عرض مشاركة واحدة
  #12  
قديم 05-11-2012, 10:59 AM
الصورة الرمزية اِبن الصالحين
اِبن الصالحين غير متواجد حالياً
مشرف مساعد
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
الدولة: || خير بقاع الأرض ||
العمر: 27
المشاركات: 391
افتراضي

بعض انظر : بعضيّة .

بعضيّة
التّعريف
1 - البعضيّة : مصدر صناعيّ من البعض ، وبعض الشّيء : الطّائفة منه ، وبعضهم يقول : الجزء منه ، والجمع : أبعاض . قال ثعلب : أجمع أهل النّحو على أنّ البعض : شيء من شيءٍ ، أو شيء من أشياء ، وهذا يتناول ما فوق النّصف ، كالثّمانية ، فإنّه يصدق عليه أنّه شيء من العشرة ، ويتناول أيضاً ما دون النّصف . وبعّضت الشّيء تبعيضاً : جعلته أبعاضاً متمايزةً . وفي الاصطلاح لا يخرج عن معناه اللّغويّ .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
2 - من الألفاظ ذات الصّلة " الجزئيّة والفرعيّة " وهذه الألفاظ مقاربة ، لأنّ الجزئيّة من الجزء ، والجزء من الشّيء : الطّائفة منه . والفرعيّة من الفرع ، وهو ما يتفرّع من أصله .
( الحكم الإجماليّ ) : ورد استعمال الفقهاء لهذا المصطلح في كتب الفقه في مواطن أهمّها ما يأتي : في الطّهارة :
3 - اختلف الفقهاء في القدر الواجب في مسح الرّأس ، فذهب الأحناف إلى أنّه يجب مسح مقدار النّاصية ، وهو ربع الرّأس . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يجب مسح جميع الرّأس . وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يكفي ما يقع عليه اسم المسح من الرّأس ، وإن قلّ . وتفصيل ذلك في مصطلح ( وضوء ) . واختلف الفقهاء كذلك فيمن لم يجد من الماء إلاّ ما يكفي بعض أعضائه . فذهب الأحناف والمالكيّة وأكثر العلماء إلى أنّه يترك الماء الّذي لا يكفي إلاّ لبعض أعضائه ويتيمّم ، وهذا أحد الوجهين عند الحنابلة ، وذهب الشّافعيّة في الأظهر إلى أنّه يلزمه استعماله ، ثمّ يتيمّم ، وهو الوجه الثّاني عند الحنابلة . وتفصيل ذلك في مصطلح : ( تيمّم ) .

