بطلان الشّيء يستلزم بطلان ما في ضمنه وما بني عليه :
16 - من القواعد الفقهيّة الّتي ذكرها ابن نجيمٍ في الأشباه : إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، ثمّ قال : وهو معنى قولهم : إذا بطل المتضمّن ( بالكسر ) بطل المتضمّن ( بالفتح ) وأورد لذلك عدّة أمثلةٍ منها :
أ - لو قال : بعتك دمي بألفٍ ، فقتله وجب القصاص ، ولا يعتبر ما في ضمنه من الإذن بقتله .
ب - التّعاطي ضمن عقدٍ فاسدٍ أو باطلٍ لا ينعقد به البيع .
ج - لو أبرأه أو أقرّ له ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء .
د - لو جدّد النّكاح لمنكوحته بمهرٍ لم يلزمه ، لأنّ النّكاح الثّاني لم يصحّ ، فلم يلزم ما في ضمنه من المهر . إلاّ أنّ أغلب كتب الحنفيّة تجري القاعدة على الفساد لا على البطلان ، لأنّ الباطل معدوم شرعاً أصلاً ووصفاً ، والمعدوم لا يتضمّن شيئاً ، أمّا الفاسد فهو فائت الوصف دون الأصل ، فلم يكن معدوماً بأصله فصحّ أن يكون متضمّناً ، فإن فسد المتضمّن فسد المتضمّن .
17 - هذا والمذاهب الأخرى - وهي الّتي لا تفرّق بين البطلان والفساد - تسير على هذا النّهج ، واستثنوا من ذلك صوراً . ففي كتب الشّافعيّة : الفاسد من العقود المتضمّنة للإذن ، إذا صدرت من المأذون ، صحّت ، كما في الوكالة المعلّقة إذا أفسدناها فتصرّف الوكيل ، صحّ لوجود الإذن ، والوكيل بالبيع مع شرط عوضٍ فاسدٍ للوكيل ، فالإذن صحيح والعوض فاسد . وفي القواعد لابن رجبٍ الحنبليّ : العقود الجائزة كالشّركة والمضاربة والوكالة لا يمنع فسادها نفوذ المتصرّف فيها بالإذن . ثمّ يفرّق بين الإذن في البيع - وهو عقد تمليكٍ - وبين الإذن في العقود الجائزة ، فيقول : البيع وضع لنقل الملك لا للإذن وصحّة التّصرّف فيه تستفاد من الملك لا من الإذن ، بخلاف الوكالة فإنّها موضوعة للإذن . ويقول ابن قدامة : إذا تصرّف العامل في المضاربة الفاسدة نفذ تصرّفه ، لأنّه أذن له فيه ، فإذا بطل العقد بقي الإذن ، فملك به التّصرّف . وقواعد المالكيّة لا تأبى ذلك . هذه هي قاعدة التّضمّن . لكن هناك قاعدة أخرى شبيهة بها ، وهي : إذا سقط الأصل سقط الفرع ، ومنها : التّابع يسقط بسقوط المتبوع ، وقد مثّل الفقهاء لذلك بقولهم : لو أبرأ الدّائن المدين من الدّين ، فكما أنّه يبرأ المدين يبرأ منه الكفيل أيضاً ، لأنّ المدين في الدّين أصل ، والكفيل فرع .
تصحيح العقد الباطل :
18 - تصحيح العقد الباطل يمكن تصويره بصورتين : الأولى : إذا ارتفع ما يبطل العقد فهل ينقلب صحيحاً الثّانية : أن تؤدّي صيغة العقد الباطل إلى معنى عقدٍ آخر صحيحٍ .
