عرض مشاركة واحدة
  #219  
قديم 05-11-2012, 11:08 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

أقسام بيت المال ومصارف كلّ قسمٍ :
7 - الأموال الّتي تدخل بيت المال متنوّعة المصارف ، وكثير من أصنافها لا يجوز صرفه في الوجوه الّتي تصرف فيها الأصناف الأخرى . ومن أجل ذلك احتيج إلى فصل أموال بيت المال بحسب مصارفها ، لأجل سهولة التّصرّف فيها ، وقد نصّ أبو يوسف على فصل الزّكاة عن الخراج في بيت المال ، فقال : مال الصّدقة والعشور لا ينبغي أن يجمع إلى مال الخراج ، لأنّ الخراج فيء لجميع المسلمين ، والصّدقات لمن سمّى اللّه في كتابه . وقد نصّ الحنفيّة على أنّه يجب على الإمام توزيع موجودات بيت المال على أربعة بيوتٍ ، ولا تأبى قواعد المذاهب الأخرى التّقسيم من حيث الجملة . وقد قال الحنفيّة : للإمام أن يستقرض من أحد البيوت الأربعة ليصرفه في مصارف البيوت الأخرى ، ويجب ردّه إلى البيت المستقرض منه ، ما لم يكن ما صرفه إليه يجوز صرفه من هذا البيت الآخر . والبيوت الأربعة هي : البيت الأوّل : بيت الزّكاة :
8 - من حقوقه : زكاة السّوائم ، وعشور الأراضي الزّكويّة ، والعشور الّتي تؤخذ من التّجّار المسلمين إذا مرّوا على العاشر ، وزكاة الأموال الباطنة إن أخذها الإمام . ومصرف هذا النّوع المصارف الثّمانية الّتي نصّ عليها القرآن العظيم . وفي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح ( زكاة ) . وقد نقل الماورديّ الخلاف بين الفقهاء في صفة اليد على هذه الأموال ، فنقل أنّ قول أبي حنيفة : إنّها من حقوق بيت المال ، أي أملاكه الّتي يرجع التّصرّف فيها إلى رأي الإمام واجتهاده ، كمال الفيء . ولذا يجوز صرفه في المصالح العامّة كالفيء ، وإن رأى الشّافعيّ أنّ بيت المال مجرّد حرزٍ للزّكاة يحرّزها لأصحابها ، فإن وجدوا وجب الدّفع إليهم ، وإن لم يوجدوا أحرزها لبيت المال ، وجوباً على مذهبه القديم ، وجوازاً على مذهبه الجديد ، بناءً على وجوب دفع الزّكاة إلى الإمام ، أو جواز ذلك . ونقل أبو يعلى الحنبليّ أنّ قول أحمد كقول الشّافعيّ في ذلك وخرّج وجهاً في زكاة الأموال الظّاهرة كقول أبي حنيفة .

البيت الثّاني : بيت الأخماس :
9 - والمراد بالأخماس :
أ - خمس الغنائم المنقولة ، وقيل : وخمس العقارات الّتي غنمت أيضاً .
ب - خمس ما يوجد من كنوز الجاهليّة وقيل هو زكاة .
ج - خمس أموال الفيء على قول الشّافعيّ ، وإحدى روايتين عن أحمد . وعلى الرّواية الأخرى ومذهب الحنفيّة والمالكيّة : لا يخمّس الفيء . ومصرف هذا النّوع خمسة أسهمٍ : سهم للّه ورسوله ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السّبيل ، على ما قال اللّه تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل } وكان السّهم الأوّل يأخذه النّبيّ صلى الله عليه وسلم في حياته ، وبعده يصرف في مصالح المسلمين على رأي الإمام ، فينقل لبيت مال الفيء الآتي ذكره . وسائر الأسهم الأربعة تحرّز لأصحابها في بيت المال ، حتّى تقسّم عليهم ، وليس للإمام أن يصرفها في المصالح .

