عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 05-11-2012, 11:02 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

البلوغ بالسّنّ :
20 - جعل الشّارع البلوغ أمارةً على أوّل كمال العقل ، لأنّ الاطّلاع على أوّل كمال العقل متعذّر ، فأقيم البلوغ مقامه . والبلوغ بالسّنّ : يكون عند عدم وجود علامةٍ من علامات البلوغ قبل ذلك ، واختلف الفقهاء في سنّ البلوغ . فيرى الشّافعيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة : أنّ البلوغ بالسّنّ يكون بتمام خمس عشرة سنةً قمريّةً للذّكر والأنثى ، كما صرّح الشّافعيّة بأنّها تحديديّة ، لخبر ابن عمر { عرضت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ ، وأنا ابن أربع عشرة سنةً فلم يجزني ، ولم يرني بلغت ، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنةً فأجازني ، ورآني بلغت } . قال الشّافعيّ : ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سبعة عشر من الصّحابة ، وهم أبناء أربع عشرة سنةً ، لأنّه لم يرهم بلغوا ، ثمّ عرضوا عليه وهم من أبناء خمس عشرة فأجازهم ، منهم : زيد بن ثابتٍ ورافع بن خديجٍ وابن عمر . ويرى المالكيّة أنّ البلوغ يكون بتمام ثماني عشرة سنةً ، وقيل بالدّخول فيها ، وقد أورد الحطّاب خمسة أقوالٍ في المذهب ، ففي روايةٍ : ثمانية عشر ، وقيل : سبعة عشر ، وزاد بعض شرّاح الرّسالة : ستّة عشرة ، وتسعة عشر ، وروي عن ابن وهبٍ خمسة عشر ، لحديث ابن عمر السّابق . ويرى أبو حنيفة : أنّ البلوغ بالسّنّ للغلام هو بلوغه ثماني عشرة سنةً ، والجارية سبع عشرة سنةً لقوله تعالى : { ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالّتي هي أحسن حتّى يبلغ أشدّه } قال ابن عبّاسٍ رضي الله عنه : الأشدّ ثماني عشرة سنةً . وهي أقلّ ما قيل فيه ، فأخذ به احتياطاً ، هذا أشدّ الصّبيّ ، والأنثى أسرع بلوغاً فنقصت سنةً .

السّنّ الأدنى للبلوغ الّذي لا تصحّ دعوى البلوغ قبله :
21 - السّنّ الأدنى للبلوغ في الذّكر : عند المالكيّة والشّافعيّة باستكمال تسع سنين قمريّةٍ بالتّمام ، وفي وجهٍ آخر للشّافعيّة : مضيّ نصف التّاسعة ، ذكره النّوويّ في شرح المهذّب . وعند الحنفيّة : اثنتا عشرة سنةً . وعند الحنابلة : عشر سنين . ويقبل إقرار الوليّ بأنّ الصّبيّ بلغ بالاحتلام ، إذا بلغ عشر سنين . والسّنّ الأدنى للبلوغ في الأنثى : تسع سنين قمريّةٍ عند الحنفيّة ، والشّافعيّة على الأظهر عندهم ، وكذا الحنابلة لأنّه أقلّ سنٍّ تحيض له المرأة ، ولحديث : { إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة } والمراد حكمها حكم المرأة ، وفي روايةٍ للشّافعيّة : نصف التّاسعة ، وقيل : الدّخول في التّاسعة ، ولأنّ هذا أقلّ سنٍّ لحيض الفتاة . والسّنّ الأدنى للبلوغ في الخنثى : تسع سنين قمريّةٍ بالتّمام ، وقيل نصف التّاسعة ، وقيل : الدّخول فيها .

إثبات البلوغ : يثبت البلوغ بالطّرق الآتية : الطّريق الأولى : الإقرار :
22 - تتّفق كلمة الفقهاء في المذاهب الأربعة على أنّ الصّغير إذا كان مراهقاً ، وأقرّ بالبلوغ بشيءٍ من العلامات الطّبيعيّة الّتي تخفى عادةً ، كالإنزال والاحتلام والحيض ، يصحّ إقراره ، وتثبت له أحكام البالغ فيما له وما عليه . قال المالكيّة : يقبل قوله في البلوغ نفياً وإثباتاً ، طالباً أو مطلوباً . فالطّالب كمن ادّعى البلوغ ليأخذ سهمه في الغنيمة ، أو ليؤمّ النّاس ، أو ليكمل العدد في صلاة الجمعة . والمطلوب كجانٍ ادّعى عدم البلوغ ليدرأ عن نفسه الحدّ أو القصاص أو الغرامة في إتلاف الوديعة ، وكمطلّقٍ ادّعى عدم البلوغ عند الطّلاق ، لئلاّ يقع عليه الطّلاق . ويشترط لقبول قوله أن يكون قد جاوز السّنّ الأدنى للبلوغ ، بل لا تقبل البيّنة ببلوغه قبل ذلك . فعند الحنفيّة : لا يقبل إقرار الصّبيّ قبل تمام اثني عشر عاماً ، وعند الحنابلة لا يقبل إقراره بذلك قبل تمام العاشرة ، وعند كليهما : لا يقبل إقرار الصّبيّة به قبل تمام التّاسعة ، ووجه صحّة الإقرار بالبلوغ : أنّه معنًى لا يعرف إلاّ من قبل الشّخص نفسه ، وفي تكليف الاطّلاع عليه عسر شديد ، ولا يكلّف البيّنة على ذلك . ولا يحلف أيضاً حتّى عند الخصومة ، فإن لم يكن في الحقيقة بالغاً فلا قيمة ليمينه ، لعدم الاعتداد بيمين الصّغير ، وإن كان بالغاً فيمينه تحصيل حاصلٍ ، وقد استثنى الشّافعيّة بعض الصّور يحلف فيها احتياطاً ، لكنّه يزاحم غيره في الحقوق ، كما لو طلب في الغنيمة سهم مقاتلٍ 23 - واشترط الفقهاء في المذاهب الأربعة لصحّة إقراره بذلك : أن لا يكون بحالٍ مريبةٍ ، أو كما عبّر الشّافعيّ رحمه الله : يقبل إن أشبه ، فإن لم يشبه لم يقبل ، ولو صدّقه أبوه . وعبّر الحنفيّة بقولهم إن لم يكذّبه الظّاهر ، بل يكون بحالٍ يحتلم مثله . والمراد أن يكون حال جسمه عند الإقرار حال البالغين ، ولا يشكّ في صدقه . هكذا أطلق فقهاء المذاهب - ما عدا المالكيّة - قبول قوله ، وفصّل المالكيّة فقالوا : إن ارتيب فيه يصدّق فيما يتعلّق بالجناية والطّلاق ، فلا يحدّ للشّبهة ، ولا يقع عليه الطّلاق استصحاباً لأصل الصّغر ، ولا يصدّق فيما يتعلّق بالمال ، فلو أقرّ بإتلاف الوديعة ، وأنّه بالغ ، فقال أبوه : إنّه غير بالغٍ ، فلا ضمان . وقد تعرّض بعض المالكيّة لقبول قول المراهقين في البلوغ إن ادّعياه بالإنبات . والفرق بين الإنبات وبين غيره من العلامات الطّبيعيّة الّتي ذكرت سابقاً : أنّه يسهل الاطّلاع عليه . وقد أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالكشف عمّن شكّ في بلوغه من غلمان بني قريظة . إلاّ أنّ كون العورة في الأصل يحرم كشفها ، دعا إلى قول الفقهاء إنّه يقبل قول الشّخص المشكوك فيه في نباتها وعدمه ، إلاّ أنّ ابن العربيّ المالكيّ خالف في ذلك وقال : إنّه ينبغي أن ينظر إليها ، ولكن لا ينظر مباشرةً بل من خلال المرآة . وردّ كلامه ابن القطّان من المالكيّة وقال : لا ينظر إليها مباشرةً ، ولا من خلال المرآة ، ويقبل كلامه إن ادّعى البلوغ بالإنبات .

