ب - قضاء البغاة وحكم نفاذه :
36 - لو ظهر أهل البغي على بلدٍ فولّوا فيه قاضياً من أهله ، وليس من أهل البغي صحّ اتّفاقاً ، وعليه أن يقيم الحدود . أمّا إن كان منهم ، فإذا ظهر أهل العدل على هذا البلد ، فرفعت أقضيته إلى قاضي أهل العدل نفذ منها ما هو عدل ، وكذا ما قضاه برأي بعض المجتهدين ، لأنّ قضاء القاضي في المجتهدات نافذ ، وإن كان مخالفاً لرأي قاضي أهل العدل . وقال المالكيّة : إذا كان الباغي متأوّلاً ، وأقام قاضياً ، فحكم بشيءٍ فإنّه ينفذ ، ولا تتصفّح أحكامه ، بل تحمل على الصّحّة ، ويرتفع بها الخلاف . قال الموّاق : هذا في ظاهر المذهب . أمّا غير المتأوّل فأحكامه تتعقّب . وقال ابن القاسم : لا يجوز قضاؤهم . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن كان ممّن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم تنفذ أحكامه ، لأنّ من شرط القضاء العدالة والاجتهاد ، وهذا ليس بعدلٍ ولا مجتهدٍ ، وإن كان ممّن لا يستبيح ذلك نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم أهل العدل ، لأنّ لهم تأويلاً يسوغ فيه الاجتهاد ، فلم ينقض من حكمه ما يسوغ الاجتهاد فيه ، ولأنّه اختلاف في الفروع بتأويلٍ سائغٍ ، فلم يمنع صحّة القضاء ولم يفسق كاختلاف الفقهاء ، وإذا حكم بما لا يخالف إجماعاً نفذ حكمه ، وإن خالف الإجماع نقض ، وإن حكم بسقوط الضّمان عن أهل البغي فيما أتلفوه حال الحرب جاز حكمه ، لأنّه موضع اجتهادٍ ، وإن كان فيما أتلفوه قبل الحرب لم ينفذ ، لأنّه مخالف للإجماع ، وإن حكم على أهل العدل بالضّمان فيما أتلفوه حال الحرب لم ينفذ حكمه لمخالفته للإجماع ، وإن حكم عليهم بوجوب الضّمان فيما أتلفوه في غير حال الحرب نفذ حكمه .
ج - كتاب قاضي البغاة إلى قاضي أهل العدل :
37 - لا يقبل قاضي أهل العدل كتاب قاضي البغاة عند الحنفيّة ، لأنّهم فسقة . وعند الشّافعيّة والحنابلة : يجوز الحكم بكتابهم إلينا بسماع البيّنة في الأصحّ ، ويستحبّ عدم تنفيذه والحكم به ، استخفافاً بهم حيث لا ضرر على المحكوم له . فإن قبله جاز ، لأنّه ينفذ حكمه ، فجاز الحكم بكتابه ، كقاضي أهل العدل ، لأنّه حكم والحاكم من أهله . بل لو كان الحكم لواحدٍ منّا على واحدٍ منهم ، فالمتّجه وجوب التّنفيذ . وقيل : لا يجوز اعتبار كتابه ، لما فيه من إعلاءٍ لمنصبه . ولم نقف على نصٍّ للمالكيّة في هذا ، لكنّهم اشترطوا في القاضي الّذي يقبل كتابه : العدالة ، سواء أكان تولّى القضاء من قبل الوالي المتغلّب أو من قبل الكافر ، رعايةً لمصالح العباد ، ممّا يفيد جواز قبول كتاب قاضي أهل البغي .