في الصّلاة :
4 - اتّفق الفقهاء على أنّ من لم يجد إلاّ ما يستر به بعض عورته لزمه ستره . وأبعاض الصّلاة في اصطلاح الشّافعيّة : هي السّنن الّتي تجبر بسجود السّهو ، وهي القنوت في الصّبح ، أو في وتر نصف رمضان ، والقيام له ، والتّشهّد الأوّل ، وقعوده ، والصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم على الأظهر . وسمّيت أبعاضاً ، لأنّها لمّا تأكّدت بالجبر بالسّجود أشبهت الأبعاض الحقيقيّة ، وهي الأركان . وما عداها من السّنن يسمّى هيئاتٍ لا تجبر بسجود السّهو ، ولا يشرع لها . ويتميّز البعض من الهيئة عند الشّافعيّة بعدّة أمورٍ . أوّلها : أنّ البعض يجبر بسجود السّهو بخلاف الهيئة ، فإنّها لا تجبر بسجود السّهو ، لعدم وروده فيها . ثانيها : أنّ البعض سنّة مستقلّة وليست تابعةً لغيرها ، بخلاف الهيئات ، فإنّها ليست مستقلّةً ، بل هي تابعة للأركان ، كالتّكبيرات والتّسبيحات والأدعية الواقعة إمّا في القيام ، أو الرّكوع ، أو الاعتدال منها ، أو السّجود ، أو الجلوس بين السّجدتين . ثالثها : الأبعاض لها محلّ خاصّ بها من الصّلاة لا يشاركها غيرها ، بخلاف الهيئات فليس لها محلّ خاصّ بها ، بل تقع في داخل الأركان ، كما ذكرنا آنفاً . رابعها : أنّ الأبعاض لا يطلب الإتيان بها خارج الصّلاة إلاّ الصّلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بخلاف الهيئات ، فالتّكبيرات والتّسبيحات وغيرها من الأذكار مطلوبة في الصّلاة وخارج الصّلاة . ويكره ترك البعض عمداً عند الشّافعيّة ، ولا تبطل الصّلاة به ، ويسجد للسّهو ندباً بتركه ، كما يسجد كذلك بتركه نسياناً في المعتمد عندهم ، لأنّ الخلل حاصل في الحالتين ، بل خلل العمد أكثر ، فكان للجبر أحوج . والمرجوح لديهم أنّه إن ترك عمداً فلا يسجد لتقصيره بتفويت السّنّة على نفسه ، بخلاف النّاسي فإنّه معذور ، فناسب أن يشرع له الجبر . ويقابل البعض عند الحنفيّة والحنابلة الواجب ، وهو عند الحنفيّة : ما لا تفسد الصّلاة بتركه ، ولكن يجب إعادتها في العمد والسّهو إن لم يسجد للسّهو في حالة النّسيان ، وإن لم يعدها يكون آثماً ، وتصحّ صلاته في الحالتين . وتبطل صلاته إذا ترك الواجب عمداً عند الحنابلة ، ويجب سجود السّهو عند الفريقين إذا ترك الواجب نسياناً . أمّا المالكيّة فيرون أنّ الأبعاض سنّة كالشّافعيّة ، وإن لم يسمّوها بهذا الاسم . كما أنّ سجود السّهو سنّة عندهم كذلك ( ر : صلاة ) .

في الزّكاة :
5 - لا يعطى من تلزم المزكّي نفقته بزوجيّةٍ أو بعضيّةٍ ، كالأبناء والبنت ، من سهم الفقراء والمساكين ، بلا خلافٍ بين الفقهاء في ذلك ، فيما إذا كان المزكّي يجب عليه الإنفاق .

في زكاة الفطر :
6 - لو وجد بعض الصّاع من الفطرة فهل يلزمه إخراجه ؟ ذهب الحنفيّة إلى أنّ الفطرة لا تجب إلاّ على من ملك نصاب الزّكاة ، فاضلاً عن مسكنه وثيابه وأثاثه وما يحتاجه . وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى عدم اشتراط ملك نصاب الزّكاة ، واتّفقوا على أنّ من ملك صاعاً زائداً عن قوت يومٍ وليلةٍ وجب عليه إخراجه . أمّا من ملك بعض صاعٍ ، فذهب المالكيّة إلى أنّه يجب إخراجه ، وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد ، وذهب الشّافعيّة إلى أنّه يجب إخراج بعض الصّاع في الأصحّ محافظةً على الواجب قدر الإمكان . راجع مصطلح : ( زكاة ) .

في الطّلاق والظّهار والعتق :
7 - أجمع الفقهاء على أنّ الطّلاق أو الظّهار لا يتبعّض ولا يتجزّأ ، فإن قال لزوجته : أنت طالق بعض طلقةٍ أو نصفها أو جزأها تقع طلقة كاملة . كما اتّفقوا على أنّه إذا أضاف الطّلاق أو الظّهار إلى بعض زوجته يلزمه الطّلاق أو الظّهار ، إن كان ذلك البعض جزءاً شائعاً كنصفها أو ثلثها ، أمّا إذا أسند الطّلاق أو الظّهار إلى جزءٍ معيّنٍ ففي ذلك تفصيل وخلاف يرجع إليه في مصطلح : ( طلاق وظهار ) . والكلام في تبعيض العتق يرجع إليه في مصطلح : ( عتق ) .

