د - الإجارة :
8 - لمّا كان المقصود من عقد إجارة البيت هو بيع منفعته إلى أجلٍ معلومٍ ، اشترط في المنفعة ما يشترط في المعقود عليه في عقد البيع ، وهو أن لا يمنع من الانتفاع بها مانع شرعيّ ، بأن تكون محرّمةً كالخمر وآلات اللّهو ولحم الخنزير . فلا يجوز عند جمهور الفقهاء إجارة البيت لغرضٍ غير مشروعٍ ، كأن يتّخذه المستأجر مكاناً لشرب الخمر أو لعب القمار ، أو أن يتّخذه كنيسةً أو معبداً وثنيّاً . ويحرم حينئذٍ أخذ الأجرة كما يحرم إعطاؤها ، وذلك لما فيه من الإعانة على المعصية .
مراعاة حقّ الجار في مرافق البيت :
9 - جاءت السّنّة الشّريفة بالتّأكيد على حقّ الجار والأمر بمراعاته والحفاظ عليه ، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : { ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه } . وقوله صلى الله عليه وسلم : { واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن قيل : من يا رسول اللّه ؟ قال : الّذي لا يأمن جاره بوائقه } . والبوائق تعني : الغوائل والشّرور . ولذا لا يجوز أن يحدث مالك البيت فيه ما يضرّ بجاره . كأن يحفر كنيفاً إلى جنب حائط جاره ، أو يبني حمّاماً ، أو تنّوراً ، أو أن يعمل دكّان حدادةٍ أو نحوها من المهن الّتي يتأذّى منها جار البيت . أمّا في المرافق الّتي تكون بين البيتين ، كالجدار الفاصل بينهما ، فله حالتان : إمّا أن يختصّ بملكه أحدهما ، ويكون ساتراً للآخر فقط . فليس للآخر التّصرّف فيه بما يضرّ مطلقاً . فيحرم عليه وضع الأخشاب ، أو مدّ الجسور ، أو بناء العقود ، ونحوها من التّصرّفات الّتي تضرّ الجدار وتؤثّر في تحمّله ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وذلك لعموم القاعدة الفقهيّة : ( لا ضرر ولا ضرار ) ، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ بطيب نفسٍ منه } . أمّا إذا كان التّصرّف لا يضرّ الجدار ولا يضعفه ، فيجوز ، بل يندب لصاحبه الإذن لجاره باستعماله والتّصرّف فيه ، لما فيه من الإرفاق بالجار والتّوسعة عليه . والتّفصيل ينظر في مصطلح ( ارتفاق . جوار ) .
دخول البيوت :
10 - أجمع الفقهاء على أنّه لا يجوز دخول بيت الغير إلاّ بإذنٍ ، لأنّ اللّه تعالى حرّم على الخلق أن يطّلعوا على ما في بيوت الغير من خارجها ، أو يلجوها من غير إذن أربابها ، لئلاّ يطّلع أحد منهم على عورةٍ ، وذلك لغايةٍ هي : الاستئناس ، وهو : الاستئذان ، لأنّ اللّه تعالى خصّص البيوت لسكنى النّاس ، وملّكهم الاستمتاع بها على الانفراد ، قال تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلّكم تذكّرون } . واستثنى الفقهاء حالة الغزو ، فيجوز دخول البيت إذا كان ذلك البيت مشرفاً على العدوّ ، فللغزاة دخوله ليقاتلوا العدوّ فيه وكذا في حالة العلم ، أو الظّنّ الغالب بوجود فسادٍ فيه ، فيجوز للإمام أو نائبه الهجوم على بيت المفسدين ، وقد هجم عمر رضي الله عنه على نائحةٍ في منزلها ، وضربها بالدّرّة حتّى سقط خمارها ، فقيل له فيه ، فقال : لا حرمة لها . أي لاشتغالها بالمحرّم والتحقت بالإماء . وقد نفّذ عمر رضي الله عنه التّعزير لهتك حرمات البيت ، وذلك في رجلٍ وجد في بيت رجلٍ بعد العتمة ملفّفاً ، فضربه عمر مائة جلدةٍ . وكما يحرم الدّخول بلا استئذانٍ يحرم النّظر إلى داخل البيوت ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لو أنّ امرأً اطّلع عليك بغير إذنٍ ، فحذفته بحصاةٍ ، فقأت عينه لم يكن عليك جناح }
إباحة دخول البيت :
11 - أباح اللّه عدم الاستئذان في كلّ بيتٍ لا يسكنه أحد ، فقال تعالى : { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونةٍ فيها متاع لكم واللّه يعلم ما تبدون وما تكتمون } ذلك لأنّ العلّة في الاستئذان إنّما هي لأجل خوف الاطّلاع على المحرّمات ، فإذا زالت العلّة زال الحكم . وللتّفصيل ينظر ( استئذان ) .
ولا يجوز للمرأة أن تأذن في بيتها إلاّ بإذن زوجها ، أو بغلبة ظنّها بأنّه يرضى بذلك لحاجةٍ مشروعةٍ لقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلاّ بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلاّ بإذنه } .
