عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 05-11-2012, 11:01 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

البكاء في الصّلاة :
12 - يرى الحنفيّة أنّ البكاء في الصّلاة إن كان سببه ألماً أو مصيبةً فإنّه يفسد الصّلاة ، لأنّه يعتبر من كلام النّاس ، وإن كان سببه ذكر الجنّة أو النّار فإنّه لا يفسدها ، لأنّه يدلّ على زيادة الخشوع ، وهو المقصود في الصّلاة ، فكان في معنى التّسبيح أو الدّعاء . ويدلّ على هذا حديث الرّسول صلى الله عليه وسلم { أنّه كان يصلّي باللّيل وله أزيز كأزيز المرجل من البكاء } . وعن أبي يوسف أنّ هذا التّفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين ، أو على حرفين أصليّين ، أمّا إذا كان على حرفين من حروف الزّيادة ، أو أحدها من حروف الزّيادة والآخر أصليّ ، لا تفسد في الوجهين معاً ، وحروف الزّيادة عشرة يجمعها قولك : أمان وتسهيل . وحاصل مذهب المالكيّة في هذا : أنّ البكاء في الصّلاة إمّا أن يكون بصوتٍ ، وإمّا أن يكون بلا صوتٍ ، فإن كان البكاء بلا صوتٍ فإنّه لا يبطل الصّلاة ، سواء أكان بغير اختيارٍ ، بأن غلبه البكاء تخشّعاً أو لمصيبةٍ ، أم كان اختياريّاً ما لم يكثر ذلك في الاختياريّ . وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ ، فإن كان اختياريّاً فإنّه يبطل الصّلاة ، سواء كان لمصيبةٍ أم لتخشّعٍ ، وإن كان بغير اختياره ، بأن غلبه البكاء تخشّعاً لم يبطل ، وإن كثر ، وإن غلبه البكاء بغير تخشّعٍ أبطل . هذا وقد ذكر الدّسوقيّ أنّ البكاء بصوتٍ ، إن كان لمصيبةٍ أو لوجعٍ من غير غلبةٍ أو لخشوعٍ فهو حينئذٍ كالكلام ، يفرّق بين عمده وسهوه ، أي فالعمد مبطل مطلقاً ، قلّ أو كثر ، والسّهو يبطل إن كان كثيراً ، ويسجد له إن قلّ . وأمّا عند الشّافعيّة ، فإنّ البكاء في الصّلاة على الوجه الأصحّ إن ظهر به حرفان فإنّه يبطل الصّلاة ، لوجود ما ينافيها ، حتّى وإن كان البكاء من خوف الآخرة . وعلى مقابل الأصحّ : لا يبطل لأنّه لا يسمّى كلاماً في اللّغة ، ولا يفهم منه شيء ، فكان أشبه بالصّوت المجرّد . وأمّا الحنابلة فإنّهم يرون أنّه إن بان حرفان من بكاءٍ ، أو تأوّهٍ خشيةً ، أو أنينٍ في الصّلاة لم تبطل ، لأنّه يجري مجرى الذّكر ، وقيل : إن غلبه وإلاّ بطلت ، كما لو لم يكن خشيةً ، لأنّه يقع على الهجاء ، ويدلّ بنفسه على المعنى كالكلام ، قال أحمد في الأنين : إذا كان غالباً أكرهه ، أي من وجعٍ ، وإن استدعى البكاء فيها كره كالضّحك وإلاّ فلا .

البكاء عند قراءة القرآن :
13 - البكاء عند قراءة القرآن مستحبّ ، ويفهم ذلك من قوله تعالى في سورة الإسراء { ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً } . قال القرطبيّ : هذا مدح لهم ، وحقّ لكلّ من توسّم بالعلم ، وحصل منه شيئاً أن يجري إلى هذه المرتبة ، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذلّ . وقال الزّمخشريّ في الكشّاف في تفسير قوله تعالى : { ويزيدهم خشوعاً } أي يزيدهم لين قلبٍ ورطوبة عينٍ . وقال الطّبريّ عند الكلام على هذه الآية : يقول تعالى ذكره . ويخرّ هؤلاء الّذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين ، من قبل نزول الفرقان ، إذا يتلى عليه القرآن لأذقانهم يبكون ، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعاً ، يعني خضوعاً لأمر اللّه وطاعته استكانةً له . ويفهم استحباب البكاء أيضاً عند قراءة القرآن بما أخرجه ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزّار في مسنديهما من حديث سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه مرفوعاً : { إنّ هذا القرآن نزل بحزنٍ ، فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا } .

البكاء عند الموت وبعده :
14 - اتّفق الفقهاء على أنّ البكاء إن كان قاصراً على خروج الدّمع فقط بلا صوتٍ فإنّه جائز ، قبل الموت وبعده ، ومثله غلبة البكاء بصوتٍ إذا لم يقدر على ردّه ، ومثله حزن القلب . واتّفقوا أيضاً على تحريم النّدب بتعداد محاسن الميّت برفع صوتٍ ، إلاّ ما نقل في الفروع عن بعض الحنابلة . واتّفقوا على تحريم النّواح وشقّ الجيب أو الثّوب ولطم الخدّ وما أشبه ذلك ، إلاّ أنّ الحنفيّة عبّروا في ذلك بالكراهة ، ومرادهم الكراهة التّحريميّة ، وبذلك لا يكون بين الفقهاء في ذلك خلاف . وأمّا إذا كان البكاء بصوتٍ وغير مصحوبٍ بنياحةٍ وندبٍ أو شقّ جيبٍ أو نحو ذلك ، فيرى الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة أنّه جائز ، واشترط المالكيّة عدم الاجتماع للبكاء ، وإلاّ كره . وللشّافعيّة تفصيل أتى به القليوبيّ ، فقال : إنّ البكاء على الميّت إن كان لخوفٍ عليه من هول يوم القيامة ونحوه فلا بأس به ، أو لمحبّةٍ ورقّةٍ كطفلٍ فكذلك ، ولكنّ الصّبر أجمل ، أو لصلاحٍ وبركةٍ وشجاعةٍ وفقد نحو علمٍ فمندوب ، أو لفقد صلةٍ وبرٍّ وقيامٍ بمصلحةٍ فمكروه ، أو لعدم تسليمٍ للقضاء وعدم الرّضى به فحرام . وقال الشّافعيّ : يجوز البكاء قبل الموت ، فإذا مات أمسكن . واستدلّ بحديث النّسائيّ عن جابر بن عتيكٍ كما يأتي قريباً . والفقهاء فيما قالوه في ذلك استدلّوا بما ورد في السّنّة ، فقد أخرج التّرمذيّ عن جابرٍ رضي الله عنه قال : { أخذ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بيد عبد الرّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه فانطلق به إلى ابنه إبراهيم ، فوجده يجود بنفسه ، فأخذه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره فبكى ، فقال له عبد الرّحمن : أتبكي ؟ أولم تكن نهيت عن البكاء ؟ قال : لا . ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوتٍ عند مصيبةٍ ، خمش وجوهٍ وشقّ جيوبٍ ورنّة شيطانٍ } . وقد أخرج البخاريّ عن عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهليّة } . فهذا يدلّ على عدم جواز ما ذكر فيه من اللّطم وشقّ الجيب ودعوى الجاهليّة . وأخرج النّسائيّ عن جابر بن عتيكٍ رضي الله عنه : { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جاء يعود عبد اللّه بن ثابتٍ فوجده قد غلب ، فصاح النّسوة وبكين ، فجعل ابن عتيكٍ يسكتهنّ ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : دعهنّ ، فإذا وجب فلا تبكين باكية . قالوا : وما الوجوب يا رسول اللّه ؟ قال : الموت } .

