عرض مشاركة واحدة
  #213  
قديم 05-11-2012, 10:59 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

ب - قتال البغاة :
11 - إذا ما دعا الإمام البغاة إلى الدّخول في طاعته ، وكشف شبهتهم ، فلم يستجيبوا وتحيّزوا مجتمعين ، وكانوا متهيّئين للقتال فإنّه يحلّ قتالهم . ولكن هل نبدؤهم بالقتال ، أم لا نقاتلهم إلاّ إذا أظهروا المغالبة ؟ هناك اتّجاهان : الاتّجاه الأوّل : جواز البدء بالقتال ، لأنّه لو انتظرنا قتالهم ربّما لا يمكن الدّفع ، وهو ما نقله خواهر زاده ، قال الزّيلعيّ : وهو المذهب عند الحنفيّة ، لأنّ النّصّ جاء غير مقيّدٍ بالبداءة منهم في قوله تعالى : { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي ... } وقول عليٍّ رضي الله عنه : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { سيخرج قوم في آخر الزّمان ، حداث الأسنان سفهاء الأحلام ، يقولون من قول خير البرّيّة ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة } ، ولأنّ الحكم يدار على علامته ، وهي هنا التّحيّز والتّهيّؤ ، فلو انتظرنا حقيقة قتالهم لصار ذريعةً لتقويتهم . فيدار الحكم على الإمارة ضرورة دفع شرّهم ، ولأنّهم بالخروج على الإمام صاروا عصاةً فجاز قتالهم ، إلى أن يقلعوا عن ذلك . وما نقل عن عليٍّ رضي الله عنه من قوله في الخوارج لن نقاتلكم حتّى تقاتلونا معناه : حتّى تعزموا على قتالنا . ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما تأهّبوا فعل ذلك ، ولا نقاتلهم ، لأنّه أمكن دفع شرّهم بأهون منه . وإلى القول بحلّ بدئهم بالقتال اتّجه فقهاء الحنابلة ، جاء في كشّاف القناع : إن أبوا الرّجوع وعظهم وخوّفهم بالقتال ، فإن رجعوا إلى الطّاعة تركهم ، وإلاّ لزمه قتالهم إن كان قادراً ، لإجماع الصّحابة على ذلك . الاتّجاه الثّاني : نقل القدوريّ أنّه لا يبدؤهم بالقتال حتّى يبدءوه ، وهو ما رواه الكاسانيّ والكمال . قال الكاسانيّ : لأنّ قتالهم لدفع شرّهم ، لا لشرّ شركهم ، لأنّهم مسلمون ، فما لم يتوجّه الشّرّ منهم لا يقاتلهم الإمام ، إذ لا يجوز قتال المسلم إلاّ دفعاً ، بخلاف الكافر ، لأنّ نفس الكفر قبيح . وهو ما استظهره بعض المالكيّة ، وهو مذهب الشّافعيّة ، وقول أحمد بن حنبلٍ ، لأنّ عليّاً أمر أصحابه ألاّ يبدءوا من خرجوا عليه بالقتال ، وإن أمكن دفعهم دون القتل لم يجز القتل . ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلاّ أن يخاف شرّهم كالصّائل . وقال ابن تيميّة : « الأفضل تركه حتّى يبدءوه " أي القتال .

المعاونة في مقاتلة البغاة :
12 - من دعاه الإمام إلى مقاتلة البغاة افترض عليه إجابته ، لأنّ طاعة الإمام فيما ليس بمعصيةٍ فرض . قال ابن عابدين : يجب على كلّ من أطاق الدّفع أن يقاتل مع الإمام ، إلاّ إن كان سبب الخروج ظلم الإمام بما لا شبهة فيه ، إذ يجب معونتهم لإنصافهم إن كان ذلك ممكناً . ومن لم يكن قادراً لزم بيته . وعليه يحمل ما روي عن جماعةٍ من الصّحابة أنّهم قعدوا في الفتنة ، وربّما كان بعضهم في تردّدٍ من حلّ القتال . وما روي عن أبي حنيفة من قوله : « إذا وقعت الفتنة بين المسلمين ، فالواجب على كلّ مسلمٍ أن يعتزل الفتنة ، ويقعد في بيته " فإنّه محمول على ما إذا لم يكن إمام . أمّا ما روي من حديث : { إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النّار } فإنّه محمول على اقتتالهما حميّةً وعصبيّةً ، أو لأجل الدّنيا والملك . ولو كان السّلطان ظالماً ، وبغت عليه طائفة لرفع الظّلم ، وطلب منه ذلك فلم يستجب ، فلا ينبغي للنّاس معاونة السّلطان ولا معاونة البغاة ، إذ غير العدل لا تجب معاونته . قال مالك : دعه وما يراد منه ، ينتقم اللّه من الظّالم بظالمٍ ، ثمّ ينتقم من كليهما . وينصّ الشّافعيّة على من خرجوا على الإمام - ولو جائراً - يجب على المسلمين إعانته ممّن قرب منهم ، حتّى تبطل شوكتهم . ويدلّ على وجوب معونة الإمام لدفع البغاة ما رواه عبد اللّه بن عمرٍو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : { من أعطى إماماً صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر } ولأنّ كلّ من ثبتت إمامته وجبت طاعته ، للحديث السّابق { يخرج قوم في آخر الزّمان ... } .