في الشّهادة :
8 - تردّ شهادة الابن لأبيه بعلّة البعضيّة ، وهو قول جماهير العلماء ، أمّا شهادة الابن على أبيه فهي مقبولة عند عامّة أهل العلم ، وإنّما ردّوا شهادة الابن لأبيه لأنّ بينهما بعضيّة ، فكأنّه يشهد لنفسه أو عليها . راجع مصطلح : ( شهادة ) .

العتق بالبعضيّة :
9 - ذهب الشّافعيّة إلى أنّ من ملك أحد أصوله أو فروعه عتق عليه . أمّا الأحناف والحنابلة فقد وسّعوا دائرة العتق وقالوا : إنّ العلّة هنا المحرميّة ، فمن ملك ذا رحمٍ محرمٍ عتق عليه . وذهب المالكيّة إلى أنّه يعتق بنفس الملك الأبوان وإن علوا ، والولد وإن سفل ، وأخ وأخت شقيقان أو لأبٍ أو لأمٍّ . راجع مصطلح : ( عتق ) .

بغاء
التّعريف
1 - البغاء مصدر : بغت المرأة تبغي بغاءً ، بمعنى : فجرت ، فهي بغيّ ، والجمع بغايا ، وهو وصف مختصّ بالمرأة ، ولا يقال للرّجل : بغيّ . ويعرّف الفقهاء البغاء بأنّه : زنى المرأة . أمّا الرّجل فلا يسمّى زناه بغاءً . والمراد من بغاء المرأة هو خروجها تبحث عمّن يفعل بها ذلك الفعل ، سواء أكانت مكرهةً أم غير مكرهةٍ ، ويفهم ذلك من كلام العلماء في تفسير قوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّناً } وقد ذكرت كتب التّفسير سبب نزول هذه الآية ، وهو أنّه كان لعبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول جوارٍ ، وكان يكرههنّ على ذلك الفعل ، فقد سمّي فعلهنّ وهنّ مكرهات عليه بغاءً ، فإطلاق هذا الاسم عليه مع رضاهنّ يصحّ ، بل أولى ، وبالنّسبة للقيد الّذي في الآية وهو قوله تعالى : { إن أردن تحصّناً } فستأتي الإشارة إليه . حكم أخذ البغيّ مهراً :
2 - نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن مهر البغيّ ، لحديث ابن مسعودٍ قال : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، ومهر البغيّ ، وحلوان الكاهن } فإنّ من البغايا من كنّ يأخذن عوضاً عن البغاء ، ومن ذلك ما روى مجاهد في قوله تعالى : { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } قال : كانوا يأمرون ولائدهم فيباغين ، فكنّ يفعلن ذلك فيصبن ، فيأتينهم بكسبهنّ . وكانت لعبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول جارية كانت تباغي ، فكرهت ذلك ، وحلفت ألاّ تفعله ، فأكرهها ، فانطلقت فباغت ببردٍ أخضر ، فأتتهم به ، فأنزل اللّه الآية . والمراد بمهر البغيّ : ما تؤجر به المرأة نفسها على الزّنى ، ولا خلاف بين العلماء في تحريمه . وتفصيل بقيّة الأحكام المتعلّقة بالبغاء محلّها مصطلح : ( زنى ) .