البيت الثّالث : بيت الضّوائع :
10 - وهي الأموال الضّائعة ونحوها من لقطةٍ لا يعرف صاحبها ، أو مسروقٍ لا يعلم صاحبه ونحوهما على ما تقدّم ، فتحفظ في هذا البيت محرّزةً لأصحابها ، فإن حصل اليأس من معرفتهم صرف في وجهه . ومصرف أموال هذا البيت - على ما نقله ابن عابدين عن الزّيلعيّ ، وقال : إنّه المشهور عند الحنفيّة - هو اللّقيط الفقير ، والفقراء الّذين لا أولياء لهم ، فيعطون منه نفقتهم وأدويتهم وتكاليف أكفانهم ودية جناياتهم . وقال الماورديّ : عند أبي حنيفة يصرف لهؤلاء صدقةً عمّن المال له ، أو من خلّف المال . ولم نعثر لغير الحنفيّة على تخصيص هذا النّوع من الأموال بمصرفٍ خاصٍّ ، فالظّاهر أنّها عندهم تصرف في المصالح العامّة كالفيء ، وهو ما صرّح به أبو يعلى والماورديّ في مال من مات بلا وارثٍ ، وبناءً على ذلك تكون البيوت عندهم ثلاثةً لا أربعةً .

البيت الرّابع : وهو بيت مال الفيء :
11 - أهمّ موارد هذا البيت ما يلي :
أ - أنواع الفيء الّتي تقدّم ذكرها .
ب - سهم اللّه ورسوله من الأخماس .
ج - الأراضي الّتي غنمها المسلمون على القول بأنّها لا تقسّم ، وأنّها ليست من الوقف المصطلح عليه .
د - خراج الأرض الّتي غنمها المسلمون ، سواء اعتبرت وقفاً أم غير وقفٍ .
هـ - خمس الكنوز الّتي لم يعلم صاحبها ، أو تطاول عليها الزّمن .
و - خمس الخارج من الأرض من معدنٍ أو نفطٍ أو نحو ذلك . وقيل : ما يؤخذ من ذلك هو زكاة مقدارها ربع العشر ، ويصرف في مصارف الزّكاة .
ز - مال من مات بلا وارثٍ من المسلمين ، ومن ذلك ديته . ح - الضّرائب الموظّفة على الرّعيّة ، الّتي لم توظّف لغرضٍ معيّنٍ . ط - الهدايا إلى القضاة والعمّال والإمام . ى - أموال البيت السّابق على قول غير الحنفيّة .

مصارف بيت مال الفيء :
12 - مصرف أموال هذا البيت المصالح العامّة للمسلمين ، فيكون تحت يد الإمام ، ويصرف منه بحسب نظره واجتهاده في المصلحة العامّة . والفقهاء إذا أطلقوا القول بأنّ نفقة كذا هي في بيت المال ، يقصدون هذا البيت الرّابع ، لأنّه وحده المخصّص للمصالح العامّة ، بخلاف ما عداه ، فالحقّ فيه لجهاتٍ محدّدةٍ ، يصرف لها لا لغيرها . وفيما يلي بيان بعض المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ممّا ورد في كلام الفقهاء ، لا على سبيل الحصر والاستقصاء ، فإنّ أبواب المصالح لا تنحصر ، وهي تختلف من عصرٍ إلى عصرٍ ، ومن بلدٍ إلى بلدٍ .