19 - أمّا الصّورة الأولى : فإنّ الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة لا يصير العقد الباطل صحيحاً عندهم إذا ارتفع ما يبطله . وعلى ذلك : لا يجوز بيع الدّقيق في الحنطة ، والزّيت في الزّيتون ، واللّبن في الضّرع ، والبذر في البطّيخ ، والنّوى في التّمر ، لأنّه لا يعلّم وجوده فهو كالمعدوم ، حتّى لو سلّم اللّبن أو الدّقيق أو العصير لا ينقلب صحيحاً ، لأنّ المعقود عليه كالمعدوم حالة العقد ، ولا يتصوّر انعقاد العقد بدونه ، فلم ينعقد أصلاً ، فلا يحتمل التّصحيح . أمّا الجمهور ( وهم لا يفرّقون في الجملة بين الفاسد والباطل ) فالحكم عند الشّافعيّة والحنابلة كالحنفيّة ، لا ينقلب العقد الباطل صحيحاً برفع المفسد . ففي كتب الشّافعيّة : لو حذف العاقدان المفسد للعقد ، ولو في مجلس الخيار ، لم ينقلب العقد صحيحاً ، إذ لا عبرة بالفاسد . وفي منتهى الإرادات : الفاسد لا ينقلب صحيحاً . أمّا المالكيّة : فإنّهم يوافقون الجمهور في هذا الحكم ، إلاّ في البيع بشرطٍ لا يؤدّي إلى الإخلال بشيءٍ من شروط الصّحّة ، فإنّ العقد ينقلب صحيحاً إذا أسقط الشّرط ، وذلك كبيع الثّنيا ، وهو أن يبتاع السّلعة على أنّ البائع متى ردّ الثّمن فالسّلعة له ، وكالبيع بشرط السّلف ، فإنّ البيع عندهم يكون فاسداً ، لكنّه ينقلب صحيحاً إن حذف الشّرط .
أمّا الصّورة الثّانية : وهي تحوّل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ ، فيكاد الفقهاء يتّفقون على أنّه متى أمكن تحويل العقد الباطل إلى عقدٍ آخر صحيحٍ - لتوفّر أسباب الصّحّة فيه - صحّ ذلك ، سواء أكانت الصّحّة عن طريق المعنى عند بعض الفقهاء ، أم عن طريق اللّفظ عند البعض الآخر ، نظراً لاختلافهم في قاعدة : هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها . 21 - ومن أمثلة ذلك ما يأتي : المضاربة ، وهي : أن يدفع شخص إلى آخر ماله ليتّجر فيه ، ويكون الرّبح بينهما بحسب ما يتّفقان ، ويسمّى القائم بالتّجارة مضارباً ، فلو شرط في عقد المضاربة الرّبح كلّه للمضارب لم يكن مضاربةً ، ولكن يكون قرضاً ، تصحيحاً للعقد ، لأنّه لو بقي مضاربةً لكان باطلاً ، لأنّ المضارب لا يملك رأس مال المضاربة حتّى يكون الرّبح كلّه له ، فجعل قرضاً ، نظراً للمعنى ، ليصحّ العقد . وكذلك لو شرط الرّبح كلّه لربّ المال ، اعتبر العقد في هذه الحالة إبضاعاً ، تصحيحاً للعقد ، وفي هذه الحالة يكون المضارب وكيلاً متبرّعاً لصاحب المال . نصّ على ذلك فقهاء الحنفيّة . وبه قال المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وصحّحوا الوكالة إذا عقدت بلفظ الحوالة ، والحوالة إذا عقدت بلفظ الوكالة ، لاشتراكهما في المعنى ، حيث قالوا : إن أحال من ليس عليه دين رجلاً على رجلٍ آخر مدينٍ له ، لم يكن هذا التّصرّف حوالةً ، بل وكالةً تترتّب عليه أحكامها ، وإن أحال من عليه دين صاحب الدّين على رجلٍ ليس له عليه دين ، لم يجعل هذا التّصرّف حوالةً ، بل اقتراضاً ، وإن كان الّذي أحاله لا دين له عليه اعتبر وكالةً في الاقتراض . وفي الفقه الشّافعيّ : إذا وهب شخص لآخر شيئاً بشرط الثّواب ، اعتبر هذا التّصرّف بيعاً بالثّمن لا هبةً ، في أصحّ الأقوال .