بغاة
التّعريف
1 - يقال في اللّغة : بغى على النّاس بغياً : أي ظلم واعتدى ، فهو باغٍ والجمع بغاة ، وبغى : سعى بالفساد ، ومنه الفئة الباغية . والفقهاء لا يخرجون في الجملة عن هذا المعنى إلاّ بوضع بعض قيودٍ في التّعريف فقد عرّفوا البغاة بأنّهم : الخارجون من المسلمين عن طاعة الإمام الحقّ بتأويلٍ ، ولهم شوكة . ويعتبر بمنزلة الخروج : الامتناع من أداء الحقّ الواجب الّذي يطلبه الإمام ، كالزّكاة . ويطلق على من سوى البغاة اسم ( أهل العدل ) وهم الثّابتون على موالاة الإمام .
( الألفاظ ذات الصّلة ) :
أ - الخوارج :
2 - يقول الجرجانيّ : هم الّذي يأخذون العشر من غير إذن السّلطان . وهم في الأصل كانوا في صفّ الإمام عليٍّ رضي الله عنه في القتال ، وخرجوا عليه لمّا قبل التّحكيم . قالوا : لم تحكّم وأنت على حقٍّ . ويقول ابن عابدين : إنّهم يرون عليّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه على باطلٍ بقبوله التّحكيم ، ويوجبون قتاله ، ويستحلّون دماء أهل العدل ، ويسبون نساءهم وذراريّهم ، لأنّهم في نظرهم كفّار . وأكثر الفقهاء يرون أنّهم بغاة ، ولا يرون تكفيرهم ، وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى أنّهم كفّار مرتدّون . وقال ابن المنذر : لا أعلم أحداً وافق أهل الحديث على تكفيرهم ، وذكر ابن عبد البرّ أنّ الإمام عليّاً رضي الله عنه سئل عنهم : أكفّار هم ؟ قال : من الكفر فرّوا . قيل : فمنافقون ؟ قال : إنّ المنافقين لا يذكرون اللّه إلاّ قليلاً . قيل فما هم ؟ قال : هم قوم أصابتهم فتنة ، فعموا وصمّوا ، وبغوا علينا ، وقاتلوا فقاتلناهم . وقال لهم : لكم علينا ثلاث : لا نمنعكم مساجد اللّه أن تذكروا فيها اسم اللّه ، ولا نبدؤكم بقتالٍ ، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا . ويقول الماورديّ : إن تظاهر الخوارج باعتقادهم ، وهم على اختلاطٍ بأهل العدل ، جاز للإمام أن يعزّرهم . وتفصيل الكلام في مصطلح ( فرق ) .
ب - المحاربون :
3 - المحاربون : لفظ مشتقّ من الحرابة مصدر حرب ، وحرّبه يحرّبه : إذا أخذ ماله ، والحارب : الغاصب النّاهب . وعبّر عنها الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة : بقطع الطّريق ، وقالوا : إنّه الخروج على المارّة لأخذ المال على سبيل المغالبة ، على وجهٍ يمنع المارّة من المرور ، فينقطع الطّريق ، سواء أكان القطع من جماعةٍ أم واحدٍ ، بعد أن يكون له قوّة القطع ، وسواء أكان القطع بسلاحٍ أم بغيره من العصا والحجر ونحو ذلك . وتسمّى الحرابة بالسّرقة الكبرى . أمّا كونها سرقةً ، فباعتبار أنّ قاطع الطّريق يأخذ المال خفيةً عن عين الإمام الّذي عليه حفظ الأمن . وأمّا كونها كبرى ، فلأنّ ضرره يعمّ ، حيث يقطع الطّريق على الجماعة بزوال الأمن . فالفرق بين الحرابة والبغي هو أنّ البغي يستلزم وجود تأويلٍ ، أمّا الحرابة فالغرض منها الإفساد في الأرض . الحكم التّكليفيّ للبغي :
4 - البغي حرام ، والبغاة آثمون ، ولكن ليس البغي خروجاً عن الإيمان ، لأنّ اللّه سمّى البغاة مؤمنين في قوله تعالى : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا الّتي تبغي حتّى تفيء إلى أمر اللّه ... } إلى أن قال : { إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } ، ويحلّ قتالهم ، ويجب على النّاس معونة الإمام في قتالهم . ومن قتل من أهل العدل أثناء قتالهم فهو شهيد . ويسقط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر اللّه ، ويقول الصّنعانيّ : إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم يخلّى وشأنه ، إذ مجرّد الخلاف على الإمام لا يوجب قتال المخالف . وفي حديثٍ رواه الحاكم وغيره قال النّبيّ عليه الصلاة والسلام لابن مسعودٍ : { يا ابن مسعودٍ : أتدري ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه الأمّة ؟ قال ابن مسعودٍ : اللّه ورسوله أعلم . قال : حكم اللّه فيهم ألاّ يتّبع مدبرهم ، ولا يقتل أسيرهم ، ولا يذفّف على جريحهم } . ويرى الشّافعيّة أنّ البغي ليس اسم ذمٍّ ، لأنّ البغاة خالفوا بتأويلٍ جائزٍ في اعتقادهم ، لكنّهم مخطئون فيه ، فلهم نوع عذرٍ ، لما فيهم من أهليّة الاجتهاد . وقالوا : إنّ ما ورد في ذمّهم ، وما وقع في كلام الفقهاء في بعض المواضع من وصفهم بالعصيان أو الفسق محمول على من لا أهليّة فيه للاجتهاد ، أو لا تأويل له . وكذلك إن كان تأويله قطعيّ البطلان .

