لها : أصبت كنزاً فرفعته إلى السّلطان . فقالت له : بفيك الكثكث . والكثكث : التّراب .
ب - ومنها : لو منع السّلطان حقّ المستحقّين ، فظفر أحدهم بمالٍ لبيت المال ، فقد أجاز بعض الفقهاء أن يأخذ المستحقّ قدر ما كان يعطيه الإمام . وهذا أحد أقوالٍ أربعةٍ ذكرها الغزاليّ . ثانيها : أنّ له أن يأخذ كلّ يومٍ قدر قوته . وثالثها : يأخذ كفاية سنته . ورابعها : لا يجوز له أن يأخذ شيئاً لم يؤذن له فيه . وأمّا المالكيّة فقد صرّحوا بأنّه لا يجوز السّرقة من بيت المال ، سواء انتظم أم لم ينتظم ، ويفهم من هذا أنّهم يوافقون القول الرّابع من الأقوال الّتي نقلها الغزاليّ . ومفاد ما يذكره الحنفيّة : أنّ له في تلك الحال أن يأخذ قدر حقّه ديانةً ، إلاّ أنّه ليس له الأخذ من غير بيته الّذي يستحقّ هو منه إلاّ للضّرورة كما في زماننا ، إذ لو لم يجز أخذه إلاّ من بيته لزم أن لا يبقى حقّ لأحدٍ في زماننا ، لعدم إفراز كلّ بيتٍ على حدةٍ ، بل يخلطون المال كلّه . ولو لم يأخذ ما ظفر به لم يمكنه الوصول إلى شيءٍ ، كما أفتى به ابن عابدين . ج - ومنها ما أفتى به المتأخّرون من الشّافعيّة - وهم من بعد سنة 400 هـ - موافقةً لبعض المتقدّمين ، وقال به متأخّرو المالكيّة أيضاً : أنّه إذا لم ينتظم بيت المال يردّ على أهل الفرض غير الزّوجين ما فضل عن إرثهم ، فإن لم يكن ذو فرضٍ يردّ على ذوي الأرحام . والحكم الأصليّ عند الشّافعيّة والمالكيّة ، في حال انتظام بيت المال ، عدم الرّدّ وعدم توريث ذوي الأرحام ، بل تكون التّركة كلّها أو فاضلها عن ذوي الفروض لبيت المال ، إن لم يكن عصبة .

الاعتداء على أموال بيت المال :
26 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ من أتلف شيئاً من أموال بيت المال بغير حقٍّ كان ضامناً لما أتلفه ، وأنّ من أخذ منه شيئاً بغير حقٍّ لزمه ردّه ، أو ردّ مثله إن كان مثليّاً ، وقيمته إن كان قيميّاً . وإنّما الخلاف بينهم في قطع يد السّارق من بيت المال ، ولهم في ذلك اتّجاهان : أحدهما - وإليه ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّ السّارق من بيت المال لا تقطع يده . واستدلّوا على ذلك بما روى ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما { أنّ عبداً من رقيق الخمس سرق من الخمس ، فرفع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه ، وقال : مال اللّه سرق بعضه بعضاً } . وبما روي أنّ ابن مسعودٍ سأل عمر بن الخطّاب عن رجلٍ سرق من بيت المال ، فقال عمر : أرسله ، فما من أحدٍ إلاّ وله في هذا المال حقّ . وثانيهما - وإليه ذهب المالكيّة أنّ السّارق من بيت المال تقطع يده ، واستدلّوا على ذلك بعموم قول اللّه تعالى : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما } ، فإنّه عامّ يشمل السّارق من بيت المال والسّارق من غيره ، وبأنّ السّارق قد أخذ مالاً محرّزاً ، وليست له فيه شبهة قويّة ، فتقطع يده كما لو أخذ غيره من الأموال الّتي ليست له فيها شبهة قويّة .