الباطل لا يصير صحيحاً بتقادم الزّمان أو بحكم الحاكم :
22 - التّصرّفات الباطلة لا تنقلب صحيحةً بتقادم الزّمان ، ولو حكم حاكم بنفاذ التّصرّفات الباطلة ، فإنّ ثبوت الحقّ وعودته يعتبر قائماً في نفس الأمر ، ولا يحلّ لأحدٍ الانتفاع بحقّ غيره نتيجة تصرّفٍ باطلٍ ما دام يعلم بذلك . فإنّ حكم الحاكم لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً . هذا هو الأصل ، والقضاة إنّما يقضون بحسب ما يظهر لهم من أدلّةٍ وحججٍ يبنون عليها أحكامهم ، وقد تكون غير صحيحةٍ في نفس الأمر . ولذلك يقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما روت أمّ سلمة عنه : { إنّما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعضٍ ، فأقضي له بما أسمع ، وأظنّه صادقاً ، فمن قضيت له بشيءٍ من حقّ أخيه فلا يأخذ منه شيئاً ، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار } . 23 - ومضيّ فترةٍ من الزّمن على أيّ تصرّفٍ ، مع عدم تقدّم أحدٍ إلى القضاء بدعوى بطلان هذا التّصرّف ، ربّما يعني صحّة هذا التّصرّف أو رضى صاحب الحقّ به . ومن هنا نشأ عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ مدّةٍ معيّنةٍ ، يختلف الفقهاء في تحديدها بحسب الأحوال ، وبحسب الشّيء المدّعى به ، وبحسب القرابة وعدمها ، ومدّة الحيازة ، لكنّ مضيّ المدّة الّتي تمنع سماع الدّعوى لا أثر له في صحّة التّصرّف ، إن كان باطلاً . يقول ابن نجيمٍ : الحقّ لا يسقط بتقادم الزّمان ، قذفاً أو قصاصاً أو لعاناً أو حقّاً للعبد . ويقول : ينفذ قضاء القاضي في المسائل المجتهد فيها ، إلاّ في مسائل منها : لو قضى ببطلان الحقّ بمضيّ المدّة ، أو بصحّة نكاح المتعة ، أو بسقوط المهر بالتّقادم . وفي التّكملة لابن عابدين : من القضاء الباطل : القضاء بسقوط الحقّ بمضيّ سنين . ثمّ يقول . عدم سماع الدّعوى بعد مضيّ ثلاثين سنةً ، أو بعد الاطّلاع على التّصرّف ، ليس مبنيّاً على بطلان الحقّ في ذلك ، وإنّما هو مجرّد منعٍ للقضاء عن سماع الدّعوى ، مع بقاء الحقّ لصاحبه ، حتّى لو أقرّ به الخصم يلزمه . وفي منتهى الإرادات : تقبل الشّهادة بحدٍّ قديمٍ على الصّحيح ، لأنّها شهادة بحقٍّ ، فجازت مع تقادم الزّمان . والمالكيّة - وإن كانوا يشترطون لعدم سماع الدّعوى حيازة الشّيء المدّعى به مدّةً تختلف بحسبه من عقارٍ وغيره - إلاّ أنّ ذلك مقيّد بكون المدّعي حاضراً مدّة حيازة الغير ، ويراه يقوم بالهدم والبناء والتّصرّف وهو ساكت . أمّا إذا كان ينازعه فإنّ الحيازة لا تفيد شيئاً مهما طالت المدّة ، وفي فتح العليّ لمالكٍ : رجل استولى على أرضٍ بعد موت أهلها بغير حقٍّ ، مع وجود ورثتهم ، وبناها ونازعه الورثة ، ولم يقدروا على منعه لكونه من رؤساء بلدتهم ، فهل لا تعتبر حيازته ولو طالت مدّتها ؟ أجيب : نعم . لا تعتبر حيازته ولو طالت مدّتها ... سمع يحيى من ابن القاسم : من عرف بغصب أموال النّاس لا ينتفع بحيازته مال غيره في وجهه ، فلا يصدّق فيما يدّعيه من شراءٍ أو عطيّةٍ ، وإن طال بيده أعواماً إن أقرّ بأصل الملك لمدّعيه ، أو قامت له به بيّنة . قال ابن رشدٍ : هذا صحيح لا خلاف فيه ، لأنّ الحيازة لا توجب الملك ، وإنّما هي دليل عليه توجب تصديق غير الغاصب فيما ادّعاه من تصير إليه ، لأنّ الظّاهر أنّه لا يجوز أخذ مال أحدٍ ، وهو حاضر لا يطلبه ولا يدّعيه ، إلاّ وقد صار إلى حائزةٍ إذا حازه عشرة أعوامٍ ونحوها . وتنظر تفصيلات ذلك في ( دعوى . تقادم . حيازة ) . وبالنّسبة للعبادات : فمن المقرّر أنّ من بطلت عبادته ، فإنّ ذمّته تظلّ مشغولةً بها حتّى يقضيها .