دعاء دخول المرء بيته ، ودعاء الخروج منه :
12 - من الآداب الّتي سنّها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الدّعاء عند دخول البيت وعند الخروج منه . من ذلك ما روته أمّ سلمة - رضي الله عنها - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من بيته قال : { باسم اللّه ، وتوكّلت على اللّه اللّهمّ إنّي أعوذ بك أن أضلّ ، أو أضلّ ، أو أزلّ أو أزلّ ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل عليّ } . وجاء في دعاء دخول البيت ما رواه أبو مالكٍ الأشعريّ - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { إذا ولج الرّجل بيته فليقل : اللّهمّ أنّي أسألك خير المولج ، وخير المخرج ، باسم اللّه ولجنا ، وباسم اللّه خرجنا ، وعلى اللّه ربّنا توكّلنا ، ثمّ ليسلّم على أهله } .
صلاة الرّجل والمرأة الفريضة في البيت :
13 - اتّفق الفقهاء على صحّة أداء صلاة الفريضة في البيت للرّجل والمرأة . وذهب الحنابلة إلى أنّ الرّجل يأثم إن صلّى الفريضة منفرداً في البيت ، مع صحّة صلاته ، بناءً على قولهم بوجوب صلاة الجماعة على الرّجال الأحرار القادرين عليها ، وذهب الشّافعيّة إلى أنّها فرض كفايةٍ ، وذهب المالكيّة والحنفيّة إلى أنّها سنّة مؤكّدة ، مع اتّفاق فقهاء المذاهب على أنّ الجماعة ليست شرطاً في صحّة الصّلاة ، إلاّ على قول ابن عقيلٍ من الحنابلة . واتّفق الفقهاء على أنّ صلاة الرّجل في المسجد جماعةً أفضل من صلاته منفرداً في البيت ، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسٍ وعشرين درجةً } وفي روايةٍ : { بسبعٍ وعشرين درجةً } . أمّا في حقّ النّساء فإنّ صلاتهنّ في البيت أفضل ، لحديث أمّ سلمة مرفوعاً : { خير مساجد النّساء قعر بيوتهنّ } ولحديث عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها ، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها } وعن { أمّ حميدٍ السّاعديّة أنّها جاءت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إنّي أحبّ الصّلاة معك ، فقال صلى الله عليه وسلم : قد علمت . وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك ، وصلاة في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك ، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة } . قال النّوويّ : يستحبّ للزّوج أن يأذن لزوجته في شهود الجماعة في المسجد ، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { لا تمنعوا إماء اللّه مساجد اللّه ، ولكن ليخرجن وهنّ تفلات } . أي تاركات للطّيب . ولحديث ابن عمر مرفوعاً { إذا استأذنكم نساؤكم باللّيل إلى المسجد فأذنوا لهنّ } . غير أنّه يكره للمرأة حضور جماعة المسجد إذا ترتّب على خروجها من البيت وحضورها الجماعة فتنة ، وللزّوج منعها من ذلك ، ولا يأثم . وحمل النّهي في الحديث على نهي التّنزيه ، لأنّ حقّ الزّوج في ملازمة البيت واجب ، فلا تتركه للفضيلة .
صلاة النّافلة في البيت :
14 - من السّنّة أن تصلّى النّوافل في البيت . فقد روى زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { صلّوا أيّها النّاس في بيوتكم ، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته ، إلاّ المكتوبة } . ووجه أفضليّتها : أنّ الصّلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص ، وأبعد من الرّياء ، لما فيه من الإسرار بالعمل الصّالح ، وهو أفضل من الإعلان به . وقد جاء تعليل أداء النّافلة في البيت في قوله صلى الله عليه وسلم : { اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ، ولا تتّخذوها قبوراً } فالبيت الّذي لا يذكر اللّه فيه ، ولا تقام فيه الصّلاة ، يكون كالقبر الخرب . بل من الخير أن يجعل المرء نصيباً من صلاته في بيته ، حتّى يعمّره بالذّكر والتّقرّب إلى اللّه سبحانه وتعالى . وجاء في حديث جابرٍ رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { إذا قضى أحدكم الصّلاة في مسجده ، فليجعل لبيته نصيباً من صلاته ، فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً } .
الاعتكاف في البيت :
15 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز للرّجل أن يعتكف في مسجد بيته ، وهو المكان المعزول المهيّأ المتّخذ للصّلاة في البيت . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها كذلك . مستدلّين بالأثر عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما : { سئل عن امرأةٍ جعلت عليها - أي نذرت - أن تعتكف في مسجد بيتها ، فقال : بدعة ، وأبغض الأعمال إلى اللّه البدع ، فلا اعتكاف إلاّ في مسجدٍ تقام فيه الصّلاة } ولأنّ مسجد البيت ليس بمسجدٍ حقيقةً ولا حكماً . ولو جاز لفعلته أمّهات المؤمنين ولو مرّةً ، تبييناً للجواز . وذهب الحنفيّة إلى جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنّ موضع الاعتكاف في حقّها هو الموضع الّذي تكون صلاتها فيه أفضل ، كما في حقّ الرّجل ، وصلاتها في مسجد بيتها أفضل ، فكان موضع الاعتكاف مسجد بيتها . كما ذهبوا إلى أنّه لا يجوز لها أن تخرج من معتكفها في البيت إلى نفس البيت . كما في رواية الحسن .
حكم الحلف على سكنى البيت :
16 - لو حلف لا يسكن بيتاً ، ولا نيّة له ، فسكن بيتاً من شعرٍ أو فسطاطاً أو خيمةً ، لم يحنث إن كان من أهل الأمصار ، وحنث إن كان من أهل البادية ، لأنّ البيت اسم لموضعٍ يبات فيه ، واليمين تتقيّد بما عرف من مقصود الحالف ، وأهل البادية يسكنون البيوت المتّخذة من الشّعر ، فإذا كان الحالف بدويّاً يحنث ، بخلاف ما إذا كان من أهل الأمصار .