الخصومة في شأن أموال بيت المال :
27 - إذا ادّعي على بيت المال بحقٍّ ، أو كان لبيت المال حقّ قبل الغير ، ورفعت الدّعوى بذلك أمام القضاء ، كان للقاضي الّذي رفعت الدّعوى إليه أن يقضي فيها ، ولو أنّه أحد المستحقّين . وإذا كان القاضي نفسه هو المدّعي أو المدّعى عليه ، فلا تتوجّه عليه دعوى أصلاً ، ولا على نائبه ، بل لا بدّ أن ينصّب من يدّعي ومن يدّعى عليه عنده ، أو عند غيره . ومن جملة ما يمكن الادّعاء به : إيرادات بيت المال إذا قبضها العامل ، وأنكر صاحب بيت المال أنّه قبضها من العامل . فيطالب العامل بإقامة الحجّة على صاحب بيت المال بالقبض ، فإن عدمها أحلف صاحب بيت المال ، وأخذ العامل بالغرم .

الاستقصاء على الولاة ومحاسبة الجباة :
28 - على الإمام وولاته أن يراقبوا من يوكّل إليهم جمع الزّكاة وغيرها ممّا يجب لبيت المال ، وأن يستقصوا عليهم فيما يتصرّفون فيه من أموال بيت المال ، ويحاسبوهم في ذلك محاسبةً دقيقةً . ففي صحيح البخاريّ من حديث أبي حميدٍ السّاعديّ قال : { استعمل النّبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد على صدقات بني سليمٍ يدعى ابن اللّتبيّة ، فلمّا جاء حاسبه } . وقال القاضي أبو يعلى : مذهب أبي حنيفة في إيراد الصّدقات وجوب رفع الحساب عنها إلى كاتب الدّيوان ، ويجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه ، وذلك لأنّ مصرف العشر ومصرف الخراج عند أبي حنيفة واحد . وأمّا على مذهب الشّافعيّ فلا يجب على العمّال رفع الحساب عن العشور ، لأنّها عنده صدقة ، لا يقف مصرفها على اجتهاد الولاة . وأمّا عمّال الخراج فيلزمهم رفع الحساب باتّفاق المذهبين . ويجب على كاتب الدّيوان محاسبتهم على صحّة ما رفعوه . ثمّ من وجبت محاسبته من العمّال لا يخلو من حالين : الأولى : إن لم يقع بينه وبين كاتب الدّيوان اختلاف في الحساب كان كاتب الدّيوان مصدّقاً في الحساب . وإن استراب فيه وليّ الأمر كلّفه إحضار شواهده ، فإن زالت الرّيبة عنه فلا يحلف ، وإن لم تزل الرّيبة - وأراد وليّ الأمر تحليفه عليه - حلف العامل دون كاتب الدّيوان ، لأنّ المطالبة متوجّهة على العامل دون كاتب الدّيوان . الثّانية : إن وقع بين العامل وكاتب الدّيوان اختلاف في الحساب : فإن كان اختلافهما في الدّخل ، فالقول قول العامل ، لأنّه منكر . وإن كان اختلافهما في الخرج ، فالقول قول الكاتب ، لأنّه منكر . وإن كان اختلافهما في تقدير الخراج ، كما لو اختلفا في مساحةٍ يمكن إعادتها أعيدت ويعمل فيها بما يتبيّن . وإن لم يمكن إعادتها يحلف ربّ المال دون الماسح . 29 - وقد فصّل الماورديّ وأبو يعلى صفة المحاسبة في ذلك ، واستعرضا ما يعتبر حجّةً في قبض ، الولاة من الجباة ، وأنّه يعمل في ذلك بالإقرار بالقبض ، أمّا الخطّ إذا أنكره ، أو لم يعترف به فعرف الدّواوين أن يكتفى به ، ويكون حجّةً . والّذي عليه الفقهاء أنّه إن لم يعترف الوالي أنّه خطّه أو أنكره لم يلزمه ، ولم يكن حجّةً في القبض . ولا يجوز أن يقاس بخطّه في الإلزام إجباراً ، وإنّما يقاس بخطّه إرهاباً ليعترف به طوعاً . وقد يعترف الوالي بالخطّ وينكر القبض ، وحينئذٍ يكون ذلك في الحقوق السّلطانيّة خاصّةً حجّةً للعاملين بالدّفع ، وحجّةً على الولاة بالقبض اعتباراً بالعرف . وأورد الماورديّ ذلك ثمّ قال : هذا هو الظّاهر من مذهب الشّافعيّ . أمّا أبو حنيفة فالظّاهر من مذهبه أنّه لا يكون حجّةً عليه . ولا للعاملين ، حتّى يقرّ به لفظاً كالدّيون الخاصّة . قال : وفيما قدّمناه من الفرق بينهما مقنع . ويلاحظ أنّ كلّ ما ورد إلى عمّال المسلمين ، أو خرج من أيديهم من المال العامّ ، فحكم بيت المال جارٍ عليه في دخله إليه وخرجه عنه ، ولذلك تجرى المحاسبة عليه .