5 - وقد بيّن الفقهاء أنواع البغاة من حيث جواز فعلهم ، أو كونه صغيرةً أو كبيرةً كما يلي :
أ - البغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين ، وإنّما هم مخطئون في تأويلهم ، كالمجتهدين من الفقهاء ، يقول ابن قدامة : لا أعلم خلافاً في قبول شهادتهم . وسيأتي بيانه . وكذا إن تكلّموا بالخروج لكن لم يعزموا على الخروج بعد ، فليس للإمام أن يتعرّض لهم ، لأنّ العزم على الجناية لم يوجد . ومثال ذلك : ما وقع لبعض الصّحابة ، ممّن عصى الإمام لا على سبيل المغالبة ، من أنّه مكث أشهراً لم يبايع الخليفة ثمّ بايعه . يقول القرطبيّ : ولم يوجب ذلك لعن البغاة والبراءة منهم وتفسيقهم .

ب - إن خالط البغاة أهل العدل ، وتظاهروا باعتقادهم ، دون مقاتلتهم جاز للإمام تعزيرهم ، إذ التّظاهر باعتقادهم ، ونشره بين أهل العدل دون قتالٍ يعتبر من الصّغائر .

ج - إذا اجتمع المسلمون على إمامٍ ، وصاروا آمنين به ، فخرج عليه طائفة من المؤمنين ، ولم يكن ذلك لظلمٍ ظلمهم إيّاه ، ولكن لدعوى الحقّ والولاية . فقالوا : الحقّ معنا ، ويدّعون الولاية ، ولهم تأويل ومنعة ، فهم أهل بغيٍ ، فعلى كلّ من يقوى على القتال مناصرة الإمام عليهم . قال ابن عابدين : ومن البغاة الخوارج . ويقول ابن قدامة : إذا خرجوا على الإمام فهم فسّاق .

شروط تحقّق البغي :
6 - يتحقّق البغي بما يلي :
أ - أن يكون الخارجون على الإمام جماعةً من المسلمين لهم شوكة ، وخرجوا عليه بغير حقٍّ لإرادة خلعه بتأويلٍ فاسدٍ . فلو خرج عليه أهل الذّمّة لكانوا حربيّين لا بغاةً . ولو خرجت عليه طائفة من المسلمين بغير تأويلٍ ولا طلب إمرةٍ لكانوا قطّاع طريقٍ ، وكذا لو لم يكن لهم قوّة ومنعة ، ولا يخشى قتالهم ، ولو كانوا متأوّلين . ولو خرجوا على الإمام بحقٍّ - كدفع ظلمٍ - فليسوا ببغاةٍ ، وعلى الإمام أن يترك الظّلم وينصفهم ، ولا ينبغي للنّاس معونة الإمام عليهم ، لأنّ فيه إعانةً على الظّلم ، ولا أن يعينوا تلك الطّائفة الخارجة ، لأنّ فيه إعانةً على خروجهم ، واتّساع الفتنة ، وقد لعن اللّه من أيقظ الفتنة . وأمّا من خرجوا على الإمام بمنعةٍ ، بتأويلٍ يقطع بفساده ، مستحلّين دماء المسلمين وأموالهم ، ممّا كان قطعيّ التّحريم ، كتأويل المرتدّين ، فليسوا ببغاةٍ ، لأنّ الباغي تأويله محتمل للصّحّة والفساد ، ولكنّ فساده هو الأظهر ، وهو متّبع للشّرع في زعمه ، والفاسد منه ملحق بالصّحيح ، إذا ضمّت إليه المنعة في حقّ الدّفع .
ب - أن يكون النّاس قد اجتمعوا على إمامٍ وصاروا به آمنين ، والطّرقات به آمنة ، لأنّه إذا لم يكن كذلك يكون عاجزاً ، أو جائراً ظالماً يجوز الخروج عليه وعزله ، إن لم يلزم منه فتنة ، وإلاّ فالصّبر أولى من التّعرّض لإفساد ذات البين .
ج - أن يكون الخروج على سبيل المغالبة ، أي بإظهار القهر . وقيل : بالمقاتلة ، وذلك لأنّ من يعصي الإمام لا على سبيل المغالبة لا يكون من البغاة ، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير إظهار القهر لا يكون باغياً .
د - وصرّح الشّافعيّة باشتراط أن يكون للخارجين مطاع فيهم ، يصدرون عن رأيه ، وإن لم يكن إماماً منصوباً ، إذ لا شوكة لمن لا مطاع لهم . وقيل : بل يشترط أن يكون لهم إمام منصوب منهم ، هذا ولا يشترط لتحقّق البغي انفرادهم بنحو بلدٍ ولكنّ ذلك شرط لمقاتلتهم .