البلوغ شرط للزوم الأحكام الشّرعيّة عند الفقهاء :
24 - ذهب الفقهاء إلى أنّ الشّارع ربط التّكليف بالواجبات والمحرّمات ولزوم آثار الأحكام في الجملة بشرط البلوغ ، واستدلّوا على ذلك بأدلّةٍ منها :
أ - قول اللّه تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الّذين من قبلهم } جعل البلوغ موجباً للاستئذان .
ب - ومنها قوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } جعل بلوغ النّكاح موجباً لارتفاع الولاية الماليّة عن اليتيم ، بشرط كونه راشداً .
ج - ومنها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ لمّا أرسله إلى اليمن : { خذ من كلّ حالمٍ ديناراً أو عدله معافريّاً } جعل الاحتلام موجباً للجزية .
د - ومنها ما حصل يوم قريظة ، من أنّ من اشتبهوا في بلوغه من الأسرى كان إذا أنبت قتل ، فإن لم يكن أنبت لم يقتل . فجعل الإنبات علامةً لجواز قتل الأسير .
هـ - ومنها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { لا يقبل اللّه صلاة حائضٍ إلاّ بخمارٍ } فجعل الحيض من المرأة موجباً لفساد صلاتها ، إن صلّت بغير خمارٍ .
و - ومنها حديث : { غسل يوم الجمعة واجب على كلّ محتلمٍ } بوّب عليه البخاريّ " باب بلوغ الصّبيان وشهادتهم " قال ابن حجرٍ : ويستفاد مقصود التّرجمة - يعني شهادة الصّبيان - بالقياس على بقيّة الأحكام من حيث تعلّق الوجوب بالاحتلام .
ز - ومنها حديث : { رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن الصّغير حتّى يكبر ... } جعل الخروج عن حدّ الصّغير موجباً لكتابة الإثم ، على من فعل ما يوجبه . فهذه الأدلّة وأمثالها - ممّا يأتي في شأن علامات البلوغ - تدلّ على أنّ الشّارع ربط التّكليف ولزوم الأحكام عامّةً بشرط البلوغ ، فمن اعتبر بالغاً بأيّ علامةٍ من علامات البلوغ فهو رجل تامّ أو امرأة تامّة ، مكلّف - إن كان عاقلاً - كغيره من الرّجال والنّساء ، يلزمه ما يلزمهم ، وحقّ له ما يحقّ لهم . وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك ، فقال ابن المنذر : وأجمعوا على أنّ الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل . وقال ابن حجرٍ : أجمع العلماء على أنّ الاحتلام في الرّجال والنّساء يلزم به العبادات والحدود وسائر الأحكام .

ما يشترط له البلوغ من الأحكام :
أ - ما يشترط لوجوبه البلوغ :
25 - التّكليف بالفرائض والواجبات وترك المحرّمات يشترط له البلوغ ، ولا تجب على غير البالغ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { رفع القلم عن ثلاثةٍ : عن الصّغير حتّى يكبر ... } الحديث ، وذلك كالصّلاة والصّوم والحجّ على أنّ في الزّكاة خلافاً . ومع هذا ينبغي لوليّ الصّغير أن يجنّبه المحرّمات ، وأن يأمره بالصّلاة ونحوها ليعتادها ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { مروا أبناءكم بالصّلاة لسبعٍ ، واضربوهم عليها لعشرٍ ، وفرّقوا بينهم في المضاجع } . ومع هذا إذا أدّاها الصّغير ، أو فعل المستحبّات تصحّ منه ، ويؤجر عليها . ولا يجب القصاص والحدود ، كحدّ السّرقة وحدّ القذف ولكن يجوز أن يؤدّب .

ب - ما يشترط لصحّته البلوغ :
26 - البلوغ شرط صحّةٍ في كلّ ما يشترط له تمام الأهليّة ، ومن ذلك : الولايات كلّها ، كالإمارة والقضاء والولاية على النّفس والشّهادة في الجملة . ومن ذلك التّصرّفات المتمحّضة للضّرر كالهبة والعاريّة والوقف والكفالة . ومن ذلك أيضاً : الطّلاق ، وما في معناه كالظّهار والإيلاء والخلع والعتق ، وكذلك النّذر . وينظر تفصيل كلّ ذلك في موطنه ، وفي مصطلح ( صغر ) .