آثار البطلان : تختلف آثار البطلان بالنّسبة للتّصرّفات ، وبيان ذلك فيما يلي : أوّلاً - بالنّسبة للعبادات :
24 - بطلان العبادات يترتّب عليه عدّة آثارٍ منها :
أ - استمرار انشغال الذّمّة بالعبادة إلى أن - تؤدّى إن كانت العبادة ليس لها وقت محدّد كالزّكاة ، وعبّر بعض الفقهاء فيها بالإعادة - أو تقضى ، إن كانت العبادة لا يتّسع وقتها لمثلها كرمضان . - أو تعاد ، إن كان وقتها يتّسع لغيرها معها كالصّلاة . فإن خرج الوقت كانت قضاءً أو يؤتى بالبدل ، كالظّهر لمن بطلت جمعته .
ب - العقوبة الدّنيويّة في بعض العبادات كالكفّارة على من تعمّد الإفطار في رمضان . ج - وجوب الانقطاع عن المضيّ في الصّلاة إذا بطلت لا في الصّيام والحجّ ، إذ يجب الإمساك في الصّوم في رمضان ، والمضيّ في الحجّ الفاسد ، مع القضاء فيهما .
د - حقّ استرداد الزّكاة إذا أعطيت لغير مستحقٍّ . وفي كلّ ما سبق تفصيل ينظر في أبوابه .
ثانياً : أثر البطلان في المعاملات :
25 - العقد الباطل في اصطلاح الحنفيّة لا وجود له إلاّ من حيث الصّورة ، فليس له وجود شرعيّ ، ومن ثمّ فهو عدم ، والعدم لا ينتج أثراً . وهو منقوض من أساسه ، ولا يحتاج لحكم حاكمٍ لنقضه . ولا تلحقه الإجازة ، لأنّه غير منعقدٍ أصلاً فهو معدوم ، والإجازة لا تلحق المعدوم ، لأنّه متلاشٍ . ولا يملك بالعقد الباطل ما يملك بغيره ، وإذا حدث فيه تسليم يجب الرّدّ . ففي البيع الباطل لا ينتقل الملك بالقبض ولذا يجب الرّدّ . يقول ابن رشدٍ من المالكيّة : اتّفق العلماء على أنّ البيوع الفاسدة - وهي الباطلة عند الحنفيّة - إذا وقعت ولم تفت ، حكمها الرّدّ ، أي أن يردّ البائع الثّمن ، ويردّ المشتري المثمّن . ولا يملك المصالح ما صالح به في الصّلح الباطل ، ويرجع الدّافع بما دفع . ولا يملك الموهوب له الهبة في الهبة الباطلة . ولا يملك المرتهن حبس المرهون في الرّهن الباطل . ولا يملك المكاتب حرّيّته في الكتابة الباطلة . وفي الإجارة الباطلة الّتي ليست محلّاً للإجارة ، لا تملك الأجرة ويجب ردّها ، لأنّ أخذها حرام ، وتعتبر من أكل الأموال بالباطل . ولا يملك الاستمتاع بالبضع والانتفاع به في النّكاح الباطل . وهكذا الحكم في كلّ العقود الباطلة على وجه الإجمال ، مع تفصيلاتٍ تنظر في مواضعها . لكنّ وجود العقد الباطل كصورةٍ قد ينتج أثراً ، وذلك إذا حدث فيه تسليم وامتنع الرّدّ للفوات ، فهل يكون فيه الضّمان أو لا يكون . وبيان ذلك فيما يلي : الضّمان :