الإمام الّذي يعتبر الخروج عليه بغياً :
7 - من اتّفق ، المسلمون على إمامته وبيعته ، وثبتت إمامته ، وجبت طاعته ومعونته ، ومثله من تثبت إمامته بعهد إمامٍ قبله إليه ، إذ الإمام يصير إماماً بالمبايعة أو بالاستخلاف ممّن قبله . ولو خرج رجل على الإمام فقهره ، وغلب النّاس بسيفه ، حتّى أذعنوا له وتابعوه ، صار إماماً يحرم قتاله والخروج عليه . وينظر للتّفصيل بحث ( الإمامة الكبرى ) .

أمارات البغي :
8 - إذا تكلّم جماعة في الخروج على الإمام ومخالفة أوامره ، وأظهروا الامتناع ، وكانوا متحيّزين متهيّئين لقصد القتال ، لخلع الإمام وطلب الإمرة لهم ، وكان لهم تأويل يبرّر في نظرهم مسلكهم دون المقاتلة ، فإنّ ذلك يكون أمارة بغيهم . وينبغي إذا ما بلغ الإمام أمرهم ، وأنّهم يشترون السّلاح ويتأهّبون للقتال ، أن يأخذهم ويحبسهم حتّى يقلعوا عن ذلك ، ويحدثوا توبةً ، دفعاً للشّرّ بقدر الإمكان ، لأنّه لو انتظر أن يبدءوه بالقتال ، فربّما لا يمكنه الدّفع ، لتقوّي شوكتهم وتكثّر جمعهم ، خصوصاً والفتنة يسرع إليها أهل الفساد . ويختلف الفقهاء في بدئهم بالقتال على ما سيأتي بيانه . وكذلك فإنّ مخالفتهم للإمام لمنع حقّ اللّه ، أو لآدميٍّ كزكاةٍ ، وكأداء ما عليهم ممّا جبوه لبيت مال المسلمين خراج الأرض ، مع التّحيّز والتّهيّؤ للخروج على الإمام على وجه المغالبة ، وعدم المبالاة به ، فإنّ ذلك يكون أمارة بغيهم . أمّا لو أظهروا رأي الخوارج ، كتكفير فاعل الكبيرة وترك الجماعات واستباحة دماء المسلمين وأموالهم ، ولكن لم يرتكبوا ذلك ، ولم يقصدوا القتال ، ولم يخرجوا عن طاعة الإمام ، فإنّ ذلك لا يكون أمارة البغي ، حتّى لو امتازوا بموضعٍ يتجمّعون فيه ، لكن إن حصل منهم ضرر تعرّضنا لهم إلى زوال الضّرر .