البيت الحرام 1 - يطلق البيت الحرام على الكعبة ، وسمّى اللّه الكعبة البيت الحرام ، في مثل قوله تعالى : { جعل اللّه الكعبة البيت الحرام قياماً للنّاس } ويقال للكعبة أيضاً : بيت اللّه ، إعظاماً لها وتشريفاً ، كما في قوله تعالى : { وطهّر بيتي للطّائفين والقائمين والرّكّع السّجود } ويطلق على : المسجد الحرام ، وعلى حرم مكّة وما حولها إلى الأعلام المعروفة .
2 - والبيت الحرام أوّل مسجدٍ وضع للعبادة في الأرض ، لقوله تعالى : { إنّ أوّل بيتٍ وضع للنّاس للّذي ببكّة مباركاً وهدًى للعالمين } وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال : { سألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن أوّل مسجدٍ وضع في الأرض قال : المسجد الحرام } ولمعرفة أحكام كلٍّ من الكعبة والمسجد الحرام ر : ( الكعبة . المسجد الحرام ) .
بيت الخلاء . انظر : قضاء الحاجة .
بيت الزّوجيّة
التّعريف
1 - البيت لغةً : المسكن ، وبيت الرّجل داره . وبيت الزّوجيّة : محلّ منفرد معيّن مختصّ بالزّوجة ، لا يشاركها أحد في سكناه من أهل الزّوج المميّزين ، وله غلق يخصّه ومرافق سواء كانت في البيت أو في الدّار ، على ألا يشاركها فيها أحد إلاّ برضاها . وهذا في غير الفقراء الّذين يشتركون في بعض المرافق . ما يراعى في بيت الزّوجيّة :
2 - يرى الحنفيّة - على المفتى به - عندهم ، والحنابلة ، وهو رواية عند الشّافعيّة أنّ بيت الزّوجيّة يكون بقدر حال الزّوجين في اليسار والإعسار ، فليس مسكن الأغنياء كمسكن الفقراء ، لقوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف } فقوله بالمعروف يقتضي مراعاة حال الزّوجين ، ولأنّ بيت الزّوجيّة - في الأصل - بيت دوامٍ واستقرارٍ ، فجرى مجرى النّفقة والكسوة ، ويراعي الحاكم حالهما عند التّنازع . ويرى المالكيّة : أنّ " محلّ الطّاعة " يكون حسب العادة الجارية بين أهل بلد الزّوجين بقدر وسع الرّجل وحال المرأة . فإن تساويا فقراً أو غنًى اعتبر حالهما ، وإن كان فقيراً لا قدرة له إلاّ على أدنى الكفاية ، فالعبرة بوسعه فقط . وإن كان غنيّاً ذا قدرٍ ، وهي فقيرة ، أجيبت لحالةٍ أعلى من حالها ودون حاله . وإن كانت غنيّةً ذات قدرٍ ، وهو فقير ، إلاّ أنّ له قدرةً على أرفع من حاله ، ولا قدرة له على حالها رفعها بالقضاء إلى الحالة الّتي يقدر عليها . ويرى الشّافعيّة على المعتمد عندهم : أنّ بيت الزّوجيّة يكون بما يليق بحال المرأة عادةً ، إذ هو إمتاع ، سواء كان داراً أو حجرةً أو غيرهما . وظاهر الرّواية عند الحنفيّة : اعتبار حال الزّوج فقط ، لقوله تعالى : { أسكنوهنّ من حيث سكنتم من وجدكم } وهو خطاب للأزواج ، وبه قال جمع كثير منهم ، ونصّ عليه محمّد . وكذا في قولٍ ثالثٍ للشّافعيّة : أنّ مسكن الطّاعة يكون على قدر يسار الزّوج وإعساره وتوسّطه كالنّفقة .