د - إقامتهم للحدّ ، ووجوبه عليهم :
38 - الحدّ الّذي يقيمه إمام أهل البغي يقع موقعه ، ويكون مجزئاً ، ولا يعاد ثانياً على المحدود إن كان غير قتلٍ ، ولا دية عليه إن كان قتلاً ، لأنّ عليّاً رضي الله عنه قاتل أهل البصرة ، ولم يلغ ما فعلوه ، لأنّهم فعلوه بتأويلٍ سائغٍ ، فوجب إمضاؤه ، وهذا ما صرّح به كلّ من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة . وقال الحنفيّة : إذا كان القاضي الّذي أقامه إمام أهل البغي من أهل البلد الّتي تغلّبوا عليها ، وليس من البغاة ، وجب عليه إقامة الحدّ وأجزأ . وأمّا إذا كان من أهل البغي ، وكانوا امتنعوا بدار الحرب ، فإنّ الحدّ لا يجب ، إذ الفعل لم يقع موجباً أصلاً لوقوعه في غير دار الإسلام ، لعدم الولاية على مكان وقوع الجريمة وقت وقوعها . ولو رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحدّ أيضاً . وعلى هذا لو تغلّبنا عليهم لا يقام . ولو كانوا أقاموه فإنّه لا تجب إعادته ، لعدم وجوبه أصلاً . وقال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : إذا ارتكبوا حال امتناعهم ما يوجب حدّاً ، ثمّ قدر عليهم - ولم يكن أقيم الحدّ - أقيمت فيهم حدود اللّه ، ولا تسقط الحدود باختلاف الدّار . وهو قول ابن المنذر لعموم الآيات والأخبار ، ولأنّ كلّ موضعٍ تجب فيه العبادة في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها كدار أهل العدل ، ولأنّه زانٍ أو سارق لا شبهة في زناه وسرقته ، فوجب عليه الحدّ كالذّمّيّ في دار العدل .
شهادة البغاة :
39 - الأصل قبول شهادتهم . فقد نصّ الحنفيّة على قبول شهادة أهل الأهواء إن كانوا عدولاً في أهوائهم ، إلاّ بعض الرّافضة كالخطابيّة ، ومن كانت بدعته تكفّر ، أو كان صاحب عصبيّةٍ ، أو فيه مجانة ، فإنّ شهادته لا تقبل لكفره ولفسقه . ويقول المالكيّة : تقبل شهادة البغاة إذا لم يكونوا مبتدعين ، ولا تقبل إذا كانوا مبتدعين والعبرة بوقت الأداء . وقال الشّافعيّة : تقبل شهادة البغاة لتأويلهم ، إلاّ أن يكونوا ممّن يشهدون لموافقيهم بتصديقهم ، فلا تقبل حينئذٍ لبعضهم . وقال الحنابلة : البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ، وإنّما هم يخطئون في تأويلهم ، فهم كالمجتهدين ، فمن شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلاً . ونقل عن أبي حنيفة أنّهم يفسقون بالبغي وخروجهم على الإمام ، ولكن تقبل شهادتهم ، لأنّ فسقهم من جهة الدّين فلا تردّ به الشّهادة .
بغي انظر : بغاة
بقر
التّعريف
1 - البقر : اسم جنسٍ . قال ابن سيده : ويطلق على الأهليّ والوحشيّ ، وعلى الذّكر والأنثى ، وواحده بقرة ، وقيل : إنّما دخلته الهاء لأنّه واحد من الجنس . والجمع : بقرات ، وقد سوّى الفقهاء الجاموس بالبقر في الأحكام ، وعاملوهما كجنسٍ واحدٍ . زكاة البقر :
2 - زكاة البقر واجبة بالسّنّة والإجماع . أمّا السّنّة فما روى البخاريّ عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : { والّذي نفسي بيده ، أو والّذي لا إله غيره - أو كما حلف - ما من رجلٍ تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدّي حقّها إلاّ أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه ، تطؤه بأخفافها ، وتنطحه بقرونها ، كلّما جازت أخراها ردّت عليه أولاها حتّى يقضى بين النّاس } . وما روى النّسائيّ والتّرمذيّ عن مسروقٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم { بعث معاذاً إلى اليمن ، وأمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً ، ومن البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً ، ومن كلّ أربعين مسنّةً } . وقد أجمع الصّحابة ومن بعدهم على وجوب الزّكاة في الأنعام ، ولم يخالف في ذلك أحد ، والبقر صنف من الأنعام ، فوجبت الزّكاة فيها كالإبل والغنم ، وإنّما كان الخلاف في بعض الشّروط كما سيأتي .