13 - ومن أهمّ المصالح الّتي تصرف فيها أموال هذا البيت ما يلي :
أ - العطاء ، وهو نصيب من بيت مال المسلمين يعطى لكلّ مسلمٍ ، سواء أكان من أهل القتال أم لم يكن . وهذا أحد قولين للحنابلة قدّمه صاحب المغني ، وهو كذلك أحد قولين للشّافعيّة هو خلاف الأظهر عندهم . قال الإمام أحمد : في الفيء حقّ لكلّ المسلمين ، وهو بين الغنيّ والفقير . ومن الحجّة لهذا القول قول اللّه تعالى : { ما أفاء اللّه على رسوله من أهل القرى فللّه وللرّسول ... } الآية . ثمّ قال : { للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من اللّه ورضواناً وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصّادقون } ثمّ قال : { والّذين تبوّءوا الدّار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ... } ثمّ قال : { والّذين جاءوا من بعدهم ... } فاستوعب كلّ المسلمين . ولهذا قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه بعد أن قرأ الآيات من سورة الحشر : هذه - يعني الآية الأخيرة - استوعبت المسلمين عامّةً ، ولإن عشت ليأتينّ الرّاعي بسرو حمير نصيبه منها ، لم يعرق فيه جبينه . والقول الثّاني للحنابلة ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة : أنّ أهل الفيء هم أهل الجهاد المرابطون في الثّغور ، وجند المسلمين ، ومن يقوم بمصالحهم - أي بالإضافة إلى أبواب المصالح الآتي بيانها . وأمّا الأعراب ونحوهم ممّن لا يعدّ نفسه للقتال في سبيل اللّه فلا حقّ لهم فيه ، ما لم يجاهدوا فعلاً . ومن الحجّة لهذا القول ما في صحيح مسلمٍ وغيره من حديث بريدة { أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميراً على جيشٍ أو سريّةٍ أوصاه في خاصّته بتقوى اللّه ... } إلى أن قال : { ثمّ ادعهم إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين . فإن أبوا أن يتحوّلوا منها ، فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم اللّه الّذي يجري على المؤمنين ، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلاّ أن يجاهدوا مع المسلمين } . وقيل عند الشّافعيّة : إنّ الفيء كلّه يجب قسمه بين من له رزق في بيت المال في عامه ، ولا يبقى منه شيء ولا يوفّر شيء للمصالح ما عدا خمس الخمس ( أي الّذي للّه ورسوله ) والتّحقيق عندهم : إعطاء من لهم رزق في بيت المال كفايتهم ، وصرف ما يتبقّى من مال الفيء للمصالح .
ب - الأسلحة والمعدّات والتّحصينات وتكاليف الجهاد والدّفاع عن أوطان المسلمين .
ج - رواتب الموظّفين الّذين يحتاج إليهم المسلمون في أمورهم العامّة ، من القضاة والمحتسبين ، ومن ينفّذون الحدود ، والمفتين والأئمّة والمؤذّنين والمدرّسين ، ونحوهم من كلّ من فرّغ نفسه لمصلحة المسلمين ، فيستحقّ الكفاية من بيت المال له ولمن يعوله . ويختلف ذلك باختلاف الأعصار والبلدان لاختلاف الأحوال والأسعار . وليست هذه الرّواتب أجرةً للموظّفين من كلّ وجهٍ ، بل هي كالأجرة ، لأنّ القضاء ونحوه من الطّاعات لا يجوز أخذ الأجرة عليه أصلاً . ثمّ إن سمّي للموظّف مقدار معلوم استحقّه ، وإلاّ استحقّ ما يجري لأمثاله إن كان ممّن لا يعمل إلاّ بمرتّبٍ . وأرزاق هؤلاء ، وأرزاق الجند إن لم توجد في بيت المال ، تبقى ديناً عليه ، ووجب إنظاره ، كالدّيون مع الإعسار . بخلاف سائر المصالح فلا يجب القيام بها إلاّ مع القدرة ، وتسقط بعدمها . والرّاجح عند الحنفيّة : أنّ من مات من أهل العطاء ، كالقاضي والمفتي والمدرّس ونحوهم قبل انتهاء العام ، يعطى حصّته من العام ، أمّا من مات في آخره أو بعد تمامه فإنّه يجب الإعطاء إلى وارثه .
د - القيام بشئون فقراء المسلمين من العجزة واللّقطاء والمساجين الفقراء ، الّذين ليس لهم ما ينفق عليهم منه ، ولا أقارب تلزمهم نفقتهم ، فيتحمّل بيت المال نفقاتهم وكسوتهم وما يصلحهم من دواءٍ وأجرة علاجٍ وتجهيز ميّتٍ ، وكذا دية جناية من لم يكن له عاقلة من المسلمين ، أو كان له عاقلة فعجزوا عن الكلّ أو البعض ، فإنّ بيت المال يتحمّل باقي الدّية ، ولا تعقل عن كافرٍ . ونبّه بعض الشّافعيّة إلى أنّ إقرار الجاني لا يقبل على بيت المال ، كما لا يقبل على العاقلة .