شروط قتال البغاة وما يتميّز به :
13 - إذا لم يجد مع البغاة النّصح ، ولم يستجيبوا للرّجوع إلى طاعة الإمام والدّخول في الجماعة ، أو لم يقلبوا الاستتابة - إن كانوا في قبضة الإمام - ورأوا مقاتلتنا وجب قتالهم . بشرط أن يتعرّضوا لحرمات أهل العدل ، أو يتعطّل جهاد المشركين بهم ، أو يأخذوا من حقوق بيت المال ما ليس لهم ، أو يمتنعوا من دفع ما وجب عليهم ، أو يتظاهروا على خلع الإمام الّذي انعقدت له البيعة . على ما قاله الماورديّ . وقال الرّمليّ : الأوجه وجوب قتالهم مطلقاً ، لأنّ ببقائهم - وإن لم يوجد ما ذكر - تتولّد مفاسد ، قد لا تتدارك ما داموا قد خرجوا عن قبضة الإمام وتهيّئوا للقتال . ولو اندفع شرّهم بما هو أهون وجب بقدر ما يندفع ، إذ يشترط لمقاتلتهم أن يتعيّن القتال لدفع شرّهم ، وإذا أمكن ذلك بمجرّد القول كان أولى من القتال .

كيفيّة قتال البغاة :
14 - الأصل أنّ قتالهم إنّما يكون درءاً لتفريق الكلمة ، مع عدم التّأثيم ، لأنّهم متأوّلون ، ولذا فإنّ قتالهم يفترق عن قتال الكفّار بأحد عشر وجهاً : أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ، وأن يكفّ عن مدبرهم ، ولا يجهز على جريحهم ، ولا تقتل أسراهم ، ولا تغنم أموالهم ، ولا تسبى ذراريّهم ، ولا يستعان عليهم بمشركٍ ، ولا يوادعهم على مالٍ ، ولا تنصب عليهم العرّادات ( المجانيق ونحوها ) ، ولا تحرّق مساكنهم ، ولا يقطع شجرهم . وإذا تحيّز البغاة إلى جهةٍ مجتمعين ، أو إلى جماعةٍ ولم يمكن دفع شرّهم إلاّ بالقتال ، حلّ قتالهم حتّى يتفرّق جمعهم ، ولو أمكن دفع شرّهم بالحبس بعدما تأهّبوا فعل ذلك ، إذ الجهاد معهم واجب بقدر ما يندفع به شرّهم على ما سبق . وقد قاتل عليّ رضي الله عنه أهل حروراء بالنّهروان بحضرة الصّحابة ، تصديقاً لقوله عليه الصلاة والسلام له { أنا أقاتل على تنزيل القرآن ، وعليّ يقاتل على تأويله } والقتال مع التّأويل هو القتال مع البغاة ، وذلك كقتال أبي بكرٍ رضي الله عنه مانعي الزّكاة . وإذا قاتلهم الإمام فهزمهم ، وولّوا مدبرين ، وأمن جانبهم ، أو تركوا القتال بإلقاء السّلاح أو بالهزيمة أو بالعجز ، لجراحٍ أو أسيرٍ ، فإنّه لا يجوز لأهل العدل أن يتّبعوهم ، ولا يجهزوا على جريحهم ، ولا يقلتوا أسيرهم ، لوقوع الأمن عن شرّهم ، ولا تسبى لهم ذرّيّة ، ولا يقسم له مال ، لقول عليٍّ رضي الله عنه لا يقتل بعد الهزيمة مقبل ولا مدبر ، ولا يفتح باب ، ولا يستحلّ فرج ولا مال بل قال لهم : من اعترف شيئاً فليأخذه ، أي من عرف من البغاة متاعه استردّه ، وقال يوم الجمل : لا تتّبعوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريحٍ ، ولا تقتلوا أسيراً ، وإيّاكم والنّساء ، ولأنّ قتالهم للدّفع والرّدّ إلى الطّاعة دون القتل . ويقول ابن قدامة : أمّا غنيمة أموالهم وسبي ذرّيّتهم فلا نعلم في تحريمه بين أهل العلم خلافاً ، لأنّهم معصومون ، وإنّما أبيح من دمائهم وأموالهم ما حصل من ضرورة دفعهم وقتالهم ، وما عداه يبقى على أصل التّحريم . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها ، ولا يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ، وغلب على الظّنّ عدم وصولها لهم ، فإنّه لا يقاتل مدبرهم ، ولا يجهز على جريحهم ، لأمن غائلته إلاّ إذا كان متحرّفاً لقتالٍ . وأمّا إذا كان لهم فئة قريبة تسعفهم عادةً ، والحرب قائمة ، فإنّه يجوز اتّباعهم والإجهاز على جريحهم . أو كانت لهم فئة بعيدة يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة ، وغلب على الظّنّ ذلك فالمتّجه أن يقاتل . وقريب منه ما ذهب إليه المالكيّة ، فقد صرّحوا بأنّه إذا أمن جانبهم بالظّهور عليهم ، لم يتبع منهزمهم ، ولم يذفّف على جريحهم . أمّا الحنابلة فينصّون على أنّ أهل البغي إذا تركوا القتال ، بالرّجوع إلى الطّاعة ، أو بإلقاء السّلاح ، أو بالهزيمة إلى فئةٍ ، أو إلى غير فئةٍ ، أو بالعجز لجراحٍ أو مرضٍ أو أسرٍ فإنّه يحرم قتلهم واتّباع مدبرهم . وساق ابن قدامة الآثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والإجهاز على الجريح وقتل الأسير ، وهي عامّة . ثمّ قال : لأنّ المقصود كفّهم وقد حصل ، فلم يجز قتلهم كالصّائل ، ولا يقتلون لما يخاف في التّالي - إن كان لهم فئة - كما لو لم تكن لهم فئة . أمّا الحنفيّة : فقد نصّوا على أنّه إذا كانت لهم فئة ينحازون إليها - مطلقاً - فإنّه ينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ، ويجهزوا على جريحهم ، لئلاّ ينحازوا إلى الفئة ، فيمتنعوا بها ، فيكرّوا على أهل العدل . والمعتبر في جواز القتل أمارة قتالهم لا حقيقته ، ولأنّ قتلهم إذا كان لهم فئة ، لا يخرج عن كونه دفعاً ، لأنّه يتحيّز إلى الفئة ويعود شرّه كما كان . وقالوا : إنّ ما قاله عليّ رضي الله عنه على تأويل إذا لم تكن لهم فئة .