شروط وجوب الزّكاة في البقر :
3 - يشترط في وجوب الزّكاة في البقر شروط عامّة تفصيلها في الزّكاة ، وهناك شروط خاصّة بيانها فيما يلي : اشتراط السّوم :
4 - المراد بالسّوم في زكاة الماشية : أن ترعى الماشية أكثر أيّام السّنة في كلأٍ مباحٍ ، سواء أكانت ترعى بنفسها أم براعٍ يرعاها ، هذا وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة وغيرهم إلى أنّه يشترط السّوم في زكاة الماشية ، ومن بين تلك الماشية البقر ، فيشترط فيها السّوم أيضاً ، وأمّا البقر العوامل والمعلوفة فلا زكاة فيها ، لانتفاء السّوم . وقال الإمام مالك : لا يشترط السّوم في زكاة البقر ، فالبقر العوامل والمعلوفة تجب فيها الزّكاة عنده . استدلّ الإمام مالك لما ذهب إليه بالإطلاق في الأحاديث الموجبة لزكاة البقر ، وهو الّذي استقرّ عليه عمل أهل المدينة ، وعمل أهل المدينة أحد أصول المالكيّة . واستدلّ القائلون باشتراط السّوم في زكاة الماشية بما روي عن عليٍّ رضي الله عنه ، قال الرّاوي أحسبه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في صدقة البقر قال : { وليس في العوامل شيء } ، وأيضاً بما روي عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { ليس في البقر العوامل شيء } وقد حمل الجمهور النّصوص المطلقة في البقر على النّصوص المقيّدة بالسّوم الواردة في الإبل والغنم ، كما استدلّوا بقياس البقر على الإبل والغنم في اشتراط السّوم . وأيضاً فإنّ صفة النّماء معتبرة في الزّكاة ، فلا توجد إلاّ في السّائمة ، أمّا البقر العوامل فصفة النّماء مفقودة فيها ، ومثلها المعلوفة فلا نماء فيها أيضاً ، لأنّ علفها يستغرق نماءها ، إلاّ أن يعدّها للتّجارة ، فيزكّيها زكاة عروض التّجارة .
الزّكاة في بقر الوحش :
5 - ذهب أكثر العلماء إلى عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ، وعند الحنابلة روايتان ، فالمذهب عندهم وجوب الزّكاة فيها ، لأنّ مطلق الخبر الّذي أوجب الزّكاة في البقر - والّذي سبق ذكره - يتناولها . والرّواية الثّانية عندهم عدم وجوب الزّكاة فيها . قال ابن قدامة : وهي أصحّ ، وهو قول أكثر أهل العلم في عدم وجوب الزّكاة في بقر الوحش ، لأنّ اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ولا يفهم منه إذ كانت لا تسمّى بقراً بدون الإضافة ، فيقال : بقر الوحش ، ولأنّ العادة تنفي وجود نصابٍ منها موصوفاً بصفة السّوم حولاً كاملاً ، ولأنّها حيوان لا يجزئ نوعه في الأضحيّة والهدي ، فلا تجب فيها الزّكاة كالظّباء ، ولأنّها ليست من بهيمة الأنعام ، فلا تجب فيها الزّكاة كسائر الوحوش ، والسّرّ في ذلك أنّ الزّكاة إنّما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها لكثرة النّماء فيها ، من درّها ونسلها وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفّة مئونتها ، وهذا المعنى يختصّ بها ، فاختصّت الزّكاة بها دون غيرها .
زكاة المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ :
6 - ذهب الحنابلة إلى وجوب الزّكاة في المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ ، سواء أكان الوحشيّ هو الفحل أم الأمّ ، واحتجّوا لذلك بأنّ المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ متولّد بين الّذي تجب فيه الزّكاة وبين ما لا تجب فيه ، فيرجّح جانب الوجوب ، قياساً على المتولّد بين السّائمة والمعلوفة ، فتجب فيه الزّكاة ، فكذلك المتولّد بين الوحشيّ والأهليّ . وعلى هذا القول تضمّ إلى جنسها من الأهليّ في وجوب الزّكاة ، ويكمّل بها نصابها ، وتكون كأحد أنواعه . وقال أبو حنيفة ومالك : إن كانت الأمّهات أهليّةً وجبت الزّكاة فيها ، وإلاّ فلا . واستدلّ لهذا القول بأنّ جانب الأمّ في الحيوان هو المعتبر ، لأنّ الأمّ في الحيوان هي الّتي تقوم وحدها برعاية ابنها . وقال الشّافعيّ : لا زكاة فيه مطلقاً ، سواء أكانت الوحشيّة من قبل الفحل أم من قبل الأمّ .