هـ - الإنفاق على أهل الذّمّة من بيت المال : ليس لكافرٍ ذمّيٍّ أو غيره حقّ في بيت مال المسلمين . لكنّ الذّمّيّ إن احتاج لضعفه يعطى ما يسدّ جوعته . وفي كتاب الخراج لأبي يوسف أنّ ممّا أعطاه خالد بن الوليد رضي الله عنه في عهده لأهل الحيرة : أيّما شيخٍ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنيّاً فافتقر ، وصار أهل دينه يتصدّقون عليه طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام . ونقل مثل ذلك أبو عبيدٍ في كتاب الأموال .
و - ومن مصارف بيت مال الفيء أيضاً : فكاك أسرى المسلمين من أيدي الكفّار ، ونقل أبو يوسف في كتاب الخراج قول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : كلّ أسيرٍ كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين . وهناك وجه للشّافعيّة بأنّ فكاكه في ماله هو ( ر : أسرى ) . وشبيه بهذا ما قاله بعض الشّافعيّة أنّ مالك الدّوابّ - غير المأكولة - لو امتنع من علفها ، ولم يمكن إجباره لفقره مثلاً ينفق عليها من بيت المال مجّاناً ، وكذلك الدّابّة الموقوفة إن لم يمكن أخذ النّفقة من كسبها .
ز - المصالح العامّة لبلدان المسلمين ، من إنشاء المساجد والطّرق والجسور والقناطر والأنهار والمدارس ونحو ذلك ، وإصلاح ما تلف منها . ح - ضمان ما يتلف بأخطاء أعضاء الإدارة الحكوميّة : من ذلك أخطاء وليّ الأمر والقاضي ونحوهم من سائر من يقوم بالأعمال العامّة ، إذا أخطئوا في عملهم الّذي كلّفوا به ، فتلف بذلك نفس أو عضو أو مال ، كدية من مات بالتّجاوز في التّعزير ، فحيث وجب ضمان ذلك يضمن بيت المال . فإن كان العمل المكلّف به لشأنٍ خاصٍّ للإمام أو غيره من المسئولين فالضّمان على عاقلته ، أو في ماله الخاصّ بحسب الأحوال . وذلك لأنّ أخطاءهم قد تكثر ، فلو حملوها هم أو عاقلتهم لأجحف بهم . هذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو الأصحّ عند الحنابلة ، والقول غير الأظهر للشّافعيّة . أمّا الأظهر للشّافعيّة ، ومقابل الأصحّ عند الحنابلة فهو أنّ الضّمان على عاقلته . أمّا ضمان العمد فيتحمّله فاعله اتّفاقاً . ط - تحمّل الحقوق الّتي أقرّها الشّرع لأصحابها ، واقتضت قواعد الشّرع أن لا يحملها أحد معيّن : ومن أمثلة ذلك ما لو قتل شخص في زحام طوافٍ أو مسجدٍ عامٍّ أو الطّريق الأعظم ، ولم يعرف قاتله ، فتكون ديته في بيت المال لقول عليٍّ رضي الله عنه : لا يبطل في الإسلام دم ، وقد { تحمّل النّبيّ صلى الله عليه وسلم دية عبد اللّه بن سهلٍ الأنصاريّ حين قتل في خيبر ، لمّا لم يعرف قاتله ، وأبى الأنصار أن يحلفوا القسامة ، ولم يقبلوا أيمان اليهود ، فوداه النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عنده كراهية أن يبطل دمه } . ومن ذلك أيضاً أجرة تعريف اللّقطة ، فللقاضي أن يرتّب أجرة تعريفها من بيت المال ، على أن تكون قرضاً على صاحبها .

أولويّات الصّرف من بيت المال :
14 - يرى المالكيّة والشّافعيّة أنّه يندب البدء بالصّرف لآل النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّذين تحرم عليهم الصّدقة ، اقتداءً بفعل عمر رضي الله عنه ، إذ قدّم آل بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ديوان العطاء . ثمّ بعد ذلك يجب البدء بمصالح أهل البلد الّذين جمع منهم المال ، كبناء مساجدهم وعمارة ثغورهم وأرزاق قضاتهم ومؤذّنيهم وقضاء ديونهم وديات جناياتهم ، ويعطون كفاية سنتهم . وإن كان غير فقراء البلد الّتي جبي فيها المال أكثر احتياجاً منهم ، فإنّ الإمام يصرف القليل لأهل البلد الّتي جبي فيها المال ، ثمّ ينقل الأكثر لغيرهم . ويرى الحنابلة أنّه إذا اجتمع على بيت المال حقّان ، ضاق عنهما واتّسع لأحدهما ، صرف فيما يصير منهما ديناً على بيت المال لو لم يؤدّ في وقته ، كأرزاق الجند وأثمان المعدّات والسّلاح ونحوهما ، دون ما يجب على وجه الإرفاق والمصلحة ، كالطّرق ونحوها .