البكاء عند زيارة القبر :
15 - البكاء عند زيارة القبر جائز ، والدّليل على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : { زار النّبيّ صلى الله عليه وسلم قبر أمّه فبكى ، وأبكى من حوله ... } إلخ الحديث .

اجتماع النّساء للبكاء :
16 - اجتماع النّساء للبكاء عند المالكيّة مكروه إن كان بلا صوتٍ ، وحرام إن كان معه صوت . والشّافعيّة لا يجيزون الاجتماع للبكاء . ولم يتعرّض الحنفيّة ولا الحنابلة لاجتماع النّساء للبكاء . على أنّ الفقهاء متّفقون على جواز البكاء بالدّمع فقط بلا صوتٍ ، وإنّما تأتي الكراهة أو التّحريم على ما إذا قصد الاجتماع له . هذا ، وإذا كان اجتماع النّساء للبكاء مكروهاً أو محرّماً فكراهة أو تحريم اجتماع الرّجال له أولى ، وإنّما خصّ الفقهاء النّساء بالذّكر لأنّ هذا شأنهنّ .

أثر بكاء المولود عند الولادة :
17 - إذا بكى المولود عند ولادته ، بأن استهلّ صارخاً ، فإنّ ذلك يدلّ على تحقّق حياته ، سواء انفصل بالكلّيّة كما عند الشّافعيّة ، أم لم ينفصل كما عند الحنفيّة . فإن لم يبك ، ولم توجد منه علامة تدلّ على الحياة فلا يحكم بحياته . فإن بدا منه ما يدلّ على حياته ، كالبكاء والصّراخ ونحو ذلك ، فإنّه يعطى حكم الأحياء ، فيسمّى ويرث ، ويقتصّ من قاتله عمداً ، ويستحقّ مواليه الدّية في غير العمد فإن مات بعد تحقّق حياته فإنّه يغسّل ويصلّى عليه ويورث . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مصطلح ( استهلال ) .

أثر بكاء البكر عند الاستئذان لتزويجها :
18 - إذا استؤذنت البكر في النّكاح فبكت ، فإنّ للفقهاء في دلالته على الرّضا وعدمه اتّجاهاتٍ ثلاثةً :
أ - فالحنفيّة والشّافعيّة يقولون : إن كان البكاء بلا صوتٍ فيدلّ على الرّضا ، وإن كان بصوتٍ فلا يدلّ على الرّضا .
ب - والمالكيّة يقولون : إنّ بكاء البكر غير المجبرة ، وهي الّتي يزوّجها غير الأب من الأولياء ، يعتبر رضاً ، لاحتمال أنّ هذا البكاء إنّما هو لفقد الأب مثلاً ، فإن علم أنّه للمنع من الزّواج لم يكن رضاً .
ج - والحنابلة يقولون : إنّ البكاء إذن في النّكاح ، لما روى أبو هريرة قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { تستأمر اليتيمة فإذا بكت أو سكتت فهو رضاها ، وإن أبت فلا جواز عليها } ولأنّها غير ناطقةٍ بالامتناع مع سماع الاستئذان ، فكان ذلك إذناً منها كالصّمات . والبكاء يدلّ على فرط الحياء لا الكراهة . ولو كرهت لامتنعت ، فإنّها لا تستحي من الامتناع .

بكاء المرء هل يكون دليلاً على صدق مقاله :
19 - بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله ، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف { وجاءوا أباهم عشاءً يبكون } . فإنّ إخوة يوسف تصنّعوا البكاء ليصدّقهم أبوهم بما أخبروه به ، مع أنّ الّذي أخبروه به كذب ، هم الّذين دبّروه وفعلوه . قال القرطبيّ قال علماؤنا : هذه الآية دليل على أنّ بكاء المرء لا يدلّ على صدق مقاله ، لاحتمال أن يكون تصنّعاً ، فمن الخلق من يقدر على ذلك ، وفيهم من لا يقدر ، وقد قيل : إنّ الدّمع المصنوع لا يخفى . كما قال حكيم : إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبيّن من بكى ممّن تباكى .