26 - رغم أنّ جمهور الفقهاء لا يفرّقون في قواعدهم العامّة بين الباطل والفاسد إلاّ أنّه بالنّسبة لبعض الأحكام نجد التّفريق بينهما . والضّمان ممّا يفترقان فيه وبيان ذلك فيما يلي : في قاعدةٍ عند الشّافعيّة والحنابلة أنّ كلّ عقدٍ اقتضى صحيحه الضّمان بعد التّسليم كالبيع ففاسده كذلك يقتضي الضّمان ، وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالقراض ففاسده كذلك لا يقتضي الضّمان . لكنّ عدم اقتضاء الضّمان مقيّد بما إذا كان القبض صحيحاً ، بأن كان الإذن في قبضه صادراً من أهله ، ويكون وضع اليد عليه في هذه الحالة صحيحاً ، وحينئذٍ فلا ضمان مع فساد القبض . أمّا إذا لم يوجد إذن أصلاً ، أو صدر ولم يكن صحيحاً ، لكونه من غير أهله ، أو في ظلّ الإكراه ، فإنّ القبض يكون باطلاً ، وحينئذٍ يجب الضّمان مطلقاً ، سواء أكان صحيحه لا ضمان فيه ، أم كان فيه الضّمان . جاء في نهاية المحتاج : فاسد كلّ عقدٍ صدر من رشيدٍ كصحيحه ، في الضّمان وعدمه ، لأنّ العقد إن اقتضى صحيحه الضّمان بعد التّسليم كالبيع والإعارة ففاسده أولى . وإن اقتضى صحيحه عدم الضّمان كالرّهن ، والهبة من غير ثوابٍ ، والعين المستأجرة ، ففاسده كذلك لا يقتضي الضّمان . ومثل ذلك في حاشية الجمل وغيرها من كتب الشّافعيّة . 27 - واعتبار عدم الضّمان مع البطلان في عقود التّصرّفات والأمانات لوجود الإذن الصّادر من أهله ، والضّمان إن كان الإذن من غير أهله ، هو أيضاً مذهب الحنفيّة والمالكيّة في الجملة على ما يستفاد من أقوالهم ، مع الاختلاف فيمن يعتبر أهلاً للإذن ، ومن لا يعتبر كالسّفيه ، ومع الاختلاف أيضاً في العقود المضمونة في صحيحها ، أو غير المضمونة كالرّهن والعاريّة . ويعتبر أبو حنيفة المبيع في البيع الباطل إذا قبضه المشتري أمانةً ، ولا ضمان عليه لو هلك ، لأنّ العقد إذا بطل بقي مجرّد القبض بإذن المالك ، وهو لا يوجب الضّمان إلاّ بالتّعدّي ، والقائلون بالضّمان يعلّلون ذلك بأنّه لا يكون أدنى من المقبوض على سوم الشّراء . ويفرّق المالكيّة في العقد الفاسد بين ما قبض على جهة التّملّك فيكون مضموناً ، وما قبض على جهة الأمانة فلا ضمان فيه . جاء في الفواكه الدّواني : كلّ مبيعٍ فاسدٍ قبضه المبتاع قبضاً مستمرّاً بعد بتّ البيع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه ، لأنّه قبضه على جهة التّملّك ، لا على جهة الأمانة . ومثل ذلك في الشّركة : لو اشترك من لا يعتبر إذنه ، كصبيٍّ غير مأذونٍ أو سفيهٍ ، فلا ضمان .