شروط بيت الزّوجيّة :
3 - يرى الفقهاء أنّ بيت الزّوجيّة يراعى فيه ما يأتي :
أ - أن يكون خالياً عن أهل الزّوج ، سوى طفله غير المميّز ، لأنّ المرأة تتضرّر بمشاركة غيرها في بيت الزّوجيّة الخاصّ بها ، ولا تأمن على متاعها ، ويمنعها ذلك من معاشرة زوجها ، وهذا بالنّسبة إلى بيت الزّوجيّة متّفق عليه بين الفقهاء . أمّا سكنى أقارب الزّوج أو زوجاته الأخريات في الدّار الّتي فيها بيت الزّوجيّة ، إذا لم ترض بسكناهم معها فيها ، فقد قال الحنفيّة : إنّه إذا كان لها بيت منفرد في الدّار له غلق ومرافق خاصّة كفاها ، ومقتضاه أنّه ليس لها الاعتراض حينئذٍ على سكنى أقاربه في بقيّة الدّار ، إن لم يكن أحد منهم يؤذيها . وقالوا أيضاً : له أن يسكن ضرّتها حينئذٍ في الدّار ما لم تكن المرافق مشتركةً ، لأنّ هذا سبب للتّخاصم . ومثله في الجملة مذهب الشّافعيّة . وفي قولٍ عند بعض الحنفيّة ارتضاه ابن عابدين : أنّه يفرّق بين الشّريفة والوضيعة ، ففي الشّريفة ذات اليسار لا بدّ من إفرادها في دارٍ ، ومتوسّطة الحال يكفيها بيت واحد من دارٍ . وبنحو هذا قال المالكيّة على تفصيلٍ ذكروه ، كما نصّ عليه صاحب الشّرح الكبير ، قال : للزّوجة الامتناع من أن تسكن مع أقارب الزّوج كأبويه في دارٍ واحدةٍ ، لما فيه من الضّرر عليها باطّلاعهم على حالها ، إلاّ الوضيعة فليس لها الامتناع من السّكنى معهم ، وكذا الشّريفة إن اشترطوا عليها سكناها معهم . ومحلّ ذلك فيما لم يطّلعوا على عوراتها . ونصّ المالكيّة أيضاً على أنّ له أن يسكن معها ولده الصّغير من غيرها ، إن كانت عالمةً به وقت البناء ، أو لم يكن له حاضن غير أبيه ، وإن لم تعلم به وقت البناء . وقال الحنابلة : إن أسكن زوجتيه في دارٍ واحدةٍ ، كلّ واحدةٍ منهما في بيتٍ ، جاز إذا كان بيت كلّ واحدةٍ منهما كمسكن مثلها ، وهذا يقتضي أنّه إذا كان مسكن مثلها داراً مستقلّةً فيلزم الزّوج ذلك . أمّا خادم الزّوج أو الزّوجة : سواء من جهتها أو من جهة الزّوج ، فيجوز سكناه في الدّار ، لأنّ نفقته واجبة على الزّوج ، ولا يكون الخادم إلاّ ممّن يجوز نظره إلى الزّوجة كالمرأة الحرّة .
ب - أن يكون خالياً من سكنى ضرّتها ، لما بينهما من الغيرة ، واجتماعهما يثير الخصومة والمشاجرة ، إلاّ إن رضيتا بسكناهما معاً ، لأنّ الحقّ لهما ، ولهما الرّجوع بعدئذٍ .
ج - أن يكون بين جيرانٍ صالحين ، وهم من تقبل شهادتهم ، وذلك لتأمن فيه على نفسها ومالها ، ومفاده أنّ البيت بلا جيرانٍ ليس مسكناً شرعيّاً ، إن كانت لا تأمن فيه على نفسها ومالها .
د - أن يكون مشتملاً على جميع ما يلزم لمعيشة أمثالهما عادةً على ما تقدّم ، وعلى جميع ما يحتاج إليه من المرافق اللّازمة .
سكنى الطّفل الرّضيع في بيت الزّوجيّة :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ المرأة إذا تعيّن عليها إرضاع طفلها ، أو كانت آجرت نفسها للإرضاع ، وهي غير متزوّجةٍ ، ثمّ تزوّجت ، فليس للزّوج فسخ عقد الإرضاع ، وكذلك ليس له الفسخ إذا أذن لها ، وفي هاتين الحالتين لها أن تسكن الرّضيع معها في بيت الزّوجيّة .
ما يجيز للزّوجة الخروج من بيت الزّوجيّة : الأصل أنّه ليس للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة إلاّ بإذن زوجها ، إلاّ في حالاتٍ خاصّةٍ . وقد اختلف الفقهاء في تلك الحالات ، وأهمّها :
أ - زيارة أهلها :
5 - الرّاجح عند الحنفيّة : إنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة لزيارة أبويها كلّ أسبوعٍ ، أو زيارة المحارم كلّ سنةٍ ، وإن لم يأذن زوجها . ولها الخروج لعيادة والديها وحضور جنازتهما أو أحدهما . وعن أبي يوسف : تقييد خروج المرأة من بيت الزّوجيّة لزيارة أبويها كلّ جمعةٍ بأن لا يقدرا على زيارتها ، فإن قدرا لا تذهب . وأجاز المالكيّة : للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة لزيارة والديها ، ويقضى لها بزيارتهما مرّةً كلّ أسبوعٍ ، إن كانت مأمونةً ولو شابّةً ، وحالها محمول على الأمانة حتّى يظهر خلافها . وإن حلف : أن لا تزور والديها يحنث في يمينه ، بأن يحكم لها القاضي بالخروج للزّيارة ، فإذا خرجت بالفعل حنث ، وهذا على فرض أنّ والديها بالبلد ، لا إن بعدا عنها فلا يقضى لها ، وليس لها أن تخرج لزيارتهما إن حلف باللّه أنّها لا تخرج ، وأطلق - بحيث لم يخصّ منعها من الزّيارة بل منعها من الخروج أصلاً - لفظاً ونيّةً ، ولا يقضى عليه بخروجها ولو لزيارة والديها إذا طلبتها ، لأنّه في حال التّخصيص يظهر منه قصد ضررها ، فلذا حنث ، بخلاف حال التّعميم فإنّه لم يظهر منه قصد الضّرر ، فلذا لا يقضى عليه بخروجها ولا يحنث . وإن لم تكن مأمونةً ، لم تخرج ولو متجالّةً ، أو مع أمينةٍ ، لتطرّق فسادها بالخروج . وجوّز الشّافعيّة خروج المرأة لزيارة أهلها ولو محارم - على المعتمد عندهم - حيث لا ريبة ، وكذا عيادتهم ، وتشييع جنازتهم ، ولو في غيبة الزّوج من غير إذنٍ ، أو منع قبل غيبته ، فلو منعها قبل غيبةٍ فليس لها الخروج ، والمراد خروج لغير سفرٍ وغيبةٍ عن البلد . وأجاز الحنابلة للمرأة الخروج لزيارة والديها بإذن زوجها ، وليس لها الخروج بلا إذنه ، لأنّ حقّ الزّوج واجب فلا يجوز تركه بما ليس بواجبٍ مهما كان سبب الزّيارة ، ولا تخرج بغير إذنه إلاّ لضرورةٍ ، ولا يملك الزّوج منعها من زيارتهما إلاّ مع ظنّ حصول ضررٍ يعرف بقرائن الأحوال بسبب زيارتهما لها ، فله منعهما حينئذٍ من زيارتها دفعاً للضّرر .