بيت المقدس 1 - بيت المقدس : اسم لمكان العبادة المعروف في أرض فلسطين . وأصل التّقديس التّطهير ، والأرض المقدّسة أي : المطهّرة . قال ابن منظورٍ : والنّسبة إليه مقدسيّ ومقدسيّ . وفي معجم البلدان سمّاه في بعض مواضع من كلامه عنه " البيت المقدّس » .
2 - وهذا الاسم " بيت المقدس " يطلق الآن على المدينة الّتي فيها المسجد الأقصى ، ولا يطلق على مكان العبادة بخصوصه ، أمّا في كلام الفقهاء والمؤرّخين فإنّ الاسم دائر بين المعنيين ، كما استعمله صاحب معجم البلدان وغيره . وتسمّى المدينة الآن أيضاً ( القدس ) . ووردت هذه التّسمية أيضاً في كلام العرب . ففي اللّسان : قال الشّاعر : لا نوم حتّى تهبطي أرض العدس وتشربي من خير ماءٍ بقدس هذا وإنّ للمسجد الأقصى ببيت المقدس أحكاماً يختصّ بها عن سائر المساجد ( ر : المسجد الأقصى ) .

بيت النّار . انظر : معابد .

بيتوتة . انظر : تبييت .

بيض
التّعريف
1 - البيض معروف ، يقال : باض الطّائر يبيض بيضاً ، واحدته : بيضة ، وتطلق البيضة أيضاً على الخصية . وتنظر أحكامها في مصطلح : ( خصية ) . الأحكام المتعلّقة بالبيض : بيض الحيوانات المأكولة اللّحم وغير المأكولة :
2 - سبق في مصطلح ( أطعمة ) تفصيل ما يتّصل بحلّ الأكل وحرمته بالنّسبة للبيض ، وهو حلّ أكل بيض ما يؤكل لحمه من الحيوان ، وحرمة أكل بيض ما لا يحلّ أكل لحمه في الجملة .

بيض الجلّالة :
3 - اختلف الفقهاء في حكم أكل بيض الجلّالة ( وهي الّتي تتّبع النّجاسات وتأكلها إذا كانت مخلّاةً تجول في القاذورات ) . فبنى الحنفيّة والشّافعيّة في الصّحيح الحكم على تغيّر لحمها ونتنه ، فإن تغيّر ووجدت منها رائحة منتنة كره أكل بيضها عند الحنفيّة ، وحرم الأكل في الصّحيح عند الشّافعيّة ، لأنّها صارت من الخبائث ، { ولنهي النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الجلّالة وشرب لبنها } . وقيّد الحنابلة وبعض الشّافعيّة حرمة أكل بيض الجلّالة بما إذا كان أكثر علفها النّجاسة للحديث الوارد في ذلك . وقال بعض الشّافعيّة : يكره أكل بيض الجلّالة كراهةً تنزيهً ، لأنّ النّهي إنّما هو لتغيّر اللّحم ، وهو لا يوجب التّحريم . قالوا : وهو الأصحّ ، وهو رواية عند الحنابلة . والمختار عند المالكيّة ، أنّه يحلّ أكل بيضها لتولّده من حيٍّ ، وكلّ حيٍّ طاهر . وإن لم يتغيّر لحم الجلّالة ولم ينتن ، بأن كانت تخلط ولم يكن أكثر علفها النّجاسة حلّ أكل بيضها باتّفاقٍ .

سلق البيض في ماءٍ نجسٍ :
4 - إذا سلق البيض في ماءٍ نجسٍ حلّ أكله عند الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو القول المرجوح عند المالكيّة ) وفي الرّاجح عند المالكيّة لا يحلّ أكله لنجاسته وتعذّر تطهيره لسريان الماء النّجس في مسامّه .