اشتراط تمام النّصاب : أمّا النّصاب فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوالٍ ، من أشهرها اتّجاهان :
8 - الاتّجاه الأوّل : وهو قول عليّ بن أبي طالبٍ ومعاذ بن جبلٍ وأبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنهم وقال به الشّعبيّ وشهر بن حوشبٍ وطاووس وعمر بن عبد العزيز والحسن البصريّ ، ونقله الزّهريّ عن أهل الشّام ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبلٍ والشّافعيّ ، قالوا : ليس فيما دون الثّلاثين من البقر شيء ، فإذا بلغتها ففيها تبيع أو تبيعة ، ( والتّبيع هو الّذي له سنتان ، أو الّذي له سنة وطعن في الثّانية ، وقيل : ستّة أشهرٍ ، والتّبيعة مثله ) ، ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنّة . ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ ستّين ، فإذا بلغتها ففيها تبيعان أو تبيعتان . ثمّ لا شيء فيها حتّى تبلغ عشراً زائدةً ، فإذا بلغتها ففي كلّ ثلاثين من ذلك العدد تبيع أو تبيعة وفي كلّ أربعين مسنّ أو مسنّة ، ففي سبعين تبيع ومسنّة ، وفي ثمانين مسنّتان ، وفي تسعين ثلاثة أتبعةٍ ، وفي مائةٍ مسنّة وتبيعان ، وفي مائةٍ وعشرٍ مسنّتان وتبيع ، وفي مائةٍ وعشرين ثلاث مسنّاتٍ أو أربعة أتبعةٍ ، فالمالك مخيّر بين إخراج الأتبعة أو المسنّات ، وإن كان الأولى النّظر إلى حاجة الفقراء والأصلح لهم . ثمّ يتغيّر الواجب كلّما زاد العدد عشراً . واحتجّ أصحاب هذا القول بما روي عن معاذٍ رضي الله عنه { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كلّ حالمٍ ديناراً ، ومن البقر من كلّ ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً ، ومن كلّ أربعين مسنّةً } . وروى ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة عن { معاذٍ أنّه سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص : ما بين الثّلاثين إلى الأربعين ، وما بين الأربعين إلى الخمسين ؟ قال : ليس فيها شيء } . واحتجّوا أيضاً بما جاء في كتاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزمٍ : { فرائض البقر ليس فيما دون الثّلاثين من البقر صدقة ، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل رائع جذع ، إلى أن تبلغ أربعين ، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنّة . إلى أن تبلغ سبعين ، فإنّ فيها بقرةً وعجلاً جذعاً ، فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنّتان ، ثمّ على هذا الحساب } . هذا ، ولتفصيل أحكام ما بين الفريضتين في الزّكاة - وهو المسمّى بالوقص - ينظر مصطلح : ( أوقاص ) .
9- الاتّجاه الثّاني : قول سعيد بن المسيّب والزّهريّ وأبي قلابة وغيرهم : أنّ نصاب البقر هو نصاب الإبل ، وأنّه يؤخذ في زكاة البقر ما يؤخذ من الإبل ، دون اعتبارٍ للأسنان الّتي اشترطت في الإبل ، من بنت مخاضٍ وبنت لبونٍ وحقّةٍ وجذعةٍ ، وروي هذا عن كتاب عمر بن الخطّاب في الزّكاة ، وعن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنهم ، وشيوخٍ أدّوا الصّدقات على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم وروى أبو عبيدٍ : أنّ في كتاب عمر بن الخطّاب ( في الزّكاة ) أنّ البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل ، قال : وقد سئل عنها غيرهم ، فقالوا : فيها ما في الإبل . وقد ذكر ابن حزمٍ بسنده عن الزّهريّ وقتادة كلاهما عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ رضي الله عنهما قال : في كلّ خمسٍ من البقر شاة ، وفي عشرٍ شاتان ، وفي خمس عشرة ثلاث شياهٍ ، وفي عشرين أربع شياهٍ . قال الزّهريّ : فرائض البقر مثل فرائض الإبل غير أسنانٍ فيها : فإذا كانت