ب - سفر المرأة والمبيت خارج بيت الزّوجيّة :
6 - يرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة لأداء الحجّة المفروضة ، ولا يجوز للزّوج منعها لأنّ الحجّ فرض بأصل الشّرع ، ولا يملك تحليلها إذا أحرمت بإذنه بحجٍّ غير مفروضٍ ، لوجوب إتمامه بشروعها فيه . ويرى الشّافعيّة جواز خروج المرأة للحجّ بإذن الزّوج ، إذ ليس للمرأة الحجّ إلاّ بإذن الزّوج للفرض وغيره .
ج - الاعتكاف :
7 - يرى الفقهاء جواز خروج المرأة من بيت الزّوجيّة بإذن زوجها للاعتكاف في المسجد مطلقاً ، والمكث فيه مدّته .
د - رعاية المحارم :
8 - ذهب جمهور الفقهاء - خلافاً للحنابلة - إلى أنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة لرعاية محارمها ، كأبويها وإخوتها ، وذلك لتمريض المريض أو عيادته ، إذا لم يوجد من يقوم عليه واحتاجها ، وعليها تعاهده بقدر احتياجه ، وكذا إذا مات أحد من أقاربها تخرج لشهود جنازته ، ويستحبّ لزوجها إذنها بالخروج ، لما في ذلك من صلة الرّحم ، وفي منعها من ذلك قطيعة رحمٍ ، وربّما حملها عدم إذنه على مخالفته ، وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى بالمعاشرة بالمعروف ، فلا ينبغي للزّوج منعها . ولم يصرّح الحنابلة بحكم هذه الصّور .
هـ - الخروج لقضاء الحوائج :
9 - يرى جمهور الفقهاء أنّه يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة بلا إذن الزّوج إن كانت لها نازلة ، ولم يغنها الزّوج الثّقة أو نحو محرمها ، وكذا لقضاء بعض حوائجها الّتي لا بدّ لها منها ، كإتيانها بالماء من الدّار ، أو من خارجها ، وكذا مأكل ، ونحو ذلك ممّا لا غناء عنه للضّرورة إن لم يقم الزّوج بقضائه لها ، وكذا إن ضربها ضرباً مبرّحاً ، أو كانت تحتاج إلى الخروج لقاضٍ تطلب عنده حقّها . وصرّح الحنفيّة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن كان البيت مغصوباً ، لأنّ السّكنى في المغصوب حرام ، والامتناع عن الحرام واجب ، ولا تسقط نفقتها . وكذا لو أبت الذّهاب إليه . وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة للعمل إن أجاز لها زوجها ذلك ، لأنّ الحقّ لهما لا يخرج عنهما ، ولها الخروج للإرضاع إن كانت آجرت نفسها له قبل عقد النّكاح ثمّ تزوّجت ، لصحّة الإجارة ، ولا يملك الزّوج فسخها ، ولا منعها من الرّضاع حتّى تنقضي المدّة ، لأنّ منافعها ملكت بعقدٍ سابقٍ على نكاح الزّوج مع علمه بذلك . وصرّح الشّافعيّة بأنّ للمرأة أن تخرج من بيت الزّوجيّة إن كانت تخاف على نفسها أو مالها من فاسقٍ أو سارقٍ ، أو أخرجها معير المنزل ، كما صرّح الشّافعيّة بأنّ لها الخروج والسّفر بإذن الزّوج مطلقاً مع محرمٍ . وصرّح الحنفيّة والشّافعيّة أنّه يجوز للمرأة الخروج من بيت الزّوجيّة ولو بغير إذن الزّوج ، إن كانت في منزلٍ أضحى كلّه أو بعضه يشرف على الانهدام ، مع وجود قرينةٍ على ذلك . ولها الخروج إلى مجلس العلم برضا الزّوج ، وليس لها ذلك بغير رضاه .
ما يترتّب على رفض الزّوجة الإقامة في بيت الزّوجيّة :
10 - يرى الفقهاء أنّ المرأة إذا امتنعت عن الإقامة في بيت الزّوجيّة بغير حقٍّ ، سواء أكان بعد خروجها منه ، أم امتنعت عن أن تجيء إليه ابتداءً بعد إيفائها معجّل مهرها ، وطلب زوجها الإقامة فيه ، فلا نفقة لها ولا سكنى حتّى تعود إليه ، لأنّها بالامتناع قد فوّتت حقّ الزّوج في الاحتباس الموجب للنّفقة ، فتكون ناشزاً .