المرأة المقاتلة من أهل البغي :
15 - ذهب جمهور الفقهاء ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ المرأة من البغاة - إن كانت تقاتل - فإنّها تحبس ، ولا تقتل إلاّ في حال مقاتلتها ، وإنّما تحبس للمعصية ، ولمنعها من الشّرّ والفتنة . وقال المالكيّة : إن لم يكن قتالهنّ إلاّ بالتّحريض والرّمي بالحجارة ، فإنّهنّ لا يقتلن .

أموالهم بالنّسبة لاغتنامها وإتلافها وضمانها :
16 - اتّفق الفقهاء على أنّ أموال البغاة لا تغنم ، ولا تقسّم ، ولا يجوز إتلافها ، وإنّما يجب أن تردّ إليهم . لكن ينبغي أن يحبس الإمام أموالهم دفعاً لشرّهم بكسر شوكتهم حتّى يتوبوا ، فيردّها إليها لاندفاع الضّرورة ، ولأنّها لا استغنام فيها ، وإذا كان في أموالهم خيل ونحوها - ممّا يحتاج في حفظه إلى إنفاقٍ - كان الأفضل بيعه وحبس ثمنه . وفي ضمان إتلاف مالهم كلام . فإنّ العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله حال القتال بسبب القتال أو ضرورته لا يضمن ، إذ لا يمكن أن يقتلهم إلاّ بإتلاف شيءٍ من أموالهم كالخيل ، فيجوز عقر دوابّهم إذا قاتلوا عليها ، وإذا كانوا لا يضمنون الأنفس فالأموال أولى . أمّا في غير حال القتال وضرورته فلا تحرّق مساكنهم ، ولا يقطع شجرهم ، لأنّ الإمام إذا ظفر لهم بمالٍ حال المقاتلة فإنّه يحبسه حتّى يردّ إليهم ، فلا تؤخذ أموالهم ، لأنّ مواريثهم قائمة ، وإنّما قوتلوا بما أحدثوا من البدع ، فكان ذلك كالحدّ يقام عليهم . وقيّد الماورديّ الضّمان بما إذا كان الإتلاف خارج القتال بقصد التّشفّي والانتقام ، أمّا إذا كان لإضعافهم أو هزيمتهم فلا ضمان . واستظهر الزّيلعيّ وابن عابدين حمل الضّمان على ما قبل تحيّزهم وخروجهم ، أو بعد كسرهم وتفرّق جمعهم .

ما أتلفه أهل العدل للبغاة :
17 - نقل الزّيلعيّ عن المرغينانيّ : أنّ العادل إذا أتلف نفس الباغي أو ماله لا يضمن ولا يأثم ، لأنّه مأمور بقتالهم دفعاً لشرّهم . وفي المحيط : إذا أتلف مال الباغي يؤخذ بالضّمان ، لأنّ مال الباغي معصوم في حقّنا ، وأمكن إلزام الضّمان ، فكان في إيجابه فائدة

ما أتلفه البغاة لأهل العدل :
18 - إذا أتلف أهل البغي لأهل العدل مالاً فلا ضمان عليهم ، لأنّهم طائفة متأوّلة فلا تضمن كأهل العدل ، ولأنّه ذو منعةٍ في حقّنا ، وأمّا الإثم فإنّه لا منعة له في حقّ الشّارع ، ولأنّ تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرّجوع إلى الطّاعة ، لما رواه عبد الرّزّاق بإسناده عن الزّهريّ ، أنّ سليمان بن هشامٍ كتب إليه يسأله عن امرأةٍ خرجت من عند زوجها ، وشهدت على قومها بالشّرك ، ولحقت بالحروريّة فتزوّجت ، ثمّ إنّها رجعت إلى أهلها تائبةً ، قال فكتب إليه : أمّا بعد ، فإنّ الفتنة الأولى ثارت ، وأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم - ممّن شهد بدراً - كثير ، فاجتمع رأيهم على ألاّ يقيموا على أحدٍ حدّاً في فرجٍ استحلّوه بتأويل القرآن ، ولا قصاصاً في دمٍ استحلّوه بتأويل القرآن ، ولا يردّ مال استحلّوه بتأويل القرآن ، إلاّ أن يوجد شيء بعينه فيردّ على صاحبه ، وإنّي أرى أن تردّ إلى زوجها ، وأن يحدّ من افترى عليها . وفي قولٍ للشّافعيّ : يضمنون ، لقول أبي بكرٍ تدون قتلانا ، ولا ندي - من الدّية - قتلاكم ولأنّها نفوس وأموال معصومة أتلفت بغير حقٍّ ولا ضرورة دفع مباحٍ ، فوجب ضمانه ، كالّتي أتلفت في غير حال الحرب . وإذا تاب البغاة ورجعوا أخذ منهم ما وجد بأيديهم من أموال أهل الحقّ ، وما استهلكوه لم يتبعوا به ، ولو كانوا أغنياء ، لأنّهم متأوّلون . وإذا قتل الباغي أحداً من أهل العدل في غير المعركة يقتل به ، لأنّه قتل بإشهار السّلاح والسّعي في الأرض بالفساد كقاطع الطّريق ، وقيل : لا يتحتّم قتله ، وهو الصّحيح عند الحنابلة : لقول عليٍّ رضي الله عنه : إن شئت أن أعفو ، وإن شئت استقدت .

التّمثيل بقتلى البغاة :
19 - التّمثيل بقتلى البغاة مكروه تحريماً عند الحنفيّة ، حرام عند المالكيّة ، أمّا نقل رءوسهم ، فقد قال الحنفيّة : يكره أخذ رءوسهم ، فيطاف بها في الآفاق ، لأنّه مثلة . وجوّزه بعض متأخّري الحنفيّة ، إذا كان فيه طمأنينة قلوب أهل العدل ، أو كسر شوكة البغاة . وجوّز المالكيّة رفع رءوس قتلى البغاة في محلّ قتلهم .