البقر خمساً وعشرين ففيها بقرة إلى خمسٍ وسبعين ، فإذا زادت على خمسٍ وسبعين ففيها بقرتان إلى مائةٍ وعشرين ، فإذا زادت على مائةٍ وعشرين ففي كلّ أربعين بقرة . قال الزّهريّ : وبلغنا أنّ قولهم : في كلّ ثلاثين تبيع ، وفي كلّ أربعين بقرة ، أنّ ذلك كان تخفيفاً لأهل اليمن ، ثمّ كان بعد ذلك لا يروى . وروي أيضاً عن عكرمة بن خالدٍ قال : استعملت - أي ولّيت - على صدقات ( عكّ ) فلقيت أشياخاً ممّن صدّق ( أخذت منهم الصّدقة ) على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاختلفوا عليّ : فمنهم من قال اجعلها مثل صدقة الإبل ، ومنهم من قال : في ثلاثين تبيع ، ومنهم من قال : في أربعين بقرة مسنّة . وذكر ابن حزمٍ أيضاً بسنده عن ابن المسيّب وأبي قلابة وآخرين مثل ما نقل عن الزّهريّ ، ونقل عن عمر بن عبد الرّحمن بن خلدة الأنصاريّ : أنّ صدقة البقر صدقة الإبل ، غير أنّه لا أسنان فيها .
ما يجزئ في الأضحيّة :
10 - لا يجزئ في الأضحيّة سوى النّعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، خلافاً لمن قال : يجوز التّضحية بأيّ شيءٍ من مأكول اللّحم من النّعم أو من غيرها . وتفصيله في ( الأضحيّة ) . واتّفق العلماء على أنّ الشّخص إذا ضحّى بالبقرة الواحدة عن نفسه فقط فإنّ الأضحيّة تقع له ، وسواء أكانت واجبةً أم متطوّعاً بها .
11 - وأمّا الاشتراك في التّضحية بالبقرة الواحدة ففيه خلاف : فذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وأكثر أهل العلم : إلى أنّ البقرة الواحدة تجزئ عن سبعة أشخاصٍ ، فيجوز لهم الاشتراك في البقرة الواحدة ، وسواء أكانوا أهل بيتٍ واحدٍ ، أم أهل بيتين ، أم متفرّقين ، وسواء أكانت أضحيّةً واجبةً أم متطوّعاً بها ، وسواء أراد بعضهم القربة أم أراد اللّحم ، فيقع لكلّ واحدٍ منهم ما قصد . إلاّ أنّه عند الحنفيّة لا بدّ أن يريد كلّهم القربة ، فلو أراد أحدهم اللّحم لم تجزئ عن الكلّ عندهم . وقال مالك : يجزئ الرّأس الواحد من الإبل أو البقر أو الغنم عن واحدٍ ، وعن أهل البيت وإن كثر عددهم وكانوا أكثر من سبعةٍ ، إذا أشركهم فيها تطوّعاً ، ولا تجزئ إذا اشتروها بينهم بالشّركة ، ولا على أجنبيّين فصاعداً . واحتجّ أصحاب القول الأوّل بما رواه جابر قال : { نحرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعةٍ ، والبقرة عن سبعةٍ } وعنه قال : { خرجنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مهلّين ، فأمرنا أن نشترك في الإبل والبقر ، كلّ سبعةٍ منّا في بدنةٍ } . وأمّا مالك فقد أخذ بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه كان يقول : البدنة عن واحدٍ والبقرة عن واحدٍ ، والشّاة عن واحدٍ لا أعلم شركاً . وقد روي هذا أيضاً عن غير ابن عمر كمحمّد بن سيرين فإنّه يرى أنّ النّفس الواحدة لا تجزئ إلاّ عن نفسٍ واحدةٍ فقط .
البقر في الهدي :
12 - حكم البقرة في الهدي كحكمها في الأضحيّة ، باستثناء ما يتّصل بالتّضحية عن الرّجل وأهل بيته ، وتفصيله في ( الحجّ ، والهدي ) . أمّا إشعار البقر في الهدي فقد اتّفق العلماء ( سوى أبي حنيفة ) على أنّ الإشعار سنّة ، وأنّه مستحبّ ، وقد فعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم والصّحابة من بعده ، واتّفقوا أيضاً على أنّ الإشعار سنّة في الإبل ، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام ، فإن لم يكن لها سنام فإنّها تشعر في موضع السّنام . وأمّا البقر فمذهب الشّافعيّة : الإشعار فيها مطلقاً ، سواء أكان لها سنام أم لم يكن لها سنام ، فهي عندهم كالإبل . وقد ذهب مالك إلى أنّ البقر إذا كان لها سنام فإنّها تشعر ، أمّا إذا لم يكن لها سنام فإنّها لا تشعر .