الفائض في بيت المال :
15 - لعلماء المسلمين فيما يفيض في بيت المال ، بعد أداء الحقوق الّتي عليه ، ثلاثة اتّجاهاتٍ : الأوّل - وهو مذهب الشّافعيّة : أنّه يجب تفريق الفائض وتوزيعه على من يعمّ به صلاح المسلمين ، ولا يدّخر ، لأنّ ما ينوب المسلمين يتعيّن فرضه عليهم إذا حدث . وفي المنهاج وشرحه من كتب الشّافعيّة : يوزّع الفائض على الرّجال البالغين ممّن لهم رزق في بيت المال ، لا على غيرهم ولا ذراريّهم . قال القليوبيّ : والغرض أن لا يبقى في بيت المال شيء . والثّاني - وهو مذهب الحنفيّة : أنّها تدّخر في بيت المال لما ينوب المسلمين من حادثٍ . والثّالث - التّفويض لرأي الإمام ، قال القليوبيّ من الشّافعيّة : قال المحقّقون : للإمام الادّخار . ونقل صاحب جواهر الإكليل عن المدوّنة : يبدأ في الفيء بفقراء المسلمين ، فما بقي يقسّم بين النّاس بالسّويّة ، إلاّ أن يرى الإمام حبسه لنوائب المسلمين . إذا عجز بيت المال عن أداء الحقوق :
16 - بيّن الماورديّ وأبو يعلى حالة عجز بيت المال عن أداء الحقوق فقالا ما حاصله : إنّ المستحقّ على بيت المال ضربان : الأوّل : ما كان بيت المال له مجرّد حرزٍ ، كالأخماس والزّكاة ، فاستحقاقه معتبر بالوجود ، فإن كان المال موجوداً فيه كان مصرفه مستحقّاً ، وعدمه مسقط لاستحقاقه . الثّاني : ما كان بيت المال له مستحقّاً ، وهو مال الفيء ونحوه ، ومصارفه نوعان : أوّلهما : ما كان مصرفه مستحقّاً على وجه البدل ، كرواتب الجنود ، وأثمان ما اشتري من السّلاح والمعدّات ، فاستحقاقه غير معتبرٍ بالوجود ، بل هو من الحقوق اللّازمة لبيت المال مع الوجود والعدم . فإن كان موجوداً يعجّل دفعه ، كالدّين على الموسر ، وإن كان معدوماً وجب فيه ، ولزم إنظاره ، كالدّين على المعسر . ثانيهما : أن يكون مصرفه مستحقّاً على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل ، فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم . فإن كان موجوداً وجب فيه ، إن كان معدوماً سقط وجوبه عن بيت المال . ثمّ يكون - إن عمّ ضرره - من فروض الكفاية على المسلمين ، حتّى يقوم به من فيه كفاية كالجهاد ، وإن كان ممّا لا يعمّ ضرره كوعورة طريقٍ قريبٍ يجد النّاس غيره طريقاً بعيداً ، أو انقطاع شربٍ يجد النّاس غيره شرباً . فإذا سقط وجوبه عن بيت المال بالعدم سقط وجوبه عن الكافّة ، لوجود البدل . ويلاحظ أنّه قد يكون العجز في بيت المال الفرعيّ ، أي في أحد الأقاليم التّابعة للإمام . فإذا قلّد الخليفة أميراً على إقليمٍ ، فإذا نقص مال الخراج عن أرزاق جيشه ، فإنّه يطالب الخليفة بتمامها من بيت المال . أمّا إن نقص مال الصّدقات عن كفاية مصارفها في عمله فلا يكون له مطالبة الخليفة بتمامها ، وذلك لأنّ أرزاق الجيش مقدّرة بالكفاية ، وحقوق أهل الصّدقات معتبرة بالوجود .