أسرى البغاة :
20 - أسرى البغاة يعاملون معاملةً خاصّةً ، لأنّ قتالهم كان لمجرّد دفع شرّهم ، فلا يستباح دمهم إلاّ بقدر ما يدفع القتال ، ولذا فإنّهم لا يقتلون إذا لم تكن لهم فئة اتّفاقاً ، للتّعليل السّابق ، ولذا لا يسترقّون مطلقاً ، سواء أكانت لهم فئة أم لا اتّفاقاً ، لأنّهم أحرار مسلمون ، ولا تسبى لهم نساء ولا ذرّيّة . أمّا إن كانت لهم فئة ، فقد ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّهم لا يقتلون أيضاً . غير أنّ عبد الملك من المالكيّة قال : إن أسر منهم أسير وقد انقطعت الحرب لا يقتل ، وإن كانت الحرب قائمةً فللإمام قتله ، إذا خاف منه الضّرر . وفي بعض كتب المالكيّة : أنّه إذا أسر بعد انقضاء الحرب يستتاب ، فإن لم يتب قتل ، وقيل : يؤدّب ولا يقتل . وقال الشّافعيّة : إن قتله ضمنه بالدّية ، لأنّه بالأسر صار محقون الدّم ، وقيل : فيه قصاص . وقيل : لا قصاص فيه ، لأنّ أبا حنيفة يجيز قتله فصار ذلك شبهةً . وإن كان أسير بالغاً فدخل في الطّاعة أطلقه ، وإن لم يدخل في الطّاعة حبسه إلى أن تنتهي الحرب . وإن كان عبداً أو صبيّاً لم يحبس ، لأنّه ليس من أهل البيعة ، وقال بعض الشّافعيّة : يحبس لأنّ في حبسه كسراً لقلوبهم . وهذا ما قاله الحنابلة . وقال الحنفيّة : إذا كانت للأسير فئة ، فالإمام بالخيار إن شاء قتله ، وإن شاء حبسه دفعاً لشرّه بقدر الإمكان ، ويحكم الإمام بنظره فيما هو أحسن في كسر الشّوكة .

فداء الأسرى :
21 - نصّ الفقهاء على جواز فداء أسارى أهل العدل بأسارى البغاة ، وقالوا : إن قتل أهل البغي أسرى أهل العدل لم يجز لأهل العدل قتل أسراهم ، لأنّهم لا يقتلون بجناية غيرهم ، وإن أبى البغاة مفاداة الأسرى الّذين معهم وحبسوهم ، قال ابن قدامة : احتمل أن يجوز لأهل العدل حبس من معهم ليتوصّلوا إلى تخليص أسراهم بذلك ، ويحتمل ألاّ يجوز حبسهم ، ويطلقون ، لأنّ الذّنب في حبس أسارى أهل العدل لغيرهم . وتفصيل الكلام عن أسرى البغاة في مصطلح ( أسرى ) .

( موادعة البغاة ) :
22 - اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجوز موادعة البغاة على مالٍ . فإن وادعهم الإمام على مالٍ بطلت الموادعة . ولو طلبوا الموادعة - أي الصّلح على ترك المقاتلة بغير مالٍ - أجيبوا إليها إن كان ذلك خيراً . فإن بان له أنّ قصدهم الرّجوع إلى الطّاعة ومعرفة الحقّ أمهلهم . وقال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم . فإن كان قصدهم الاجتماع على قتاله وانتظار مددٍ ، أو ليأخذوا الإمام على غرّةٍ عاجلهم ولم ينظرهم . وإذا وقعت الموادعة فأعطى كلّ فريقٍ رهناً على أيّهما غدر يقتل الآخرون الرّهن ، فغدر أهل البغي وقتلوا الرّهن ، لا يحلّ لأهل العدل قتل الرّهن ، بل يحبسونهم حتّى يهلك أهل البغي أو يتوبوا ، لأنّهم صاروا آمنين بالموادعة ، أو بإعطائه الأمان لهم حين أخذناهم رهناً . والغدر من غيرهم لا يؤاخذون به ، لكنّهم يحبسون مخافة أن يرجعوا إلى فئتهم فيكونون لهم قوّةً تغريهم على المقاتلة . 23 - وإن بذل البغاة لأهل العدل رهائن على إنظارهم لم يجز أخذها لذلك ، لأنّ الرّهائن لا يجوز قتلهم لغدر أهلهم ، وإن كان في أيديهم أسرى من أهل العدل ، وأعطوا بذلك رهائن منهم قبلهم الإمام ، واستظهر لأهل العدل . فإن أطلقوا أسرى أهل العدل الّذين عندهم أطلق رهائنهم . وإن قتلوا من عندهم لم يجز قتل رهائنهم ، لأنّهم لا يقتلون بقتل غيرهم ، لأنّهم صاروا آمنين . فإذا انقضت الحرب خلّي الرّهائن كما تخلّى الأسرى منهم .