بكارة
التّعريف
1 - البكارة ( بالفتح ) لغةً : عذرة المرأة ، وهي الجلدة الّتي على القبل . والبكر : المرأة الّتي لم تفتضّ ، ويقال للرّجل : بكر ، إذا لم يقرب النّساء ، ومنه حديث { البكر بالبكر جلد مائةٍ ونفي سنةٍ } . والبكر اصطلاحاً عند الحنفيّة : اسم لامرأةٍ لم تجامع بنكاحٍ ولا غيره ، فمن زالت بكارتها بغير جماعٍ كوثبةٍ ، أو درور حيضٍ ، أو حصول جراحةٍ ، أو تعنيسٍ : بأن طال مكثها بعد إدراكها في منزل أهلها حتّى خرجت عن عداد الأبكار فهي بكر حقيقةً وحكماً . وعرّفها المالكيّة : بأنّها الّتي لم توطأ بعقدٍ صحيحٍ ، أو فاسدٍ جرى مجرى الصّحيح . وقيل : إنّها الّتي لم تزل بكارتها أصلاً .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - العذرة :
2 - العذرة لغةً : الجلدة الّتي على المحلّ . ومنه العذراء ، وهي : المرأة الّتي لم تزل بكارتها بمزيلٍ . فالعذراء : ترادف البكر لغةً وعرفاً ، وقد يفرّقون بينهما ، فيطلقون العذراء على من لم تزل بكارتها أصلاً ، وقال الدّردير : إذا جرى العرف بالتّسوية بينهما يعتبر .
ب - الثّيوبة :
3 - الثّيوبة : زوال البكارة بالوطء ولو حراماً . والثّيّب لغةً : ضدّ البكر ، فهي الّتي تزوّجت فثابت ، وفارقت زوجها بأيّ وجهٍ كان بعد أن مسّها ، وعن الأصمعيّ أنّ الثّيّب : هو الرّجل أو المرأة بعد الدّخول . والثّيّب اصطلاحاً : من زالت بكارتها بالوطء ولو حراماً . والثّيّب والبكر ضدّان . ما تثبت به البكارة عند التّنازع :
4 - أجاز جمهور الفقهاء قبول شهادة النّساء في البكارة والثّيوبة . واختلفوا في العدد المشترط : فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ البكارة تثبت بشهادة امرأةٍ ثقةٍ ، والثّنتان أحوط وأوثق . وأجاز أبو الخطّاب من الحنابلة شهادة الرّجل في ذلك . وذهب المالكيّة - على ما صرّح به خليل والدّردير في شرحيه - إلى أنّها تثبت بشهادة امرأتين . لكن قال الدّسوقيّ في باب النّكاح : إن أتى الرّجل بامرأتين ، أو امرأةٍ واحدةٍ تشهد له على ما تصدّق فيه الزّوجة قبلت . وقال الشّافعيّة : تثبت البكارة بشهادة رجلين ، أو رجلٍ وامرأتين ، أو شهادة أربع نسوةٍ . ومناط قول شهادة المرأة في إثبات البكارة أنّ موضعها عورة لا يطّلع عليه الرّجال إلاّ للضّرورة ، وروى مالك عن الزّهريّ : { مضت السّنّة أنّه تجوز شهادة النّساء فيما لا يطّلع عليه غيرهنّ ، من ولادة النّساء وعيوبهنّ } . وقيس على ذلك البكارة والثّيوبة . وتثبت البكارة كذلك باليمين حسب التّفصيل الّذي سيأتي .

أثر البكارة في عقد النّكاح : ما يكون به إذن البكر :
5 - اتّفق الفقهاء على أنّ سكوت البكر البالغة عند استئذانها في النّكاح إذن منها ، لحديث : { البكر تستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها } . ولما روي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها ، والبكر تستأذن في نفسها ، وإذنها صماتها } . ومثل السّكوت : الضّحك بغير استهزاءٍ ، لأنّه أدلّ على الرّضا من السّكوت ، وكذا التّبسّم والبكاء بلا صوتٍ ، لدلالة بكاها على الرّضا ضمناً . والمعوّل عليه اعتبار قرائن الأحوال في البكاء والضّحك ، فإن تعارضت أو أشكل احتيط . واستئمار البكر البالغة العاقلة مندوب عند الجمهور ، لأنّ لوليّها الحقّ في إجبارها على النّكاح . وسنّة عند الحنفيّة ، لأنّه ليس لوليّها حقّ الإجبار . وتفصيل ذلك في مصطلح ( نكاح ) .
6- وقد ذكر المالكيّة أبكاراً لا يكتفى بصمتهنّ ، بل لا بدّ من إذنهنّ بالقول عند استئذانهنّ في النّكاح :
أ - بكر رشّدها أبوها أو وصيّه بعد بلوغها ، لأنّه لا جبر لأبيها عليها ، لما قام بها من حسن التّصرّف على المعروف في المذهب .
ب - بكر مجبرة عضلها أبوها ، أي منعها من النّكاح لا لمصلحتها ، بل للإضرار بها ، فرفعت أمرها للحاكم ، فأراد تزويجها لامتناع أبيها ، وزوّجها .
ج - بكر يتيمة مهملة لا أب لها ولا وصيّ ، خيف فسادها بفقرٍ أو زنًى أو عدم حاضنٍ شرعيٍّ في قولٍ ، والمعتمد أنّها تجبر .
د - بكر غير مجبرةٍ ، افتيت عليها ، زوّجها وليّها غير المجبر - وهو غير الأب ووصيّه - بغير إذنها ، ثمّ أنهى إليها الخبر فرضيت .
هـ - بكر أريد تزويجها لذي عيبٍ موجبٍ لخيارها ، كجنونٍ وجذامٍ وبرصٍ . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

اشتراط الوليّ وعدمه :
7 - البكر إن كانت صغيرةً فالإجماع على أنّها لا تزوّج نفسها ، بل يزوّجها وليّها . وأمّا إن كانت كبيرةً ، فجمهور الفقهاء من السّلف والخلف على أنّها لا تزوّج نفسها ، وإنّما يزوّجها وليّها ، وعند المالكيّة : ولو كانت عانساً بلغت السّتّين في مشهور المذهب . وذهب الحنفيّة إلى أنّه ليس لوليّها حقّ إجبارها ، ولها أن تزوّج نفسها ، فإن زوّجت نفسها بغير كفءٍ ، أو بدون مهر المثل ، فلوليّها حقّ طلب الفسخ ما لم تحمل . وروي عن أبي يوسف أنّ نكاح الحرّة البالغة العاقلة إذا كانت بكراً لا ينعقد إلاّ بوليٍّ ، وعن محمّدٍ ينعقد موقوفاً . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