( حكم التّقليد ) :
13 - التّقليد : جعل القلادة في العنق ، وتقليد الهدي : أن يعلّق في عنقه قطعة من جلدٍ ، ليعرف أنّه هدي فلا يتعرّض له . واتّفق العلماء على أنّ التّقليد مستحبّ في الإبل والبقر . وأمّا الغنم فقد ذهب الشّافعيّة إلى استحباب التّقليد فيها كالإبل والبقر . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم استحباب التّقليد فيها . وتقليد الإبل والبقر يكون بالنّعال ونحوها ممّا يشعر أنّها هدي .
ذكاة البقر :
14 - ذكاة البقر كذكاة الغنم ، فإذا أريد تذكية البقرة فإنّها تضجع على جنبها الأيسر ، وتشدّ قوائمها الثّلاث : اليد اليمنى واليسرى والرّجل اليسرى ، وتترك الرّجل اليمنى بلا شدٍّ لتحرّكها عند الذّبح ، ويمسك الذّابح رأسها بيده اليسرى ، ويمسك السّكّين بيده اليمنى ، ثمّ يبدأ الذّبح بعد أن يقول : باسم اللّه واللّه أكبر وبعد أن يتّجه هو وذبيحته نحو القبلة . وأمّا الإبل فإنّها تنحر بطعنها في اللّبّة ، أي أسفل العنق ، وهي قائمة معقولة الرّكبة اليسرى .
استعمال البقر للرّكوب :
15 - اتّفق العلماء على أنّ ما يركب من الأنعام ويحمل عليه هو الإبل . وأمّا البقر فإنّه لم يخلق للرّكوب ، وإنّما خلق لينتفع به في حرث الأرض ، وغير ذلك من المنافع سوى الرّكوب . وأمّا الغنم فهي للدّرّ والنّسل واللّحم لقوله تعالى : { وإنّ لكم في الأنعام لعبرةً نسقيكم ممّا في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون ، وعليها وعلى الفلك تحملون } ، وقوله تعالى : { اللّه الّذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون } ، وقوله تعالى : { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } . وأمّا الآيات الّتي تذكر أنّ الأنعام تركب فهي محمولة عند العلماء على بعض الأنعام ، وهي الإبل ، وهو من العامّ الّذي أريد به الخاصّ . وممّا يدلّ على أنّ استعمال البقر للرّكوب غير لائقٍ ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { بينما رجل يسوق بقرةً له قد حمل عليها ، التفتت إليه البقرة فقالت : إنّي لم أخلق لهذا ، ولكنّي إنّما خلقت للحرث ، فقال النّاس : سبحان اللّه - تعجّباً وفزعاً - أبقرة تكلّم ؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : فإنّي أومن به وأبو بكرٍ وعمر } .
بول وروث البقر :
16 - اتّفق الفقهاء على نجاسة بول وروث ما لا يؤكل لحمه ، سواء أكان إنساناً أم غيره . وأمّا بول وروث ما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم ففيه الخلاف فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والشّافعيّ إلى نجاسة الأبوال والأرواث كلّها ، من مأكول اللّحم وغيره . وذهب مالك وأحمد وطائفة من السّلف ، ووافقهم من الشّافعيّة ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبّان والإصطخريّ والرّويانيّ ، ومن الحنفيّة محمّد بن الحسن إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه . وانظر للتّفصيل والاستدلال مصطلح ( نجاسة ) .