ما يثبت بطروء البلوغ من الأحكام :
27 - من الصّعوبة بمكانٍ حصر جميع الأحكام الّتي تثبت بمجرّد طروء البلوغ ، وفيما يلي بعض الأمثلة للأحكام الّتي تثبت بمجرّد أن يحتلم الصّبيّ أو الصّبيّة ، أو يريا أيّة علامةٍ من علامات البلوغ : أوّلاً في باب الطّهارة : إعادة التّيمّم :
28 - عند الشّافعيّة والحنابلة إذا تيمّم ، وهو غير بالغٍ ، ثمّ بلغ بما لا ينقض الطّهارة كالسّنّ ، لزمه أن يعيد التّيمّم إن أراد أن يصلّي الفرض ، لأنّ تيمّمه قبل بلوغه كان لنافلةٍ ، إذ أنّه لو تيمّم للظّهر مثلاً فقد كانت في حقّه نافلةً ، فلا يستبيح به الفرض ، وهذا بخلاف من توضّأ أو اغتسل ثمّ بلغ ، لا يلزمه إعادتهما ، لأنّ الوضوء والغسل للنّافلة يرفعان الحدث من أصله . أمّا التّيمّم فهو مبيح وليس رافعاً ، والمشهور من مذهب المالكيّة كذلك : أنّه مبيح لا رافع . أمّا مذهب الحنفيّة ، وهو قول عند المالكيّة فهو أنّ التّيمّم رافع للحدث إلى وقت وجود الماء مع القدرة على استعماله ، وهذا يقتضي أن ليس على الصّبيّ إذا تيمّم ، ثمّ بلغ إعادة التّيمّم .

ثانياً - في باب الصّلاة :
29 - تجب على الصّبيّ أو الصّبيّة الصّلاة الّتي بلغ في وقتها إن لم يكن قد صلّاها إجماعاً ، حتّى المالكيّة - الّذين قالوا : يحرم تأخير الصّلاة إلى الوقت الضّروريّ ، أي للعصر في الجزء الآخر من وقتها ، والصّبح كذلك - قالوا : لو بلغ في الوقت الضّروريّ فعليه أن يصلّيها ، ولا حرمة عليه . 30 - ولو أنّه صلّى صلاة الوقت ، ثمّ بلغ قبل خروج وقتها ، لزمه إعادتها ، وذلك لأنّ الصّلاة الّتي صلّاها قبل البلوغ نفل في حقّه ، لعدم وجوبها عليه ، فلم تجزئه عن الواجب ، هذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . ونصّ المالكيّة أيضاً على أنّه لو صلّى الظّهر ، ثمّ بلغ قبل صلاة الجمعة ، تجب عليه الجمعة مع النّاس . وكذا إن صلّى الجمعة ، ثمّ بلغ ووجد جمعةً أخرى ، وجب عليه الإعادة معهم ، وإن فاتته الجمعة أعادها ظهراً ، لأنّ فعله الأوّل - ولو جمعةً - وقع نفلاً ، فلا يجزئ عن الفرض . أمّا مذهب الشّافعيّة ، فهو أنّه لا يلزم الصّبيّ الإعادة إذا بلغ في الوقت وقد صلّى ، قالوا : لأنّه أدّى وظيفة الوقت . ولو أنّه بلغ في أثناء الصّلاة يلزمه إتمام الصّلاة الّتي هو فيها ، ولا يجب عليه إعادتها ، بل تستحبّ . 31 - تجب عليه الصّلاة الّتي بلغ في وقتها ، كما تقدّم ، ويجب عليه مع ذلك أن يصلّي الصّلاة الّتي تجمع إلى الحاضرة قبلها ، فلو بلغ قبل أن تغرب الشّمس وجب عليه أن يصلّي الظّهر والعصر ، ولو بلغ قبل الفجر وجب عليه أن يصلّي المغرب والعشاء . قال ابن قدامة : روي هذا القول عن عبد الرّحمن بن عوفٍ وابن عبّاسٍ وطاووسٍ ومجاهدٍ والنّخعيّ والزّهريّ وربيعة ، وهو قول مالكٍ والشّافعيّ واللّيث وإسحاق وأبي ثورٍ وعامّة التّابعين ، إلاّ أنّ مالكاً قال : لا تجب الأولى إلاّ بإدراك ما يسع خمس ركعاتٍ أي الصّلاة الأولى منهما كاملةً وركعةً واحدةً على الأقلّ من الثّانية . وعند الحنابلة : لو أدرك ما يسع تكبيرة إحرامٍ فقد لزمته الصّلاتان . وعند الشّافعيّة : بإدراك ركعةٍ واحدةٍ . ووجه هذا القول : أنّ وقت الثّانية هو وقت للأولى حال العذر ، أي لأنّه يمكن في حال السّفر أو نحوه أن يؤخّر الظّهر إلى العصر ، والمغرب إلى العشاء ، فوقت العصر وقت للظّهر من وجهٍ ، وكذلك المغرب والعشاء ، فكأنّه بإدراكه وقت الثّانية مدرك للأولى أيضاً . وخالف في هذه المسألة الحنفيّة والثّوريّ والحسن البصريّ ، فرأوا أنّه يصلّي الصّلاة الّتي بلغ في وقتها فقط .