متى يرتفع الإجبار مع وجود البكارة :
8 - أ - يرى المالكيّة أنّ الأب لا يجبر بكراً رشّدها - إن بلغت - بأن قال لها : رشّدتك ، أو أطلقت يدك ، أو رفعت الحجر عنك ، أو نحو ذلك . وثبت ترشيدها بإقراره ، أو ببيّنةٍ إن أنكر ، وحيث كانت لا تجبر فلا بدّ من نطقها وإذنها ، وهو المعروف في المذهب ، وقال ابن عبد البرّ : له جبرها .
ب - إذا عضل والد البكر المجبرة ، ومنعها من نكاح من ترغب فيه ، ورفعت أمرها للقضاء ، وثبت كفاءة من ترغب في زواجه يأمره الحاكم بتزويجها ، فإن امتنع ارتفع إجباره ، وزوّجها الحاكم ، ولا بدّ من نطقها برضاها بالزّوج وبالصّداق . ولا يختلف مذهب الشّافعيّة والحنابلة عن هذا إلاّ في بعض التّفصيلات ، كتكرار امتناع الوليّ العاضل مراراً .
ج - والبكر اليتيمة الصّغيرة إذا خيف فسادها ، يجبرها وليّها على التّزويج ، وتجب مشاورة القاضي على المعتمد عند المالكيّة . ولا خصوصيّة لهذا الحالة عند الحنفيّة ، لأنّ مطلق الصّغيرة - بكراً كانت أو ثيّباً - لوليّها إجبارها على النّكاح ، ثمّ إذا بلغت وكان الوليّ المجبر غير الأب أو الجدّ ثبت لها خيار البلوغ . وذهب الحنابلة - في روايةٍ - إلى أنّ الوليّ المجبر هو الأب فقط ، ولا يزوّج الصّغيرة غيره ولو كان جدّاً . وفي المذهب رواية أخرى كمذهب الحنفيّة . ويرى الشّافعيّة أنّ ولاية الإجبار في تزويج البكر هي للأب والجدّ وحدهما ، دون بقيّة الأولياء . فالبكر اليتيمة تنحصر ولاية إجبارها في الجدّ .

اشتراط الزّوج بكارة الزّوجة :
9 - ذهب الحنفيّة إلى أنّ الرّجل لو تزوّج امرأةً على أنّها بكر ، فتبيّن بعد الدّخول أنّها ليست كذلك ، لزمه كلّ المهر ، لأنّ المهر شرع لمجرّد الاستمتاع دون البكارة ، وحملاً لأمرها على الصّلاح ، بأن زالت بوثبةٍ . فإن كان قد تزوّجها بأزيد من مهر مثلها على أنّها بكر ، فإذا هي غير بكرٍ ، لا تجب الزّيادة ، لأنّه قابل الزّيادة بما هو مرغوب فيه ، وقد فات ، فلا يجب ما قوبل به ، ولا يثبت بتخلّف شرط البكارة فسخ العقد . وعند المالكيّة : إذا تزوّج الرّجل امرأةً ظانّاً أنّها بكر ، ثمّ تبيّن أنّها ثيّب ، ولا علم عند أبيها ، فلا ردّ للزّوج بذلك ، إلاّ أن يقول : أتزوّجها بشرط أنّها ( عذراء ) وهي الّتي لم تزل بكارتها بمزيلٍ ، فإذا وجدها ثيّباً فله ردّها ، وسواء أعلم الوليّ أم لا ، وسواء أكانت الثّيوبة بنكاحٍ أم لا . وأمّا إذا شرط أنّها ( بكر ) فوجدها ثيّباً بغير وطء نكاحٍ ، ولم يعلم الأب بذلك ، ففيه تردّد ، قيل : يخيّر ، وقيل : لا ، وهو الأصوب لوقوع اسم البكارة عليها ، ولأنّ البكارة قد تزول بوثبةٍ ونحوها . وإن علم الأب بثيوبتها بلا وطءٍ وكتم ، فللزّوج الرّدّ على الأصحّ ، وأحرى بوطءٍ . ولو شرط البكارة ووجدها قد ثيبت بنكاحٍ ، فله الرّدّ مطلقاً علم الأب أم لا . وعند الشّافعيّة : لو نكح امرأةً بشرط بكارتها ، فتبيّن فوات الشّرط صحّ النّكاح في الأظهر ، لأنّ المعقود عليه معيّن لا يتبدّل بخلف الصّفة المشروطة والقول الثّاني عندهم : بطلانه ، لأنّ النّكاح يعتمد الصّفات والأسماء دون التّعيين والمشاهدة ، فيكون اختلاف الصّفّة فيه كاختلاف العين . وورد عن الحنابلة : إن شرط في التّزويج أن تكون بكراً فوجدها ثيّباً بالزّنى ملك الفسخ . وإن شرط أن تكون بكراً فبانت ثيّباً ، قال ابن قدامة : عن أحمد كلام يحتمل أمرين : أحدهما : لا خيار له ، لأنّ النّكاح لا يردّ فيه بعيبٍ سوى ثمانية عيوبٍ ، فلا يردّ منه بمخالفة الشّرط . والأمر الثّاني : له الخيار نصّاً ، لأنّه شرط وصفاً مرغوباً فيه ، فبانت بخلافه .

البكارة الحكميّة ، وأثرها في الإجبار ومعرفة إذنها :
10 - من زالت بكارتها بلا وطءٍ كوثبةٍ ، أو أصبعٍ ، أو حدة حيضٍ ، ونحو ذلك ، فهي بكر حقيقةً وحكماً ، ولا أثر لزوال بكارتها بما ذكر ونحوه في الإجبار والاستئذان ومعرفة إذنها ، لأنّها لم تمارس الرّجال بالوطء في محلّ البكارة ، ولأنّ الزّائل في هذه المسائل العذرة ، أي الجلدة الّتي على محلّ البكارة . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة . والأصحّ للشّافعيّة ، والثّاني لهؤلاء ، ولأبي يوسف ومحمّدٍ : أنّها كالثّيّب من حيث عدم الاكتفاء بسكوتها ، لزوال العذرة ، لأنّها ثيّب حقيقةً . وقال الحنفيّة : من زالت بكارتها بزنًى - إن لم يتكرّر ، ولم تحدّ به - هي بكر حكماً . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ) .