بيع السّلاح لأهل الفتنة 9 - ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع السّلاح للبغاة وأهل الفتنة ، لأنّ هذا سدّ لذريعة الإعانة على المعصية ، وكذا ما كان في معنى البيع من إجارةٍ أو معاوضةٍ ، وقد قال الإمام أحمد : { نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن بيع السّلاح في الفتنة } . وصرّح الحنفيّة بكراهة بيع السّلاح لهم كراهةً تحريميّةً ، لأنّه إعانة على معصيةٍ ، قال اللّه تعالى : { وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } ، ولأنّ الواجب أخذ سلاحهم بما أمكن ، حتّى لا يستعملوه في الفتنة ، فمنع بيعه لهم أولى . والّذي يكره هو بيع السّلاح نفسه المعدّ للاستعمال . وإن لم يدر أنّ طالب السّلاح من أهل الفتنة لا يكره البيع له ، لأنّ الغلبة في دار الإسلام لأهل الصّلاح ، والأحكام تبنى على الغالب . وأمّا ما لا يقاتل به إلاّ بصنعةٍ كالحديد ، فلا يكره بيعه ، لأنّ المعصية تقع بعين السّلاح ، بخلاف الحديد ، وقاسوه على الخشب الّذي يتّخذ منه المعازف ، فإنّه لا يكره بيعه ، لأنّ عينه ليس منكراً ، وإنّما المنكر في استعماله المحظور . والحديد وإن كان يكره تحريماً بيعه لأهل الحرب ، فإنّه يجوز بيعه لأهل البغي ، لأنّهم لا يتفرّغون لاستعمال الحديد سلاحاً ، لأنّ فسادهم في الغالب يكون على شرف الزّوال بالتّوبة ، أو بتفريق جمعهم ، بخلاف أهل الحرب . واستظهر ابن عابدين أنّ الكراهة تنزيهيّة ، وقال : ولم أر من تعرّض لهذا .