ثالثاً - الصّوم :
32 - إن بيّت الصّبيّ الصّوم في رمضان ، ثمّ بلغ أثناء النّهار وهو صائم ، فإنّه يجب عليه إتمام صومه بغير خلافٍ ، لأنّه - كما قال الرّمليّ الشّافعيّ - صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة ، فأشبه ما لو دخل البالغ في صوم تطوّعٍ ، ثمّ نذر إتمامه . فإن صام في تلك الحال فلا قضاء عليه إلاّ في وجهٍ عند الحنابلة . أمّا إن بيّت الإفطار ، ثمّ بلغ أثناء النّهار ، فقد اختلف الفقهاء في ذلك في موضعين : في حكم الإمساك بقيّة النّهار ، وفي حكم قضاء ذلك اليوم . 33 - فأمّا الإمساك فقد اختلفوا فيه : فذهب الحنفيّة والحنابلة - وهو قول لدى الشّافعيّة - إلى أنّه يجب عليه الإمساك بقيّة اليوم ، لإدراكه وقت الإمساك ، وإن لم يدرك وقت الصّوم . واحتجّوا بما ورد في فرض عاشوراء - قبل أن ينسخ بفرض رمضان - فقد قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { من كان منكم أصبح مفطراً فليمسك بقيّة يومه ، ومن كان أصبح صائماً فليتمّ صومه } قالوا : والأمر يقتضي الوجوب ، وذلك لحرمة الشّهر . وذهب الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - إلى أنّ الإمساك في تلك الحال مستحبّ ، وليس واجباً . وإنّما استحبّوه لحرمة الوقت . ولم يجب الإمساك في تلك الحال ، لأنّه أفطر بعذرٍ هو الصّغر ، فأشبه المسافر إذا قدم ، والمريض إذا برأ . وذهب المالكيّة إلى أنّ الإمساك حينئذٍ لا يجب ولا يستحبّ ، ككلّ صاحب عذرٍ يباح لأجله الفطر . 34 - وأمّا القضاء قد اختلفوا فيه كذلك : فذهب الشّافعيّة - في قولٍ - إلى أنّ القضاء واجب ، وفصّل الحنابلة بين من أصبح مفطراً ، ثمّ بلغ في أثناء النّهار ، فالقضاء واجب عليه ، لأنّه أدرك جزءاً من وقت الوجوب ، ولا يمكن فعله إلاّ بصومٍ كاملٍ . وبين من بيّت الصّوم من اللّيل ، وأصبح صائماً ثمّ بلغ ، فلا قضاء عليه ، خلافاً لأبي الخطّاب منهم . وقال الحنفيّة والمالكيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ عندهم : لا يجب القضاء لعدم تمكّنه من زمنٍ يسع الكلّ . وفرّقوا بين ذلك وبين الصّلاة ، إذ يجب فعلها لمن بلغ في الوقت ، لأنّ السّبب فيها الجزء المتّصل بأدائها ، فوجدت الأهليّة عنده ، وأمّا الصّوم فالسّبب فيه الجزء الأوّل والأهليّة منعدمة فيه ، وبهذا علّله الحنفيّة . هذا وقد ورد في المغني أنّ الأوزاعيّ كان يرى أنّ الصّبيّ إذا بلغ أثناء شهر رمضان ، يلزمه قضاء الأيّام الّتي سبقت بلوغه من الشّهر ، إن كان قد أفطرها ، وهو خلاف ما عليه عامّة أهل العلم .

رابعاً : الزّكاة :
35 - اختلف في وجوب الزّكاة على من لم يبلغ . فذهب جمهور الفقهاء إلى وجوبها ، لتعلّق الوجوب بالمال . وذهب الحنفيّة إلى أنّها لا تجب ، لأنّها عبادة تلزم الشّخص المكلّف ، والصّبيّ ليس من أهل التّكليف . فعلى هذا إذا بلغ الصّبيّ : فعند الحنفيّة يبدأ حول زكاته من حين بلوغه ، إن كان يملك نصاباً . أمّا عند غير الحنفيّة : فالحول الّذي بدأ قبل البلوغ ممتدّ بعده . وعند غير الحنفيّة كذلك يلزم الصّبيّ إذا بلغ راشداً أداء الزّكاة ، لما مضى من الأعوام ، منذ دخل المال في ملكه ، إن لم يكن وليّه يخرج عنه الزّكاة . أمّا إن بلغ سفيهاً ، فاستمرّ الحجر عليه ، فإنّه عند الحنفيّة يؤدّيها بنفسه لاشتراط النّيّة ، ولا يقوم عنه وليّه في ذلك . قالوا : غير أنّه يدفع القاضي إليه قدر الزّكاة ليفرّقها ، لكن يبعث معه أميناً ، كي لا يصرفها في غير وجهها ، بخلاف النّفقات الواجبة على السّفيه لأقاربه مثلاً ، فإنّ وليّه يتولّى دفعها لعدم اشتراط النّيّة فيها . أمّا عند الشّافعيّة ، قد قال الرّمليّ : لا يفرّق السّفيه الزّكاة بنفسه ، لكن إن أذن له الوليّ ، وعيّن المدفوع له ، صحّ صرفه ، كما يجوز للأجنبيّ توكيله فيه . وينبغي أن يكون تفريقه الزّكاة بحضرة الوليّ أو نائبه ، لاحتمال تلف المال لو خلا به السّفيه ، أو دعواه صرفها كاذباً . ولم يتعرّض لكون الوليّ يخرجها أو يؤخّرها إلى الرّشد . ولم يتعرّض المالكيّة والحنابلة لهذه المسألة فيما رأيناه من كلامهم .