من لا يجوز قتله من البغاة :
24 - يتّفق الفقهاء على أصل قاعدةٍ : أنّ من لا يجوز قتله من أهل الحرب - كالنّساء والشّيوخ والصّبيان والعميان - لا يجوز قتله من البغاة ما لم يقاتلوا ، لأنّ قتلهم لدفع شرّ قتالهم ، فيختصّ ذلك بأهل القتال . وهؤلاء ليسوا من أهل القتال عادةً ، فلا يقتلون إلاّ إذا قاتلوا ولو بالتّحريض ، لوجود القتال من حيث المعنى ، فيباح قتلهم إلاّ الصّبيّ والمعتوه . فالأصل أنّهما لا يقصدان القتل . فيحلّ قتلهما حال القتال إن قاتلا حقيقةً أو معنًى . أمّا الحنفيّة ، فعلى مذهبهم في تخيير الإمام بين قتل أسرى البغاة أو حبسهم ، يرون جواز قتل من قاتل أو حرّض من الشّيوخ ونحوهم ، فيقتلون حال القتال أو بعد الفراغ منه . لكن لا يقتل الصّبيّ والمعتوه بعد الفراغ من القتال ، لأنّ القتل بعد الفراغ والأسر بطريق العقوبة ، وهما ليسا من أهل العقوبة . وأمّا قتلهما حال الحرب فدفعاً لشرّهم كدفع الصّائل . وقال الحنابلة : إن حضر مع البغاة عبيد ونساء وصبيان قوتلوا مقبلين ، وتركوا مدبرين كغيرهم من الأحرار والذّكور البالغين ، لأنّ قتالهم للدّفع ، ولو أراد أحد هؤلاء قتل إنسانٍ جاز دفعه وقتاله . وقد نصّ المالكيّة على أنّ البغاة لو تترّسوا بذرّيّتهم تركوا ، إلاّ أن يترتّب على تركهم تلف أكثر المسلمين .

حضور من لا يقاتل من القادرين على القتال مع البغاة :
25 - إذا حضر مع البغاة من لا يقاتل - برغم قدرته على القتال - لم يجز أن يقصد بالقتل ، لأنّ القصد من قتالهم كفّهم ، وهذا قد كفّ نفسه لقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم } فإنّه يدلّ على تحريم قتل المؤمن عمداً على وجه العموم ، وإنّما خصّ من ذلك ما حصل ضرورة دفع الباغي والصّائل ، ففيما عداه يبقى على العموم ، فمن لا يقاتل تورّعاً عنه - مع قدرته عليه - ولا يخاف منه القتال بعد ذلك ، وهو مسلم لا يحتاج لدفعٍ فلا يحلّ دمه . وفي وجهٍ عند الشّافعيّة يجوز قتله ، لأنّ عليّاً نهاهم عن قتل محمّدٍ السّجّاد بن طلحة بن عبيد اللّه ولم يكن يقاتل ، وإنّما كان يحمل راية أبيه ، فقتله رجل وأنشد شعراً ، فلم ينكر عليّ قتله ، ولأنّه صار ردءاً لهم .

حكم قتال المحارم من البغاة :
26 - اتّفق الفقهاء في الجملة على عدم جواز قتل العادل لذي رحمه المحرّم من أهل البغي ، وقصر المالكيّة ذلك على الأبوين فقط . بل منهم من قال بجواز قتل أبويه ، وكذا في روايةٍ عند الحنابلة ذكرها القاضي . ومنهم من صرّح بالكراهة ، وهو الأصحّ لقوله تعالى : { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدّنيا معروفاً } ولما روى الشّافعيّ أنّ { النّبيّ صلى الله عليه وسلم كفّ أبا حذيفة بن عتبة عن قتل أبيه } . وصرّح بعضهم بعدم الحلّ ، لأنّ اللّه أمر بالمصاحبة بالمعروف ، والأمر يقتضي الوجوب . وللفقهاء تفصيل وأدلّة . يقول الحنفيّة : لا يجوز للعادل أن يبتدئ بقتل ذي رحمٍ محرمٍ من أهل البغي مباشرةً ، إذ اجتمع فيه حرمتان : حرمة الإسلام وحرمة القرابة . وإذا أراد الباغي قتل العادل فله أن يدفعه ، وإن كان لا يندفع إلاّ بالقتل فيجوز له أن يتسبّب ليقتله غيره ، لأنّ الإسلام في الأصل عاصم : { فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم ... } والباغي مسلم ، إلاّ أنّه أبيح قتل غير ذي الرّحم المحرّم من أهل البغي لدفع شرّهم ، لا لشركهم ، ودفع الشّرّ يحصل بالدّفع والتّسبّب ليقتله غيره . وقال المالكيّة : كره للرّجل قتل أبيه الباغي ، ومثل أبيه أمّه ، بل هي أولى ، لما جبلت عليه من الحنان والشّفقة ، ولا يكره قتل جدّه وأخيه وابنه . وقال ابن سحنونٍ : ولا بأس أن يقتل الرّجل في قتال البغاة أخاه وقرابته ، فأمّا الأب وحده فلا أحبّ قتله عمداً ، وروى ابن عبد السّلام جواز قتل الابن الباغي ، وهو غير المشهور . وقال الشّافعيّة : يكره أن يقصد قتل ذي رحمٍ محرمٍ ، كما يكره في قتال الكفّار ، فإن قاتله لم يكره . وقال الحنابلة : الأصحّ كراهة قتل ذي الرّحم المحرّم الباغي ، ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّه لا يكره ، لأنّه قتل بحقٍّ ، فأشبه إقامة الحدّ عليه .

إرث العادل من الباغي الّذي قتله والعكس :
27 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة - وهو قول لأبي بكرٍ من الحنابلة - إلى أنّ العادل إذا قتل قريبه الباغي ورثه ، لأنّه قتل بحقٍّ ، فلم يمنع الميراث كالقصاص ، ولأنّ قتل الباغي واجب ، ولا إثم على القاتل بقتله ، ولا يجب الضّمان عليه . فكذا لا يحرم من الإرث . وكذا لو قتل الباغي ذا رحمه العادل عند المالكيّة وأبي بكرٍ من الحنابلة ، لقولهم " ومواريثهم قائمة » . أمّا الحنفيّة فقالوا : لو قتل الباغي قريبه العادل وقال : أنا على حقٍّ ورثه عند أبي حنيفة ومحمّدٍ ، خلافاً لأبي يوسف . وإن قال : قتلته وأنا على الباطل لا يرث اتّفاقاً بين الإمام وصاحبيه . واستدلّ - أبو حنيفة - بأنّه أتلف ما أتلف عن تأويلٍ فاسدٍ ، والفاسد منه ملحق بالصّحيح إذا انضمّت إليه منعة ، وهو إن كان فاسداً في نفسه فإنّه يسقط به الضّمان ، فكذا لا يوجب الحرمان ، كما أنّ التّأويل في اعتقاده هو صحيح . وذهب الشّافعيّة ، وهو قول ابن حامدٍ من الحنابلة إلى أنّه لا يرث لعموم حديث : { ليس لقاتلٍ شيء } وكذا بالنّسبة للباغي إذا قتل العادل ، ونصّ الشّافعيّة : لا يرث قاتل من مقتوله مطلقاً .