تعمّد إزالة العذرة بغير جماعٍ وأثر ذلك :
11 - اتّفق الحنفيّة ، والحنابلة ، والشّافعيّة في الأصحّ عندهم على أنّ الزّوج إذا تعمّد إزالة بكارة زوجته بغير جماعٍ ، كأصبعٍ ، لا شيء عليه . ووجهه عند الحنفيّة : أنّه لا فرق بين آلةٍ وآلةٍ في هذه الإزالة . وورد في أحكام الصّغار في الجنايات : أنّ الزّوج لو أزال عذرتها بالأصبع لا يضمن ، ويعزّر ، ومقتضاه أنّه مكروه فقط . وقال الحنابلة : إنّه أتلف ما يستحقّ إتلافه بالعقد ، فلا يضمن بغيره . وأمّا الشّافعيّة فقالوا : إنّ الإزالة من استحقاق الزّوج . والقول الثّاني لهم : إن أزال بغير ذكرٍ فأرش . وقال المالكيّة : إذا أزال الزّوج بكارة زوجته بأصبعه تعمّداً ، يلزمه حكومة عدلٍ ( أرش ) يقدّره القاضي ، وإزالة البكارة بالأصبع حرام ، ويؤدّب الزّوج عليه . والتّفصيل يكون في مصطلح ( نكاح ودية ) .

مقدار الصّداق بإزالة البكارة بالأصبع دون الجماع :
12 - يرى الحنفيّة أنّ الزّوج إذا أزال بكارة زوجته بغير جماعٍ ، ثمّ طلّقها قبل المسيس ، وجب لها جميع مهرها ، إن كان مسمًّى ولم يقبض ، وباقيه إن قبض بعضه ، لأنّ إزالة البكارة بأصبعٍ ونحوه لا يكون إلاّ في خلوةٍ . وقال المالكيّة : لو فعل الزّوج ما ذكر لزمه أرش البكارة الّتي أزالها بأصبعه ، مع نصف صداقها . وقال الشّافعيّة والحنابلة : يحكم لها بنصف صداقها ، لمفهوم قوله تعالى : { وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضةً فنصف ما فرضتم } إذ المراد بالمسّ : الجماع ، ولا يستقرّ المهر باستمتاعٍ وإزالة بكارةٍ بلا آلةٍ ، فإن طلّقها وجب لها الشّطر دون أرش البكارة ، وعلّل الحنابلة زيادةً على الآية بأنّ هذه مطلّقة قبل المسيس والخلوة ، فلم يكن لها سوى نصف الصّداق المسمّى ، ولأنّه أتلف ما يستحقّ إتلافه بالعقد ، فلا يضمنه بغيره .

ادّعاء البكارة ، وأثر ذلك في الاستحلاف :
13 - يرى المالكيّة : أنّ من تزوّج امرأةً ظانّاً أنّها بكر ، وقال : إنّي وجدتها ثيّباً ، وقالت : بل وجدني بكراً ، فالقول قولها مع يمينها إن كانت رشيدةً ، سواء ادّعت أنّها الآن بكر ، أم ادّعى أنّها كانت بكراً ، وهو أزال بكارتها على المشهور في المذهب ، ولا يكشف عن حالها . فإن لم تكن رشيدةً ، وكانت لا تحسن التّصرّف ، أو صغيرةً ، يحلف أبوها ، ولا ينظرها النّساء جبراً عليها ، أو ابتداءً ، وأمّا برضاها فينظرنها ، فإن أتى الزّوج بامرأتين تشهدان له على ما هي مصدّقة فيه فإنّه يعمل بشهادتهما ، وكذا المرأة الواحدة . وحينئذٍ لا تصدّق الزّوجة ، وظاهره ولو حصلت الشّهادة بعد حلفها على ما ادّعت ، وإن كان الأب أو غيره من الأولياء عالماً بثيوبتها بلا وطءٍ من نكاحٍ ، بل بوثبةٍ ونحوها ، أو زنًى وكتم عن الزّوج ، فللزّوج الرّدّ على الأصحّ إن كان قد شرط بكارتها ، ويكون له الرّجوع بالصّداق على الأب ، وعلى غيره إن تولّى العقد . وأمّا إن كانت الثّيوبة من نكاحٍ فتردّ ، وإن لم يعلم الأب . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ، صداق ، عيب ) . وقال الشّافعيّة : تصدّق المرأة في دعوى بكارتها بلا يمينٍ ، وكذا في ثيوبتها ، إلاّ إذا ادّعت بعد العقد أنّها كانت ثيّباً قبله فلا بدّ من يمينها . وقال الخطيب الشّربينيّ : يصدّق الوليّ بيمينه هنا ، لئلاّ يلزم بطلان العقد ، ولا تسأل عن سبب زوال بكارتها . ولو أقام الوليّ بيّنةً ببكارتها قبل العقد لإجبارها قبلت ، ولو أقامت هي بيّنةً بعد العقد بزوال بكارتها قبل العقد لم يبطل العقد . وقال الحنابلة : من تزوّج امرأةً بشرط أنّها عذراء ، فادّعى بعد دخوله بها أنّه وجدها ثيّباً ، وأنكرت ذلك ، لا يقبل قوله بعد وطئه في عدم بكارتها ، لأنّ ذلك ممّا يخفى ، فلا يقبل في قوله بمجرّد دعواه . فإن شهدت امرأة عدل : أنّها كانت ثيّباً قبل الدّخول قبل قولها ويثبت له الخيار ، وإلاّ فلا . والتّفصيل في مصطلح ( نكاح ، صداق ، شرط )

بلاغ انظر : تبليغ .

بلعوم 1 - البلعوم لغةً واصطلاحاً : هو مجرى الطّعام والشّراب ، وموضع الابتلاع من الحلق . أحكام تتعلّق بالبلعوم : البلعوم - باعتباره مجرى الطّعام والشّراب بين آخر الفم ( أي أقصاه ، وهو اللّهاة ) والمعدة - تجري عليه أحكام ، منها ما يتعلّق بما يفطر به الصّائم ، ومنها ما يتعلّق بالتّذكية وقطع البلعوم فيها ، ومنها ما يتعلّق بالجناية عليه والدّية فيه .
أ - ما يتعلّق بالصّوم ومفطراته :
2 - اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ ما أدخل في البلعوم من طعامٍ أو شرابٍ أو دواءٍ في فترة الصّوم فإنّه يفطر في الجملة . وفي ذلك تفصيلات تنظر في ( الصّوم ) . وإن استقاء وجاوز القيء البلعوم أفطر عند بعض الفقهاء . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( الصّوم ) أيضاً .