خامساً : الحجّ :
36 - إذا حجّ الصّغير ثمّ بلغ فعليه حجّة أخرى ، هي حجّة الإسلام بالنّسبة إليه ، ولا تجزئه الحجّة الّتي حجّها قبل البلوغ . نقل الإجماع على ذلك التّرمذيّ وابن المنذر ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : { إنّي أريد أن أجدّد في صدور المؤمنين عهداً : أيّما مملوكٍ حجّ به أهله فمات قبل أن يعتق فقد قضى حجّه ، وإن عتق قبل أن يموت فليحجّ ، وأيّما غلامٍ حجّ به أهله قبل أن يدرك ، فقد قضى حجّته ، وإن بلغ فليحجج } ، ولأنّها عبادة بدنيّة فعلها قبل وقت الوجوب ، فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها . قال الرّمليّ : والمعنى فيه : أنّ الحجّ وظيفة العمر ، لا تكرار فيه ، فاعتبر وقوعه في حالة الكمال . 37 - إذا بلغ المراهق ( أو المراهقة ) وهو محرم بعد أن تجاوز الميقات ، فإن كان بلوغه وهو واقف بعرفة ، أو قبل الوقوف ، أو كان بلوغه بعد الوقوف ، ولكن رجع فوقف بعرفاتٍ قبل الفجر من ليلة يوم النّحر ، وأتمّ المناسك كلّها ، فهل تجزئه ذلك عن حجّة الإسلام ؟ مذهب الشّافعيّ وأحمد : أنّ ذلك يجزئه عن حجّة الإسلام ، ولا دم عليه ، ولا يجدّد لحجّته تلك إحراماً ، لما ورد عن ابن عبّاسٍ أنّه قال : إذا عتق العبد بعرفة أجزأت عنه حجّته ، فإن عتق بجمعٍ - يعني المزدلفة - لم تجزئ عنه وقياساً على ما لو أحرم غيره من البالغين الأحرار بعرفة ، فإنّ ذلك يجزئه عن حجّة الإسلام إذا أتمّ مناسكه ، فكذلك من بلغ بعرفة . ومذهب الحنفيّة أنّ ذلك يجزئه بشرط أن يجدّد إحراماً بعد بلوغه قبل الوقوف ، فإن لم يجدّد إحراماً لم يجزئه ، لأنّ إحرامه انعقد نفلاً ، فلا ينقلب فرضاً . قالوا : والإحرام وإن كان شرطاً للحجّ إلاّ أنّه شبيه بالرّكن ، فاعتبرنا شبه الرّكن احتياطاً للعبادة . وفي روايةٍ عن الشّافعيّ - كما في مختصر المزنيّ - أنّ عليه في ذلك دماً ، أي لأنّه كمن جاوز الميقات غير محرم . ومذهب مالكٍ أنّ ذلك لا يجزئه عن حجّة الإسلام أصلاً . وليس له أن يجدّد إحرامه بعد بلوغه . ولكن عليه أن يمضي على إحرامه الّذي احتلم فيه ، ولا يجزئه من حجّة الإسلام . 38 - إذا تجاوز الصّبيّ الميقات غير محرمٍ ، ثمّ بلغ ، فأحرم من مكان دون الرّجوع إلى الميقات : يرى الحنفيّة والمالكيّة ، وهو رواية عند الحنابلة أنّه يجزئه ذلك ، وليس عليه دم ، لأنّه كالمكّيّ ومن كان منزله دون الميقات . ويرى الشّافعيّ ، وهو الرّواية الأخرى عن أحمد : أنّ عليه إن لم يرجع إلى الميقات دماً ، لأنّه تجاوز الميقات دون إحرامٍ .

سادساً : خيار البلوغ : تخيير الزّوج والزّوجة في الصّغر :
39 - يرى أكثر الحنفيّة : أنّ الصّغير أو الصّغيرة - ولو ثيّباً - إن زوّجهما غير الأب والجدّ ، كالأخ أو العمّ ، من كفءٍ وبمهر المثل ، صحّ النّكاح ، ولكن لهما خيار الفسخ بالبلوغ ، إذا علما بعقد النّكاح قبل البلوغ أو عنده ، أو علما بالنّكاح بعد البلوغ ، بأن بلغا ولم يعلما به ثمّ علما بعده ، فإن اختار الفسخ لا يتمّ الفسخ إلاّ بالقضاء ، لأنّ في أصله ضعفاً ، فيتوقّف على الرّجوع إلى القضاء . وقال أبو يوسف : لا خيار لهما ، اعتباراً بما لو زوّجهما الأب والجدّ ، ويبطل خيار البكر بالسّكوت لو مختارةً عالمةً بأصل النّكاح ، ولا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح . أي إذا بلغت وهي عالمة بالنّكاح ، أو علمت به بعد بلوغها ، فلا بدّ من الفسخ في حال البلوغ أو العلم ، فلو سكتت - ولو قليلاً - بطل خيارها ، ولو قبل تبدّل المجلس . وكذا لا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها أو علمها بالنّكاح ، بأن جهلت بأنّ لها خيار البلوغ ، أو بأنّه لا يمتدّ إلى آخر مجلس بلوغها ، فلا تعذر بدعوى جهلها أنّ لها الخيار ، لأنّ الدّار دار إسلامٍ ، فلا تعذر بالجهل ، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمّد : إنّ خيارها يمتدّ إلى أن تعلم أنّ لها خياراً ، وخيار الصّغير إذا بلغ والثّيّب - سواء أكانت ثيّباً في الأصل ، أو كانت بكراً ، ثمّ دخل بها ، ثمّ بلغت - لا يبطل بالسّكوت بلا صريح الرّضا ، أو دلالةٍ على الرّضا ، كقبلةٍ ولمسٍ ودفع مهرٍ ، ولا يبطل بقيامها عن المجلس ، لأنّ وقته العمر ، فيبقى الخيار حتّى يوجد الرّضا . وإذا زوّج القاضي صغيرةً من كفءٍ ، وكان أبوها أو جدّها فاسقاً ، فلها الخيار في أظهر الرّوايتين عند أبي حنيفة ، وهو قول محمّدٍ . 40 - وعند المالكيّة : إذا عقد للصّغير وليّه - أباً كان أو غيره - على شروطٍ شرطت حين العقد ، وكانت تلزم إن وقعت من مكلّفٍ - كأن اشترط لها في العقد أنّه إن تزوّج عليها فهي ، أو الّتي تزوّجها طالق - أو زوّج الصّغير نفسه بالشّروط وأجازها وليّه ، ثمّ بلغ وكره بعد بلوغه تلك الشّروط - والحال أنّه لم يدخل بها ، لا قبل البلوغ ولا بعده - عالماً بها ، فهو مخيّر بين التزامها وثبوت النّكاح ، وبين عدم التزامها وفسخ النّكاح بطلاقٍ ، ومحلّ ذلك ما لم ترض المرأة بإسقاط الشّروط . والصّغيرة في هذا حكمها حكم الصّغير . والتّفصيل في باب ( الولاية ) من كتب الفقه . وإن زوّج الصّغير نفسه بغير إذن وليّه ، فلوليّه فسخ عقده بطلاقٍ ، لأنّه نكاح صحيح ، غاية الأمر أنّه غير لازمٍ . وقال ابن الموّاز من المالكيّة : إذا لم يرد الوليّ نكاح الصّبيّ - والحال أنّ المصلحة في ردّه - حتّى كبر وخرج من الولاية جاز النّكاح ، وينبغي أن ينتقل النّظر إليه فيمضي أو يردّ ، ومفاده أنّ للصّغير حقّ الاختيار بعد بلوغه . والتّفصيل في باب ( الولاية ) . 41 - ويرى الشّافعيّة في قولٍ عندهم : أنّ الصّغير إذا زوّجه أبوه امرأةً معيبةً بعيبٍ صحّ النّكاح ، وثبت له الخيار - إذا بلغ - ولا يصحّ على المذهب لأنّه خلاف الغبطة . والصّغير إن زوّجه أبوه من لا تكافئه ، ففي الأصحّ أنّ نكاحه على هذا الوجه جائز ، لأنّ الرّجل لا يتعيّر باستفراش من لا تكافئه ، ولكن له الخيار . وهناك قول بعدم صحّة العقد ، لأنّ الولاية ولاية مصلحةٍ ، وليست المصلحة في تزويجه ممّن لا تكافئه . وإن زوّج الأب أو الجدّ الصّغيرة من غير كفءٍ يثبت لها الخيار إذا بلغت ، لوقوع النّكاح على الوجه المذكور صحيحاً على خلاف الأظهر ، والنّقص لعدم الكفاءة يقتضي الخيار . وعلى الأظهر : التّزويج باطل . 42 - وعند الحنابلة لا يجوز لغير الأب تزويج الصّغيرة ، فإن زوّجها الأب فلا خيار لها ، وإن زوّجها غير الأب فالنّكاح باطل . وفي روايةٍ : يصحّ تزويج غير الأب ، وتخيّر إذا بلغت ، كمذهب أبي حنيفة . وقيل : تخيّر إذا بلغت تسعاً . فإن طلقت قبله وقع الطّلاق وبطل خيارها . وكذا يبطل خيارها إن وطئها بعد أن تمّ لها تسع سنين ولم تخيّر . وليس لوليّ صغيرٍ تزويجه بمعيبةٍ بعيبٍ يردّ به في النّكاح ، وكذا ليس لوليّ الصّغيرة تزويجها بمعيبٍ بعيبٍ يردّ به في النّكاح ، لوجوب نظره لهما بما فيه الحظّ والمصلحة ، ولا حظّ لهما في هذا العقد ، فإن فعل وليّ غير المكلّف والمكلّفة بأن زوّجه بمعيبٍ يردّ به - عالماً بالعيب - لم يصحّ النّكاح ، لأنّه عقد لهما عقداً لا يجوز ، وإن لم يعلم الوليّ أنّه معيب صحّ العقد ، ووجب عليه الفسخ إذا علم . وهذا خلافاً لما ورد في المنتهى فيما يوهم إباحة الفسخ ، ومن الحنابلة من قال : لا يفسخ ، وينتظر البلوغ لاختيارهما . وتفصيل ما ذكر يرجع إليه في باب ( النّكاح ، والولاية ) .