أثر البطلان في النّكاح :
28 - من القواعد العامّة عند الجمهور أنّه لا فرق بين الباطل والفاسد ، ويتابعهم الحنفيّة في ذلك في باب النّكاح على ما عرف من القواعد العامّة عندهم . إلاّ أنّ الفقهاء يعبّرون عن النّكاح غير الصّحيح بالباطل أحياناً ، وبالفاسد أحياناً أخرى . ويريدون بهما ما قابل الصّحيح . لكنّهم يقصدون بالفاسد ما كان مختلفاً في فساده بين المذاهب ، كالنّكاح بدون شهودٍ ، حيث يجيز المالكيّة العقد بدونه ، وإن كانوا يشترطون الإشهاد قبل الدّخول ، ويجيزه أيضاً أبو ثورٍ وجماعة . وكنكاح المحرم بالحجّ ، والنّكاح بدون وليٍّ ، حيث يجيزهما الحنفيّة . وكنكاح الشّغار يصحّحه الحنفيّة ويلغون الشّرط ، ويوجبون مهر المثل لكلٍّ من المرأتين . ويقصدون بالباطل : ما كان مجمعاً على فساده بين المذاهب ، كنكاح الخامسة ، أو المتزوّجة من الغير ، أو المطلّقة ثلاثاً ، أو نكاح المحارم . والنّكاح الباطل أو الفاسد واجب الفسخ عند الجميع بالنّسبة للمتّفق على فساده ، وعند القائلين بالفساد بالنّسبة للمختلف فيه ، إلاّ إذا حكم حاكم بصحّته ، فلا ينقض حكمه . والتّفريق في المتّفق على فساده ليس طلاقاً بالإجماع ، وإنّما هو فسخ أو متاركة ، وأمّا المختلف فيه ، ففي اعتبار التّفريق طلاقاً أم لا اختلاف الفقهاء . ر : ( طلاق - فرقة - فسخ ) . ولا حكم للنّكاح الباطل أو الفاسد قبل الدّخول في الجملة على ما سيعرف ، لأنّه ليس بنكاحٍ حقيقةً ، لانعدام ملك منافع البضع بالعقد الباطل أو الفاسد . أمّا بعد الدّخول فيتعلّق بالفاسد بعض الأحكام ، لاعتباره منعقداً ضرورةً في حقّ المنافع المستوفاة . وفيما يلي بيان أهمّ الأحكام الّتي تتعلّق به : المهر :
29 - لا يستحقّ المهر في النّكاح الفاسد مطلقاً - سواء اتّفق على فساده أم لا - إذا حصل التّفريق قبل الدّخول باتّفاقٍ في الجملة ، أو قبل الخلوة فيما اختلف فيه ، وذلك عند الحنابلة . هذا مع استثناء بعض المسائل الّتي يثبت فيها نصف المهر قبل الدّخول ، ومن ذلك ما يقوله المالكيّة من أنّ سبب الفساد إذا لم يؤثّر خللاً في المهر ، كنكاح المحرم بالحجّ ، ففيه نصف الصّداق بالطّلاق ، وجميعه بالموت . وكذلك النّكاح الفاسد عند المالكيّة لوقوع صداقه أقلّ من الصّداق الشّرعيّ ، وامتنع الزّوج من إتمامه ( وهو ما يسمّى بنكاح الدّرهمين ، لأنّهما أقلّ من الصّداق الشّرعيّ ) ففيه نصف الدّرهمين بفسخه قبل الدّخول . ومن ذلك ما إذا ادّعى الزّوج قبل الدّخول رضاعاً محرّماً بلا بيّنةٍ ، وكذّبته الزّوجة ، فإنّه يفسخ ، وعليه نصف الصّداق كما يقول المالكيّة والحنابلة . ويتّفق الفقهاء على وجوب المهر في النّكاح الفاسد مطلقاً بالدّخول ( أي بالوطء ) لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال : { أيّما امرأةٍ أنكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها مهر مثلها } جعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لها مهر المثل فيما له حكم النّكاح الفاسد ، وعلّقه بالدّخول ، فدلّ أنّ وجوبه متعلّق به . وعند الحنابلة يجب المهر كذلك في النّكاح المختلف فيه بالخلوة . قال في منتهى الإرادات : نصّاً لما في حديث عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم : { فلها المهر بما استحلّ من فرجها } . إلاّ أنّ ابن قدامة ذكر في المغني أنّ الخلوة في النّكاح الفاسد لا يجب بها شيء من المهر ، وإنّما يوجبه الوطء ولم يوجد ، ثمّ قال : وقد روي عن أحمد ما يدلّ على أنّ الخلوة فيه كالصّحيح ، فيتقرّر به المهر كالصّحيح ، والأوّل أولى . ويرى المالكيّة أنّ المتلذّذ بها من غير وطءٍ تعوّض وجوباً بالاجتهاد ، سواء أكان النّكاح مختلفاً فيه أم متّفقاً على فساده . واختلف الفقهاء في الواجب من المهر ، هل هو المسمّى أو مهر المثل ؟ . فعند الحنفيّة - غير زفر - لها الأقلّ من مهر مثلها ومن المسمّى . وعند المالكيّة لها المسمّى ، وإن لم يكن مسمًّى - كنكاح الشّغار - فلها مهر المثل ، وعند الشّافعيّة وزفر من الحنفيّة لها مهر المثل ، وعند الحنابلة لها المسمّى في الفاسد ومهر المثل في الباطل . وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في ( مهر ، صداق ، نكاح ) .