واجب الإمام نحو البغاة :
أ - قبل القتال :
10 - ينبغي للإمام أن يدعو البغاة الخارجين عليه إلى العودة إلى الجماعة ، والدّخول في طاعته رجاء الإجابة ، وقبول الدّعوة ، لعلّ الشّرّ يندفع بالتّذكرة ، لأنّه ترجى توبتهم ، ويسألهم عن سبب خروجهم ، فإن كان لظلمٍ منه أزاله ، وإن ذكروا علّةً يمكن إزالتها أزالها ، وإن ذكروا شبهةً كشفها ، لأنّ اللّه سبحانه بدأ الأمر بالإصلاح قبل القتال فقال : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } ولأنّ المقصود كفّهم ودفع شرّهم ، لا قتلهم . فإذا أمكن بمجرّد القول كان أولى من القتال ، لما فيه من الضّرر بالفريقين . ولا يجوز قتالهم قبل ذلك إلاّ أن يخاف شرّهم . وإن طلبوا الإنظار - وكان الظّاهر من قصدهم الرّجوع إلى الطّاعة - أمهلهم . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم . وقال أبو إسحاق الشّيرازيّ : ينظرهم إلى مدّةٍ قريبةٍ كيومين أو ثلاثةٍ . وإن أصرّوا على بغيهم ، بعد أن بعث إليهم أميناً ناصحاً لدعوتهم ، نصحهم ندباً بوعظٍ ترغيباً وترهيباً ، وحسّن لهم اتّحاد كلمة الدّين وعدم شماتة الكافرين ، فإن أصرّوا آذنهم بالقتال . وإن قاتلهم بلا دعوةٍ جاز ، لأنّ الدّعوة ليست بواجبةٍ . وعند المالكيّة : يجب إنذارهم ودعوتهم ما لم يعاجلوه . وكون المبعوث إليهم عارفاً فطناً واجب ، إن بعث للمناظرة وكشف الشّبهة ، وإلاّ فمستحبّ . وفصّل الكاسانيّ فقال : إن علم الإمام أنّهم يجهّزون السّلاح ويتأهّبون للقتال ، فينبغي له أن يأخذهم ، ويحبسهم حتّى يتوبوا ، وإن لم يعلم بذلك حتّى تعسكروا وتأهّبوا للقتال ، فينبغي له أن يدعوهم إلى الرّجوع إلى رأي الجماعة أوّلاً ، فإنّ الإمام عليّاً رضي الله عنه لمّا خرج عليه أهل حروراء ، ندب إليهم عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي الله عنهما ليدعوهم إلى العدل ، فإن أجابوا كفّ عنهم وإن أبوا قاتلهم ... وإن قاتلهم قبل الدّعوة لا بأس بذلك ، لأنّ الدّعوة قد بلغتهم ، فهم مسلمون في دار الإسلام . وقد أسند النّسائيّ في سننه الكبرى إلى ابن عبّاسٍ قال : لمّا خرجت الحروريّة اعتزلوا في دارٍ ، وكانوا ستّة آلافٍ ، فقلت لعليٍّ أمير المؤمنين : لعلّي أكلّم هؤلاء القوم . قال إنّي أخافهم عليك . قلت : كلّاً . فلبست ثيابي ، ومضيت إليهم ، حتّى دخلت عليهم وهم مجتمعون . وقلت : أتيتكم من عند أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عند ابن عمّ النّبيّ وصهره وعليهم نزل القرآن ، وهم أعرف بتأويله منكم . وليس فيكم منهم أحد . وقلت : هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول اللّه وختنه . قالوا : ثلاث . أنّه حكّم الرّجال في دين اللّه ، وقد قال اللّه تعالى : { إن الحكم إلاّ للّه } وأنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، فإن كانوا كفّاراً فقد حلّت لنا نساؤهم وأموالهم ، وإن كانوا مؤمنين فقد حرمت علينا دماؤهم . وأنّه محا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فإنّه يكون أمير الكافرين . قلت : أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب اللّه ، وحدّثتكم من سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم ما يردّ قولكم هذا ، ترجعون ؟ قالوا : نعم . قلت : أمّا قولكم : إنّه حكّم الرّجال في دين اللّه ، فأنا أقرأ عليكم أن قد صيّر اللّه حكمه إلى الرّجال في أرنبٍ ثمنها ربع درهمٍ ، قال اللّه تعالى : { لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرم } إلى قوله { يحكم به ذوا عدلٍ منكم } وقال اللّه تعالى في المرأة وزوجها : { وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها } أنشدكم اللّه أحكم الرّجال في حقن دمائهم وأنفسهم وإصلاح ذات البين أحقّ ، أم في أرنبٍ ثمنها ربع درهمٍ ؟ . وأمّا قولكم : إنّه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أتسبون أمّكم عائشة ، فتستحلّون منها ما تستحلّون من غيرها ، وهي أمّكم ؟ لئن فعلتم لقد كفرتم . فإن قلتم : ليست أمّنا فقد كفرتم ، لأنّ اللّه تعالى يقول : { النّبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمّهاتهم } . وأمّا قولكم : إنّه محا نفسه من أمير المؤمنين . فإنّ { رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً يوم الحديبية ، على أن يكتب بينه وبينهم كتاباً ، فقال لكاتبه : اكتب : هذا ما قضى عليه محمّد رسول اللّه . فقالوا : واللّه لو كنّا نعلم أنّك رسول اللّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمّد بن عبد اللّه . فقال : واللّه إنّي لرسول اللّه وإن كذّبتموني . يا عليّ اكتب : محمّد بن عبد اللّه } ، فرسول اللّه خير من عليٍّ ، وقد محا نفسه ولم يكن محو ذلك محواً من النّبوّة . فرجع منهم ألفان وبقي سائرهم ، فقوتلوا . ويصرّح الألوسيّ أنّه يجب قبل القتال إزالة الشّبهة بالحجج النّيّرة والبراهين القاطعة ، ودعوة البغاة إلى الرّجوع إلى الجماعة والدّخول في طاعة الإمام .
رد مع اقتباس