ب - ما يتعلّق بالتّذكية :
3 - اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة على ضرورة قطع البلعوم أثناء الذّبح ، ضمن ما يقطع من عروقٍ في المذبوح معلومةٍ . وهي الحلقوم وهو : مجرى النّفس ، والودجان وهما : عرقان في جانبي العنق بينهما الحلقوم والمريء ، ويتّصل بهما أكثر عروق البدن ، ويتّصلان بالدّماغ . هذا بالإضافة إلى المريء ( البلعوم ) . أمّا المالكيّة فلم يشترطوا قطعه ، بل قالوا بقطع جميع الحلقوم ، وقطع جميع الودجين . وفيما يجزئ في الذّبح خلاف ، مجمله فيما يلي : ذهب الحنفيّة إلى أنّ الذّابح إن قطع جميعها حلّ الأكل ، لوجود الذّكاة . وكذلك إن قطع ثلاثة منها ، أيّ ثلاثةٍ كانت . وقال أبو يوسف : لا بدّ من قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين . وقال محمّد : إنّه يعتبر الأكثر من كلّ عرقٍ ، وذكر القدوريّ قول محمّدٍ مع أبي يوسف ، وحمل الكرخيّ قول أبي حنيفة " وإن قطع أكثرها حلّ " على ما قاله محمّد ، والصّحيح أنّ قطع أيّ ثلاثةٍ منها يكفي . وعند الشّافعيّة : يستحبّ قطع الحلقوم والمريء والودجين ، لأنّه أسرع وأروح للذّبيحة ، فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمريء أجزأه ، لأنّ الحلقوم مجرى النّفس ، والمريء مجرى الطّعام ، والرّوح لا تبقى مع قطعهما . وشرط المالكيّة قطع جميع الحلقوم ، وهو القصبة الّتي يجري فيها النّفس ، وقطع جميع الودجين ، ولم يشترطوا قطع المريء . أمّا الحنابلة فاشترطوا قطع الحلقوم والمريء ، واكتفوا بقطع البعض منهما ، ولم يشترطوا إبانتهما ، لأنّه قطع في محلّ الذّبح ما لا تبقى الحياة معه ، واشترطوا فري الودجين ، وذكر ابن تيميّة وجهاً أنّه يكفي قطع ثلاثةٍ من الأربعة ، وقال : إنّه الأقوى ، وسئل عمّن قطع الحلقوم والودجين لكن فوق الجوزة ؟ فقال : هذا فيه نزاع ، والصّحيح أنّها تحلّ . والتّفصيل يرجع فيه إلى : ( تذكية ) .

ج - ما يتعلّق بالجناية :
4 - الفقهاء متّفقون على أنّ الجروح - فيما عدا الرّأس والوجه - تنقسم إلى جائفةٍ وغير جائفةٍ . قال الشّافعيّة والحنابلة : إنّ الجائفة هي الّتي تصل إلى الجوف من البطن أو الظّهر أو الورك أو الثّغر ( ثغرة النّحر ) أو الحلق أو المثانة ، وقال الحنفيّة : إنّ ما وصل من الرّقبة إلى الموضع الّذي لو وصل إليه من الشّراب قطرة لأفطر يكون جائفةً ، لأنّه لا يفطر إلاّ إذا كان وصل إلى الجوف . وفي الجائفة ثلث الدّية ، فإن نفذت فهي جائفتان قال عليه الصلاة والسلام { في الجائفة ثلث الدّية } وعن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنّه حكم في جائفةٍ نفذت بثلث الدّية لأنّها إن نفذت فهي جائفتان ، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . أمّا المالكيّة فقد قالوا : إنّ الجائفة مختصّة بالبطن والظّهر ، وفيها ثلث من الدّية المخمّسة ، فإن نفذت فهي جائفتان . والتّفصيل في ( الجنايات ، والدّيات ) .

بلغم انظر : نخامة .