سابعاً - انتهاء الولاية على النّفس بالبلوغ :
43 - عند الحنفيّة : تنتهي الولاية على النّفس بالنّسبة لولاية الإنكاح في الحرّة بالتّكليف ( البلوغ والعقل ) فيصحّ نكاح حرّةٍ مكلّفةٍ بلا رضى وليٍّ ، وتترتّب الأحكام من طلاقٍ وتوارثٍ وغيرهما . وتنتهي الحضانة للجارية البكر ببلوغها بما تبلغ به النّساء من الحيض ونحوه ، ويضمّها الأب إلى نفسه وإن لم يخف عليها الفساد ، لو كانت حديثة السّنّ ، والأخ والعمّ كذلك عند فقد الأب ما لم يخف عليها منهما ، فينظر القاضي امرأةً ثقةً فتسلّم إليها ، وتنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً ، واجتمع لها رأي ، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها ، وإن ثيّباً لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها ، فللأب والجدّ الضّمّ ، لا لغيرهما كما في الابتداء . وتنتهي ولاية الأب على الغلام إذا بلغ وعقل واستغنى برأيه ، إلاّ إذا لم يكن مأموناً على نفسه ، بأن يكون مفسداً مخوفاً عليه ، فللأب ولاية ضمّه إليه لدفع فتنةٍ أو عارٍ ، وتأديبه إذا وقع منه شيء ، والجدّ بمنزلة الأب فيما ذكر من أحكام البكر والثّيّب والغلام . وعند المالكيّة : تنتهي الولاية على النّفس بالنّسبة للصّغير ببلوغه الطّبيعيّ ، وهو بلوغ النّكاح ، فيذهب حيث شاء ، ولكن إذا كان يخشى عليه الفساد لجماله مثلاً ، أو كما إذا كان يصطحب الأشرار وتعوّد معهم أخلاقاً فاسدةً ، يبقى حتّى تستقيم أخلاقه . وإذا بلغ الذّكر رشيداً ذهب حيث يشاء ، لانقطاع الحجر عنه بالنّسبة لذاته ، وإذا بلغ الذّكر - ولو زمناً أو مجنوناً - سقطت عنه حضانة الأمّ على المشهور . وبالنّسبة للأنثى ، فتستمرّ الحضانة عليها والولاية على النّفس حتّى تتزوّج ، ويدخل بها الزّوج . وعند الشّافعيّة : تنتهي الولاية على الصّغير - ذكراً كان أو أنثى - بمجرّد بلوغه . وعند الحنابلة : لا تثبت الحضانة إلاّ على الطّفل أو المعتوه ، فأمّا البالغ الرّشيد فلا حضانة عليه ، فإن كان رجلاً فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه ، وإن كانت أنثى لم يكن لها الانفراد ، ولأبيها منعها منه ، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ، ويلحق العار بها وبأهلها ، وإن لم يكن لها أب فلوليّها وأهلها منعها من ذلك .

ثامناً : الولاية على المال :
44 - تنقضي الولاية على المال أيضاً ببلوغ الصّغير عاقلاً ، ذكراً كان أو أنثى ، وينفكّ الحجر عنه ، ولكن يشترط لذلك باتّفاق الفقهاء أن يكون رشيداً ، لقوله تعالى : { وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النّكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم } وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع لمعرفته إلى أبواب الحجر .