بيت المال
التّعريف
1 - بيت المال لغةً : هو المكان المعدّ لحفظ المال ، خاصّاً كان أو عامّاً . وأمّا في الاصطلاح : فقد استعمل لفظ " بيت مال المسلمين ، أو " بيت مال اللّه " في صدر الإسلام للدّلالة على المبنى والمكان الّذي تحفظ فيه الأموال العامّة للدّولة الإسلاميّة من المنقولات ، كالفيء وخمس الغنائم ونحوها ، إلى أن تصرف في وجوهها . ثمّ اكتفي بكلمة " بيت المال " للدّلالة على ذلك ، حتّى أصبح عند الإطلاق ينصرف إليه . وتطوّر لفظ " بيت المال " في العصور الإسلاميّة اللّاحقة إلى أن أصبح يطلق على الجهة الّتي تملك المال العامّ للمسلمين ، من النّقود والعروض والأراضي الإسلاميّة وغيرها . والمال العامّ هنا : هو كلّ مالٍ ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين ، ولم يتعيّن مالكه ، بل هو لهم جميعاً . قال القاضي الماورديّ والقاضي أبو يعلى : كلّ مالٍ استحقّه المسلمون ، ولم يتعيّن مالكه منهم ، فهو من حقوق بيت المال . ثمّ قال : وبيت المال عبارة عن الجهة لا عن المكان . أمّا خزائن الأموال الخاصّة للخليفة أو غيره فكانت تسمّى " بيت مال الخاصّة » .
2 - وينبغي عدم الخلط بين ( ديوان بيت المال ) ( وبيت المال ) فإنّ ديوان بيت المال هو الإدارة الخاصّة بتسجيل الدّخل والخرج والأموال العامّة . وهو عند الماورديّ وأبي يعلى : أحد دواوين الدّولة ، فقد كانت في عهدهما أربعة دواوين : ديوان يختصّ بالجيش . وديوان يختصّ بالأعمال ، وديوان يختصّ بالعمّال ، وديوان يختصّ ببيت المال . وليس للدّيوان سلطة التّصرّف في أموال بيت المال ، وإنّما عمله قاصر على التّسجيل فقط . والدّيوان في الأصل بمعنى ( السّجلّ ) أو ( الدّفتر ) وكان في أوّل الإسلام عبارةً عن الدّفتر الّذي تثبت فيه أسماء المرتزقة ( من لهم رزق في بيت المال ) ثمّ تنوّع بعد ذلك ، كما سبق . ومن واجبات كاتب الدّيوان أن يحفظ قوانين بيت المال على الرّسوم العادلة ، من غير زيادةٍ تتحيّف بها الرّعيّة ، أو نقصانٍ ينثلم به حقّ بيت المال . وعليه فيما يختصّ ببيت المال أن يحفظ قوانينه ورسومه ، وقد حصر القاضيان الماورديّ وأبو يعلى أعماله في ستّة أمورٍ ، نذكرها باختصارٍ :
أ - تحديد العمل بما يتميّز به عن غيره ، وتفصيل نواحيه الّتي تختلف أحكامها .
ب - أن يذكر حال البلد ، هل فتحت عنوةً أو صلحاً ، وما استقرّ عليه حكم أرضها من عشرٍ أو خراجٍ بالتّفصيل .
ج - أن يذكر أحكام خراج البلد وما استقرّ على أراضيه ، هل هو خراج مقاسمةٍ ، أم خراج وظيفةٍ ( دراهم معلومة موظّفة على الأرض ) .
د - أن يذكر ما في كلّ ناحيةٍ من أهل الذّمّة ، وما استقرّ عليهم في عقد الجزية .
هـ - إن كان البلد من بلدان المعادن ، يذكر أجناس معادنه ، وعدد كلّ جنسٍ ، ليعلم ما يؤخذ ممّا ينال منه .
و - إن كان البلد يتاخم دار الحرب ، وكانت أموالهم إذا دخلت دار الإسلام تعشّر عن صلحٍ استقرّ معهم ، أثبت في الدّيوان عقد صلحهم وقدر المأخوذ منهم . نشأة بيت المال في الإسلام :
3 - تشير بعض المصادر إلى أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه كان أوّل من اتّخذ بيت المال . نقل ذلك ابن الأثير . غير أنّ كثيراً من المصادر تذكر أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان قد اتّخذ بيت مالٍ للمسلمين . ففي الاستيعاب لابن عبد البرّ وتهذيب التّهذيب لابن حجرٍ في ترجمة معيقيبٍ بن أبي فاطمة : استعمله أبو بكرٍ وعمر على بيت المال . بل ذكر ابن الأثير في موضعٍ آخر : أنّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان له بيت مالٍ بالسّنح ( من ضواحي المدينة ) وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة . فقيل له : ألا نجعل عليه من يحرسه ؟ قال : لا . فكان ينفق ما فيه على المسلمين ، فلا يبقى فيه شيء ، فلمّا انتقل إلى المدينة جعل بيت المال في داره . ولمّا توفّي أبو بكرٍ جمع عمر الأمناء ، وفتح بيت المال ، فلم يجدوا فيه غير دينارٍ سقط من غرارةٍ ، فترحموا عليه . وقال : وأمر أبو بكرٍ أن يردّ جميع ما أخذ من بيت المال لنفقته بعد وفاته . وفي كتاب الخراج لأبي يوسف أنّ خالد بن الوليد - في عهده لأهل الحيرة زمن أبي بكرٍ رضي الله عنه - كتب لهم : وجعلت لهم أيّما شيخٍ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة ، أو كان غنيّاً فافتقر وصار أهل دينه يتصدّقون عليه ، طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام ... وشرطت عليهم جباية ما صالحتهم عليه ، حتّى يؤدّوه إلى بيت مال المسلمين عمّا لهم منهم .