حكم البقر في الدّية :
17 - اختلف العلماء في اعتبار البقر أصلاً في الدّية على قولين : فذهب أبو حنيفة ومالك والشّافعيّ في القديم إلى أنّ الدّية ثلاثة أصولٍ : الإبل ، والذّهب ، والفضّة ، وليس أصلاً . وذهب صاحبا أبي حنيفة ( أبو يوسف ومحمّد بن الحسن ) والثّوريّ وأحمد بن حنبلٍ إلى أنّ الدّية خمسة أصولٍ : الإبل ، والذّهب ، والفضّة ، والبقر ، والغنم . وزاد الصّاحبان : الحلل ، وهو قول عمر وعطاءٍ وطاووسٍ وفقهاء المدينة السّبعة ، فعلى هذا القول تعتبر البقر أصلاً من أصول الدّية ، ويجوز لأصحابها - كما عند الصّاحبين - دفعها ابتداءً ، ولا يكلّفون غيرها . وذهب الشّافعيّ في الجديد إلى أنّ الدّية ليس لها إلاّ أصل واحد ، وهو الإبل ، فإذا فقدت فالواجب قيمتها من نقد البلد بالغةً ما بلغت . فليست البقر أصلاً على هذا القول كذلك . وانظر للتّفصيل مصطلح ( دية ) .
بكاء
التّعريف
1 - البكاء : مصدر بكى يبكي بكًى ، وبكاءً . قال في اللّسان : البكاء يقصر ويمدّ . قال الفرّاء وغيره : إذا مددت أردت الصّوت الّذي يكون مع البكاء ، وإذا قصرت أردت الدّموع وخروجها . قال كعب بن مالكٍ رضي الله عنه في رثاء حمزة بكت عيني وحقّ لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل قال الخليل : من قصر ذهب به إلى معنى الحزن ، ومن مدّه ذهب به إلى معنى الصّوت . والتّباكي : تكلّف البكاء كما في الحديث { فإن لم تبكوا فتباكوا } . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الصّياح والصّراخ :
2 - الصّياح والصّراخ في اللّغة : هو الصّوت بأقصى الطّاقة ، وقد يكون معهما بكاء ، وقد لا يكون ، ويرد الصّراخ أيضاً لرفع الصّوت على سبيل الاستغاثة .
ب - النّياح :
3 - النّياح والنّياحة لغةً : البكاء بصوتٍ على الميّت . وقال في المصباح ، وهو قريب ممّا جاء في القاموس : ناحت المرأة على الميّت نوحاً من باب قال ، والاسم النّواح وزان غرابٍ ، وربّما قيل : النّياح بالكسر ، فهي نائحة ، والنّياحة بالكسر : الاسم منه ، والمناحة بفتح الميم : موضع النّوح . ج النّدب :
4 - النّدب لغةً : الدّعاء إلى الأمر والحثّ عليه . والنّدب : البكاء على الميّت وتعداد محاسنه . والاسم : النّدبة . د - النّحب ، أو النّحيب :
5 - النّحب لغةً : أشدّ البكاء ، كالنّحيب . العويل :
6 - العويل : هو رفع الصّوت بالبكاء ، يقال : أعولت المرأة إعوالاً وعويلاً . هذا ويتّضح ممّا تقدّم أنّ النّحيب والعويل معناهما البكاء الشّديد ، وأنّ الصّراخ والصّياح متقاربان في المعنى ، وأنّ النّواح يأتي بمعنى البكاء على الميّت ، وأنّ النّدب هو تعداد محاسن الميّت ، وأنّ البكاء ما كان مصحوباً بصوتٍ ، والبكى ما كان بلا صوتٍ ، بأن كان قاصراً على خروج الدّمع . أسباب البكاء :
7 - للبكاء أسباب ، منها : خشية اللّه تعالى ، والحزن ، وشدّة الفرح . الحكم التّكليفيّ للبكاء في المصيبة :
8 - البكاء قد يكون قاصراً على خروج الدّمع فقط بلا صوتٍ ، أو بصوتٍ لا يمكن الاحتراز عنه ، وقد يكون مصحوباً بصوتٍ كصراخٍ أو نواحٍ أو ندبٍ وغيرها ، وهذا يختلف باختلاف من يصدر منه البكاء ، فمن النّاس من يقدر على كتمان الحزن ، ويملك السّيطرة على مشاعره ، ومنهم من لا يستطيع ذلك . فإن كان البكاء مجرّداً عن فعل اليد ، كشقّ جيبٍ أو لطمٍ ، وعن فعل اللّسان ، كالصّراخ ودعوى الويل والثّبور ونحو ذلك ، فإنّه مباح لقوله صلى الله عليه وسلم { إنّه مهما كان من العين والقلب فمن اللّه عزّ وجلّ ومن الرّحمة ، وما كان من اليد واللّسان فمن الشّيطان } ولقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً { إنّ اللّه لا يعذّب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذّب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم } . أمّا حكم البكاء في غير هذه الحالة فسيأتي فيما بعد .