بناء
التّعريف
1 - البناء لغةً : وضع شيءٍ على شيءٍ على وجهٍ يراد به الثّبوت . ويطلق على بناء الدّور ونحوها ، وضدّه الهدم والنّقض ، ويطلق البناء أيضاً على الدّخول بالزّوجة يقال : بنى على أهله ، وبنى بأهله . والأوّل أفصح ، ويكنّى بهذا عن الجماع بعد عقد النّكاح . وأصله : أنّ الرّجل كان إذا تزوّج بنى للعرس خباءً جديداً ، وعمّره بما يحتاج إليه . ويطلقه الفقهاء : على الدّور ونحوها ، وعلى إتمام العبادة بالنّيّة الأولى إذا طرأ فيها خلل لا يوجب التّجديد . ومن أمثلة ذلك : إذا سلّم المسبوق بسلام الإمام سهواً ، بنى على صلاته وسجد للسّهو . وإذا رعف المصلّي في الصّلاة ، ولم يصب الدّم ثوبه أو بدنه ، بنى على صلاته . إذا تكلّم المؤذّن أثناء الأذان عمداً أو سهواً بنى ، ولم يستأنف . وإذا خرج المجمعون أثناء الخطبة من المسجد ثمّ رجعوا قبل طول الفصل ، بنى الخطيب على ما مضى من خطبته في وجودهم ، ولم يستأنف . كما يطلق البناء على التّفريع على القاعدة الفقهيّة ، أي التّخريج عليها .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - التّرميم :
2 - التّرميم : هو إصلاح البناء .
ب - العمارة :
3 - العمارة : ما يعمّر به المكان ، ويطلق على بناء الدّار ، وضدّ العمارة الخراب ، ويطلق الخراب على المكان الّذي خلا بعد عمارته .
ج - الأصل :
4 - الأصل لغةً : أسفل الشّيء . ويطلق اصطلاحاً على : ما يبنى عليه غيره ، ويقابله الفرع ، وعلى الرّاجح ، وعلى الدّليل ، وعلى القاعدة الّتي تجمع جزئيّاتٍ ، وعلى المتفرّع منه كالأب يتفرّع منه أولاده .
د - العقار :
5 - العقار هو : ما يقابل المنقول ، وهو كلّ ملكٍ ثابتٍ له أصل في الأرض ( الحكم الإجماليّ ) : أوّلاً - البناء ( بمعنى إقامة المباني ) 6 - الأصل في البناء الإباحة ، وإن زاد على سبعة أذرعٍ ، أمّا النّهي الوارد عنه في الحديث وهو { إذا أراد اللّه بعبدٍ شرّاً أخضر له اللّبن والطّين ، حتّى يبني } . فقد بيّن المناويّ أنّ ذلك يحمل على ما كان للتّفاخر ، أو زاد عن الحاجة . وتعتريه باقي الأحكام الخمسة : فيكون واجباً : كبناء دار المحجور عليه إذا كان في البناء غبطة ( مصلحة ظاهرة تنتهز قد لا تعوّض ) . وحراماً : كالبناء في الأماكن ذات المنافع المشتركة ، كالشّارع العامّ ، وبناء دور اللّهو ، والبناء بقصد الإضرار ، كسدّ الهواء عن الجار . ومندوباً : كبناء المساجد والمدارس ، والمستشفيات ، وكلّ ما فيه مصلحة عامّة للمسلمين حيث لا يتعيّن ذلك لتمام الواجبات ، وإلاّ صار واجباً ، لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب . ومكروهاً : كالتّطاول في البنيان لغير حاجةٍ .

الوليمة للبناء :
7 - هي مستحبّة ، كبقيّة الولائم الّتي تقام لحدوث سرورٍ أو اندفاع شرٍّ ، وتسمّى الوليمة للبناء ( وكيرة ) ولا تتأكّد تأكّد وليمة النّكاح . وقد ذكر بعض الشّافعيّة قولاً بوجوبها ، لأنّ الشّافعيّ قال : بعد ذكر الولائم - ومنها الوكيرة - : ولا أرخّص في تركها . وذهب بعض المالكيّة إلى أنّها مكروهة ، وعن بعضهم أنّها مباحة . وينظر التّفصيل في مصطلح ( وليمة ) .

من أحكام البناء :
أ - هل البناء من المنقولات ؟ 8 - صرّح الحنفيّة بأنّ البناء من المنقولات . وعند بقيّة المذاهب هو من غير المنقول وللتّفصيل ينظر مصطلح ( عقار ) .

ب - قبض البناء :
9 - يكون قبض البناء في البيع بتخليته للمشتري ، وتمكين المشتري من التّصرّف فيه ، كما صرّح به الحنفيّة والشّافعيّة وقالوا : من تمكينه من التّصرّف تسليمه المفتاح إليه ، بشرط فراغ البناء من أمتعة البائع ، وأن لا يكون مانع شرعيّ أو حسّيّ . قالوا : لأنّ الشّارع أطلق القبض وأناط به أحكاماً ولم يبيّنه ، وليس له حدّ في اللّغة ، فيجب الرّجوع إلى العرف ، وهو يقتضي ما ذكرناه . وللتّفصيل ينظر مصطلح ( قبض ) .

ج - جريان الشّفعة في البناء المبيع :
10 - تجري الشّفعة في البناء إذا بيع مع الأرض تبعاً لها ، ولا تثبت فيه إذا بيع منفرداً ، وعلى هذا جمهور الفقهاء . وعند الإمام مالكٍ وعطاءٍ وهو رواية عن أحمد : تثبت فيه الشّفعة ، وإن بيع منفرداً . وانظر مصطلح ( شفعة ) .

د - البناء في الأراضي المباحة :
11 - يرى جمهور الفقهاء جواز البناء في الأرض المباحة ، ولو بدون إذن الإمام اكتفاءً بإذن الشّارع ، ولأنّه مباح ، كالاحتطاب والاصطياد . ولكن يستحبّ الاستئذان من الإمام خروجاً من خلاف من أوجبه . وإلى هذا ذهب الشّافعيّة ، والمالكيّة ، والحنابلة ، وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة . وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلاّ بإذن الإمام ، واستدلّ بحديث : { ليس للمرء إلاّ ما طابت به نفس إمامه } وانظر مصطلح ( إحياء الموات ) .

هـ - تحجير الأرض للبناء :
12 - إذا احتجر أرضاً للبناء ، ولم يبن مدّةً يمكن البناء فيها ، ولا أحياها بغير ذلك ، بطل حقّه فيها ، لأنّ التّحجّر ذريعة إلى العمارة ، وهي لا تؤخّر عنه إلاّ بقدر أسبابها . ومن الفقهاء من يرى أنّه يرفع إلى السّلطان ، ولا يبطل حقّه بطول المدّة . وقد قدّر البعض المدّة بثلاث سنواتٍ ، لقول عمر رضي الله عنه ليس لمتحجّرٍ بعد ثلاث سنواتٍ حقّ هذا ما صرّح به الشّافعيّة ، وفي المذاهب الأخرى خلاف وتفصيل يرجع إليه في مصطلح ( إحياء الموات ) .