4 - أمّا النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلا تذكر السّنّة وغيرها من المراجع - فيما اطّلعنا عليه - استعمال هذه التّسمية " بيت المال " في عهده صلى الله عليه وسلم . ولكن يظهر من كثيرٍ من الأحاديث الواردة أنّ بعض وظائف بيت المال كانت قائمةً ، فإنّ الأموال العامّة من الفيء ، وأخماس الغنائم ، وأموال الصّدقات ، وما يهيّأ للجيش من السّلاح والعتاد ونحو ذلك ، كلّ ذلك كان يضبطه الكتّاب وكان يخزّن إلى أن يحين موعد إخراجه . أمّا فيما بعد عهد عمر رضي الله عنه فقد استمرّ بيت المال يؤدّي دوره طيلة العهود الإسلاميّة إلى أن جاءت النّظم المعاصرة ، فاقتصر دوره في الوقت الحاضر - في بعض البلاد الإسلاميّة - على حفظ الأموال الضّائعة ومال من لا وارث له ، وقام بدوره في غير ذلك وزارات الماليّة والخزانة .
سلطة التّصرّف في أموال بيت المال :
5 - سلطة التّصرّف في بيت مال المسلمين للخليفة وحده أو من ينيبه . وذلك لأنّ الإمام نائب عن المسلمين فيما لم يتعيّن المتصرّف فيه منهم . وكلّ من يتصرّف في شيءٍ من حقوق بيت المال فلا بدّ أن يستمدّ سلطته في ذلك من سلطة الإمام . ويجب - وهو ما جرت عليه العادة - أن يولّي الخليفة على بيت المال رجلاً من أهل الأمانة والقدرة . وكان المتصرّف في بيت المال بإنابة الخليفة يسمّى " صاحب بيت المال " وإنّما يتصرّف فيه طبقاً لما يحدّده الخليفة من طرق الصّرف . وكون الحقّ في التّصرّف في أموال بيت المال للخليفة ليس معناه أن يتصرّف فيها طبقاً لما يشتهي ، كما يتصرّف في ماله الخاصّ ، فإن كان يفعل ذلك قيل : إنّ بيت المال قد فسد ، أو أصبح غير منتظمٍ ، ويستتبع ذلك أحكاماً خاصّةً يأتي بيانها ، بل ينبغي أن يكون تصرّفه في تلك الأموال كتصرّف وليّ اليتيم في مال اليتيم ، كما قال عمر بن الخطّاب رضي الله عنه : إنّي أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة وليّ اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت . ويعني ذلك أن يتصرّف في المال بالّذي يرى أنّه خير للمسلمين وأصلح لأمرهم ، دون التّصرّف بالتّشهّي والهوى والأثرة . وبيّن القاضي أبو يعلى أنّ ما يلزم الإمام من أمور الأمّة عشرة أشياء ، منها : جباية الفيء والصّدقات على ما أوجبه الشّرع . ومنها تقدير العطاء وما يستحقّ في بيت المال من غير سرفٍ ولا تقصيرٍ ، ودفعه في وقتٍ لا تقديم فيه ولا تأخير . وله أن يعطي الجوائز من بيت المال لمن كان فيه نفع ظاهر للمسلمين ، وقوّة على العدوّ ، ونحو ذلك ممّا فيه المصلحة . وقد كانت العادة في صدر الدّولة الإسلاميّة أنّ العامل ( أي الوالي ) على بلدٍ أو إقليمٍ ، ينوب عن الإمام بتفويضٍ منه في الجباية لبيت المال والإنفاق منه ، وكان المفترض فيه أن يتصرّف على الوجه الشّرعيّ المعتبر . ولم يكن ذلك للقضاة . وربّما كان صاحب بيت المال في بعض الأمصار يتّبع الخليفة مباشرةً ، مستقلّاً عن عامل المصر .
موارد بيت المال :
6 - موارد بيت المال الأصناف التّالية ، وأمّا صفة اليد على كلٍّ منها فإنّها مختلفة ، كما سنبيّنه فيما بعد .
أ - الزّكاة بأنواعها ، الّتي يأخذها الإمام سواء أكانت زكاة أموالٍ ظاهرةٍ أم باطنةٍ ، من السّوائم والزّروع والنّقود والعروض ، ومنها عشور تجّار المسلمين إذا مرّوا بتجارتهم على العاشر . ب - خمس الغنائم المنقولة . والغنيمة هي كلّ مالٍ أخذ من الكفّار بالقتال ، ما عدا الأراضي والعقارات ، فيورّد خمسها لبيت المال ، ليصرف في مصارفه . قال اللّه تعالى : { واعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فأنّ للّه خمسه وللرّسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل ... } الآية .
ج - خمس الخارج من الأرض من المعادن من الذّهب والفضّة والحديد وغيرها ، وقيل : مثلها المستخرج من البحر من لؤلؤٍ وعنبرٍ وسواهما .
د - خمس الرّكاز ( الكنوز ) وهو كلّ مالٍ دفن في الأرض بفعل الإنسان ، والمراد هنا كنوز أهل الجاهليّة والكفر إذا وجده مسلم ، فخمسه لبيت المال ، وباقيه بعد الخمس لواجده .