5 - البيض المذر ( وهو الفاسد بوجهٍ عامٍّ ) : هـ - إذا استحالت البيضة دماً صارت نجسةً عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في الصّحيح من مذهبهم ، وفي الأصحّ عند الشّافعيّة ، ومقابله أنّها طاهرة ، وإذا تغيّرت بالتّعفّن فقط فهي طاهرة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، كاللّحم المنتن ، وهي نجسة عند المالكيّة . وإن اختلط صفارها ببياضها من غير عفونةٍ فهي طاهرة .

البيض الخارج بعد الموت :
6 - البيض الخارج من مأكول اللّحم بعد موته ولا يحتاج لتذكيةٍ يحلّ أكله باتّفاقٍ ، إلاّ إذا كان فاسداً . أمّا ما يحتاج لتذكيةٍ ولم يذكّ فالبيض الخارج بعد موته يحلّ أكله إن تصلّبت قشرته ، وهذا عند الحنابلة ، وأصحّ الأوجه عند الشّافعيّة ، لأنّه صار شيئاً آخر منفصلاً فيحلّ أكله . ويحلّ أكله عند الحنفيّة ولو لم تتصلّب قشرته ، وهو وجه عند الشّافعيّة ، لأنّه شيء طاهر في نفسه ، ولا يحلّ عند المالكيّة أكل بيض الحيوان البرّيّ الّذي له نفس سائلة إذا لم يذكّ ، إلاّ ما كانت ميتته طاهرةً دون ذكاةٍ - كالجراد والتّمساح - فيحلّ أكل بيضه .

بيع البيض :
7 - يشترط في بيع البيض ما يشترط في غيره من المبيعات ، وهو أن يكون موجوداً متقوّماً طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه ... ( ر : بيع ) . ولذلك لا يجوز بيع البيض الفاسد ، لأنّه لا ينتفع به ، ولا بيع بيضٍ في بطن دجاجةٍ ، لأنّه في حكم المعدوم ... هذا ويختلف الفقهاء في اعتبار البيض من الرّبويّات وعدم اعتباره . فذهب الحنفيّة والحنابلة وابن شعبان من المالكيّة ، وهو القديم عند الشّافعيّة : إلى أنّه لا يعتبر البيض من الرّبويّات ، لأنّ علّة الرّبا عندهم الكيل مع الجنس ، أو الوزن مع الجنس ، وهذا بالنّسبة لربا الفضل . ولا يتحقّق الرّبا إلاّ بإجماع الوصفين : الجنس والقدر ( الكيل أو الوزن ) ، وعلى ذلك يجوز بيع بيضةٍ ببيضتين إذا كان يداً بيدٍ ، لأنّه لا تتحقّق فيه العلّة . إلاّ أنّه روي عن الإمام أحمد كراهة بيع بيضةٍ ببيضتين لعلّة الطّعم . ويحرم بيع البيض بالبيض نساءً ، لأنّ علّة ربا النّساء هي أحد وصفي علّة ربا الفضل ، أمّا الكيل أو الوزن المتّفق ، أو الجنس فالجنس بانفراده يحرّم النّساء . وهذا عند الحنفيّة بالنّسبة للنّساء . وهو إحدى الرّوايات عند الحنابلة ، وفي أصحّ الرّوايات : لا يحرم النّساء في بيع البيض بالبيض . وذهب المالكيّة غير ابن شعبان والشّافعيّة في الجديد إلى اعتبار البيض من الرّبويّات ، لعلّة الاقتيات والادّخار في ربا الفضل ، وعلّة الطّعم في رباً النّساء ، وذلك عند المالكيّة ، وعلّة الطّعم في ربا الفضل والنّساء عند الشّافعيّة . والبيض يقتات ويدّخر ويطعم فيكون ربويّاً . وعلى ذلك يحرم الفضل والنّساء في بيع البيض بالبيض ، فإذا بيع بعضه ببعضٍ فلا بدّ أن تكون حالّاً ، مثلاً بمثلٍ ، يداً بيدٍ . والأصل في ذلك ما رواه مسلم عن عبادة قال : { سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، إلاّ سواءً بسواءٍ ، عيناً بعينٍ ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى } فإن اختلف الجنس ولم تختلف العلّة جاز التّفاضل ، لأنّ اختلاف الجنس لا يحرم معه التّفاضل ويحرم النّساء لوجود علّة الطّعم ، وقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تتمّة الحديث السّابق : { فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيدٍ } . وبيع البيض بالبيض لا يجوز إلاّ وزناً عند الشّافعيّة ، وبالوزن أو التّحرّي لتحقّق المماثلة عند المالكيّة .