و - البناء في الأراضي المغصوبة :
13 - إذا بنى في أرضٍ مغصوبةٍ ، فطلب صاحب الأرض قلع بنائه قلع ، قال ابن قدامة : لا نعلم في ذلك خلافاً بين الفقهاء لحديث : { ليس لعرقٍ ظالمٍ حقّ } ولأنّه شغل ملك غيره بملكه الّذي لا حرمة له في نفسه بغير إذنه ، فلزمه تفريغه ، وإن أراد صاحب الأرض أخذ البناء بغير عوضٍ لم يكن له ذلك . وللحنفيّة تفصيل فيما إذا كان البناء أو الغرس بزعم سببٍ شرعيٍّ يعذر به الباني ، فينظر : إن كانت قيمة الأرض أكثر من قيمة البناء كلّف الغاصب القلع . وإن كانت أقلّ منه فلا يؤمر بالقلع ، ويغرم صاحب البناء لصاحب الأرض قيمة الأرض ، أمّا إذا كان البناء ظلماً ، فالخيار لصاحب الأرض بين الأمر بالقلع أو تملّك البناء مستحقّ القلع . أمّا ضمان منفعة الأرض في مدّة الغصب وآراء الفقهاء فيه فيرجع إليه في مصطلح ( غصب ) .

ز - البناء في الأرض المستأجرة :
14 - إذا بنى المستأجر في الأرض المستأجرة ، فإن انقضت مدّة الإجارة لزم المستأجر قلعها ، وتسليم الأرض فارغةً للمؤجر ، لأنّ البناء لا نهاية له ، وفي إبقائه إضرار بصاحب الأرض ، إلاّ أن يختار صاحب الأرض أن يغرم للمستأجر قيمة البناء مقلوعاً ويتملّكه ، فله ذلك برضا صاحب البناء إن لم تنقص الأرض بالقلع ، فيتملّكها حينئذٍ بغير رضاه . ولا فرق عند الحنفيّة بين الإجارة المطلقة والإجارة المشروط فيها القلع . أمّا عند المالكيّة فإن استأجر أرضاً لمدّةٍ طويلةٍ كتسعين سنةً - على مذهب من يرى ذلك منهم - ليبني فيها ، وفعل ثمّ مضت المدّة ، وأراد المؤجّر إخراج المستأجر ويدفع له قيمة بنائه منقوضاً ، فإنّه لا يجاب لذلك ، ويجب عليه بقاء البناء في أرضه ، وله كراء المثل في المستقبل ، وسواء كانت تلك الأرض المؤجّرة ملكاً أو وقفاً على جهةٍ . أمّا عند الشّافعيّة والحنابلة فإنّ شرط القلع بعد انتهاء مدّة الإجارة لزم المستأجر القلع وفاءً بشرطه ، وليس على مالك الأرض أرش نقص البناء بالقلع ، ولا على المستأجر تسوية الأرض وإصلاحها لتراضيهما بالقلع ، وإن أطلقا فللمكتري قلعه ، لأنّه ملكه فله أخذه ، وعليه تسوية الأرض إن قلعه لأنّه ضرر أدخله في ملك غيره بغير إذنه ، وإن أبى القلع لم يجبر عليه ، إلاّ أن يضمن له المالك أرش النّقص بالقلع فيجبر عليه . أمّا المالك فله الخيار بين ثلاثة أشياء : أن يدفع للمستأجر قيمة البناء فيتملّكه ، أو يقلع البناء ويضمن أرش النّقص ، أو يقرّ البناء فيأخذ من المستأجر أجرة المثل . والتّفصيل في ( الإجارة ) .

ح - البناء في الأرض المستعارة :
15 - إذا استعار أرضاً للبناء لم يكن له أن يبني بعد انتهاء مدّة العاريّة أو الرّجوع عن العاريّة ، فإن فعل ذلك قلع بناؤه ، وحكمه حكم الغاصب ، وعليه تسوية الأرض وضمان نقص الأرض ، لأنّه عدوان . أمّا إذا بنى قبل الرّجوع ، فإن شرط عليه : القلع مجّاناً عند الرّجوع لزمه القلع عملاً بالشّرط . وإن لم يشترط القلع فلا يقلع مجّاناً ، سواء كانت العاريّة مطلقةً أو مقيّدةً بوقتٍ ، لأنّ البناء مال محترم فلا يقلع مجّاناً ، فيخيّر المعير بين الأمور الثّلاثة الّتي مرّت في الإجارة المطلقة ، وهذا في الجملة عند غير الحنفيّة . وفرّق الحنفيّة بين المطلقة والمؤقّتة ، فإن كانت العاريّة مؤقّتةً فرجع قبل الوقت ضمن المعير ما نقص في قيمة البناء بالقلع ، لأنّ المستعير مغرور من قبل المعير ، أمّا المطلقة فلا ضمان على المعير ، لأنّ المستعير مغترّ غير مغرورٍ ، حيث اعتمد إطلاق العقد ، وظنّ أنّه يتركه مدّةً طويلةً .

ط - البناء في الأرض الموقوفة 16 - إذا بنى في الأرض الموقوفة المستأجرة بغير إذن ناظر الوقف قلع بناؤه إن لم يكن ضرر على الأرض بالقلع ، ويضمن منافعها الّتي فاتت بيده ، بهذا صرّح الحنفيّة في هذه المسألة ، والضّمان هو الأصل عند غير الحنفيّة في منفعة كلّ مغصوبٍ .

ي - بناء المساجد :
17 - بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحالّ حسب الحاجة فرض كفايةٍ وهو من أجلّ أعمال البرّ الّتي حثّ الشّارع عليها . قال تعالى : { في بيوتٍ أذن اللّه أن ترفع ويذكر فيها اسمه } . وجاء في الخبر الصّحيح { من بنى مسجداً ، يبتغي به وجه اللّه ، بنى اللّه له مثله في الجنّة } . وأمّا ما يراعى في بناء المساجد فينظر في مصطلح ( مسجد ) .
رد مع اقتباس