البكاء من خشية اللّه تعالى :
9 - المؤمن يعيش في جهادٍ مع نفسه ، ويراقب اللّه في جميع أفعاله وتصرّفاته ، فهو يخاف اللّه ، ويبكي عند ذكره سبحانه تعالى ، فهذا من المخبتين الّذين بشّرهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله : { وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم والصّابرين على ما أصابهم والمقيمي الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون } وهم الّذين عناهم اللّه بقوله : { إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربّهم يتوكّلون } . وممّا قاله القرطبيّ في تفسير هذه الآية ، مع الإشارة إلى غيرها من الآيات القريبة منها في المعنى : وصف اللّه تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره ، وذلك لقوّة إيمانهم ومراعاتهم لربّهم ، وكأنّهم بين يديه ، ونظير هذه الآية { وبشّر المخبتين الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم } وقال : { الّذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر اللّه } ، فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب ، والوجل : الفزع من عذاب اللّه ، فلا تناقض ، وقد جمع اللّه بين المعنيين في قوله تعالى : { اللّه نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرّ منه جلود الّذين يخشون ربّهم ثمّ تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه } أي تسكن نفوسهم مع اللّه من حيث اليقين ، وإن كانوا يخافون اللّه .
10 - فهذه حالة العارفين باللّه ، الخائفين من سطوته وعقوبته . لا كما يفعله جهّال العوّام والمبتدعة الطّغام ، من الزّعيق والزّئير ومن النّهاق الّذي يشبه نهاق الحمير ، فيقال لمن تعاطى ذلك ، وزعم أنّ ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرّسول ولا حال أصحابه في المعرفة باللّه ، والخوف منه ، والتّعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن اللّه والبكاء خوفاً من اللّه ، ولذلك وصف اللّه أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنا فاكتبنا مع الشّاهدين } . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم ، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ، فمن كان مستنّاً فليستنّ بهم ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسّهم حالاً ، والجنون فنون . روى مسلم عن أنس بن مالكٍ { أنّ النّاس سألوا النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى أحفّوه في المسألة ، فخرج ذات يومٍ ، فصعد المنبر ، فقال : سلوني ، لا تسألوني عن شيءٍ إلاّ بيّنته لكم ، ما دمت في مقامي هذا . فلمّا سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمرٍ قد حضر ، قال أنس : فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كلّ إنسانٍ لافّ رأسه في ثوبه يبكي ... } . وذكر الحديث . وروى التّرمذيّ وصحّحه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : { وعظنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب } . الحديث . ولم يقل : زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا . وقال صاحب روح المعاني في تفسير قوله تعالى : { الّذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم } أي خافت قلوبهم منه عزّ وجلّ لإشراق أشعّة الجلال عليها .
11 - والبكاء خشيةً من اللّه له أثره في العمل ، وفي غفران الذّنوب ، ويدلّ لذلك ما رواه التّرمذيّ عن ابن عبّاسٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { عينان لا تمسّهما النّار : عين بكت من خشية اللّه ، وعين باتت تحرس في سبيل اللّه } . قال صاحب تحفة الأحوذيّ : قوله : { عينان لا تمسّهما النّار } أي لا تمسّ صاحبهما ، فعبّر بالجزء عن الجملة ، وعبّر بالمسّ إشارةً إلى امتناع ما فوقه بالأولى ، وفي روايةٍ : « أبداً " وفي روايةٍ : { لا يقربان النّار } . وقد ذكر صاحب روح المعاني أخباراً وردت في مدح البكاء خشيةً من اللّه تعالى ، من بينها هذا الحديث المتقدّم . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : { لا يلج النّار رجل بكى من خشية اللّه تعالى حتّى يعود اللّبن في الضّرع ، ولا يجتمع على عبدٍ غبار في سبيل اللّه تعالى ودخان جهنّم } .