السّلم في البيض :
8 - إسلام البيض في البيض لا يجوز عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة - لأنّه يعتبر رباً لعلّة الجنس عند الحنفيّة ، وعلّة الطّعم عند المالكيّة والشّافعيّة وروايةٍ عند الحنابلة . ويجوز في أصحّ الرّوايات عند الحنابلة إسلام البيض في البيض ، لأنّه ليس من الرّبويّات ، واستدلّوا على ذلك بحديث { ابن عمرٍو ، وهو أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ على قلائص الصّدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصّدقة } . ويجوز أن يكون البيض مسلماً فيه عند جمهور الفقهاء ، ويشترط فيه ما يشترط في كلّ مسلمٍ فيه من كونه معلوم الجنس والصّفة ، وأن يكون ممّا يمكن ضبط قدره وصفته .. وهكذا . والبيض يمكن ضبطه قدراً وصفةً ، لأنّ الجهالة يسيرة لا تفضي إلى المنازعة ، وصغير البيض وكبيره سواء ، لأنّه لا يجري التّنازع في ذلك القدر من التّفاوت بين النّاس عادةً فكان ملحقاً بالعدم ، وبذلك يجوز السّلم في البيض عدداً ، وهذا عند الحنفيّة خلافاً لزفر ، وكذلك عند من يقول بجوازه من الحنابلة يجوز السّلم فيه عدداً ، ويذهب التّفاوت باشتراط الكبر أو الصّغر أو الوسط . ويجوز عند المالكيّة أيضاً أن يسلم فيه عدداً إذا أمكن ضبطه أو قياسه بنحو خيطٍ يوضع عند أمينٍ لاختلاف الأغراض بالكبر والصّغر . أمّا عند الشّافعيّة فلا يجوز السّلم في البيض عدداً ولا كيلاً ، وإنّما يجوز بالوزن التّقريبيّ . وعند أبي الخطّاب من الحنابلة ، وزفر من الحنفيّة ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة : لا يجوز السّلم في البيض ، لأنّه لا يمكن ضبطه لاختلافه في الصّغر والكبر .

الاعتداء على البيض في الحرم وحال الإحرام :
9 - كلّ ما حرم صيده في الحرم حرم التّعرّض لبيضه ، فإذا كسره أحد أو شواه لزمه قيمته بمحلّه يوم التّلف ، لأنّه أصل الصّيد ، إذ الصّيد يتولّد منه فيعطى له حكم الصّيد احتياطاً . وقد روي عن الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أنّهم حكموا في بيض النّعامة بالقيمة . وهذا عند الحنفيّة والحنابلة والشّافعيّة ، عدا المزنيّ فإنّه قال : هو حلال لا جزاء فيه . وعند المالكيّة يجب في كلّ فردٍ من أفراد البيض عشر قيمة أمّه طعاماً أو عدله صياماً - صوم يومٍ عن كلّ مدٍّ - واستظهر ابن عرفة أنّ في العشر البيضات شاةً . واستثنى المالكيّة بيض حمام حرم مكّة ففيه عشر قيمة شاةٍ طعاماً ، لقضاء عثمان رضي الله عنه فيه بذلك . ولا ضمان في البيض الفاسد باتّفاقٍ إذا كان غير بيض نعامةٍ ، لأنّ الضّمان لعرضيّة أن يصير البيض صيداً وهو مفقود في الفاسد . أمّا إذا كان الفاسد بيض نعامةٍ فعند الحنفيّة والمالكيّة وإمام الحرمين من الشّافعيّة وابن قدامة من الحنابلة لا شيء فيه أيضاً ، لأنّه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآله إلى أن يصير منه حيوان صار كالأحجار والخشب . وقال الشّافعيّة غير إمام الحرمين ، والحنابلة غير ابن قدامة يضمن قيمة قشر بيض النّعام ، لأنّ لقشره قيمة لكن قال ابن قدامة : الصّحيح لا شيء فيه . وإن كسر البيض فخرج منه فرخ ميّت ، فإن كان موت الفرخ بسبب الكسر ، فعند الجمهور عليه قيمته حيّاً ، وعند المالكيّة عليه عشر قيمة أمّه - فإن علم موت الفرخ قبل الكسر فلا شيء فيه . وإذا كسر المحرم بيضاً أو شواه وضمنه أو أخذه حلال من أجله حرم عليه أكله لأنّه صار كالميتة ، وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، ويحلّ أكله عند الحنفيّة . ويحلّ أكله لغير المحرم عند الحنفيّة والشّافعيّة كما صحّحه في المجموع وجزم به ابن المقري ، وكذلك يحلّ عند الحنابلة - غير القاضي - وسندٍ من المالكيّة . وعند المالكيّة غير سندٍ ، وفي قولٍ عند الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة يحرم على الحلال ( غير المحرم ) أكله كما يحرم على المحرم . وما مرّ إنّما هو بالنّسبة لبيض حرم مكّة ، أمّا بالنّسبة لحرم المدينة فلا جزاء فيه وإن كان يحرم ويأثم بذلك . هذا كلّه في بيض الصّيد وهو غير المستأنس من الطّيور . أمّا المستأنس ( ما يربّى في البيوت كالدّجاج ) فلا شيء في بيضه .