بلوغ
التّعريف
1 - البلوغ لغةً : الوصول ، يقال بلغ الشّيء يبلغ بلوغاً وبلاغاً : وصل وانتهى ، وبلغ الصّبيّ : احتلم وأدرك وقت التّكليف ، وكذلك بلغت الفتاة . واصطلاحاً : انتهاء حدّ الصّغر في الإنسان ، ليكون أهلاً للتّكاليف الشّرعيّة . أو هو : قوّة تحدث في الصّبيّ ، يخرج بها عن حالة الطّفوليّة إلى غيرها .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الكبر :
2 - الكبر والصّغر معنيان إضافيّان ، فقد يكون الشّيء كبيراً بالنّسبة لآخر ، صغيراً لغيره ، ولكنّ الفقهاء يطلقون الكبر في السّنّ على معنيين . الأوّل : أن يبلغ الإنسان مبلغ الشّيخوخة والضّعف بعد تجاوزه مرحلة الكهولة . الثّاني : أن يراد به الخروج عن حدّ الصّغر بدخول مرحلة الشّباب ، فيكون بمعنى البلوغ المصطلح عليه .
ب - الإدراك :
3 - الإدراك : لغةً مصدر أدرك ، وأدرك الصّبيّ والفتاة : إذا بلغا . ويطلق الإدراك في اللّغة ويراد به : اللّحاق ، يقال : مشيت حتّى أدركته . ويراد به أيضاً : البلوغ في الحيوان والثّمر . كما يستعمل في الرّؤية فيقال : أدركته ببصري : أي رأيته . وقد استعمل الفقهاء الإدراك بمعنى : بلوغ الحلم ، فيكون مساوياً للفظ البلوغ بهذا الإطلاق ، ويطلق بعض الفقهاء الإدراك ويريدون به أوان النّضج . ج الحلم والاحتلام :
4 - الاحتلام : مصدر احتلم ، والحلم : اسم المصدر . وهو لغةً : رؤيا النّائم مطلقاً ، خيراً كان المرئيّ أو شرّاً . وفرّق الشّارع بينهما ، فخصّ الرّؤيا بالخير ، وخصّ الحلم بضدّه . ثمّ استعمل الاحتلام والحلم بمعنًى أخصّ من ذلك ، وهو : أن يرى النّائم أنّه يجامع ، سواء أكان مع ذلك إنزال أم لا ثمّ استعمل هذا اللّفظ بمعنى البلوغ ، وعلى هذا يكون الحلم والاحتلام والبلوغ بهذا المعنى ألفاظاً مترادفةً .
د - المراهقة : د 5 - المراهقة : مقاربة البلوغ ، وراهق الغلام والفتاة مراهقةً : قاربا البلوغ ، ولم يبلغا ، ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن المعنى اللّغويّ . وبهذا تكون المراهقة والبلوغ لفظين متباينين .
هـ - الأشدّ :
6 - الأشدّ لغةً : بلوغ الرّجل الحنكة والمعرفة . والأشدّ : طور يبتدئ بعد انتهاء حدّ الصّغر ، أي من وقت بلوغ الإنسان مبلغ الرّجال إلى سنّ الأربعين ، وقد يطلق الأشدّ على الإدراك والبلوغ . وقيل : أن يؤنس منه الرّشد مع أن يكون بالغاً . فالأشدّ مساوٍ للبلوغ في بعض إطلاقاته . الرّشد :
7 - الرّشد لغةً : خلاف الضّلال . والرّشد ، والرّشد ، والرّشاد : نقيض الضّلال ، وهو : إصابة وجه الأمر والاهتداء إلى الطّريق . والرّشد في اصطلاح الفقهاء : الصّلاح في المال لا غير عند أكثر العلماء ، منهم : أبو حنيفة ومالك وأحمد . وقال الحسن والشّافعيّ وابن المنذر : الصّلاح في الدّين والمال . والتّفصيل في مصطلح ( رشد ) ( والولاية على المال ) . وليس للرّشد سنّ معيّنة ، وقد يحصل قبل البلوغ ، وهذا نادر لا حكم له ، وقد يحصل مع البلوغ أو بعده ، وفي استعمال الفقهاء : كلّ رشيدٍ بالغ ، وليس كلّ بالغٍ رشيداً . علامات البلوغ الطّبيعيّة في الذّكر ، والأنثى ، والخنثى :
8 - للبلوغ علامات طبيعيّة ظاهرة ، منها ما هو مشترك بين الذّكر والأنثى ، ومنها ما يختصّ بأحدهما . وفيما يلي بيان العلامات المشتركة : الاحتلام :
9 - الاحتلام : خروج المنيّ من الرّجل أو المرأة في يقظةٍ أو منامٍ لوقت إمكانه . لقوله تعالى : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ولحديث : { خذ من كلّ حالمٍ ديناراً } . الإنبات :
10 - الإنبات : ظهور شعر العانة ، وهو الّذي يحتاج في إزالته إلى نحو حلقٍ ، دون الزّغب الضّعيف الّذي ينبت للصّغير . ونجد في كلام بعض المالكيّة والحنابلة : أنّ الإنبات إذا جلب واستعمل بوسائل صناعيّةٍ من الأدوية ونحوها فإنّه لا يكون مثبتاً للبلوغ ، قالوا : لأنّه قد يستعجل الإنبات بالدّواء ونحوه لتحصيل الولايات والحقوق الّتي للبالغين . وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الإنبات علامةً على البلوغ ، على أقوالٍ ثلاثةٍ :
11 - الأوّل : أنّ الإنبات ليس بعلامةٍ على البلوغ مطلقاً . أي لا في حقّ اللّه ولا في حقّ العباد . وهو قول أبي حنيفة ، ورواية عن مالكٍ على ما في باب القذف من المدوّنة ، ونحوه لابن القاسم في باب القطع في السّرقة ، قال الدّسوقيّ : وظاهره لا فرق بين حقّ اللّه وحقّ الآدميّين .
12 - الثّاني : أنّ الإنبات علامة البلوغ مطلقاً . وهو مذهب المالكيّة والحنابلة ، ورواية عن أبي يوسف ذكرها ابن عابدين وصاحب الجوهرة ، إلاّ أنّ ابن حجرٍ نقل أنّ مالكاً لا يقيم الحدّ على من لم يثبت بلوغه بغير الإنبات ، لأنّ الشّبهة فيه تمنع من إقامة الحدّ ، واحتجّ أصحاب هذا القول بحديثٍ نبويٍّ ، وآثارٍ عن الصّحابة . فأمّا الحديث : فما ورد أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا حكّم سعد بن معاذٍ في بني قريظة ، فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريّهم ، وأمر أن يكشف عن مؤتزرهم ، فمن أنبت فهو من المقاتلة ، ومن لم ينبت فهو من الذّرّيّة . بلغ ذلك النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعةٍ } ومن هنا قال عطيّة بن كعبٍ القرظيّ : كنت معهم يوم قريظة . فأمر أن ينظر إليّ هل أنبتّ ، فكشفوا عانتي ، فوجدوها لم تنبت ، فجعلوني في السّبي . وأمّا ما ورد عن الصّحابة ، فمنه أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى عامله أن لا يقتل إلاّ من جرت عليه المواسي ، ولا يأخذ الجزية إلاّ ممّن جرت عليه المواسي وأنّ غلاماً من الأنصار شبّب بامرأةٍ في شعره ، فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت فقال : لو أنبتّ الشّعر لحددتك .
13 - القول الثّالث : أنّ الإنبات بلوغ في بعض الصّور دون بعضٍ . وهو قول الشّافعيّة ، وبعض المالكيّة . فيرى الشّافعيّة أنّ الإنبات يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر ، ومن جهل إسلامه ، دون المسلم والمسلمة . وهو عندهم أمارة على البلوغ بالسّنّ أو بالإنزال ، وليس بلوغاً حقيقةً . قالوا : ولهذا لو لم يحتلم ، وشهد عدلان بأنّ عمره دون خمسة عشرة سنةً ، لم يحكم ببلوغه بالإنبات . وإنّما فرّقوا بينه وبين المسلم في ذلك لسهولة مراجعة آباء المسلم وأقاربه من المسلمين ، ولأنّ الصّبيّ المسلم متّهم في الإنبات ، فربّما تعجّله بدواءٍ دفعاً للحجر عن نفسه وتشوّفاً للولايات ، بخلاف الكافر فإنّه لا يستعجله .
14 - ويرى بعض المالكيّة أنّ الإنبات يقبل علامةً في أعمّ ممّا ذهب إليه الشّافعيّة ، فقد قال ابن رشدٍ : إنّ الإنبات علامة فيما بين الشّخص وبين غيره من الآدميّين من قذفٍ وقطعٍ وقتلٍ . وأمّا فيما بين الشّخص وبين اللّه تعالى فلا خلاف - يعني عند المالكيّة - أنّه ليس بعلامةٍ . وبنى بعض المالكيّة على هذا القول أنّه ليس على من أنبت ، ولم يحتلم إثم في ترك الواجبات وارتكاب المحرّمات ، ولا يلزمه في الباطن عتق ولا حدّ ، وإن كان الحاكم يلزمه ذلك ، لأنّه ينظر فيه ويحكم بما ظهر له والحجّة للطّرفين الحديث المتقدّم ذكره الوارد في شأن بني قريظة . أمّا الشّافعيّة فقد قصروا حكمه على مخرجه ، فإنّ بني قريظة كانوا كفّاراً ، وابن رشدٍ ومن معه من المالكيّة جعلوه فيما هو أعمّ من ذلك ، أي في الأحكام الظّاهرة ، بنوعٍ من القياس .