ما يجوز قتال البغاة به :
28 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة قتال البغاة - إذا تحصّنوا - بكلّ ما يقاتل به أهل الحرب ، بالسّيف والرّمي بالنّبل وبالمنجنيق والحريق والتّغريق ، وقطع الميرة ( المؤن ) والماء عنهم ، وكذا إذا فعل البغاة معهم مثل ذلك ، لأنّ قتالهم لدفع شرّهم وكسر شوكتهم ، فيقاتلون بكلّ ما يحصل به ذلك . وقال المالكيّة : إلاّ أن يكون فيهم نسوة أو ذراريّ ، فلا نرميهم بالنّار . وقال الشّافعيّة والحنابلة بعدم جواز قتالهم بالنّار والرّمي بالمنجنيق ، ولا بكلّ عظيمٍ يعمّ ، كالتّغريق وإرسال سيولٍ جارفةٍ ، ولا يجوز محاصرتهم وقطع الطّعام والشّراب عنهم إلاّ لضرورةٍ ، بأن قاتلوا به ، أو أحاطوا بنّا ولم يندفعوا إلاّ به ، ويكون فعل ذلك بقصد الخلاص منهم لا بقصد قتلهم ، لأنّه لا يجوز قتل من لا يقاتل ، وما يعمّ إتلافه يقع على من يقاتل ومن لا يقاتل .

مقاتلة البغاة بسلاحهم الّذي في أيدينا :
29 - يجوز عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو وجه عند الحنابلة ، قتالهم بسلاحهم وخيلهم وكلّ أدوات القتال الّتي استولينا عليها منهم ، إن احتاج أهل العدل إلى هذا ، لأنّ عليّاً رضي الله عنه قسّم ما استولى عليه من سلاح البغاة بين أصحابه بالبصرة ، وكانت قسمةً للحاجة لا للتّمليك ، ولأنّ للإمام أن يفعل ذلك في مال أهل العدل عند الحاجة ، ففي مال الباغي أولى . ونقل ابن قدامة عن القاضي أنّ أحمد أومأ إلى جواز الانتفاع به حال التحام الحرب ، ومنعه في غير قتالهم ، لأنّ هذه الحالة يجوز فيها إتلاف نفوسهم ، وحبس سلاحهم وكراعهم ، فجاز الانتفاع به كسلاح أهل الحرب . وقال أبو الخطّاب : في هذه المسألة وجهان . أمّا الشّافعيّة ، وهو الوجه الآخر عند الحنابلة الّذي ذكره أبو الخطّاب ، فيرون أنّه لا يجوز لأحدٍ استعمال شيءٍ ممّا استولينا عليه من سلاح البغاة وخيلهم إلاّ لضرورةٍ ، ويلزم دفع أجرة المثل لهم ، كمضطرٍّ لأكل طعام غيره يلزمه ثمنه ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : { لا يحلّ مال امرئٍ مسلمٍ إلاّ بطيب نفسٍ منه } ولأنّ من لا يجوز أخذ ماله لم يجز الانتفاع بماله من غير إذنه ومن غير ضرورةٍ ، ولأنّ الإسلام عصم أموالهم ، وإنّما أبيح قتالهم لردّهم إلى الطّاعة ، فيبقى المال على عصمته ، ومتى انقضت الحرب وجب ردّه إليهم كسائر أموالهم ، ولا يردّ إليهم قبل ذلك لئلاّ يقاتلونا به .

الاستعانة في قتالهم بالمشركين :
30 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على تحريم الاستعانة بالكفّار في قتال البغاة ، لأنّ القصد كفّهم لا قتلهم ، والكفّار لا يقصدون إلاّ قتلهم ، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم ، فإن كان من الممكن القدرة على كفّ هؤلاء الكفّار المستعان بهم جاز ، وإن لم يقدر لم يجز . كما نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه لا يجوز الاستعانة على قتالهم بمن يرى من أهل العدل ( وهم فقهاء الحنفيّة ) قتل البغاة وهم مدبرون ، على ما سبق بيانه . ويتّفق الحنفيّة مع الجمهور في أنّه لا يحلّ الاستعانة بأهل الشّرك إذا كان حكم أهل الشّرك ، هو الظّاهر ، أمّا إذا كان حكم أهل العدل هو الظّاهر فلا بأس بالاستعانة بالذّمّيّين وصنفٍ من البغاة ، ولو لم تكن هناك حاجة ، لأنّ أهل العدل يقاتلون لإعزاز الدّين ، والاستعانة على البغاة بهم كالاستعانة عليهم بأدوات القتال .