غصب البيض :
10 - غصب البيض - كغصب غيره من الأموال - حرام ، وعلى الغاصب الضّمان ، فإن كان البيض المغصوب باقياً وجب ردّه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لا يأخذنّ أحدكم مال أخيه لاعباً ولا جادّاً ومن أخذ عصا أخيه فليردّها } فإن تلف ضمن مثله ، إذ البيض من المثليّات عند الجمهور ، وإن تعذّر المثل فالقيمة . ويختلف الفقهاء فيمن غصب بيضاً فحضنه تحت دجاجٍ حتّى أفرخ . فعند الحنفيّة والمالكيّة يكون على الغاصب بيض مثله لربّه والفراخ للغاصب ، لأنّ المغصوب قد تبدّل وصار شيئاً آخر ، وعند الشّافعيّة والحنابلة تكون الفراخ لربّ البيض لأنّه عين ماله نمّي ، ولا شيء للغاصب .

بيطرة 1 - البيطرة في اللّغة : معالجة الدّوابّ . مأخوذ من بطر الشّيء إذا شقّه . ومنه البيطار ، وهو معالج الدّوابّ . ولا تخرج البيطرة في معناها الاصطلاحيّ عن ذلك . ( الحكم التّكليفيّ ) :
2 - مداواة البهائم وعلاجها بما فيه منفعتها ولو بالفصد والكيّ جائز شرعاً وهو مطلوب شرعاً ، لأنّه من الرّحمة بالحيوان ومن حفظ المال وهل يضمن من باشر مداواتها وعلاجها إذا أتلفها أو عطبت بفعله ؟ قال الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا ضمان عليه إن كان قد أذن بذلك ، وكانت له بصنعته خبرة ومعرفة ، ولم يتجاوز ، فإن لم يؤذن له أو كان قد جاوز ما أذن فيه ، أو قطع بآلةٍ كآلةٍ يكثر ألمها ، أو في وقتٍ لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ، ضمن في هذا كلّه ، لأنّه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ ، فأشبه إتلاف المال ، ولأنّ هذا فعل محرّم فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً ، وفي الحديث : { من تطبّب ولم يعلم منه طبّ فهو ضامن } . أي من تعاطى الطّبّ ولم يسبق له تجربة فيه . فالحديث يدلّ بمنطوقه على أنّ من طبّب وليست له خبرة بالطّبّ يكون ضامناً . وكذلك من له خبرة بالطّبّ ولكنّه أهمل أو تعدّى . والتّفصيل في ذلك يرجع إليه في مواطنه ( إجارة - جنايات ، حيوان ، ضمان ) .

نهاية الجزء الثامن / الموسوعة الفقهية
رد مع اقتباس