ما تختصّ به الأنثى من علامات البلوغ :
15 - تزيد الأنثى وتختصّ بعلامتين : هما الحيض ، إذ هو علم على بلوغها لحديث : { لا يقبل اللّه صلاة حائضٍ إلاّ بخمارٍ } . وخصّ المالكيّة الحيض بالّذي لم يتسبّب في جلبه ، وإلاّ فلا يكون علامةً . والحمل علامة على بلوغ الأنثى ، لأنّ اللّه تعالى أجرى العادة أنّ الولد يخلق من ماء الرّجال وماء المرأة . قال تعالى : { فلينظر الإنسان ممّ خلق خلق من ماءٍ دافقٍ يخرج من بين الصّلب والتّرائب } فإذا وجد واحد من العلامات السّابقة حكم بالبلوغ على الوجه المتقدّم ، وإن لم يوجد كان البلوغ بالسّنّ على النّحو المبيّن في مواطنه من البحث .
16 - واعتبر المالكيّة من علامات البلوغ في الذّكر والأنثى - زيادةً على ما تقدّم - نتن الإبط ، وفرق الأرنبة ، وغلظ الصّوت . واعتبر الشّافعيّة أيضاً من علامات البلوغ في الذّكر - زيادةً على ما سبق - نبات الشّعر الخشن للشّارب ، وثقل الصّوت ، ونتوء طرف الحلقوم ، ونحو ذلك . وفي الأنثى نهود الثّدي .

علامات البلوغ الطّبيعيّة لدى الخنثى :
17 - الخنثى إن كان غير مشكلٍ ، وألحق بالذّكور أو الإناث ، فعلامة بلوغه بحسب النّوع الّذي ألحق به . أمّا الخنثى المشكل فعلامات البلوغ الطّبيعيّة لديه كعلامات البلوغ لدى الذّكور أو الإناث ، فيحكم ببلوغه بالإنزال أو الإنبات أو غيرهما من العلامات المشتركة أو الخاصّة ، على التّفصيل المتقدّم ، وهذا قول المالكيّة والحنابلة ، وهو قول بعض الشّافعيّة . أمّا القول الثّاني ، وهو المعتمد عند الشّافعيّة : أنّه لا بدّ من وجود العلامة في الفرجين جميعاً ، فلو أمنى الخنثى من ذكره ، وحاضت من فرجها ، أو أمنى منهما جميعاً حكم ببلوغه ، أمّا لو أمنى من ذكره فقط ، أو حاضت من فرجها فقط فلا يحكم بالبلوغ .
18 - واستدلّ ابن قدامة من الحنابلة على الاكتفاء بأيّ العلامتين تظهر أوّلاً ، بأنّ خروج منيّ الرّجل من المرأة مستحيل ، وخروج الحيض من الرّجل مستحيل ، فكان خروج أيٍّ منهما دليلاً على تعيين كون الخنثى أنثى أو ذكراً ، فإذا ثبت التّعيين لزم كونه دليلاً على البلوغ ، كما لو تعيّن قبل خروجه ، ولأنّه منيّ خارج من ذكرٍ ، أو حيض خارج من فرجٍ ، فكان علماً على البلوغ ، كالمنيّ الخارج من الغلام ، والحيض الخارج من الجارية . قال : ولأنّهم سلّموا أنّ خروجهما معاً دليل البلوغ ، فخروج أحدهما أولى ، لأنّ خروجهما معاً يقتضي تعارضهما وإسقاط دلالتهما ، إذ لا يتصوّر حيض صحيح ومنيّ رجلٍ . فيلزم أن يكون أحدهما فضلةً خارجةً من غير محلّها ، وليس أحدهما أولى بذلك من الآخر ، فتبطل دلالتهما ، كالبيّنتين إذا تعارضتا ، أمّا إن وجد الخروج من أحدهما من غير معارضٍ ، وجب أن يثبت حكمه ، ويقضى بثبوت دلالته .
19 - وأمّا الحنفيّة فلم نجد - في ما اطّلعنا عليه - من كلامهم تعرّضاً صريحاً لهذه المسألة ، ولكن يبدو أنّ قول الحنفيّة كقول المالكيّة والحنابلة ، لظاهر ما في شرح الأشباه من قوله في باب أحكام الخنثى : إذا كان الخنثى بالغاً ، بأن بلغ بالسّنّ ، ولم يظهر شيء من علامات الرّجال أو النّساء ، لا تجزيه الصّلاة بغير قناعٍ ، لأنّ الرّأس من الحرّة عورة .
رد مع اقتباس