قتلى معارك البغاة وحكم الصّلاة عليهم :
31 - من قتل من أهل العدل كان شهيداً ، لأنّه قتل في قتالٍ أمر اللّه به ، وذلك بقوله جلّ شأنه : { فقاتلوا الّتي تبغي } ولا يغسّل ، ولا يصلّى عليه ، لأنّه شهيد معركةٍ أمر بالقتال فيها ، فأشبه شهيد معركة الكفّار . وفي روايةٍ عند الحنابلة : يغسّل ويصلّي عليه ، وهو قول الأوزاعيّ وابن المنذر ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : { صلّوا على من قال لا إله إلاّ اللّه } واستثنى قتيل الكفّار في المعركة ، ففيما عداه يبقى على الأصل . أمّا قتلى البغاة ، فمذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة : أنّهم يغسّلون ويكفّنون ويصلّى عليهم ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : { صلّوا على من قال : لا إله إلاّ اللّه } ولأنّهم مسلمون لم يثبت لهم حكم الشّهادة ، فيغسّلون ويصلّى عليهم . ومثله الحنفيّة ، سواء أكانت لهم فئة ، أم لم تكن لهم فئة على الرّأي الصّحيح عندهم . وقد روي : أنّ عليّاً رضي الله عنه لم يصلّ على أهل حروراء ، ولكنّهم يغسّلون ويكفّنون ويدفنون . ولم يفرّق الجمهور بين الخوارج وغيرهم من البغاة في حكم التّغسيل والتّكفين والصّلاة .

تقاتل أهل البغي :
32 - إن اقتتل فريقان من أهل البغي ، فإن قدر الإمام على قهرهما ، لم يعاون واحداً منهما ، لأنّ الفريقين على خطأٍ ، وإن لم يقدر على قهرهما ، ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله ، ضمّ إلى نفسه أقربهما إلى الحقّ . فإن استويا في ذلك اجتهد رأيه في ضمّ أحدهما ، ولا يقصد بذلك معاونته على الآخر ، بل يقصد الاستعانة به على الآخر ، فإذا انهزم الآخر لم يقاتل الّذي ضمّه إلى نفسه حتّى يدعوه إلى الطّاعة ، لأنّه بالاستعانة به حصل على الأمان ، نصّ على هذا الشّافعيّة والحنابلة . ولم يوجد فيما رجعنا إليه من كتب الحنفيّة والمالكيّة حكم هذه الصّورة . وجاء في كتب الحنفيّة : لو قتل باغٍ مثله عمداً في عسكرهم ، ثمّ ظهر أهل العدل على البغاة ، فلا شيء على القاتل ، لكون المقتول مباح الدّم ، إذ لو قتله العادل لا يجب عليه شيء ، فلا يجب على الباغي القاتل دية ولا قصاص ، ولا إثم عليه أيضاً ، ولأنّه لا ولاية لإمام العدل حين القتل ، فلم ينعقد موجباً للجزاء ، كالقتل في دار الحرب . وقالوا : لو غلب أهل البغي على بلدٍ ، فقاتلهم آخرون من أهل البغي ، فأرادوا أن يسبوا ذراريّ أهل المدينة ، وجب على أهل البلد أن يقاتلوا دفاعاً عن ذراريّهم . وقال الحنفيّة أيضاً : لو قتل تاجر من أهل العدل تاجراً آخر من أهل العدل في عسكر أهل البغي ، أو قتل الأسير من أهل العدل أسيراً آخر ، ثمّ ظهر عليه فلا قصاص عليه ، لأنّ الفعل لم يقع موجباً للجزاء ، لتعذّر الاستيفاء وانعدام الولاية ، كما لو فعل ذلك في دار الحرب ، لأنّ عسكر أهل البغي في حقّ انقطاع الولاية ودار الحرب سواء .

استعانة البغاة بالكفّار :
33 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا استعان البغاة بالحربيّين وأمّنوهم ، أو عقدوا لهم ذمّةً ، لم يعتبر الأمان بالنّسبة لنا إن ظفرنا بهم ، لأنّ الأمان من شرط صحّته إلزام كفّهم عن المسلمين ، وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين ، فلا يصحّ الأمان لهم . ولأهل العدل قتالهم ، وحكم أسرهم في يد أهل العدل حكم الأسير الحربيّ . أمّا ما إذا استعان البغاة بالمستأمنين ، فمتى أعانوهم كانوا ناقضين للعهد ، وصاروا كأهل الحرب ، لأنّهم تركوا الشّرط ، وهو كفّهم عن المسلمين ، وعهدهم مؤقّت بخلاف الذّمّيّين ، فإن فعلوا ذلك مكرهين ، وكانت لهم منعة ، لم ينتقض عهدهم . وإن استعانوا بأهل الذّمّة فأعانوهم ، وقاتلوا معهم ، فعند الشّافعيّة والحنابلة وجهان : أحدهما : ينتقض عهدهم ، لأنّهم قاتلوا أهل الحقّ فينتقض عهدهم ، كما لو انفردوا بقتالهم ، وعلى هذا يكونون كأهل الحرب ، فيقتلون مقبلين ومدبرين ، ويجهز على جريحهم ، ويسترقّون ، وغير ذلك من أحكام قتال الحربيّين . والوجه الثّاني : أنّه لا ينقض عهدهم ، لأنّ أهل الذّمّة لا يعرفون المحقّ من المبطل ، فيكون ذلك شبهةً لهم . وعلى هذا يكونون كأهل البغي في الكفّ عن قتل أسرهم ومدبرهم وجريحهم . والحنفيّة والمالكيّة يتّفقون مع الشّافعيّة والحنابلة في أنّ معونة الذّمّيّين للبغاة استجابة لطلبهم لا تنقض عهد الذّمّة ، كما أنّ هذا الفعل من أهل البغي ليس نقضاً للأمان . فالّذين انضمّوا إليهم من أهل الذّمّة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات ، وأن يكونوا من أهل الدّار . وإن أكرههم البغاة على معونتهم لم ينقض عهدهم - قولاً واحداً - ويقبل قولهم ، لأنّهم تحت أيديهم وقدرتهم . ونصّ الحنفيّة على أنّهم يأخذون حكم البغاة ، وأطلقوا هذه العبارة ممّا يفيد أنّهم كالبغاة في عدم ضمان ما أتلفوه لأهل العدل أثناء القتال ، وهو ما صرّح به المالكيّة ، إذ قالوا بالنّسبة للذّمّيّ الخارج مع البغاة المتأوّلين استجابةً لطلبهم : لا يضمن نفساً ولا مالاً . لكنّ الشّافعيّة والحنابلة نصّوا على أنّهم يضمنون ما أتلفوا على أهل العدل حال القتال وغيره ، إذ لا تأويل لهم .