ب - العدّة والنّسب :
30 - اتّفق الفقهاء على وجوب العدّة وثبوت النّسب بالوطء في النّكاح المختلف فيه بين المذاهب ، كالنّكاح بدون شهودٍ ، أو بدون وليٍّ ، وكنكاح المحرم بالحجّ ، ونكاح الشّغار . ويزيد الحنابلة ثبوتهما بالخلوة ، لأنّه ينفذ بحكم الحاكم أشبه الصّحيح . ويتّفقون كذلك على وجوب العدّة وثبوت النّسب في النّكاح المجمع على فساده بالوطء كنكاح المعتدّة ، وزوجة الغير والمحارم إذا كانت هناك شبهة تسقط الحدّ ، بأن كان لا يعلم بالحرمة ، ولأنّ الأصل عند الفقهاء : أنّ كلّ نكاحٍ يدرأ فيه الحدّ فالولد لاحق بالواطئ . أمّا إذا لم تكن هناك شبهة تسقط الحدّ ، بأن كان عالماً بالحرمة ، فلا يلحق به الولد عند الجمهور ، وكذلك عند بعض مشايخ الحنفيّة ، لأنّه حيث وجب الحدّ فلا يثبت النّسب . وعند أبي حنيفة وبعض مشايخ الحنفيّة يثبت النّسب لأنّ العقد شبهة . وروي عن أبي يوسف ومحمّدٍ أنّ الشّبهة تنتفي إذا كان النّكاح مجمعاً على تحريمه والمنكوحة محرّمة على التّأبيد ، كالأمّ والأخت ، وعلى ذلك فلا يثبت النّسب عندهما في المحرّمة على التّأبيد ، فقد ذكر الخير الرّمليّ في باب المهر عن العينيّ ومجمع الفتاوى أنّه يثبت النّسب عند أبي حنيفة خلافاً لهما ، إلاّ أنّه روي عن محمّدٍ أنّه قال سقوط الحدّ عنه لشبهةٍ حكميّةٍ فيثبت النّسب . هذا بالنّسبة للنّسب في النّكاح المجمع على تحريمه مع العلم بالحرمة . وأمّا بالنّسبة للعدّة ، فعند المالكيّة والحنابلة والقائلين من الحنفيّة بثبوت النّسب فإنّ العدّة تجب وتسمّى استبراءً ، ولا يجب عند الشّافعيّة وبعض الحنفيّة القائلين بعدم ثبوت النّسب . هذا مع اختلافهم في العدّة وهل تعتبر وقت التّفريق أو من آخر الوطآت . وهل تتداخل العدد أو لا تتداخل ، بل تستأنف . وهل يعتبر النّسب من وقت الدّخول أو من وقت العقد . وهل تثبت بالنّكاح الباطل حرمة المصاهرة أو لا تثبت . وهل يثبت به الإرث أو لا يثبت ؟ ففي كلّ ذلك تفصيلات كثيرة تنظر في مواضعها .