تصرّفات الإمام في الدّيون على بيت المال :
17 - إذا ثبتت الدّيون على بيت المال ، ولم يكن فيه وفاء لها ، فللإمام أن يستقرض من أحد بيوت المال للبيت الآخر ، نصّ على ذلك الحنفيّة . وقالوا : وإذا حصل للخزانة الّتي استقرض لها مال يردّ إلى المستقرض منه ، إلاّ أن يكون المصروف من الصّدقات أو خمس الغنائم على أهل الخراج ، وهم فقراء ، فإنّه لا يردّ من ذلك شيئاً ، لاستحقاقهم الصّدقات بالفقر . وكذا غيره إذا صرف إلى المستحقّ . وللإمام أيضاً أن يستعير أو يقترض لبيت المال من الرّعيّة . { وقد استعار النّبيّ صلى الله عليه وسلم دروعاً للجهاد من صفوان بن أميّة } { واستسلف عليه الصلاة والسلام بعيراً وردّ مثله من إبل الصّدقة } ، وذلك اقتراض على خزانة الصّدقات من بيت المال .

تنمية أموال بيت المال والتّصرّف فيها :
18 - بالإضافة إلى ما تقدّم من صلاحيات الإنفاق في بيت المال ، فإنّ للإمام التّصرّف في أموال بيت المال . والقاعدة في ذلك أنّ منزلة الإمام من أموال بيت المال منزلة الوليّ من مال اليتيم ، كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : إنّي أنزلت نفسي من هذا المال منزلة وليّ اليتيم . فله فيه من التّصرّف ما لوليّ اليتيم في مال اليتيم . وليست هذه القاعدة على إطلاقها ، فلا يلزم التّشبيه من كلّ وجهٍ ، بدليل أنّ للإمام التّمليك من بيت المال والإقطاع منه . ومن الأمثلة الّتي تعرّض لها بعض الفقهاء ما يلي :
أ - البيع : يجوز للإمام بيع شيءٍ من أموال بيت المال ، إذا رأى المصلحة في ذلك . أمّا شراؤه لنفسه شيئاً منها فقد جاء في الدّرّ المختار : لا يصحّ بيع الإمام ولا شراؤه من وكيل بيت المال لشيءٍ من أموال بيت المال ، لأنّه ****ل اليتيم ، فلا يجوز ذلك منه إلاّ لضرورةٍ . زاد في البحر : أو رغب في العقار بضعف قيمته ، على قول المتأخّرين المفتى به .
ب - الإجارة : أرض بيت المال تجري عليها أحكام الوقوف المؤبّدة . فتؤجّر كما يؤجّر الوقف . ج - المساقاة : تصحّ المساقاة من الإمام على بساتين بيت المال ، كما تصحّ من جائز التّصرّف لصبيٍّ تحت ولايته .
د - الإعارة : اختلف قول الشّافعيّة في إعارة الإمام لشيءٍ من أموال بيت المال ، فأفتى الإسنويّ بجوازه ، بناءً على أنّه إذا جاز له التّمليك من بيت المال فالإعارة أولى . وقال الرّمليّ : لا يجوز للإمام مطلقاً إعارة أموال بيت المال ، كالوليّ في مال مولّيه . وقال القليوبيّ : ثمّ إن أخذ أحد شيئاً من بيت المال عاريّةً فهلك في يده فلا ضمان عليه ، إن كان له في بيت المال حقّ ، وتسميته عاريّةً مجاز .
هـ - الإقراض : ذكر ابن الأثير أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أقرض هنداً بنت عتبة أربعة آلافٍ تتّجر فيها وتضمنها . وممّا يجري مجرى الإقراض الإنفاق بقصد الرّجوع ، ومن ذلك الإنفاق على البهيمة الضّائعة ونحوها ، حفظاً لها من التّلف . ثمّ يرجع بيت المال بالنّفقة على صاحب البهيمة ، وإن لم يعرف بيعت ، وأخذ من ثمنها حقّ بيت المال .
رد مع اقتباس