هـ - الفيء : وهو كلّ مالٍ منقولٍ أخذ من الكفّار بغير قتالٍ ، وبلا إيجاف خيلٍ ولا ركابٍ . والفيء أنواع : ( 1 ) ما جلا عنه الكفّار خوفاً من المسلمين من الأراضي والعقارات ، وهي توقف كالأراضي المغنومة بالقتال ، وتقسّم غلّاتها كلّ سنةٍ ، نصّ عليه الشّافعيّة . وفي ذلك خلاف ( انظر : فيء ) . ( 2 ) ما تركوه وجلوا عنه من المنقولات . وهو يقسّم في الحال ولا يوقف . ( 3 ) ما أخذ من الكفّار من خراجٍ أو أجرةٍ عن الأراضي الّتي ملكها المسلمون ، ودفعت بالإجارة لمسلمٍ أو ذمّيٍّ ، أو عن الأراضي الّتي أقرّت بأيدي أصحابها من أهل الذّمّة صلحاً أو عنوةً على أنّها لهم ، ولنا عليها الخراج . ( 4 ) الجزية وهي : ما يضرب على رقاب الكفّار لإقامتهم في بلاد المسلمين . فيفرض على كلّ رأسٍ من الرّجال البالغين القادرين مبلغ من المال ، أو يضرب على البلد كلّها أن تؤدّي مبلغاً معلوماً . ولو أدّاها من لا تجب عليه كانت هبةً لا جزيةً . ( 5 ) عشور أهل الذّمّة ، وهي : ضريبة تؤخذ منهم عن أموالهم الّتي يتردّدون بها متاجرين إلى دار الحرب ، أو يدخلون بها من دار الحرب إلى دار الإسلام ، أو ينتقلون بها من بلدٍ في دار الإسلام إلى بلدٍ آخر ، تؤخذ منهم في السّنة مرّةً ، ما لم يخرجوا من دار الإسلام ، ثمّ يعودوا إليها . ومثلها عشور أهل الحرب من التّجّار كذلك ، إذا دخلوا بتجارتهم إلينا مستأمنين . ( 6 ) ما صولح عليه الحربيّون من مالٍ يؤدّونه إلى المسلمين . ( 7 ) مال المرتدّ إن قتل أو مات ، ومال الزّنديق إن قتل أو مات ، فلا يورث مالهما بل هو فيء ، وعند الحنفيّة في مال المرتدّ تفصيل . ( 8 ) مال الذّمّيّ إن مات ولا وارث له ، وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء كذلك . ( 9 ) الأراضي المغنومة بالقتال ، وهي الأراضي الزّراعيّة عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين .
و - غلّات أراضي بيت المال وأملاكه ونتاج المتاجرة والمعاملة .
ز - الهبات والتّبرّعات والوصايا الّتي تقدّم لبيت المال للجهاد أو غيره من المصالح العامّة . ح - الهدايا الّتي تقدّم إلى القضاة ممّن لم يكن يهدى لهم قبل الولاية ، أو كان يهدى لهم لكن له عند القاضي خصومة ، فإنّها إن لم تردّ إلى مهديها تردّ إلى بيت المال . لأنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ من ابن اللّتبيّة ما أهدي إليه } . وكذلك الهدايا الّتي تقدّم إلى الإمام من أهل الحرب ، والهدايا الّتي تقدّم إلى عمّال الدّولة ، وهذا إن لم يعط الآخذ مقابلها من ماله الخاصّ . ط - الضّرائب الموظّفة على الرّعيّة لمصلحتهم ، سواء أكان ذلك للجهاد أم لغيره ، ولا تضرب عليهم إلاّ إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي لذلك ، وكان لضرورةٍ ، وإلاّ كانت مورداً غير شرعيٍّ . ي - الأموال الضّائعة ، وهي مال وجد ولم يمكن معرفة صاحبه ، من لقطةٍ أو وديعةٍ أو رهنٍ ، ومنه ما يوجد مع اللّصوص ونحوهم ممّا لا طالب له ، فيورّد إلى بيت المال . ك - مواريث من مات من المسلمين بلا وارثٍ ، أو له وارث لا يرث كلّ المال - عند من لا يرى الرّدّ - ومن قتل وكان بلا وارثٍ فإنّ ديته تورّد إلى بيت المال ، ويصرف هذا في مصارف الفيء . وحقّ بيت المال في هذا النّوع هو على سبيل الميراث عند الشّافعيّة والمالكيّة أي على سبيل العصوبة . وقال الحنابلة والحنفيّة : يردّ إلى بيت المال فيئاً لا إرثاً ( ر : إرث ) . ل - الغرامات والمصادرات : وقد ورد في السّنّة تغريم مانع الزّكاة بأخذ شطر ماله ، وبهذا يقول إسحاق بن راهويه وأبو بكرٍ عبد العزيز ، وورد تغريم من أخذ من الثّمر المعلّق وخرج به ضعف قيمته ، وبهذا يقول الحنابلة وإسحاق بن راهويه : والظّاهر أنّ مثل هذه الغرامات إذا أخذت تنفق في المصالح العامّة ، فتكون بذلك من حقوق بيت المال . وورد أنّ عمر رضي الله عنه صادر شطر أموال بعض الولاة ، لمّا ظهر عليهم الإثراء بسبب أعمالهم ، فيرجع مثل ذلك إلى بيت المال أيضاً .