إعطاء الأمان للباغي من العادل :
34 - صرّح الحنفيّة أنّه إذا أمّن رجل من أهل العدل رجلاً من أهل البغي جاز أمانه ، لأنّه ليس أعلى شقاقاً من الكافر الّذي يجوز إعطاء الأمان له . فكذا هذا ، بل هو أولى وأحقّ ، لأنّه مسلم ، وقد يحتاج إلى مناظرته ليتوب ، ولا يتأتّى ذلك ما لم يأمن كلّ الآخر . ولو دخل باغٍ بأمانٍ ، فقتله عادل عمداً ، لزمته الدّية .

تصرّفات إمام البغاة إذا استولى البغاة على بلدٍ في دار الإسلام ، ونصّبوا لهم إماماً ، وأحدث الإمام تصرّفاتٍ باعتباره حاكماً ، كالجباية من جمع الزّكاة والعشور والجزية والخراج ، واستيفاء الحدود والتّعازير وإقامة القضاة ، فهل تنفذ هذه التّصرّفات ، وتترتّب عليها آثارها في حقّ أهل العدل ؟ بيان ذلك فيما يأتي :
أ - جباية الزّكاة والجزية والعشور والخراج :
35 - ذهب الفقهاء إلى أنّ ما جباه أهل البغي من البلاد الّتي غلبوا عليها ، من الزّكاة والجزية والعشور والخارج ، يعتدّ به ، لأنّ ما فعلوه أو أخذوه كان بتأويلٍ سائغٍ ، فوجب إمضاؤه ، كالحاكم إذا حكم بما يسوغ الاجتهاد فيه ، ولا حرج على النّاس في دفع ذلك إليهم ، فقد كان ابن عمر إذا أتاه ساعي نجدة الحروريّ دفع إليه زكاته ، وكذلك سلمة بن الأكوع . وليس لإمام أهل العدل إذا ظهر على هذه البلاد أن يطالب بشيءٍ ممّا جبوه ، ولا يرجع به على من أخذ منه ، وقد روي نحو هذا عن ابن عمر وسلمة بن الأكوع ، ولأنّ ولاية الأخذ كانت له باعتبار الحماية ، ولم يحمهم ، ولأنّ في ترك الاحتساب بها ضرراً عظيماً ومشقّةً كبيرةً ، فإنّهم قد يغلبون على البلاد السّنين الكثيرة ، فلو لم يحتسب ما أخذوه ، أدّى إلى أخذ الصّدقات منهم عن كلّ تلك المدّة . وقال أبو عبيدٍ : على من أخذوا منه الزّكاة الإعادة ، لأنّه أخذها من لا ولاية له صحيحة ، فأشبه ما لو أخذها آحاد الرّعيّة . وذهب فقهاء الحنفيّة إلى أنّه إذا كان إمام أهل البغي صرف ما أخذه في مصرفه أجزأ من أخذ منه ، ولا إعادة عليه ، لوصول الحقّ إلى مستحقّه . وإن لم يكن صرفه في حقّه فعلى من أخذ منهم أن يعيدوا دفعه فيما بينهم وبين اللّه تعالى ، لأنّه لم يصل إلى مستحقّه . وقال الكمال ابن الهمام : قال المشايخ : لا إعادة على الأرباب في الخراج ، لأنّ البغاة مقاتلة ، وهم مصرف الخراج وإن كانوا أغنياء ، وكذلك في العشر إن كانوا فقراء ، أمّا إن كانوا أغنياء فقد أفتوا بالإعادة ، وذلك في زكاة الأموال كلّها . وقال الشّافعيّة والحنابلة : إن عاد بلد البغاة إلى أهل العدل ، فادّعى من عليه الزّكاة أنّه دفعها إلى أهل البغي قبل قوله . وفي استحلافه وجهان عند الشّافعيّة ، وقال أحمد : لا يستحلف النّاس على صدقاتهم . وإن ادّعى من عليه الجزية أنّه دفعها إليهم لم يقبل قوله ، لأنّها عوض ، فلم يقبل قوله في الدّفع ، كالمستأجر إذا ادّعى دفع الأجرة . وعند الحنابلة يحتمل قبول قولهم إذا مضى الحول ، لأنّ الظّاهر أنّ البغاة لا يدّعون الجزية لهم ، فكان القول قولهم ، لأنّ الظّاهر معهم ، ولأنّه إذا مضى لذلك سنون كثيرة شقّ عليهم إقامة البيّنة على مدّعيهم ، فيؤدّي ذلك إلى تغريمهم الجزية مرّتين . وإن ادّعى من عليه الخراج أنّه دفعه إليهم ، ففيه وجهان : أحدهما : يقبل قوله ، لأنّه مسلم ، فقبل قوله في الدّفع لمن عليه الزّكاة . والثّاني : لا يقبل ، لأنّ الخراج ثمن أو أجرة ، فلم يقبل قوله في الدّفع ، كالثّمن في البيع والأجرة في الإجارة . ويصحّ تفريقهم سهم المرتزقة على جنودهم ، لاعتقادهم التّأويل المحتمل ، فأشبه الحكم بالاجتهاد ، ولما في عدم الاعتداد به من الإضرار بالرّعيّة ، ولأنّ جندهم من جند الإسلام ، ورعب الكفّار قائم بهم ، وسواء أكانت الزّكاة معجّلةً أم لا ، واستمرّت شوكتهم على وجوبها أم لا ، وقيل : لا يعتدّ بتفرقتهم لئلاّ يتقوّوا به علينا ، وإن كان من عليه الخراج ذمّيّاً فهو كالجزية ، لأنّه عوض على غير المسلم .
رد مع اقتباس